المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملف الطيب صالح في اسبوع


رهف
22-Jun-2009, 02:51 AM
سيـدرك العالم يوما أن السودانيين شأن كل العرب
نريـد أن نكـون مصـدر خـير لنا ولكل العـرب
رحيل الطيب صالح أحد نجوم الرواية العربية العالمية استدعى الكثير من الذكريات والوقائع والأحاديث التي دارت بينه وبين الكثيرين من رجال الأدب والصحافة..

ولأهمية الحدث ارتأينا استضافة روح فقيد الرواية العربية واسترجاع آخر كلام قاله، وهو على فراش المرض لرجال الصحافة والأدب، كان لهم الحظ في إجراء حوارات معه تعرض فيها الطيب صالح إلى العديد من القضايا الأدبية والسياسية، وقبل أن يخوض فيها طمأن محبيه عن صحته وقال أنه يحمد الله، إلا أنه لم يشف تماما والعلاج مستمر، معربا عن شوقه وحبه لبلده السودان، هذا البلد الذي عرفه الناس من خلاله كأنما بات يشكل راية ثانية له، فمن قال الطيب صالح كأنما قال السودان..
هذا البلد في رأي المرحوم الذي يحظى بمقومات دولة محترمة جدا بمساحته ''مليون ميل مربع ولها 14 نهرا'' وتاريخها وحضارتها تشكل موقعا هاما في وجدان الطيب صالح رغم بعاده عنها سنوات طوال .. وعن خلفيات اتهام السودان بأنها بلد يصدر العنف والإرهاب، أوضح الروائي السوداني أن هذه الاتهامات باطلة ومفتعلة، روج لها أناس لهم مصالح في ذلك، مع استنكاره لتصرفات مسؤولين في الحكومة السودانية الذين عمدوا للكثير من التجاوزات التي أضرت بالعديد من الأشخاص، مما أعطى حسبه صورة غير حميدة عند أعداء السودان الذين أبوا نسيان هذه التهويلات، وقالوا إن السودان من دول الشر .. موضحا أن من الدول التي قننت للشر في العالم هي أكبر دولة شريرة الآن في العالم متهما صراحة الولايات المتحدة الأمريكية..
ويوضح الطيب صالح أن أغلب المشاكل تسببها الحكومات .. الشعوب كما قال تحب التواصل وأمريكا مليئة بالخير في رأيه.. لكنه أبدى حيرته من ذاك التناقض الصارخ بين تصرفات حكومتها، وبين الصورة التي تظهر بها في المعترك الدولي وبين طيبة شعبها، ولم يخف الطيب صالح في ذات الوقت إعجابه الكبير برقي وقيمة جامعاتها ومراكزها العلمية ومكتباتها .. كما أنه لم يكتم الطيب صالح في قلبه هذه الحيرة، وراح يسأل كما أخبر محاوره بتلقائيته وعفويته المعهودة والغالبة على مجمل أعماله الإبداعية، أحد أساتذتها الأمريكان خلال اجتماع في جورج تاون :
-- كيف أنتم ناس طيبون بهذا الشكل تقبلوا حكومة كحكومتكم هذه؟ ومثل هذه التناقضات يرى الطيب صالح أنه علينا تقبلها والتعايش معها .. ومع أنه شكل خلخلة في التراث الأدبي العربي وأعماله أثرت في نفوس الكثير من العرب، فقد اعترف الطيب صالح أنه لازال يحس أن السودان لم يحظ بعد بالاهتمام والالتفات اللازم للمشكلات التي يعانيها على أكثر من صعيد..
لكن الطيب صالح يفضل ألا يبالي مع علمه أن السودان نسبيا ليس معروفا كما يجب ..
ولم يأخذ مكانته حتى بين الأمة العربية، لكن الفقيد يأمل أن يأتي يوم يأخذ فيه السودان مكانة لائقة، ويثبت وجوده وسط الساحة العربية، ويكفيه فخرا الآن كما قال أنه يعتبر دولة هادئة هانئة بطيبة أهلها، وسيدرك العالم يوما أن السودانيين شأن كل العرب في الأطراف، وعروبة السودان في تقدير الطيب صالح يلزمها إثبات كما هو شأن موريتانيا وغيرها، نحن محتاجون لأن نثبت للناس أننا عرب بينما ناس أقل عروبة منا ولأن لهم ألوانا عربية لا يحتاجون لذلك، هم يظنون أن العروبة باللون وهذا ليس بمقياس عربي.
ويرجع الطيب صالح في إجاباته إلى ذكر مزايا بلده السودان المليء في نظره بالطاقات'' فقط ربي يهدي زعماءنا في الشمال والجنوب ودارفور'' مشددا على أهمية مراعاة مصلحة الوطن، وتفادي التناحر والحروب والعنف من أجل الزعامة ..
ورغم سوء صحة الفقيد وتذبدب الأوضاع في بلده والعالم، غلبت روح التفاؤل على لغة هذا الحوار الذي بدأه الطيب صالح بالتفاؤل وختمه أيضا بالتفاؤل قائلا: ''ربنا أكيد يريد بنا خيرا لأننا ''ويعني السودانيين'' أناس طيبون، سنستثمر ما عندنا من أشياء لأننا نريد أن نكون مصدر خير لنا ولغيرنا..
وأعرب في معرض حديثه عن إعجابه بالشعر القومي السوداني، وبالعديد من الشعراء منهم ''ود الفراس'' مبديا اعتزازه ببلده وفخره بأريحيات المروءة والكرم السوداني، ملحا في ذات الوقت على أهمية الحرية والعدالة الاجتماعية، لأن الإنسان حسبه إذا كان مسلوب الحرية ومضيقا عليه، لا يمكنه الحفاظ على هذه الخصال الطيبة..
وعندما أراد أحد محاوريه أن يستدرجه أكثر للخوض في تفاصيل وأحداث سياسية، وعده بكتابة ما يريد قوله في الجزء الثالث من بندر شاه روايته التي ألفها بعد ''دومة ود حامد'' و''عرس الزين'' و''موسم الهجرة إلى الشمال'' الرواية المعجزة التي صنعت مجده ومجد السودان ..

رهف
22-Jun-2009, 02:55 AM
http://www.pc4up.com/2009/7b-2009/IRe61147.jpg (http://www.pc4up.com/)

استاذ ابو عبد الحفيظ استاذ ابو نون ارجو ان تسمحو لي باقامة اسبوع للطيب صالح تحت شعار كومي تعانق وتكرم الراحل الطيب صالح
موسم الهجرة إلى الأديب الراحل الطيب صالح ...

ولنضيء بيتنا بـ

ضو البيت
موسم الهجرة إلى الشمال
دومة ود حامد
مريود
عرس الزين

ولنحتفل بعرس الزين ... هذا العرس الجميل ....

سائلين الله جنةً عرضها السموات والأرض لأديبنا العملاق الراحل الطيب صالح

ابو نون
22-Jun-2009, 03:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
تعجز الكلمات ان تجارى الافكار فنكتفى بالصمت

رهف
22-Jun-2009, 03:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
تعجز الكلمات ان تجارى الافكار فنكتفى بالصمت



ا بونون كل كلمااااات الشعر لا تكفي ولكني اقف امام كلماتك اتامل في صمت وفجاء تخرج معي هذه الكلمات اهديها لك رغم اني عاجزة عن التعبير حاليا .
ستبقى الذكرى ناقوس يدق على بابي واكتفي بها

هند عثمان
22-Jun-2009, 03:54 AM
لكى نفهم هل يستحق أن نقم له أسبوعاً أم لا !!
يجب أن نعرف من هوالطيب صالح
هل هو ذاك الأديب العالمى المشهور الذى آثر العالم العربى
بأدبه الكلاسيكى الراقى و أتحف عقولهم
أم الطيب صالح الرجل السودانى البسيط و إبن القرية الوفى
ذاك الرجل الذى جمعت ملامحه بين الطيبة و البساطة و الثقافة و الفطنة
الطيب صالح فقد عالمى قبل أن يكون فقداً عربى أو سودانى
أشكرك لإتاحاتنا الفرصة لإعطائه جزءاً قليلاً من حقه علينا و هو أن نذكره
و من فينا ينسى عرس الزين أو موسم الهجرة الى الشمال
شكراً لك أُختى رهف راقنى جداً طرحك السلس

مودتى / كبرياء أُنثى

رهف
22-Jun-2009, 04:13 AM
لكى نفهم هل يستحق أن نقم له أسبوعاً أم لا !!
يجب أن نعرف من هوالطيب صالح
هل هو ذاك الأديب العالمى المشهور الذى آثر العالم العربى
بأدبه الكلاسيكى الراقى و أتحف عقولهم
أم الطيب صالح الرجل السودانى البسيط و إبن القرية الوفى
ذاك الرجل الذى جمعت ملامحه بين الطيبة و البساطة و الثقافة و الفطنة
الطيب صالح فقد عالمى قبل أن يكون فقداً عربى أو سودانى
أشكرك لإتاحاتنا الفرصة لإعطائه جزءاً قليلاً من حقه علينا و هو أن نذكره
و من فينا ينسى عرس الزين أو موسم الهجرة الى الشمال
شكراً لك أُختى رهف راقنى جداً طرحك السلس

مودتى / كبرياء أُنثى

لله درك كبرياء انثي اسعدني هذا المرور
ولكني اترك باقي الاسئلة عن حياةالطيب صالح والتفاصيل والكشف عنها خلال الاسبوع
الي ذلك الحين
لك محبتي

manda
24-Jun-2009, 03:23 AM
ذاك القامة التي نهلت كل الفنون والآداب .. في كتاباتها الرائعة..

التي ترجمت إلى أكثر من 25 لغة في العالم ..

لماذا ..؟؟ لجمال وروعة ما فيها من وقائع وأفكار واداب ..

الرجل القامة .. الهامة العليا..

الذي مازال بيننا وفينا يخلد اسمه من نور..

التحية لك رهف..

سلمت اناملك..

مغتربه
13-Jul-2009, 12:50 AM
الطيب صالح الرجل القامه,,رحمه الله ,,مات بعد ان امتع البشريه بادبه الراقي وابداعه منقطع النظير

موسم الهجره الي الشمال season of migaration to the north

عرس الزين

و...........................ابداع منقطع النظير للكاتب العبقري الكبيييييييييير

رهف
14-Jul-2009, 06:05 AM
الطيب صالح (1929 - 18 فبراير2009)، أديب سوداني وأحد أشهر الأدباء العرب أطلق عليه النقاد لقب "عبقري الرواية العربية". عاش في بريطانيا وقطر وفرنسا
.سيرة حياته :
http://www.pc4up.com/2009b/7d-2009/Yp839845.jpg (http://www.pc4up.com/)

الطيب صالح - أو "عبقري الرواية العربية" كما جرى بعض النقاد على تسميته - أديب عربي من السودان، إسمه الكامل الطيب محمد صالح أحمد. ولد عام (1348هـ - 1929م) في إقليم مروي شمالي السودان بقرية كَرْمَكوْل بالقرب من قرية دبة الفقراء وهي إحدى قرى قبيلة الركابية التي ينتسب إليها، وتوفي في أحدي مستشفيات العاصمة البريطانية لندن التي أقام فيها في ليلة الأربعاء 18 شباط/فبراير 2009 الموافق 23 صفر 1430هـ. عاش مطلع حياته وطفولته في ذلك الإقليم، و في شبابه إنتقل إلى الخرطوم لإكمال دراسته فحصل من جامعتها على درجة البكالوريوس في العلوم. سافر إلى إنجلترا حيث واصل دراسته، و غيّر تخصصه إلى دراسة الشؤون الدولية السياسية.

حياته المهنية

:http://www.pc4up.com/2009b/7d-2009/tp739845.jpg (http://www.pc4up.com/)

تنقل الطيب صالح بين عدة مواقع مهنية فعدا عن خبرة قصيرة في إدارة مدرسة، عمل الطيب صالح لسنوات طويلة من حياته في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية, وترقى بها حتى وصل إلى منصب مدير قسم الدراما, وبعد استقالته من البي بي سي عاد إلى السودان وعمل لفترة في الإذاعة السودانية, ثم هاجر إلى دولة قطر وعمل في وزارة إعلامها وكيلاً ومشرفاً على أجهزتها. عمل بعد ذلك مديراً إقليمياً بمنظمة اليونيسكو في باريس, وعمل ممثلاً لهذه المنظمة في الخليج العربي. ويمكن القول أن حالة الترحال والتنقل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب أكسبته خبرة واسعة بأحوال الحياة والعالم وأهم من ذلك أحوال أمته وقضاياها وهو ما وظفه في كتاباته وأعماله الروائية وخاصة روايته العالمية "موسم الهجرة إلى الشمال".
كتابته تتطرق بصورة عامة إلى السياسة، والى مواضيع اخرى متعلقة بالاستعمار, والمجتمع العربي والعلاقة بينه وبين الغرب. في اعقاب سكنه لسنوات طويلة في بريطانيا فان كتابته تتطرق إلى الاختلافات بين الحضارتين الغربية والشرقية. الطيب صالح معروف كأحد أشهر الكتاب في يومنا هذا، لا سيما بسبب قصصه القصيرة، التي تقف في صف واحد مع جبران خليل جبران،طه حسينونجيب محفوظ.
أدبه :

الطيب صالح كتب العديد من الروايات التي ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة وهي « موسم الهجرة إلى الشمال» و«عرس الزين» و«مريود» و«ضو البيت» و«دومة ود حامد» و«منسى». تعتبر روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" واحدة من أفضل مائة رواية في العالم. وقد حصلت على العديد من الجوائز. وقد نشرت لأول مرة في اواخر الستينات من القرن العشرين في بيروت وتم تتويجه ك"عبقري الأدب العربي". في عام 2001 تم الإعتراف بكتابه من قبل الأكاديمية العربية في دمشق على أنه "الرواية العربية الأفضل في القرن العشرين.
أصدر الطيب صالح ثلاث روايات وعدة مجموعات قصصية قصيرة. روايته "عرس الزين" حولت إلى دراما في ليبيا و لفيلم سينمائي من إخراج المخرج الكويتي خالد صديق في أواخر السبعينات حيث فاز في مهرجان كان.في مجال الصحافة، كتب الطيب صالح خلال عشرة أعوام عموداً أسبوعياً في صحيفة لندنية تصدر بالعربية تحت إسم "المجلة". خلال عمله في هيئة الإذاعة البريطانية تطرق الطيب صالح إلى مواضيع أدبية متنوعة. منذ عشرة أعوام يعيش في باريس حيث يتنقل بين مهن مختلفة، آخرها كان عمله كممثل اليونسكولدول الخليج.

رواياته :
موسم الهجرة إلى الشمال
ضو البيت (بندر شاه): أحدوثة عن كون الأب ضحية لأبيه و إبنه
دومة ود حامد ويتناول فيها مشكلة الفقر وسوء التعاطي معه من قبل الفقراء أنفسهم من جهة، و إستغلال الإقطاعيين الذين لا يهمهم سوى زيادة أموالهم دون رحمة من جهة أخرى.
عرس الزين مريود
وفاته :
http://www.pc4up.com/2009b/7d-2009/sis40094.jpg (http://www.pc4up.com/)

توفي في يوم الأربعاء 18 فبراير عام 2009 في لندن.
وشيع جثمانه يوم الجمعة 20 فبراير في السودان حيث حضر جنازته عدد كبير من الشخصيات البارزة


http://www.pc4up.com/2009b/7d-2009/BO840094.jpg (http://www.pc4up.com/)

والكتاب العرب والرئيس السوداني عمر البشير و السيد الصادق المهدي المفكر السوداني والرئيس السابق المنتخب والسيد محمد عثمان الميرغني ولم يعلن التلفزيون السوداني ولا الاذاعات الحداد على الطيب صالح لكنها خصصت الكثير من النشرات الاخبارية والبرامج للحديث عنه

يتبع

رهف
14-Jul-2009, 06:09 AM
الطيب صالح الرجل القامه,,رحمه الله ,,مات بعد ان امتع البشريه بادبه الراقي وابداعه منقطع النظير

موسم الهجره الي الشمال season of migaration to the north

عرس الزين

و...........................ابداع منقطع النظير للكاتب العبقري الكبيييييييييير

اسعدني مرورك غاليتي .... حياتة كانت سرة للجميع يا ليت الزمن يعود الي الوراء حتي نتعلم منه الكتير من فنون الادب والاعلام والكتابة الراقية..
لك ودي مغتربة

رهف
14-Jul-2009, 06:12 AM
ذاك القامة التي نهلت كل الفنون والآداب .. في كتاباتها الرائعة..

التي ترجمت إلى أكثر من 25 لغة في العالم ..

لماذا ..؟؟ لجمال وروعة ما فيها من وقائع وأفكار واداب ..

الرجل القامة .. الهامة العليا..

الذي مازال بيننا وفينا يخلد اسمه من نور..

التحية لك رهف..

سلمت اناملك..


كنت حاضرا دوما بين اسطري اشكرك ... الطيب صالح قامة من قامات بلادي لم ياخذ حقة من التلفزيون السوداني قررت ان اوثق له وهذا قليل من كثير قدمة لنا .
اسعدني هذا المرور الضاهي

رهف
14-Jul-2009, 06:37 AM
تنطلق ألان ومن داخل منتديات الأدب والفنون فعاليات مهرجان تخليد ذكرى الأديب الراحل الطيب صالح .
ونفتتح الان المهرجان ونرجو من الأعضاء المساهمة معنا بإثراء المنتدى بكل مايتعلق بالطيب صالح
رابط منتديات كومي تعانق وتكرم الراحل الطيب صالح

http://www.komey.net/vb/index.php
مافتى محرك القوقل وهو يجوب الاصقاع الا ان يقف انحناءة للشكر
لشكرة منتديات كومي وهي توثق للراحل القامة ابن النيل الطيب صالح
اعضاء كومي ارجو الاساهم معي في انجاح هذا المهرجان والتوجه
الي قوقل
http://search.speedbit.com/

رهف
14-Jul-2009, 06:45 AM
خالص عزمي 10/03/2009
في الخمسينات والستينات كان لي حضـور في الجانب الادبـي من القسم العربي من اذاعة بي بـي سـي ( بوش هاوس ) ؛ حيث القيت بعضا من نتاجي الذي توزع على الوان ادبية متنوعة ؛ وبطبيعة الحال ؛ كنت التقى في الكافيتريا او في اروقة ومكاتب الاذاعة بوجوه معروفة كان لها دورها البارز في تطوير البرامج وشد المستمعين اليها ؛ وذلك لما اتسمت به تلك الكوكبة من ثقافة عامة عالية ولغة عربية صافية ونطق سليم ؛ وصوت رخيم ؛ كالاساتذة ( حسن سعيد الكرمي ؛ ومنير شما ؛ والطيب صالح ؛والفنان محمود مرسي وماجد سرحان وهدى الرشيد وجمال فارس وسامي حداد ومديحة رشيد المدفعي وايوب صالح وجميل عازر ... وغيرهم ) .

كان الطيب صالح مشرفا يومها على الدراما في الاذاعة ؛ وكان كبار الممثلين المصريين يتقاطرون حوله ويرتاحون لاسلوبه في التعامل من امثال يوسف وهبي ؛ وعباس فارس ومحمود السباع ؛ ومحمود المليجي ؛ وامينة رزق ؛ ومحمد توفيق ؛ وامينة نو الدين ؛ وفاخر محمد فاخروفتوح نشاطي وفردوس حسن ؛ وسليمان نجيب و عبد الوارث عسر وعمر الحريري.الخ (1)

وكنت اجد في بعض ما يتاح لي من لقاءات بمثل هؤلاء النجوم ؛ ضالتي في معرفة نشاطاتهم في الفن والحياة . وكنت كلما اقتربت من الطيب صالح كلما ازدت اعجابا بدماثة اخلاقه وصدقه واخلاصه .

كان الراحل الاديب و المؤرخ اللبناني ادورد عطية ( وقد كان استاذا للتاريخ في كلية جوردون في الخرطوم ) و مؤلف كتب ( العرب ؛عربي يحكي قصته ؛ الخط الرفيع ؛ حمار من الجبل ؛ والطليعي الاسود ... الخ ) اول شخص يعرفني على الطيب صالح قبل ان يشتهر كروائي بارز . كانت لقاءاتي بالطيب ؛ قليلة نسبيا ؛ ولكن لقاءا مهما منها كان له صداه في نفسي وحببه اليّ: كان ادور عطية قد تعاقد على انتاج روايته ( الخط الرفيع ) في بريطانيا سينمائيا ؛ فأراد ان يستشير بعض ذوي الخبر في الشأن ؛ فكان ان دعا كلا من صديقه الممثل المسرحي والسينمائي المعروف جون ميلز (و كان لتوه قد حصل على جائزة من مهرجان البندقية لعام1960 وذلك عن فلمه الذي نال تقديرا من الجمهور والنقاد أو الحان المجد ؛ وكذلك الشاعر خليل حاوي الذي كان يحضر للدكتـوراه Tunes of Glory ؛ والاديب الطيب صالح ؛ وكاتب السطور لتناول طعام العشاء في فتدق ( دي فير ) في ( هاي ستريت كنزجتن ) ؛

وحينما التأم الجمع طرح علينا عطيه ما استعصي عليه فهمه من مشاكل صناعة الافلام : ؛ كان اول المتحدثين الفنان ميلز ؛ فأعطى فكرة موجزة عن كتابة السيناريو وصعوبة تنفيذ النص اذا ما كان غير مختص بنوعية الفيلم الذي يريد اخراجه اضافة الى قدرته على ضبط الممثلين من حيث الحفظ والاداء ؛ وكذلك بقية عناصر الانتاج كالتصوير والاضاءة وما الى ذلك .....وبابتسامة جذابة ابدى ميلز اكتفاءه بما قال ؛ عندها تعاقب المتحدثون بنثر ما عندهم من معلومات حول الموضوع ؛ اما الطيب صالح الخبير المتمكن في الاعمال الدرامية فقد شرح بالتفصيل وجهة نظره حيث ركز على جانبين اساسيين هما :ضرورة اختيار المخرج الذي يمتلك خبرة في المجال الذي تدور فيه أحداث الرواية؛ اضافة وجوب عدم التقتير في ميزانية الانتاج ؛ وضرب على ذلك امثلة واقعية على فشل بعض الافلام بسبب شحة الميزانية على الرغم من متانة القصة وكفاءة الممثلين والكادر التقني . عند الساعة العاشرة مساءا ؛ خرجنا من الفندق ؛ وقد زدت اعجابا بذلك التحليل الدقيق الذي قدمه الطيب في كل ما يتعلق بمجريات واشكاليات أعداد وتنفيذ الاعمال الدرامية على مختلف الاصعدة .

تميز الطيب صالح بعشقه العميق لوطنه السودان واصالته العربية ؛ كما كان شديد التعلق بقريته كرمكول من اقليم مروى ؛ والذي يطلع على عمق ثقافته وحداثة تفكيره ؛ يتعجب كثيرا من المامه المكثف بكل ما يدور من تفاصيل يومية دقيقة حول اسلوب معيشة وعمل قبيلته الركابية ؛ علما بان احاديثه في هذا الشأن تبتعد تماما عن التعصب والشوفينية ؛وتتصل كثيرا بايمانه الذي لا يتزعزع والذي يدعو فيه الى وحدة وقوة الوطن وتماسك شعبه . وان عشقه للسودان هذا ...؛ هو الذي جعله يردد مقولته ويؤكدها في كل مناسبة ؛ وموجزها :ان السودان لم يأخذ حقه في الصدارة التي يستحقها عن جدارة وواقع تأريخي وجغرافي وشعبي .و لعل روايتيه ( عرس الزين ) و ( دومة ود حامد ) بخاصة تفصحان عن ذلك الاعتزاز الحقيقي المنصف.

كانت روايته ذائعة الصيت ( موسم الهجرة الى الشمال ) قد صدرت اول الامر في العددين الخامس والسادس من مجلة حوار اللبنانية عام 1966 ؛ فلاقت اقبالا واسع النطاق من لدن النقاد والقراء على حد سواء ؛ وقد دفع هذا لاقبال (دار العودة ) في بيروت الى نشرها في طبعة مستقلة ؛ أكتسحت اسواق الكتاب على امتداد الوطن العربي ؛ لتتلقفها بعدئذ دور الترجمة ؛ حيث أخذت طريقها الى العالم .
كان اعجابي بالرواية من حيث تفاصيل احداثها ينبع من كوني قد عرفت وعايشت كثيرا من الاماكن التي تتحدث عنها واختلطت كذلك بعدد كبير من الاشخاص الذين يقتربون واقعيا من ابطالها بحكم وجودي في بريطانيا كل تلك المدة الطويلة. لهذا وغيره فقد قرأت الرواية لاكثر من مرة ؛ ثم أبديت وجهة نظري بمقال نقدي مسهب (2 ) نشرته والقيته اذاعيا ؛ ثم ضمنته بعدئذ ؛ الفصل الخاص بالادب السوداني من كتابــي
( حكاية الادب العربي المعاصر ) (3)؛ وقد نال ذلك التقييم ثناءا من الكتاب والنقاد وليعاد نشره في بعض الصحف العراقية والعربية ؛ مما دفع بالطيب أن يتصل بي هاتفيا ويقدم لي شكره وامتنانه .

هنا لابد من اقتباس ما كتبته في حينه من فقرات ركزت على جانبين اساسيين ؛ يرتبطان بصيغة ونسيج وحبكة الرواية من جهة ؛ وبالجوهر الذي عالجته من خلال افكار منوعة متداخلة تماسكت فيما بينها لتصل الى الغاية الحقيقية التي هدفت اليها : ــ

( ........ وفي هذا المجال لابد لنا من تناول نموذج حي للآدب الروائي السوداني الجديد ؛ وهذا النموذج يتمثل بشكل واضح ومثير في رواية ( موسم الهجرة من الشمال ) للأديب السوداني البارز الطيب صالح ...

في كثير من الاحيان تنفلق في كبد السماء شعل ذات الوان زاهية ؛ تبدأ من منطلق الصوت ؛ ثم تنتشر حزما فخيوطا تتباعد بعد حين لتختفي في المجهول ؛ هكذا تترآءى لي رواية الطيب صالح الملحمة ( موسم الهجرة الى الشمال ) ؛ انها تثبت اقدامها في ارض منبتها اول الامر ثم تعود لتتحرك في مساحات واسعة من الامكنة والازمنة . تنتقل معانيها على جمل خفيفة الحركة ؛ مباشرة في المعنى ...من كلام بسيط يتسامر به ابناء الريف ؛ ... الى حديث مثقف الفكرة ؛ عميق العبارة ؛ موزون الكلمة يدور بين صفوة من أولئك الذين درسوا ثقافة العصور ؛ وآداب وفنون وفلسفات الامم ..........
الحوار ذكي ينساب بلا تكلف او تأطير ؛ وانما بتخطيط ووعي ومتابعة دقيقة للبناء الدرامي والعضوي للرواية كلها ؛ واللغة تخدم الشخصية ولا تبتعد مطلقا عن فلك ومدار محورها ؛ اي لاتلتقط الشوارد بل تنبعث بأصالة من صميم الحدث مثل لحن هارموني التوزيع .
والرواية بعد هذا وذاك ؛ مزيج من الاعتراف الكامل المنسق لانسان بلغ تلك الذروة من الثقافة ؛ اعتراف يتعدى التدرج الزمني الرتيب ليصل الى مراحل متفرقة من الزمن ؛ تتقارب وتتباعد بحسب الانتقالات الذهنية ؛ مرورا بذكريات الامكنة ....
في هذه الرواية يبرز اهم لون من الوان البناء الدرامي ؛ : السرد القصصي ؛ ؛ انسياب الحكاية ؛ التداعي النفسي ؛ الحوار المتنقل ما بين الواقع ؛ حينا والذكريات احيانا ؛ ولكن الرواية لاتهتم في ذات الوقت بكلاسيكية التسلسل المعتاد في البناء الدرامي ؛ لافي الحبكة والسرد والايقاع والعرض والعقدة والحل النهائي ... الخ

لقد استطاعت رواية الطيب صالح ؛ ان تجسد امامنا و باحكام لاعفوي ؛ بطلها كنموذج حي للريفي وقاد الذهن ؛ مشتعل الذكاء . تتلقفه ثقافات العصور ؛ فيجيد هضمها ويحولها الى مادة تبهر الآخرين أو تحيلهم نارها رمادا او جثثا ممزقة ؛ ثم تصير منه اسطورة خارقة تمثل اكثر مما تعني ؛ وتكذب اكثر مما تصدق ؛ .. وذلك حينما تريد ان توقع السذج في المصيدة . لقد استطاعت الرواية كذلك ؛ ان تحرك مجاميع شخوصها بمهارة واختيار وتتبع طبيعي ؛ لايفتعل الحوادث ولا الحوار ؛ وانما يسوقها باطار صادق ومنطقي :
فمحجوب ؛ والعمدة وسعيد التاجر ؛ وود الريس ؛ وجين موريس ؛ وبكري ؛ وبروفيسور ما كسويل ؛ والحاج احمد ؛ وآن همند ؛ وبنت مجذوب ؛ وحسنة بنت محمود ؛ كل هؤلاء يتحركون في افلاكهم ؛ ... حول انفسهم وحول الآخرين ؛ كالشهب والنجوم والاقمار ؛ احاديثهم تنبع من شخصياتهم ؛ والكلام الذي يرددونه يتصل بوثوق تام بأشخاصهم وبالارض التي يعيشون عليها .
ان رواية موسم الهجرة الى الشمال ؛ سيمفونية موسيقية ؛ رائعة التركيب والاداء في الادب السوداني الحديث ؛ وملحمة شعرية عالية النفس ؛ انسانية اللمحات .)

كان آخر لقاء لي بالطيب صالح في فندق ميليا المنصور ؛ لمناسبة انعقاد مهرجان المربد الشعري عام 1989؛ ؛ كان مرحا كعادته ومتواضعا في اسلوب تحاوره . لقد لفت نظري ونحن نجلس في كافيتريا الفندق ، نقده المباشر لكثير مما القي من قصائد في تلك الاماسي الشعرية التي كانت تنظم في قاعة مؤسسة المسرح والسينما المقابلة للفندق . وكان مما ركز عليه ولا انساه ابدا (تفاهة المواضيع ؛ وركاكة اللغة ؛ وتدني مستوى الخيال الشعري ؛ مع رتابة في الالقاء ) ؛ وقد لاقى هذا الايجاز في التعبير تأييدا وتقديرا من لدن الجالسين الكثر . حينما تفرق الجمع الحاشد من حولنا ؛ و لم يبق من الجالسين على المائدة ؛ غير عبد الوهاب البياتي ؛الفريد فرج ؛ سعد اردش ؛ الطيب صالح ؛ ووجدها البياتي فرصة ليقترح الابتعاد عن برتكول البرنامج الصاخب ونتوجه الى غرفة في الطابق الثاني تطل على دجلة مباشرة مخصصة للدعوات الصغيرة لنتناول ما لذ وطاب و لنواصل فيها احاديثنا .رحب الحاضرون بذلك .... وكانت سهرة ممتعة تشابكت فيها الاراء النقدية ؛ بالذكريات التي عطرتها احاديث الطيب عن ابعاد وتأثيرات عمله في اليونسكو وبخاصة في منطقة الخليج . ثم توزعت الحوارات الآنية على بساط واسع من الشعر و الفن التشكيلي والموسيقي اما الدراما الاذاعية والمسرحية فقد صال فيها فارسها القدير سعد أردش ؛ فامتدت تلك السهرة الثقافية الى ساعة متأخرة من الليل الغارق بأنوارمشعة متهادية آتية الينا من الضفة الاخرى حيث متنزهات ابي نؤاس . وانها لذكريات عطرة تنثنا بأحاديث من رحل من أؤلئك الافذاذ ؛ او من ينتظر من جيل ما زال يزخر العطاء

رحم الله الطيب صالح بقدر ما منح الانسانية من جهد وابداع

رهف
14-Jul-2009, 06:52 AM
الطيب صالح مر من هنا، خفيفا جاء كالحلم ليقف في منتصف الدنيا وتسلط عليه الأضواء، كما في أحد مشاهد روايته «موسم الهجرة إلى الشمال»، حين يوقف السائقون سياراتهم في الصحراء بشكل دائري ويسلطون أضواءها مشكلين دائرة للرقص، خبا ضوء الطيب وخبا «ضو البيت». في يوم الخميس الفائت، وفي مكالمة هاتفية مع أبي القابع عند جبال الأقصر، قال لي: «لقد حزنت على صاحبك». صمت وهمهمت بشيء من القرآن، فعرف ما في القلب من وجع وغير الموضوع. كنت أقرأ له من روايات الطيب، وهو الرجل الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرف معنى الرواية الحديثة، فكان يحبها لما فيها من روح ورائحة مكان وناس يشبهونه. حكايات فيها رائحتنا، وفيها من نفسنا ونفوسنا.

ذات يوم حكى لنا عجوز من قريتنا في صعيد مصر، أنه رأى سيدنا الخدر (البعض يكتبها الخضر) مارا في القرية، رآه سارحا على حصان أبيض تفوح منه رائحة الطيب والمسك، كان العجوز لتوه قد فرغ من صلاة الفجر، وفي محاولة منه لمعرفة سر هذا الرجل الغريب، اقترب منه وسأله: أين صليت الفجر؟، فأجاب الرجل بأنه قد صلاه للتو في الكوفة، فبان للعجوز أنه أمام رجل من أهل الخطوة ممن تُطْوَى لهم البيد طيا، وكان العجوز يقول لنا بأنه تأكد وقتئذ من أن هذا الرجل القادر على قطع المسافات بسرعة الضوء، يحضر ويغيب برمشة عين، هو سيدنا الخدر عليه السلام.

هكذا كنت أتخيل الطيب.

«زرني يوم موتي، حتى أزورك يوم موتك»، قلت له هذه العبارة ونحن في بيت صديقه الفاتح إبراهيم في ولاية فيرجينيا، وهي من قصة طويلة كتبها كارلوس فاونتيس، ذلك المكسيكي «المخربط». لقد افتتح فاونتيس تلك القصة الطويلة، في الحقيقة هي أطول من قصة، وأقصر من رواية، بقصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش ومقتطفات من أقوال والتر بنجامين، خلط فاونتيس في هذه القصة معاناة اليهود بمعاناة الفلسطينيين، وكذلك معاناة الهاربين من الحروب الأهلية في كوستاريكا، والروس الهاربين من قهر ستالين. وبطلة القصة كنستانزيا إسبانية من سيفيل استقرت في بيت أميركي في مدينة تحمل ذات الاسم الإسباني، في سافانا جورجيا، امرأة هاربة من فاشية فرانكو في إسبانيا.. أزمان مختلفة، فلسطين اليوم، وإسبانيا فرانكو، والحرب العالمية، ونزوح اليهود من أوروبا، أشكال مختلفة من المعاناة، يختلط فيها الواقع بالخيال، والماضي بالحاضر والمستقبل. «زرني يوم موتي، حتى أزورك يوم موتك»، عبارة قالها الكاتب الروسي الهارب على لسان بطلة قصته كنستانزيا، قلتها للطيب؛ ففهم مغزاها وابتسم.

كان وجوده يومها شفافا، وكأنه يقف على الحد الفاصل بين الحضور والغياب، كان ضيفا عابرا أشبه بذلك الغريب الأبيض أخضر العينين الذي يطلع من النهر في روايته «ضو البيت»، بندر شاه مضى كالحلم وكأنه ما كان.. ضو البيت اختفى، لا خبر ولا أثر، ذهب من حيث أتى، من الماء إلى الماء.. كأن المولى ـ عز وجل ـ أرسله إلينا ليحرك حياتنا ويمضي في حال سبيله. الطيب صالح لم يكن أبيض البشرة ولا أخضر العينين، بل كان روحا عالية تسكن ملامح رجل سوداني أسمر، روح مرت من هنا بعد أن علمتها «فاطمة بنت جبر الدار» آيات من سورة الضحى. كان الطيب صالح كبطل قصته «ضو البيت» يقدر على الحركة في الزمان والمكان، «كأن الطفل ولد عند الشروق، وتم ختانه وقت الضحى، وصار للزواج بعد صلاة العصر».. الطيب ولد روائيا في صباحنا، وغدا قامة كبرى في الضحى، واختفى في المساء.

عرفت الطيب عن قرب، وعرفت زوجته جولي، تلك السيدة الإسكتلندية الراقية التي كانت تجلس إلى جوار الطيب تستمع إليه بحرص، كشاهد محب يرقب كل كلمة تخرج منه، يتحدث هو، ودائما ما كانت توافقه بحركة من رأسها، كما لو كانت تهتز في حلقة ذكر، ثنائي متكامل ومنسجم رغم اختلاف الأجناس والألوان.

الطيب صالح كتب عني في مجلة «المجلة»، وكان كريما، واليوم دوري لأكتب عنه، وعن عمد أحاول تجنب الوقوع في فخ العزاء. لم أكتب عن الطيب في حياته، فإن المديح في وجه الحياة ما زال يربكني، فالدنيا عرض زائل، كسوق انتصبت ثم انفضت، سيغادرها الرابحون والخاسرون معا. كان الطيب يتحدث بفخر كبير عن ابنته الدكتورة زينب التي تدرس آداب الإنجليز للإنجليز، ولكنني لم أر الطيب أبدا في سياق رجال عاديين يتزوجون وينجبون، رأيت الطيب وكأنه غزل من الكلام يلتف حولك بيسر وسلاسة، يتحدث وكأنه يتذكر عالما قديما ولغة سرمدية ليست من هذا الزمان. كان واقفا في مركز الفوضى بيننا، شاهرا قلمه الجميل، يختفي ويبين، فكأنه على الحد الفاصل بين الحضور والغياب.

الطيب صالح لم يكن روائيا مبدعا فحسب، بل كان شاعرا، أو كاد، فهو الذي يختلط عنده الحد الفاصل بين المتنبي وشكسبير، «قالوا الطيب للسودان ساير، وكل البنات البكر حلوة الضفاير»، كنت ستقول عن تلك العبارة إنها شكسبيرية بلهجة السودان، أو توجه حضاري من قبل أهل الصعيد. كان الطيب يضحك من قلبه على من يتحدثون عنه ولا يعرفونه، إذ حكى لي يوما عندما استوقفه ضابط الأمن في مطار القاهرة، يوم كان السودانيون محل شبهه، ولما تململ الطيب من طول الانتظار، قال الضابط «أنت رجل مهم، وسننهي إجراءاتك بسرعة»، وقال «مش انت الكاتب الكبير صالح الطيب مؤلف رواية الطيور المهاجرة؟». هكذا خلط الضابط اسم الكاتب واسم الرواية في الخلاط. كثيرون يتحدثون عن الطيب ويخلطون اسمه باسم الرواية، ولم يكن ذلك يزعجه في شيء.

كان الطيب ذواقة ذكيا للحياة بكل تفاصيلها وأسرارها. أذكر أن الطيب قرر أن يطبخ لنا قرعا عندما كنا في بيت صديقه الفاتح، وعندما عرضنا عليه المساعدة، رفض وطلب ـ بلكنة إنجليزية ساحرة ـ ألا نتدخل في تلك اللحظة الخاصة جدا التي يعد فيها الطعام.. كان الطعام بالنسبة إليه ذائقة ودربا إلى إرضاء الروح.

أذكر عندما قلت له إن الباحث الفلاني يريد أن يعد دراسة عن أعمالك بالمقارنة مع أعمال جوزيف كونرد، أجابني «يا زول خليها على الله». كان يؤمن بأن للقراء والباحثين مطلق الحرية في أن يفهموه كما وصل إليهم، ولكن دائما كانت هناك إشارات في حديثه إلى أن قليلا قد عرفوا ما يرمي إليه في أعماله. وكان يمازحني دائما «لماذا لا يكون للصعايدة توجه حضاري في بلاد الإنجليز؟». بلا شك أن الطيب كان عميقا فيما أبدع، وكان يكتب عن أمور تبدو وكأنها قراءات من سرمديات مخطوطة تظهر أمامه، فيقرأها علينا بفصاحة، ونستمع إليه مشدوهين كالأطفال.

«قال جدي: أشهد أن لا إله إلا الله، وقال حمد ود حليمة: أشهد أن محمدا رسول الله».. وهكذا قلت.

مضى الطيب كالحلم، وسيبقى عالقا في ذاكرة أجيال عديدة كما لو كان من رائحة الأولياء، وسيبقى حضوره مثل غيابه شفافا، كما لو كان بطل روايته الذي يطلع من الماء ويرجع إلى الماء.. وستبقى حكاية عجوز الصعيد مع الخدر تذكرني دائما بأن الطيب الصالح قد مر من هنا.




http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=508324&issueno=11045

رهف
14-Jul-2009, 06:56 AM
قراءة في موسم الهجرة إلى الشمال بين الاستثناء والامتلاء

حين يواري الغياب جسدا، فإن ذلك لا يعني سوى شكلانية الموت، إذ يُغيّب حضور الفيزياء ، ولكن هنالك ما يبقى، على حين يفنى كل شيء..... تبقى اللغة، التي تخلق الأشياء، بينما لا تخلق الأشياء اللغة، فما العالم سوى وجود لغوي نحن لا نمتلك منه في النهاية سوى ركام من الرموز والحروف التي تعني كل ما كان، وما سيكون. فهناك من يخلّف بضعا من لغة على شاهد قبره، وهناك من يخلّف أفقا مشعا و سرمدياً، فاللغة كما يقول رولان بارت: ليست مجرد زادٍ من الكلمات بقدر ما هي أفق.
رحيل الطيب صالح لا يعني سوى فناء الجسد- وإن كان موجعا- فإن لنا منه الكلمات المرقومة على الصفحات البيضاء...و هي ذاك الحضور الحائر والعميق... وهي التأويل لفلسفة الحياة وعبثيتها.

القراءة استثناء وامتلاء
أدرك الطيب صالح حساسية جديدة للرواية، حين اختار أن تكون رواياته ضمن عنف الكتابة في التعبير، هي تلك الروائح والأصوات، هي الأرض والإنسان، وتلك الحقيقة التي تختبئ على شرفات النيل، يسحبنا عميقا إلى معنى خصوصية المكان، حين يجعل المكان متعاليا لا بماديته، إنما بتجسيد صورته التي لا تُرى إلا للعيون التي تحب هذا المكان، تدرك جمالياته و آلامه، لتنسج منها خطابا يتعالى.
هي رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" رائعة الراحل الطيب صالح، رواية استطاعت أن تؤسس بذاتها عالميتها الخاصة، كما هو مبدعها، وإن لم تنل صكوك العالمية.... عالمية نوبل، لأن العالمية ما هي- في الحقيقة- سوى حركة مضادة تتمثل بخرق مركزية الثقافة الغربية، فما أعمال درويش، وناظم حكمت، ولوركا، و فرانز فانون، وإيمي سيزار، وسنغور، سوى دلائل على ذلك.
استثناء مبرر
إن التساؤل حول جاذبية موسم الهجرة إلى الشمال،- وهي الرواية الصادرة في ستينيات القرن العشرين- نابع من كونها حققت اختزالا زمنيا من حيث القيمة الفنية و الموضوعية، فثمة الكثير مما يمكن أن يقال حول هذه الرواية، التي وضعت كاتبها الراحل، أو وضعها كاتبها... في دائرة الامتياز والاستثنائية، إذ حققت الكثير من الامتلاء في المشهد العربي الروائي المنقوص بدونها منذ تخلقه إلى لحظة وجودها.
التساؤلات .........
تنبثق عدة تساؤلات لدى القارئ عن سر هذا الاستثناء الذي حققته هذه الرواية، مع الإشارة إلى وجود الكثير من الأعمال الروائية المتميزة للطيب الصالح، ولكن موسم الهجرة إلى الشمال كانت بمثابة ماسة ثمينة لم تتوقف يوما عن اللمعان، فهي تمتلك شيئا خاصا، يدفعها إلى أن تبقى حاضرة في وعي المتلقي، هذا التميز هو حالة خاصة، ضمنها الكاتب في عمله، وقد تولدت من حيثيات كثيرة، فما هي هذه الحيثيات؟
رواية موسوم الهجرة إلى الشمال تقدمت لتضع الذات مركزا لها، ولعل خصوصية هذا التقديم، قد قدم لها بدايةً أسرار التميز، فالطيب صالح انطلق من ذاته أولا، وهنا الذات تبدو إشكالية، كونها وضعت عناصر وأطيافاً كثيرة، تبلورت كلها حول الذات ، هذه الذات تشمل بعدا جغرافيا، وآخر عرقيا، وآخر قوميا، وآخر ثقافيا، وآخر تاريخيا. هذا مما يعني بالمحصلة النهائية قدرتها على أن تصيب حيث أرادات في وعي المتلقي .
والمتتبع لعنوان الرواية، يلمح ذلك في عتبتها النصية، فهي تنطلق من ثنائية الجغرافيا، حيث الهجرة إلى الشمال، مما يعني ثنائية الطرف الغائب عن العنوان، وهو الجنوب، وهذا الجنوب متسع جدا ليشمل كل جنوب في مواجهة كل شمال، ومن ثم تتسع الرواية، حين نرى بعدا عرقيا، يتمثل ببطل الرواية مصطفى سعيد، وهو أسود البشرة، مما يفتح اتصالاً مع القراءة الكولونيالية، التي تقوم على الفارق العرقي القائم على تفوق الأبيض، وهنا نلحظ اتساع الدائرة، فتبدو ذاتاً شمولية كونية، تتعالق بدورها مع البنية الثقافة، ونعني هنا الثقافة العربية الإسلامية، كون بطل الرواية أي مصطفى سعيد، هو سوداني... أي عربي- إفريقي مسلم. وهكذا تبدو الدائرة آخذة بالاتساع، فتصبح الرواية كأنها طبقات جيولوجية من الأبعاد الثقافية، ولعل بعدا جديدا وقراءة جديدة تصبح مستحقة، حين نرى الشمال ممثلا ببريطانيا، وهي جزء من كل، باعتبارها مركز الإمبريالية في بداية القرن العشرين، وهي التي استعمرت أجزاء كبيرة من العالم، ومنها الرقعة العربية... هكذا تبدو رحلة مصطفى سعيد نحو الشمال، هي رحلة نحو الرجل الأبيض، والمستعمِر، والمتسلط، والمستعلي، فلا غرو أن نتذكر عبارة مصطفى سعيد، وهو يقول: إني أسمع قعقعة خيول اللنبي وهي تطأ أرض القدس.
هذا التشابك الذي أحدثه الطيب الصالح على صعيد معالجة الذات، كان بمثابة تقنية فنية عملت على تكوين دائرة تتسع مدراتها، مما أوجد بنية متواشجة مع العديد من القضايا والتقاطعات الفكرية والثقافية والاجتماعية على حد سواء.
ومن هنا تُبنى الرواية على ركنيين أساسيين؛ يتمثلان بالبعد التاريخي والسياسي، خاصة بين المستعمِر والمستعمَر، وهنا نلجأ إلى تقنية منظري الكولونيالية، وهي نظرية التمثيل السردي، حيث نجح الطيب صالح في تحقيق بناء صورة الآخر. فنحن نطالع بناء للذات ضمن ثنائيات متعددة، وهي ذات المستعمِر والمستعمَر، والأبيض والأسود، و العربي والغربي، الأوربي والإفريقي، الغني والفقير، كل هذه الأطراف تبدو حاضرة في نسيج الرواية، التي اتسمت بقدرة عالية على بناء تلك التصورات، فمصطفى سعيد ارتحل نحو الغرب، ولكنه عاد إلى عمق السودان، وقرر أن يكون مصيره في ماء النيل كدلالة على الانحياز- وعلى كل حال- فإنه قبل كل ذلك، ساهم في البناء، أو التمثيل عبر رحلته نحو الشمال، إذ أوجد تصورا شموليا للآخر، حين واجه الآخر، و واجه معه تصورات مسبقة، إذ اُختزل (سعيد) بمفاهيم، منها، كونه آلهة جنسية بالنسبة للأنثى البيضاء، التي سُحرت بأجواء إفريقيا، ورائحة البخور. وقد عنى سعيد للآخر بأنه البعيد والسحري والغامض، و هو تجسيد لرمزية الأرض القابلة لأن تكون مصدرا لتغذية المصالح الإمبريالية المخبوءة، إن مفهوم الاستلاب أو الانتقام، كان متوفرا في مشهد الغزو المضاد، الذي قاده مصطفى سعيد، ولكن حينها، طُلب منه أن يتنازل عن رموزه الثقافية. ولم يكن لدى سعيد إلا أن يصرخ رافضا هذا التمثيل حين قال: " أنا لست عطيل، عطيل أكذوبة، اقتلوا الأكذوبة".
مما لا شك فيه، أن الفضاء الثقافي الذي اختلقه الطيب الصالح في روايته، قد أدخلها في تعدد القراءات، ونحن نحاول أن نقبض على شخصية مصطفى سعيد، وتحليلها ينبثق البعد النفسي المتكئ من منطلق التحليل النفسي القائم على سبر أغوار الشخصية المركزية في الرواية، ولا سيما ونحن نقرأ توترات تلك الشخصية في طبيعة تعاطيها مع الأشياء، والأماكن، والأشخاص، فنقرأ توتر علاقة مصطفى سعيد بأمه، ومع المرأة، ومع القرية، والتقاليد، والثقافة، فتبدو الشخصية ذات قابلية للبحث والآخذ والعطاء، ضمن هذا المستوى.
إن هذا التداخل على صعيد المعالجة الموضوعية للرواية، جعلها على صغر حجمها محملة بما يمكن أن يقال لدى كل متلق، ولكل ناقد، حين ينطلق كلٌ من منهجه الخاص، ومن رؤيته وزاويته الخاصة. ونتيجة لذلك، تبقى الرواية متميزة على صعيد البنية الفنية التي شكل من خلالها الطيب الصالح تقدمية وثورية عالية المستوى، إذ نسج الرواية بتقنية سردية اتخذت من الراوي المشارك في الحدث أسلوبا، وهنا تبدو الرواية قائمة على ثنائية أخرى، وهي السارد المتقاطع والمتوازي مع مصطفى سعيد، فندخل في لعبة سردية، حين نتعرف على أحداث الرواية عبر الراوي، الذي يستمع لجزء من القصة من مصطفى سعيد نفسه، ولكنه يكمل باقي القصة، حين يعود إلى منزل مصطفى سعيد في القرية، ويعثر على ما يمكن أن تكتمل القصة به، هذه التقنية ثورية في التقديم السردي، الذي نستحضره لدى الروائي الفلسطيني "جبرا إبراهيم جبرا" في روايته " البحث عن وليد مسعود "، حين ترك شريطا ( كاسيت ) في مسجلة السيارة، كي يقوم بمهمة سرد وبناء شخصية وليد مسعود في النسيج الروائي.
إن السارد أو الروائي، وهو هنا شخصية محورية في الرواية، عمل الطيب صالح على تغييب اسمهه في الرواية، فبدت كمدخل موفق في وضع الرواية ضمن بؤرة مركزية، ولكن هذه البؤرة كانت وهمية، فما هي إلا انعكاس فقط لشخصية مصطفى سعيد، حيث أراد الطيب صالح، أن تبدو أي شخصية سعيد عبر الشخصية الأخرى ( السارد المغيب الاسم)، وهنا نستحضر مطلع الرواية حين يقول السارد : " عدت يا سادتي بعد غيبة طويلة ...." ، فهل الذي يتحدث هنا هو شخصية الراوي أو السارد فعلا ؟ على ما أعتقد فإن عنف العبارة، يشي باختزال كبير لمفهوم الرواية، حين تكسر حلقة الهجرة نحو الشمال، بالتأكيد على العودة، ولو بعد غيبة طويلة، وهذه العبارة ما هي إلا صوت مصطفى سعيد المتواري خلف شخصية الراوي، فالشخصيتان تتقاطعان، ولكن في النهاية تبدو شخصية الراوي ( السارد)، حالة امتداد لشخصية مصطفى سعيد، وهي في المحصلة النهائية تصويب مسار ما خطه سعيد، أو هي نكوص نحو هجرة معاكسة، فتصبح الرواية معكوس الحدث، ونعني هنا العودة و هي الصيغة النهائية، فقد كانت هي نقطة البدء على اعتبار أن الاختيار المكاني لبدء السرد، قد بدأ من الجنوب، وهو الاقتران اللغوي بعبارة " عدت يا سادتي بعد غيبة طويلة، وهذا ما يفسر قيام شخصية الراوي بحرق ماضي مصطفى سعيد، كدلالة على بتر ما كان يمثله سعيد، الذي بدا مرآة لشخصية السارد حيث لم يجد بدا إلا بالتخلص مما تحتويه من إرث، طالما شكل عامل ضغط على هذا الراوي – السارد ( المجهول ) .
وفي جانب الرؤية الفنية يبدو الجنس كأحد الموضوعات التي عملت على وضع الرواية في دائرة النقاش والجدل، حين قدمت في بنيتها اللغوية تحديدا كسراً للتابو الجنسي، فبدا الجنس في بضع المواقع طاغيا لمن لا يتقن فهم الحاجة إلى هذا التوظيف، كون الرواية تتكئ على ثيمة الجنوسة النابعة من العمق الثقافي للصراعات الحضارية بين الأعراق، فغالبا ما تم اللجوء إلى التمثيل الجنسي، ولا سيما في آداب المستعمرين، فثمة دور يمارسه البعد الجنسي، كما تنص بعض أدبيات الآخر، ومنها تصوير المرأة الشرقية على أنها شهوانية تتوق إلى الفحولة الأوروبية، أو السيد الأبيض المهذب، و هنالك تمثيلات أخرى عمدت إلى تصوير الشرقي بأنه شهواني وعصبي المزاج، وغير ذلك من تمثيلات آداب الآخر، ولعل في كتاب " آنيا لومبا" نظرية ما بعد الاستعمار الأدبية تفصيلا كبيرا حول هذا الموضوع، يمكن العودة له.
في المحصلة النهائية فإن توظيف الجنس كثيمة في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، قد أضفى عليها سحرا خاصا، هذا السحر عائد إلى قدرة هذه الثيمة على رفد المقولات الثقافية التي احتوتها الرواية، والتي لم تكن لتكتمل، لولا هذه الجرأة في المعالجة السردية، فجاءت المحمولات اللغوية المعبرة عن الجنس في سياقها الخاص، ولم تكن فقط أداة للجاذبية، بقدر ما كانت تحقق جاذبية صدوقية الأداء اللغوي لشخصيات الرواية، وهي تتسم بطبيعة حسية محملة بشفافية فكرية عميقة، على اعتبار أنها مشكل فكري، وثيمة محورية في العمل الروائي.
تبقى موسم الهجرة إلى الشمال علامة من علامات التميز العربي على الصعيد الروائي العالمي، ويبقى منشؤها الراحل الطيب صالح عبقرية، مارست تغذية جماليات وفكر المتلقي العربي بمجموعة من الأعمال الأدبية، التي خطها الراحل، حيث ستبقى كلماته ولغته حاضرة، وإن غاب....

رامي أبو شهاب – كاتب فلسطيني

رهف
14-Jul-2009, 07:00 AM
يجمع النقاد على اختلاف اتجاهاتهم على أن الروائي السوداني الطيب صالح، الذي رحل عن عالمنا، قد غزا العالمية مثلما غزا مصطفى سعيد بطل روايته "موسم الهجرة الى الشمال" أوروبا، بشوارعها وحاناتها ومؤسساتها الأكاديمية، وإن كان لم يستطع ان يغزو صورتها النمطية عن عالمه الغرائبي الذي تسكنه الصحراء بغموضها وأسرارها وحكاياتها الرومانسية.

تمكن الطيب صالح من جعل شخصياته المغرقة في محليتها تنطق بلغات يفهمها القارىء حتى وإن عجز عن فهم مصطلحاتها الريفية السودانية.

نقل لنا في "عرس الزين" و "دومة ود حامد" أجواء القرية السودانية بحيوية جعلت الشخصيات تتحرك بأبعاد ثلاثة، وفي "موسم الهجرة الى الشمال" سلط الأضواء متعمدا على تناقضات المفاهيم الاجتماعية والأخلاقية لمجتمعه، كما كشف، ربما دون قصد منه، إشكالية الإسقاط الذي يمارسه الشرقي (العربي) على الآخر.

في جميع أعماله تبرز موهبته الفذة في تشكيل الشخصيات وتصوير البيئة التي تتحرك بها والخلفيات التي جاءت منها من خلال حوار ينبض بالحياة، حتى وان كان مغرقا بالمحلية.

من أعمال الطيب صالح
موسم الهجرة الى الشمال
عرس الزين
دومة ود حامد
ضو البيت
بندر شاه

روايته المتميزة "موسم الهجرة الى الشمال" لم تكن استثناء، فقد شكلت علامة بارزة في خريطة الرواية العربية، حتى أن البعض يعتبرها واحدة من أفضل 100 رواية عالمية.

وان كانت الجرأة التي اقتحم بها بطل الرواية (مصطفى سعيد) عالم الآخر أوقعته (هو أم الكاتب ؟ سؤال صعب سأحاول الإجابة عليه فيما يلي) في مطب وقع به روائيون كبار آخرون، قبله وبعده: مطب التعامل مع الآخر روائيا، رسم شخصيته وحواراته ومواقفه. الأنا والآخر: مجاز أم إسقاط ؟

في رائعته"موسم الهجرة الى الشمال" نرصد مستويين للهجرة/الحركة أوربما نستطيع القول إن هناك مستوى للحركة وآخر للسكون: مصطفى سعيد غزا عالم الآخر، أما الأخر فقد بقي حبيسا للصورة النمطية للمثقف العربي عنه، مصطفى سعيد وصل الى عقر دارهم، عبر الصحاري والبحار أما جين موريس ورفاقها فقد بقوا تحت شجرة نخيل في قرية مصطفى على ضفاف النيل.

الشخصيات السودانية في تلك الرواية تتكلم بطلاقة ويصل صوتها بمنتهى الوضوح والقوة سواء كانت تعمل في حقل أو تتسامر في سهرة تعمرها أصداء الضحكات الماجنة بفعل النكات الأباحية ، أو في حانة لندنية .

الملامح السودانية مرسومة بوضوح واقناع واقتدار، أما شخصية "الآخر" فتمر بعملية ترشيح معقدة تنتهي بها لأن تصبح ظلا لنفسها وتجسيدا للمفهوم المشوش للمثقف العربي عنها.

الفتيات والنساء تتساقط تحت أقدام هذا الشاب الأسمر القادم من أدغال إفريقيا، والفضول يقتلها للإطلال على عالمه المسكون ببخور الصندل وحكايات الحب، وهو يمارس سحره الشرقي الطاغي للايقاع بالفريسة تلو الأخرى.

الحوار بين الشخصيات السودانية من الاقناع بحيث يجسدها بجذورها وثقافتها وأصولها الاجتماعية، وحوار الشخصيات الانجليزية باهت ومغترب عن ذاته.

موقف الآخر، الأبيض، الاستعلائي، المستعمر، يتغير على يد الكاتب الى فضول وجاذبية وحب، والعربي الأسمر، مصطفى سعيد، له اليد العليا دائما، خاصة مع الجنس الآخر الذي يطغى حضوره ممثلا للآخر، وهو انعكاس واضح للتفكير الشرقي الذي لا يرى بقعة أعرض من السرير لتفاعله مع الآخر الذي لا وجود له بالنسبة له خارج السياق الجنسي.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل استخدم الكاتب كل ما سبق لالقاء الضوء على التشوش الذي يشوب علاقة العربي مع الآخر وتصوره عنه أم أنه وقع في ذات المطب ؟

المفروض أن الإنسان العربي حين يخرج من عالم مسلماته يواجه أزمة ثقة بالنفس تدفعه أحيانا الى التقوقع على ذاته وفي أحيان أخرى الى اتخاذ خطوات وجلة مترددة باتجاه الآخر، وتفتقر العلاقة الى التكافؤ، لصالح الآخر.

هذا هو ما يفترضه المنطق ويؤيده الواقع، أما في عالم الرواية العربية، وليس عند الطيب صالح فقط، فنجد العربي هو السيد في العلاقة، خاصة اذا كان الطرف الآخر أنثى من المفروض أنها تتحرك بثقة أكبر بالنفس في فضاء مألوف لديها بينما هو بالكاد بدأ رحلة استكشافه، سواء على المستوى العاطفي أو الجنسي.

إذن هل وقع الطيب صالح في المطب أم استخدم ما سبق ببراعة على سبيل السخرية من المثقف العربي ليصوره مغرورا، ونرجسيا منغلقا على ذاته ؟

هل أراد مصطفى سعيد (أم الطيب صالح ؟) الانتقام لهزائمه بهزيمة الآخر حتى ولو على صفحات رواية ؟

من الصعب الجزم، وهذا مؤشر لجودة الرواية وليس العكس، فقديما قالوا: العمل الأدبي الجيد قد يكون غامضا، ولكن لا يجوز أن يكون مضللا

هند عثمان
14-Jul-2009, 07:27 AM
أشكرك اختى رهف على الإضافات التى تزيد
من جمال الموضوع و رونقه
لا تحرمينا روائعك يا رائعة
محبتى ،،
كبرياء أٌنثى

رهف
14-Jul-2009, 07:42 AM
صورة للطيب صالح وهو صغير

http://www.pc4up.com/2009b/7d-2009/I5M46437.jpg (http://www.pc4up.com/)

رهف
14-Jul-2009, 07:46 AM
تتابعت الأعوام ، عام يتلو عاما ، ينتفخ صدر النيل ، كما يمتلئ صدر الرجل

بالغيظ ويسيل الماء على الضفتين ، فيغطي الأرض المزروعة حتى يصل إلى

حافة الصحراء عند أسفل البيوت ، تنق الضفادع بالليل ، وتهب من الشمال ريح

رطبة مفعمة بالندى تحمل رائحة هي مزيج من أريج زهر الطلح ورائحة

الحطب المبتل ورائحة الأرض الخصبة الظمأى حين ترتوي بالماء ورائحة

الأسماك الميتة التي يلقيها الموج على الرمل ، وفي الليالي المقمرة حين يستدير

وجه القمر يتحول الماء إلى مرآة ضخمة مضيئة تتحرك فوق صفحتها ظلال

النخل وأغصان الشجر والماء يحمل الأصوات إلى أبعاد كبيرة ، فإذا أقيم حفل

عرس على بعد ميلين تسمع زغاريده ودق طبوله وعزف طنابيره ومزاميره كأنه

إلى يمين دارك . ويتنفس النيل الصعداء ، وتستيقظ ذات يوم فإذا صدر النيل

قد هبط وإذا الماء قد انحسر عن الجانبين ، يستقر في مجرى واحد كبير يمتد

شرقا وغربا ، تطلع منه الشمس في الصباح وتغطس فيه عند المغيب .

وتنظر فإذا أرض ممتده ريانة ملساء ترك عليها الماء دروبا رشيقة مصقولة في

هروبه إلى مجراه الطبيعي . رائحة الأرض الآن تملأ أنفك فتذكرك برائحة

النخل حين يتهيأ اللقاح . الأرض ساكنة مبتلة ، ولكنك تحس أن بطنها ينطوي

على سر عظيم ، كأنها امرأة عارمة الشهوة تستعد لملاقاة بعلها . الأرض

ساكنة ولكن أحشاءها تضج بماء دافق هو ماء الحياة والخصب . الأرض

مبتلة متوثبة ، تتهيأ للعطاء ، ويطعن شيء حادا أحشاء الأرض . لحظة نشوة

وألم وعطاء . وفي المكان الذي طعن في أحشاء الأرض ، تتدفق البذور ،

وكما يضم رحم الأنثى الجنين في حنان ودفء حب . كذلك ينطوي باطن

الأرض على حب القمح والذرة واللوبيا ، وتتشقق الأرض عن نبات وثمر .

تذكر نعمة وهي طفلة أن النساء كن إذا جئن لزيارة أمها كن يجلسنها على

حجورهن ، ويمسحن بأيديهن على شعرها الغزير المتهدل على كتفيها ، ويقبلنها

على خدها وشفتها ويدغدغنها ، ويضممنها إلى صدورهن . وكانت تمقت ذلك

، وتتلوى في أذرعهن ، ومرة ضجرت عبث امرأة بدينة بها ، وشعرت بذراعي

المرأة الغليظتين تنطبقان عليها ، كأنهما فكا حيوان مفترس ، وبردفي المرأة

المثقلة وعطرها القوي ، كأنها تخنقها ، وتململت نعمة وحاولت أن تتخلص من

قبضة المرأة . ولكن المرأة ضمتها إلى صدرها بقوة وانقضت على وجهها

بشفتيها المكتنزتين تقبلها على رقبتها وعلى خدها ، وتشمها ، صفعتها نعمة على

وجهها صفعة قاسية ، وذعرت المرأة وانفك ذراعاها وانفلتت نعمة وتركت

الغرفة . ولما كبرت ولم تعد طفلة ، أصبحت رؤوس النساء والرجال على

السواء تلتفت إليها ، حين تمر بهم في الطريق . لكنها لم تكن تأبه لجمالها ،

وتذكر أيضا كيف أرغمت أباها أن يدخلها في الكُتَّاب لتتعلم القرآن . كانت

الطفلة الوحيدة بين الصبيان . وبعد شهر واحد تعلمت الكتابة ، وكانت تستمع

إلى صبيان يكبرونها يقرأون سورا من القرآن ، فتستفر في ذهنها ، وأقبلت على

القرآن ، تحفظه بنهم ، وتستلذ بتلاوته وكانت تعجبها آيات معينة منه ، تنزل على

قلبها كالخبر السار ، كانت تؤثر مما حفظته سورة الرحمن وسورة مريم وسورة

القصص ، وتشعر بقلبها يعتصره الحزن وهي تقرأ عن أيوب وتشعر بنشوة

عظيمة حين تصل إلى الآية وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا .

وتتخيل رحمة امرأة رائعة الحسن متفانية في خدمة زوجها ، وتتمنى لو أن أهلها

اسموها رحمة . كانت تحلم بتضحية عظيمة لا تدري نوعها ، تضحية ضخمة

تؤديها في يوم من الأيام ، فيها ذلك الإحساس الغريب الذي تحسه حين تقرأ

سورة مريم ونشأت نعمة طفلة وقورة ، محور شخصيتها الشعور بالمسؤولية ،

تشارك أمها في أعباء البيت ، وتناقشها في كل شيء ، وتتحدث إلى أبيها حديثا

ناضجا جريئا يذهله في بعض الأحيان ، كان أخوها الذي يكبرها بعامين يحثها

على مواصلة التعليم في المدارس ويقول لها : " يمكن تبقي دكتورة ولا

محامية " . ولكنها لم تكن تؤمن بذلك النوع من التعليم . تقول لأخيها

وعلى وجهها ذلك القناع الكثيف من الوقار : " التعليم في المدارس كله

طرطشة . كفاية القراية والكتابة ومعرفة القرآن وفرايض الصلاة " .

ويضحك أخوها ويقول : " باكر يجي ود حلال يعرسك وتنفك مع حججك

" . أفراد أسرتها يقولون لها هذا مع إحساس بالخوف ، فهم يدركون أن

هذه الفتاة الغاضبة العينين الوقورة المحيا ، تضم صدرها على أمر تخفيه عنهم

، ولما بلغت السادسة عشرة و بدأت أمها تتحدث عن الفتيان الذين يصلحون

أصهارا . ولكن نعمة تهز كتفيها ولا تقول شيئا . ولما جاءت آمنة إلى

سعدية تحدثها في أمر زواج نعمة من أحمد وقالت لها سعدية : " الشورى

عند أبو البت " كانت تعلم في قرارة نفسها أن ( الرأي ) لا لأحد غير

نعمة نفسها . وكان لابد من خيارها . فهزت كتفيها وقالت : أنا لي الليلة

ما بقيت للعرس ) وكان من العبث مناقشتها ، خاصة وأن سعدية لم تكن

متحمسة لأن تصبح حماة لآمنة . لم يمض بعد ذلك وقت طويل حتى ظهر

خطيب آخر : إدريس . فتيات كثيرات في البلد كن يتمنين أن يصبحن

زوجات له فقد كان متعلما ، يعمل مدرسا في مدرسة ابتدائية . وكان دمث

الأخلاق ، حسن السيرة بين أهل البلد ومع أن عائلته لم تكن من العوائل ذوات

الأصل ، التي يشار إليها في البلد ، إلا أن أباه كون لنفسه مكانة بين الناس بجده

وحسن عشرته كانت أسرة طيبة ميسورة الحال ، وكان حاج إبراهيم والد نعمة

، وأمها سعدية ، وأخوانها الثلاثة ، يميلون إلى قبول إدريس . بيد أن نعمة

كان لها رأي غير ذلك . هزت كتفيها وقالت : " ما بدوره ) .

واحتد حاج إبراهيم في كلامه معها وهم بصفعها . ولكنه توقف فجأة .

شيء ما في محيا تلك الفتاة العنيدة قتل الغضب في صدره . لعله تعبير عينيها

، لعله التصميم الرزين على وجهها . وكأنما أحس الرجل بأن هذه الفتاة

ليست عاقة ولا متمردة . ولكنها مدفوعة بإيعاز داخلي إلى الإقدام على أمر لا

يستطيع أحد ردها عنه . ومن يومها لم يكلمها أحد في أمر الزواج . وكانت

نعمة حين تفرغ نفسها وأفكارها ، وتخطر على ذهنها خواطر الزواج . تحس

أن الزواج سيجيئها من حيث لا تحتسب . كما يقع قضاء الله على عباده .

مثل ما يولد الناس ويموتون ويمرضون ، مثل ما يبيض النيل ، وتهب العواصف

، ويثمر النخل كل عام ، كما ينبت القمح ويهطل المطر وتتبدل الفصول كذلك

سيكون زواجها ، قسمة قسمها الله لها في لوح محفوظ قبل أن تولد ، وقبل أن

يجري النيل ، وقبل أن يخلق الله الأرض وما عليها ، لم تكن تحس بفرح أو

خوف أو أسى حين تفكر في هذا ، ولكنها كانت تشعر بمسؤولية كبيرة ستوضع

على كتفيها في وقت ما ، قد يكون قريبا ، وقد يكون بعيدا ، صاحباتها في الحي ،

كل فتاة تشب وفي ذهنها صورة معينة عن الفارس الذي يربط فرسه ذات مساء

ساجي الضوء خارج الدار ، ويدخل ويختطفها من بين أهلها ، ويهرب بها بعيدا

إلى عوالم سحرية من السعادة ورغد العيش ، أما نعمة فلم ترتسم في ذهنها

صورة محددة ، كبرت وكبر معها حب فياض ستسبغه يوما ما على رجل ما قد

يكون الرجل متزوجا له أبناء ، يتزوجها على زوجته الأولى قد يكون شابا وسيما

متعلما ، أو مزارعا من عامة أهل البلد مشقق الكفين والرجلين ، من كثرة ما

خاض وضرب المعول ، قد يكون الزين ... وحين يخطر الزين على بال

نعمة تحس إحساسا دافئا في قلبها ، من فصيلة الشعور الذي تحسه الأم نحو

أبنائها ، ويمتزج بهذا الإحساس شعور آخر ، بالشفقة ، يخطر الزين على بالها

كطفل يتيم عديم الأهل ، في حاجة إلى الرعاية ، أنه ابن عمها على كل حال ،

وما في شفقتها عليه شيء غريب . ،، لم تكن أم الزين تبالي أين يقضي الزين

ليله ، فقد كان كروح قلق ليس له مستقر ، حيثما أقيم عرس تجد الزين : في

فريق الطلحة أو عند عرب القوز في قبلي أو بحري ، لا يحبسه برد ، ولا

عاصفة تهب بالليل ولا النيل الطامي في موسم فيضانه ، تلتقط أذنه بحساسية

نادرة زغاريد النساء على بعد أميال ، فيضع ثوبه على كتفه ويهرول كأن شيئا

يجذبه إلى مصدر الصوت . وأحيانا يسطع النور فجأة من وراء كثبان الرمل

، حين تعدو السيارات آتية من أم درمان ، فإذا شخص نحيل يحب في الرمل

يميل بجسمه إلى الأمام قليلا وعيناه تنظران إلى الأرض ، يحث الخطى متجها

شرقا . يرى الركاب الزين فيعلمون أن ثمة حفل عرس في طرف الحي ، فإما

صاحوا به حين يمرون عليه ، وأما أوقفوا السيارة وتحرشوا به . وأحيانا

يسير وراءه كوكبة منهم ، وتقترب زغاريد النساء وتتضح معالمها . ويستطيع

الزين أن يميز النساء . أية امرأة زغردت ، ثم تبدو الأنوار وتبدو أشباح

مجتمعة تصعد وتهبط كأنها شياطين في وادي الجن . ثم يظهر الغبار الذي

تثيره أرجل الناس في رقصها ، يتشبث بخيوط الضوء . وفجأة ينشق الليل

عن نداء يعرفه كل أحد : " عوك يا أهل العرس ، يا ناس الرقيص الزين

جاكم " . وإذا الزين قد قفز كالقضاء واستقر في حلقه الرقص . ويفور

المكان فجأة فقد نفث فيه الزين طاقة جديدة . ومن بعيد يسمع المرء صيحاتهم

يرحبون به : " ابشر . ابشر . حبابك عشرة " .

رهف
14-Jul-2009, 07:48 AM
وحين تموت أصوات النساء في حلوقهن ، وتطفأ الأنوار ، ويتراوح الناس إلى دورهم قبيل

طلوع الفجر ، يسند الزين رأسه إلى حجر أو إلى جذع شجرة ، وينام برهة

نوما خفيفا كنوم الطير . وحين يؤذن المؤذن لصلاة الفجر ، يقفل عائدا إلى

أهله ، فيوقظ أمه لتصنع الشاي . بيد أن المؤذن قد أذن ذات صباح ، ولم يعد

الزين . وأحمر الأفق الشرقي قبيل طلوع الشمس ، ثم ارتفعت الشمس قدر

قامة الرجل ولم يعد الزين . وأحست أم الزين برجفة خفيفة في جنبها الأيسر

فلم تستبشر خيرا . إنها تعتقد أن جنبها الأيسر إذا رجف فإن شرا سيلم بها

أو بأحد ذويها لا محالة . وهمت أن تذهب لعم الزين . ولكنها سمعت حركة

عند باب الحوش وسمعت باب الحوش الكبير يصر ، ثم سمعت خبطة قوية ،

وفجأة رأت أمامها شيئا مريعا . فصرخت صرخة سمعها حاج إبراهيم أبو

لحمة في رابع بيت وهو جالس على مصلاته يشرب قهوة الصباح . امتلأت

الدار بالناس رجالا ونساء وحملوا أم الزين فاقدة الوعي . وانشق الناس

نصفين . نصفا راح مع الأم ، ونصف أغلبهم من الرجال التفوا حول الزين ،

كان على رأسه جرح كبير يصل إلى قريب من عينه اليمنى ، وصدره وثوبه

وسرواله ملطخة بالدم . وفقد الناس رشدهم . وأخذ عبد الحفيظ يصيح في

الزين وقد احمرت عيناه من الغضب : " كلمنا مين عمل فيك العملة دي ؟

مين الكلب المجرم الضربك ؟ " وتصارخت النساء وبعضهن أخذن في البكاء

وكانت نعمة تقف عن بعد ، صامته ، وعيناها مركزتان على وجه الزين ، وقد

حل محل الغضب فيهما حنو عظيم . وقال حاج إبراهيم : " الحكيم "

. وكان للكلمة وقع الماء على النار ، فهدا عويل النساء وصاح محجوب :

" الحكيم " وصاح عبد الحفيظ : " الحكيم " وانطلق أحمد إسماعيل

على حماره ليحضره . ولما عاد الزين من المستشفى في مروى حيث ظل

أسبوعين كان وجهه نظيفا يلمع . وثيابه بيضاء ناصعة . وضحك فلم ير

الناس كما عهدوا سنين صفراوين في فمه ، ولكنهم رأوا صفا من السنان اللامعة

في فكه الأعلى ، وصفا من أسنان كأنها من صدف البحر في فكه الأسفل .

وكأنما الزين تحول إلى شخص آخر . وخطر لنعمة وهي واقفة بين صفوف

المستقبلين أن الزين في الواقع لا يخلو من وسامة . وظل الزين بعد ذلك زمنا

طويلا ، ولا حديث له إلا رحلته لمروى . كان يلذ له أن يجتمع حوله رفاقه

القدامى ، محجوب ، وعبد الحفيظ ، وأحمد إسماعيل ، وحمد ود الريس

والطاهر الرواسي ، وسعيد التاجر ، فيحكي لهم ما جرى له . أول ما وصلت

يا زول قلعوني هدومي ولبسوني هدوما نظاف .. السرير يرقش .

الملايات بيض زي اللبن والبطاطين والبلاط يزلق الكراع ... " وقاطعة

محجوب متحرشا : " خلك من البطاطين والبلاط كرشك الكبيرة دي ملوها

ليك بي شنو ؟ " وارتجف فم الزين كأنه مقبل على وليمة : " هلا هلا

الأكل في استبالية مروى ولا بلاش . هو عاد جنس أكل . شيتن سمك

شيتن بيض شيتن لحم شيتن دجاج " . وقاطعه محجوب مرة أخرى : "

الأكل في الاستباليات ما قالوا شوية ؟ كيفن كت بتشبع ؟ " وابتسم الزين

ابتسامة كبيرة ميدرة ، حتى يظهر أسنانه الجديدة : " بحال التمرجية كان

صاحبتي قعد قدام الأكل " . وصاح عبد الحفيظ : " أي لا إله إلا الله

... آمسنوح . كمان مشيت تتعلبس على التمرجيات ؟ " وارتج جسم

الزين بضحك مكتوم : " أي .. أي ... أمانة يا زول مي شافعتن

سميحة " . وتدخل ود الرواسي بعد أن كان يستمع ويضحك دون أن يقول

شيئا : " عليك الرسول ‍! الزين كدى وصفها لينا " . والتفت الزين

خلفه كأنه يخاف أن يسمعه أحد وخفض صوته : " عليك أمان يا زول

عليها كبر صلبن " . وانقطع حبل الحديث وقتا . فقد ضج المجلس

بالضحك وحين استجمع حمد ود الريس أنفاسه قال ، وما يزال في صدره بقية

من ضحك : " شن سويت معاها آمقطوع الطاري ؟ " واصل الزين

حديثه كأنه لم يسمع هذا السؤال الأخير : " بنيتن سميحة من أمدرمان ،

مرها ، ماها مشلخة " . وزحف ود الرواسي قريبا من الزين وأعاد سؤاله

بطريقة أخرى : " أنت شن أوراك كبر صلبها ؟ " وقال الزين على

الفور : ( قالوا لك أنا عميان ؟ الشي وقت يبقي قدامي ما بشوفه ؟ "

وكأن محجوب سر من هذا الرد فقال وهو ينظر إلى ود الريس : " الداهي

نجيض . ساكت قايلنه عويد ) . ووضع الزين يديه خلف رأسه ومال

إلى الوراء قليلا ، ثم قال ببطء وعلى وجهه ابتسامة خبيثة : " دايرين يا

جماعة تعرفو شن سويت لها ؟ " وقال ود الريس بلهفة : " الرسول

الزين حدثنا شن سويت لها " . واتسعت ابتسامة الزين ، ثم فتح فمه ليتكلم

، فانعكس شيء من ضوء المصباح الكبير المعلق في دكان سعيد على أسنانه .

وفجأة ، وفي وقت واحد ، قفز محجوب والطاهر الرواسي ، وحمد ود الريس .

وصاح عبد الحفيظ : ( امسكوه ) . لكنه كان أسرع منهم في لمح

البصر كان الزين قد أمسك بالرجل ورفعه في الهواء بعنف ثم رماه في الأرض

، ثم شده من رقبته وانكبوا كلهم عليه ، أحمد إسماعيل أمسك بذراعه اليمنى ،

وعبد الحفيظ أمسك بذراعه اليسرى ، والطاهر الرواسي أمسك به من وسطه

. وحمد ود الريس أمسك بساقيه ، وكان سعيد يزن شيئا في دكانه ، فخرج

مشرعا وأمسك بساقي الزين أيضا ، لكنهم لم يفلحوا . . تدفقت في جسم

الزين النحيل قوة مريعة جبارة لا طاقة لأحد بها أهل البلد جميعا يعرفون هذه

القوة الرهيبة ويهابونها ، وأهل الزين يبذلون جهدهم حتى لا يستعملها الزين ضد

أحد . أنهم يرتعدون روعا كلما ذكروا أن الزين أمسك مرة بقرني ثور جامح

استفزه في الحقل ، أمسك به من قرنيه ، ورفعه عن الأرض كأنه حزمة قش

وطرح به ثم ألقاه أرضا مهشم العظام ، وكيف أنه مرة في فورة من فورات

حمساة قلع شجرة سنط من جذورها وكأنها عود ذرة . كلهم يعلم أن في هذا

الجسم الضاوي قوة خارقة ليست في مقدور بشر : وسيف الدين .. هذه

الفريسة التي انقض عليها الزين الآن ، أنه لا محالة هالك واختلطت أصواتهم

برهة . كان الزين يردد في غضب ( الحمار الدكر لازم أكتله ) -

والحمار الدكر أقصى ذم يلحقه الزين برجل . وارتفع صوت عبد الحفيظ في

توتر وخوف : ( الرسول الزين عليك الله خليه ) . وأخذ محجوب

يشتم في يأس . وكان أحمد إسماعيل أصغرهم سنا وأقواهم ، ولما أعيته

الحيلة عض الزين في ظهره . وكان الطاهر الرواسي رجلا مشهورا بقوته ،

كان في بحثه عن السمك في الليل يعوم النيل ذهابا وجيئة ويغطس في الماء

نصف الساعة فلا ينقطع نفسه . لكن قوته لم تكن شيئا بجانب الزين . وفي

ضوضائهم سمعوا شخيرا يصدر من حلق سيف الدين وأوه يضرب برجليه

الطويلتين في الهواء . وصاح محجوب : " مات كتله " .لكن صوت

الحنين ارتفع هادئا وقورا فوق الضجة : ( الزين . المبروك . الله

يرضى عليك ) وانفكت قبضة الزين ووقع سيف الدين على الأرض هامدا

ساكنا ووقع الرجال الستة دفعة واحدة . فقد فاجأهم صوت الحنين وباغتهم

رهف
14-Jul-2009, 07:50 AM
الزين بسكوته المفاجئ فكأن حائطا أمامهم كانوا يدفعونه ، إنهد بغته ، ومضت

برهة قصيرة جدا ، مقدار طرفة العين ساد فيها صمت كامل ، لا بد أنه كان

صمتا مزيجا من رعب وحيرة وأمل ، بعد ذلك جاشت الحياة فيهم مرة أخرى

وتذكروا سيف الدين ، أنكبت رؤوسهم عليه ، ثم صاح محجوب بصوت فرح

مرتعش ( الحمد لله . الحمد لله ) وحملوا سيف الدين ووضعوه على

كنبة أمام دكان سعيد وفي أصوات متوترة خافتة أخذوا يعيدونه إلى الحياة حينئذ

فقط تذكروا الزين فرأوه جالسا على مؤخرته ويداه بين ركبتيه مطأطئاًَ رأسه ،

وكان الحنين قد وضع يده على كتف الزين في حنان بالغ ، كان يتحدث إليه في

صوت حازم لكنه مليء بالحب : ( الزين المبروك . ليه عملت كده ؟ )

. وجاء محجوب وانتهر الزين ، لكن الحنين نظر إليه نظرة أسكنته . وبعد

برهة قال محجوب للحنين : لو ما كت جيت يا شيخنا كان كتله ، وانضم إليهم

أحمد إسماعيل والطاهر الرواسي ، وبقي عبد الحفيظ وسعيد التاجر وحمد ود

الريس مع سيف الدين ، وبعد برهة قال الزين وهو ما يزال مطأطئ الرأس ،

مرددا كلام محجوب : " إن كت ما جيت يا شيخنا كت كتلته ، الحمار

الدكر ، وقت ضربني في رأسي بالفأس قايل ماش اسكت له " . لم يكن في

صوته غضب ، كان صوته أقرب إلى مرحه الطبيعي منه إلى الغضب ، وسرت

في الحاضرين رعشة مرح خفيفة ، لكنهم ظلوا صامتين ، وقال الحنين : "

لكين أنت ما كت غلطان ؟ ) . وظل الزين صامتا ، فقال الحنين مواصلا

كلامه ( متين سيف الدين ضربك بالفأس في رأسك ؟ فأجاب الزين ضاحكا

ووجهه مشبع بالمرح : ( وصت عرس أخته ) . واستمر الحنين وفي

صوته هو الآخر رنة مرح : ( شن سويت لي أخته يوم عرسها ؟ ) .

أخته كانت دايراني أنا . مشو عرسوها للراجل الباطل داك ) وضحك

أحمد إسماعيل بالرغم منه . وقال الحنين في صوت أكثر رقة وحنانا : (

كل البنات دايرتنك يا لمبروك . بارك تعرس أحسن بت في البلد دي ) .

وأحس محجوب بخفقة خفية في قلبه . كان فيه رهبة دفينة من أهل الدين ،

خاصة النساك منهم أمثال الحنين . كان يهابهم ويبتعد عن طريقهم ولا يتعامل

معهم . وكان يحاذر نبوءاتهم ويحس بالرغم من عدم اهتمامه الظاهري ، بأن

لها أثرا غامضا . ( نبوءات هؤلاء النساك لا تذهب هدرا ) ، يقول في

سره لعل هذا هو الذي جعله يقول بصوت مرتفع فيه رنة واحتقار : ( منو

البتعرس البهيم دا ؟ كمان على العلية ، داير يجيب لنا جنيه ) . ونظر

الحنين إلى محجوب نظرة صارمة ، ارتعدت لها فرائض محجوب لولا أنه

تشجع ، وقال : ( الزين مو بهيم الزين مبروك ، باكر يعرس أحسن بت في

البلد ) . وفجأة ضحك الزين ضحكة بريئة ، ضحكة طفل ، وقال ( كت

داير أموته ، الحمار الدكر يفلقني بالفاس علشان أخته دايراني أنا ؟ ) فقال

الحنين يحزم : ( دحين دايزنك تصالحه . خلاص الفات مات ، هو

ضربك ، وأنت ضربته ) . ونادى سيف الدين ، فجأة بقامته الطويلة وحوله

سعيد وعبد الحفيظ وحمد ود الريس . فقال الحنين للزين ( قوم سلم فوق

رأسه ) . فقام الزين دون أي اعتراض وأمسك برأس سيف الدين وقبله ،

ثم أهوى على رأس الحنين وأشبعها قبلا وهو يقول : ( شيخنا الحنين .

أبونا المبروك ) وكانت لحظة مؤثرة أثارت الصمت في نفوس أولئك الرجال

، ودمعت عينا سيف الدين وقال للزين : ( أنا غلطان في حقك ، سامحني

) وقام وقبل رأس الزين ثم أمسك بيد الحنين وقبلها ، وجاء الرجال كلهم ،

محجوب ، وعبد الحفيظ وحمد ود الريس ، والطاهر الرواسي ، وأحمد إسماعيل

، وسعيد التاجر ، كل واحد منهم أمسك بيد الحنين في صمت وقبلها . وقال

الحنين بصوته الرقيق الوديع : ( ربنا يبارك فيكم ربنا يجعل البركة فيكم )

ووقف وأمسك إبريقه في يده . فسارع محجوب يستضيفه : ( لازم

تتعشى معانا الليلة ) لكن الحنين رفض بلطف وقال وهو يمسك بيده الأخرى

كتف الزين : ( العشا في بيت المبروك ) ، وغابا معاً في الظلام .

رف على رأسيهما برهة قبس من ضوء المصباح المعلق في دكان سعيد ، ثم

انزلق الضوء عنهما كما ضوء المصباح المعلق في دكان سعيد . ثم انزلق

الضوء عنهما كما ينزلق الرداء الحريري الأبيض عن منكب الرجل . ونظر

محجوب إلى عبد الحفيظ ونظر سعيد إلى سيف الدين ، ونظروا كلهم بعضهم

إلى بعض وهزوا رؤوسهم بعد هذا الحادث بأعوام طويلة ، حين أصبح

محجوب جداً لأحفاد كثيرين . كذلك أصبح عبد الحفيظ والطاهر الرواسي

والباقون ، وحين أصبح أحمد إسماعيل أبا وصارت بناته للزاوج ، كان أهل البلد

- وبينهم هؤلاء - يعودون بذاكرتهم إلى ذلك العام ، وإلى حادث الزين

والحنين وسيف الدين الذي وقع أمام دكان سعيد ، الذين اشتركوا في ذلك

الحادث يذكرونه برهبة وخشوع ، بما فيهم محجوب الذي لم يكن يأبه لشيء من

قبل ، لقد تأثرت حياة كل واحد من أولئك الرجال الثمانية ، يستعيدون فيما بينهم

. آلاف المرات تفاصيل الحادث . وفي كل مرة ، كانت الحقائق تتخذ وقعا

أكثر سحرا . يذكرون في عجب كيف أن الحنين هل عليهم من حيث لا

يعلمون ، في اللحظة ، عين اللحظة ليس قبل ولا بعد ، حين ضاقت قبضة الزين

على خناق سيف الدين وكادت تودي به ، بل أن بعضهم يجزم أن سيف الدين قد

مات بالفعل : لفظ نفسه الأخير ، ووقع على الأرض جثة هامدة ، وسيف

الدين نفسه يؤكد هذا الزعم ، يقول أه مات بالفعل ، وفي اللحظة التي ضاقت

فيها قبضة الزين على حلقه ، يقول أنه غاب عن الدنيا البتة ، ورأى تمساحا

ضخما في حجم الثور الكبير فاتحا فمه . وانطبق فكا التمساح عليه ، وجاءت

موجة كبيرة كأنها الجبل فحملت التمساح في هوة سحيقة ليس لها قرار ، في هذا

الوقت ، يقول سيف الدين أنه رأى الموت وجها لوجه ، ويجزم عبد الحفيظ ،

وقد كان أقرب الناس إلى سيف الدين حين عاد إلى وعيه ، أن أول كلمات فاه

بها ، حين جاش النفس في رئتيه من جديد ، أول شيء تفوه به حين فتح عينيه ،

أنه قال : " أشهد إلا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله "

ومهما يكون فمما لا شك فيه أن حياة سيف الدين ، منذ تلك اللحظة ، تغيرت

تغيرا لم يكن يحلم به أحد ، كان سيف الدين الابن الوحيد للبدوي الصائغ -

سمي الصائغ لأن تلك كانت حرفته في بداية حياته ، ولما أثرى ولم يعد صائغا

لصق به الاسم فلم يفارقه ، كان البدوي رجلا موسرا ، ولعله أثرى رجل في

البلد ، جمع بعض ثروته بعرق جبينه ، من الصياغة والتجارة والسفر ، وبعضها

آل إليه عن طريق زوجته . كان كما يقول أهل البلد . رجلا ( أخضر

الذراع ) لا يمس شيئا إلا تحول بين يديه إلى مال ، في أقل من عشرين عاما

، كون من العدم . ثروة بعضها أرض وضياع ، وبعضها تجارة منتشرة على

طول النيل من كرمه إلى كرمه ، وبعضها مراكب موسقة بالتمر والبضائع

تجوب النهر طولا وعرضا ، وبعضها ذهب كثير تلبسه زوجته وبناته في شكل

حلي يملأ رقابهن وإيديهن . ونشأ سيف الدين ولداً واحداً بين خمس بنات ،

تدلله أمه ، ويد لله أبوه ، وتدلله أخواته الخمس . فكان لا بد أن يفسد ، أو كما

يقول أهل البلد ، كان لا بد أن ينشأ هشا رخوا ، كالشجيرة التي تنو في ظل

شجرة أكبر منها . لا تتعرض للريح لا ترى ضوء الشمس ، مات البدوي

وفي حلقه غصة مريرة من ابنه . أنفق عليه مالاً كثيراً لكي يتعلم . فلم يفلح

وأنشأ له متجراً في البلد فأفلس في شهر ، ثم الحقه بورشة ليتعلم الصناعة

فهرب . وبعد لأي ، ووساطة وتشفع نجح في تعيينه موظفا صغيرا في

الحكومة لعله يتعلم كيف يعتمد على نفسه . لكن لم تمضي أشهر حتى جاءته

الأنباء تترى . من أفواه الأعداء والأصدقاء . من الشامتين والمشفقين على

السواء أن ابنه يبيت ليله كله في خماره ولا يرى المكتب إلا مرة أو مرتين في

الأسبوع . وأن رؤساءه أنذروه مراراً وهددوا بفصله من العمل ، فسافر

الرجل إلى المدينة وعاد يسوق ابنه كالسجين وحلف ليسجننه طول حياته في

الحقل - كالعبد الرقيق . هكذا قال .

رهف
14-Jul-2009, 07:52 AM
ومضى عام على سيف الدين وهو يجمع العلف للبقر ويرعى الماشية على

أطراف الحقل سحابة نهاره . يزرع ويحصد ويقطع ويتأوه . ومع ذلك فلم

يعدم تلسية بالليل . كان يعرف أماكن صنع الخمر . ويصادق الجواري

اللائي يصنعنها - ( الخدم ) : كما يقول أهل البلد كن رقيقا أعطي

حريته . بعضهن هاجرن من البلد وتزوجن بعيدا عن موطن رقهن ، وبعضهن

تزوجن الرقيق المعتقين في البلد وعشن حياة كريمة بينهن وبين سادتهن

السابقين ود وتواصل وبعضهن لم تستهوهن حياة الاستقرار فبقين على حافة

الحياة في البلد . محطا لطلاب الهوى واللذة . والحق أن مجتمع الجواري

هذا كان شيئا غريبا . فيه روح المغامرة والتمرد والخروج على المألوف .

هناك في طرف الصحراء بعيدا عن الحي ، تقبع بيوتهن المصنوعة من القش .

بالليل حين ينام الناس . ترتعش من فرجاتها أضواء المصابيح وتسمع منها

ضحكات مخمورة نشوى . ضاق بها أهل البلد فأحرقوها ، لكنها عادت إلى

الحياة مثل نبات الحلفا . لا يموت . وطردوا سكانها وعذبوهم بشتى السبل

. لكنهم لم يلبثوا أن تجمعوا من جديد كالذباب الذي يحط على بقرة ميتة

وكم من شاب مراهق ، خفق قلبه في جنح الظلام حين حمل إليه الليل ضحكات

الجواري وصياح المخمورين . في تلك ( الواحة ) على حافة الصحراء

. بشيء مخيف ، لذيذ رهيب ، يغري بالاستكشاف . ولم يكن عسيرا على

سيف الدين أن يجد طريقه إليها . هنالك كان يقضي لياليه ، وكانت له من

بينهن خليلة . كل هذا تحمله أبوه في صبر . كانت الأخبار تأتيه ، فكان

يتغاضى أحيانا ، وأحيانا يثور . لكن صبره نفذ حين جاء سيف الدين ذات ليلة

، وهو على سجادته بعد صلاة العشاء . كان تفوح من فمه رائحة الخمر ،

وقال له ، بصوت أجش من فعل الشراب والسهر ، أنه يحب الساره ( إحدى

الجواري ) ويريد أن يتزوجها ، اسودت الدنيا في وجه الرجل وفقد صوابه ،

ابنه الوحيد سكران ، فاسق ، يقول له ، وهو على مصلاته ، أنه " يحب "

- الكلمة التي تثير في عقول الآباء في البلد كل معاني البطالة والخمول وعدم

الرجولة - وأنه يريد أن يتزوج جارية ماجنة فارغة العين ... قام الأب

وهو بين الحياة والموت . وحلف الأب أن الولد الفاسق - هكذا قال - لا

يبيت ليلة واحدة تحت سقف بيته ، وأنه ليس ابنه وأنه براء منه . قضى سيف

الدين ليلته في بيت خاله ، وفي الصباح اختفى . وعاش البدوي الصائغ بقية

حياته مثل رجل به عاهة . كان الألم يحز في قلبه ، ووجهه معروق كوجوه

المرضى بالسل ، كان يقول أن ابنه مات ، وكان أحيانا إذا خانه لسانه وذكر ابنه

، يذكره كأنه مات بالفعل .

وكانت تترى على البلد أخبار مريعة عن سيف الدين ، كيف أنه سجن في

الخرطوم بتهمة السرقة وكيف أنه اتهم مرة بقتل رجل في بور سودان وكاد

يشنق لولا أنهم وجدوا القاتل الفعلي في النهاية وكيف أنه يعيش " صائعا "

سفيها فاسقا مع العاهرات في كل مدينة يحل فيها . يقولون مرة أنه يعمل

حمالا يحمل بالات القطن على ظهره في الميناء . ومرة يقولون أنه يعمل

سواقا لسيارة شاحنة بين الفاشر والأبيض وأحيانا يقولون أنه يزرع القطن في

طوكر ، وحاول أعمامه وأخواله إقناع أبيه بأن يكتب وصية يترك فيها ثروته

كلها لزوجته وبناته . كل الرجال العقلاء في البلد أمّنوا أيضا على صواب هذا

الرأي لكن الأب كان يتهرب دائما ويتعلل بأنه سيفعل ذلك حين يدنو أجله ، وأنه

ما زال قويا لا حاجة به إلى كتابة وصية . لكن الرجال العقلاء كانوا في

مجالسهم يهزون رؤوسهم حسرة ، ويقولون أن البدوي ما زال يأمل أن ابنه

سيعود إلى صوابه . شيء ما : لم يفهمه أهل البلد ، منع الرجل من اتخاذ

الخطوة الحاسمة : حرمان ابنه من الميراث

وفي ليلة من ليالي شهر رمضان ، مات البدوي على مصلاته بعد أن صلى

التراويح . كان رجلا طيبا فمات ميتة كل الرجال الطيبين : في شهر

رمضان ، في الثلث الأخير منه ، وهو الثلث الأكثر بركة ، على مصلاته ، بعد

أن صلى التراويح ، وهز أهل البلد رؤوسهم وقالوا " يرحم الله البدوي .

كان رجلا طيبا . كان يستاهل أبناء خيرا من ابنه الفاسق ذاك " . وذات

يوم . والناس ما زالوا على ( فراش البكاء ) وقد فرغوا لتوهم من إقامة

( الصدقة ) دخل عليهم سيف الدين . كان يحمل في يده عصا غليظة من

النوع الذي يستعمل في شرق السودان ، ولم يكن معه متاع على الإطلاق .

كان شعره منفوشا كأنه شجيرة سيال ، ولحيته كثة متسخة ووجهه وجه رجل

عاد من الجحيم ، لم يسلم على أحد ، وتجنبته كل العيون ، لكن عمه الأكبر قام

وبصق على وجهه ، ولما وصل النبأ بقدومه إلى أمه في الجناح الآخر من البيت

وهي وسط الحريم على ( فراش البكاء ) وولولت من جديد كأن زوجها

مات لتوه . وولولت أخوات سيف الدين ، وعماته وخالاته وفار جناح الحريم

في البيت وماج . إلا أن العم قام إليهن وانتهرهن فسكتن .

كل هذا لم يمنع سيف الدين أن يضع يده على أموال أبيه ، كل ما استطاع عمله

أعماله وأخواله أنهم خلصوا نصيب أمه وأخواته ، وبقي لب الثروة في يده .

هنا أيضا تبدأ حياة العذاب لموسى صديق الزين - موسى الأعرج - كما

يسميه أهل البلد . طرده سيف الدين بحجة أنه لم يعد رقيقا . وأنه ليس

مسؤولا عنه . وعاش سيف الدين بعد هذا حياة مستهترة . زاد في

استهتارها توفر المال في يده . كان في سفر متواصل ، ومرة في الشرق

ومرة في الغرب ، يقضي شهرا في الخرطوم وشهرا في القاهرة وشهرا في

أسمرا ، ولا يجيء البلد إلا لبيع أرضا أو يتخلص من ثمر ، كان نوعا من الناس

لم يعرفه أهل البلد في حياتهم ، يجافونه كما يجافي المريض بالجذام . حتى

أقرب الناس إليه . أعمامه وأخواله لم يكونوا يأمنونه في بيوتهم ، فسدوا الباب

في وجهه مخافة أن يفسد أبناءهم أو يفسق ببناتهم ، وفي إحدى زياراته

المتقطعة للبلد وجد عرس أخته - فإن أهله كانوا يتجنبون حضوره لأفراحهم

ولم يكن هو بطبعه يحضر مأتما . وكاد ذلك العرس ينقلب بسببه إلى مأساة .

أولاً حادثة الزين . جاء الزين كعادته في مرحه وهذره ولم يكن أحد يأبه له .

لكن سيف الدين لم يعجبه ذلك فضربه بفاس على رأسه وكادت المسألة تنتهي

بالسجن . لولا تدخل العقلاء من أهل البلد الذين قالوا أن سيف الدين لا

يستحق الوقت الذي ينفقونه عليه في المحاكم. ثانيا : كاد العريس يغير رأيه

في آخر لحظة لأنه تشاجرمع سيف الدين أخي العروس ومرة أخرى تجمع

العقلاء من أهل البلد ، بما فيهم أبو العريس ، وقالوا إن سيف الدين ليس منهم ،

وأن حضوره العرس شر لا يستطيعون رده . ثالثاً : في الأسبوع الأخير

في حفل الزواج انهمر على الدار عشرات من الناس الغرباء الذين لم يرهم أحد

من قبل . نساء ماجنات ورجال زائغو النظرات وصعاليك ، وسفهاء جاؤوا

من حيث لا يدري أحد . كلهم أصدقاء سيف الدين دعاهم لحفل زواج أخته .

وهنا لم يجد أهل البلد بداً من القيام بعمل . قبل أن يستقر هؤلاء الضيوف في

جلساتهم إذا بصف من رجال البلد يتقدمهم أحمد إسماعيل . ثم محجوب ، ثم

عبد الحفيظ فالطاهر الرواسي ، فحمد ود الريس ، وأعمام سيف الدين وأخواله

، نحو من ثلاثين رجلا في أيديهم عصي غليظة وفؤوس ، أغلقوا الأبواب عليهم

وأشبعوهم ضربا . وأكثر من ضربوا منهم سيف الدين . ثم ألقوا بهم في

الطريق . وبينما البلد بأسرها تضج من ذلك البلاء الذي اسمه سيف الدين ،

إذا به فجأة بعد ( حادث الحنين ) يتغير كأنه ولد من جديد .

لم يصدق الناس عيونهم بادئ الأمر ، ولكن سيف الدين أخذ كل يوم يأتي بجديد

. سمعوا أولا أنه ذهب من صباحه إلى أمه وقبل رأسها وبكى طويلا بين يديها

. وما كادوا يستجمعون أنفاسهم حتى سمعوا أنه جمع أعمامه وأخواله وأنه

تاب واستغفر أمامهم . وأنه تأكيدا لتوبته أخرج ما تبقى من ثروة أبيه من ذمته

، وجعل عمه الأكبر وصيا عليها حتى يصير هو صالحا تماما لمباشرة مسؤوليته

. كاد أهل البلد يعودون آذانهم على ذلك ، حتى رأوا لعجبهم سيف الدين يدخل

المسجد لصلاة الجمعة ، كان حليق اللحية ، مهذب الشارب ، ونظيف الثياب ،

ويقول الذين حضروا الصلاة أنه لما سمع خطبة الإمام ، وكان موضوعها البر

بالوالدين ، أجهش طويلا بالبكاء حتى أغمي عليه ، وتجمهر حوله الناس يطيبون

خاطره ، ولما خرج من المسجد ، ذهب من فوره إلى موسى الأعرج وقال له

أنه أخطأ في حقه وطلب صفحة وقال له أنه سيبره كما بره أبوه . وعاشت

البلد شهرا أو قرابة شهر وهي تلهث كل يوم من عمل جديد قام به سيف الدين

عزوفه عن الخمر ، ابتعاده عن أصدقاء السوء ، مواظبته على الصلاة انصرافه

إلى إصلاح ما فسد من تجارة أبيه بره بأ‏مه . خطوبته لبنت عمه . وأخيرا

عزمه على تأدية فريضة الحج ذلك العام ، وكان عبد الحفيظ ، وكان من أكثر

الناس إيمانا بمعجزة الحنين ، كما تجلت في سيف الدين ، كلما سمع نبأ جديدا

يسرع به إلى محجوب . وكان معروفا بجفائه لأهل الدين والنساك منهم بوجه

خالص ( معجزة يا زول ، ما في اثنين ثلاثة ) ، ويصمت محجوب وهو

يحس في جوفه بذلك القلق الغامض الذي يساوره إزاء هذه الحالات ( سيف

الدين عزم على الحج تصدق بالله يا زول ؟ تآمن وألا ما تآمن ؟ معجزة يا زول

دون أدنى شك ) كان محجوب يقول لعبد الحفيظ لما بدأت القصة أن سيف

الدين شبع من السفاهة ، أو على قوله ( وصل السفاهة حدها ) ، وكان لا

بد أن يتغير في يوم من الأيام ، لكنه وهو يسمع كل يوم شيئا جديدا مذهلا لم يعد

قادرا حتى على الجدال ، فلاذ بالصمتكانت معجزة سيف الدين بداية لأشياء

غريبة تواردت على البلد في ذلك العام . ولم يعد ثمة شك في ذهن أحد ، حتى

محجوب ، وهم يرون المعجزة تلو المعجزة أن مرد ذلك كله أن الحنين قال

لأولئك الرجال الثمانية أمام متجر سعيد ذات ليلة : ( ربنا يبارك فيكم ربنا

يجعل البركة فيكم ) كان الوقت قبيل صلاة العشاء بقليل ، وهو وقت يستجاب

فيه الدعاء ، خاصة من أولياء الله الصالحين أمثال الحنين كانت البلد هادئة

ساكنة ، إلا من ريح خفيفة منعشة تلعب بجريد النخيل , إنهم جميعا .

الرجال الثمانية الذين شهدوا الحادث وبقية الناس في بيوتهم وحقولهم ، يذكرون

تلك الليلة بوضوح كأنها كانت ليلة البارحة وكان الظلام المخملي الكثيف يريض

على أركان البلد ، عدا أضواء مصابيح خافته تسربت من نوافذ البيوت ،

والضوء الساطع من المصباح الكبير في متجر سعيد . كان الوقت وقت تحول

الفصول ، من الصيف إلى الخريف . يذكر سعيد صاحب الدكان أن الليلة لم

تكن قائظة كسابقتها وأنه لم يكن رطب الوجه من العرق وهو يزن سكرا لسيف

الدين ، وأنه لما ( وقعت الوقعة ) كما يسميها ، وترك ميزانه وخرج من

دكانه ليحول بين الزين وسيف الدين ، يذكر أن نسيما باردا هب على وجهه !

ويذكر الناس الذين لم يسعدهم الحظ بحضور الحادث لأنهم كانوا يتهيأون لصلاة

العشاء في المسجد ، أن الإمام تلا في تلك الليلة ، حين صلى بهم جزءا من

سورة مريم ، وحاج إبراهيم ، عم الزين ووالد نعمة ، وهو رجل مشهود له

بالصدق ، يذكر تماما أن الإمام قرأ الآية وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك

رطبا جنيا ويصف حمد ود الريس ، وهو مشهور في البلد بسعة الخيال والجنوح

إلى المبالغة ، بأن نجما له ذنب سطح تلك الليلة في الأفق الغربي فوق المقابر ،

لكن أحدا غيره لا يذكر نجما له ذنب سطح في تلك الليلة ، على أي حال ، لا

شك في أن الحنين ، ذلك الرجل الصالح ، قال على مسمع من ثمانية رجال ، في

تلك الليلة المباركة بين الصيف والخريف ، قبيل صلاة العشاء بقليل : (

ربنا يبارك فيكم ربنا يجعل البركة فيكم ) وكأنما قوي خارقة في السماء قالت

بصوت واحدا : ( آمين )

رهف
14-Jul-2009, 07:53 AM
بعد ذلك توالت الخوارق معجزة تلو معجزة . بشكل يأخذ باللب . لم تر

البلد في حياتها عاما رخيا مباركا مثل ( عام الحنين ) عام أخذوا يسمونه

صحيح أن أسعار القطن ارتفعت ارتفاعا منقطع النظير في ذلك العام وإن

الحكومة لأول مرة في التاريخ سمحت لهم بزراعته بعد أن كان ذلك وقفا على

مناطق معينة في القطر ( محجوب وحده ، وباعتراف منه ربح أكثر من ألف

جنيه من قطنه ) ، وصحيح أيضا أن الحكومة لغير ما سبب أو لسبب خفي لا

يعلمونه ، بنت معسكرا كبيرا للجيش في الصحراء على بعد ميلين من بلدهم ،

والجنود يأكلون ويشربون ، فانتعشت البلد من توريد الخضروات واللحوم

والفواكه واللبن للجيش حتى أسعار التمر ارتفعت ارتفاعا ليس له نظير في ذلك

العام ، وصحيح أيضا أن الحكومة هذا المخلوق الذي يشبهونه في نوادرهم

بالحمار الحرون ، قررت لغير ما سبب ظاهر أيضا أن تبني في بلدتهم - دون

سائر بلدان الجزء الشمالي من القطر وهم قوم لا حول لهم ولا طول ، ولا نفوذ

ولا صوت يتحدث باسمهم في محافل الحكام - قررت الحكومة أن تبني في

بلدهم ، دفعة واحدة مستشفى كبيرا يتسع لخمسمائة مريض ، ومدرسة ثانوية

ومدرسة للزراعة ومرة أخرى عادت الفائدة على البلد ، في الأيدي العاملة

ومواد البناء وتوريد الغذاء ناهيك بأن مرضاهم سيضمنون العلاج وإن إبناءهم

سينالون حقهم من التعليم ، وإذا كانت كل هذه الأدلة لا تكفي ، فكيف تفسر بأن

الحكومة هذا ( الحمار الحرون ) في اعتقادهم ، قررت أيضا في العام ذاته

ولم يمض على وفاة الحنين أكثر من شهرين أن تنظم أراضيهم كلها في مشروع

زراعي كبير تشرف

عليه الحكومة نفسها بما لها من قوة وسلطان ؟ وجدوا بلدهم فجأة تعج

بالمساحين والمهندسين والمفتشين والحكومة إذا عزمت على أمر فإنها قادرة

على تنفيذه فما هو إلا يوم في أثر يوم وشهر يعقبه شهر ، حتى قام على ضفة

النيل في بلدهم بناء شامخ من الطوب الأحمر مثل المعبد يلقي ظلاله على النيل ،

وبعد ذلك بقليل ، بين لغط العاملين وقرقعة الحديد إذا بعجلات ذلك المارد تدور ،

وإذا بمصاصاته تشفط من ماء النيل ، كما يشفط الرجل الشاي ، في لمح البصر

، كميات لا تقوي عليها عشرات من سواقيهم في عشرات الأيام ، وإذا بالأرض

على اتساعها من ضفة النيل إلى طرف الصحراء يغمرها الماء بعضها أراض

لم تر الماء منذ أقدم السنين. وإذا بها تموج بالحياة ، كيف تفسر هذا ؟ عبد

الحفيظ يعلم السر ، فهو يقول لمحجوب ، وهو يجمع بين عينيه الحقل الواسع

الذي هو حقله والريح تلعب بالقمح فتثني صفوفه فكأنه حوريات رشيقة تجفف

شعرها في الهواء ( معجزة يا زول . ما في أدني شك ) .

جلس الطريفي خلسة في مقعده بعد أن حدث الناظر بخبر عرس الزين ، جلس

خلسة على طرف مؤخرته كأنه يتهيأ للهروب في أية لحظة ، فقد كان في سمته

وطبعه شيء من سمت الضبع وطبعه . ونظر حوله بعينيه الماكرتين ، وهمس

في أذن جاره من اليمين : ( نجينا الليلة من الجغرافيا ، أشارطك الناظر ما

يتم الحصة ) . وكما تنبأ الطريفي أعلن الناظر في صوت فاتر غير مكترث

أنه خارج لأمر عاجل : ( راجعوا الدرس بتاع منطقة زراعة القمح في

كندا ) ، وخرج في خطوات متوترة ، وراقبه الطريفي ، وهو يحاول ألا

يهرول حتى وصل باب فناء المدرسة ، وضحك الطريفي بخبث حين رأى

الناظر يمسك بذيل عباءته في يده ، ويهرول مكبا على وجهه في الرمل .

ووصل الناظر إلى دكان شيخ علي في السوق ، لاهث النفس ، جاف الحلق ، إذ

أن المدرسة لم تكن قريبة كل القرب من السوق وبينها وبينه رمل تغوص فيه

القدم ، والناظر قد جاوز الخمسين ، كان دكان شيخ علي في السوق مقره

المفضل . سر لما رأي عبد الصمد أيضا فقد كانت بينه وبينه صداقة مريرة ،

لا يطيب له المجلس أو لعب الطاولة بدونه . وكان بينه وبين المتجر مقدار

عشرة أمتار لكنه لم يطق صبرا . فبدأ يتحدث وهو مقبل عليهما : (

شيخ علي ، حاج عبد الصمد ، السنة دي سنة العجايب دا كلام أيه دا ؟ )

وأوصلته الجملة عندهم ، فأجلسوه على مقعده المفضل ، مقعد وطيء من خشب

وجبال عليه مسند وله متكآت على جانبيه :

وكانت القهوة ما تزال ساخنة ، تفوح منها رائحة القرفة والحبهان والجنزبيل ،

أمسك بالفنجان وقربه إلى فمه ، لكنه لم يلبث أن رده وقال : ( الخبر دا

صحيح ؟ ) .

وضحك عبد الصمد وقال للناظر : ( كدى أشرب القهوة قبل تبرد .

الكلام صحيح ) .

وقال الشيخ علي وهو يحرك التبغ الممضوغ من الجانب الأيمن إلى الجانب

الأيسر في فمه ( حكاية عرس الزين موكدي ؟ صحيح وأبوه صحيح كمان )

.

وشفط الناظر شفطة كبيرة من الفنجان ، ثم وضعه على منضدة صغيرة أمامه

وأشعل لنفسه سيجارة شد منها نفسا عميقا ( يا رجل دي سنة غريبة جدا ،

وألا أنا غلطان ؟ ) لم يكن الناظر يستعمل عبارة ( زول ) أي (

شخص ) كبقية أهل البلد، بل كان يقول ( رجل ) في بداية جملة .

وقال عبد الصمد : ( كلامك صحيح جناب الناظر ، سنة عجيبة فعلا

النسوان القنعن من الولادة ولدن ، البقر والغنم جابت الاثنين والثلاثة ) .

وواصل حاج علي تعداد المعجزات التي حدثت ذلك العام : ( تمر النخيل

كثير لا من غلبنا من الشولات النشيلة فيها الثلج نزل . دا كلام ! الثلج في

ذلك العام شيئا حيرهم جميعا . ولم يستطع الناظر مع طول باعه في علم

الجغرافيا أن يجد له تعليلا ، وقال الناظر : ( لكين المعجزة الكبرى

موضوع زواج الزين ) -هذه كانت عادته ، يزج الكلمات الفصحى في حديثه

.

وقال شيخ علي : ( الواحد ما يكاد يصدق ) كان الناظر يعديه هو وعبد

الصمد بكلماته الفصحى ، فيحاولان مجاراته .

وقال عبد الصمد : ( كلام الحنين ما وقع البحر ، قال له باكر تعرس أحسن

بت في البلد ) .

وقال الناظر : ( أي نعم والله . أحسن بنت في البلد إطلاقا ، أي جمال

! أي أدب ! حشمة !).

وقال عبد الصمد مستفزا : ( أي فلوس ! أنا عارفك كت خات عينك

عليها عشان مال أبوها ) واحتد الناظر وهو يرد التهمة عن نفسه : ( أنا

خاف الله يا رجل هذه في عمر بناتي ) .

وقال شيخ علي يسري عنه : ( عمر بناتك ايه يا شيخ ؟ الراجل راجل

حتى في أرزل العمر ، والبنت من سن أربعتاشر قابلة للزواج من أي راجل ولو

كان زي جنابك في الستين ) .

( خاف الله يا رجل ، أنا في الخمسين ، أصغر منك ومن عبد الصمد قطع

شك ) .

وقهقهة عبد الصمد قهقته المشهور من جوف صدره وقال : ( طيب بلاش

موضوع العمر ، أيه رأيك في حكاية عرس الزين ؟ )

وقال الناظر : يا رجل دا موضوع مدهش . ازي حاج إبراهيم يقبل ؟

الزين رجل درويش ماله ومال الزواج ؟ ) .

وأضاف شيخ علي أيضاً : ( رحمة الله عليه . جاب لنا الخير في البلد

) . وقال عبد الصمد : ( وكله عشان خاطر الزين ) .

وقال الناظر : ( يا رجل ما دخلنا في موضوع الكرامات ؟ لكن برضه

... )

وقاطعه شيخ علي : ( مهما يكون ، الراجل راجل والمره مره ) .

وأضاف عبد الصمد : ( والبت بت عمه على كل حال ) .

صمت الناظر ، فإنه لم يجد ما يرد به على كلامهما - من الناحية الشكلية على

الأقل : فكون بنت العم لابن العم حجة ليس بعدها حجة في عرف أهل البلد ،

أنه تقليد قديم عندهم ، في قدم غريزة الحياة نفسها ، غريزة البقاء وحفظ النوع

. لكنه في قرارة نفسه كان مثل آمنة . يحس بلطمة شخصية موجهة له ،

وأحس برهة بارتياح : أن علي وعبد الصمد لا يعلمان بأنه فاتح حاج إبراهيم

في أمر نعمة لو علما إذا لما استطاع أن ينجو من لسانيهما السليطين . وسأل

نفسه وهو يشرب الفنجان الخامس من قهوة شيخ علي ، لماذا طلب يدها ؟ فتاة

صغيرة في سن بناته . أنه لا يدري تماما . لكنه رآها ذات يوم خارجه من

الدار ، ترتدي ثوبا أبيض . صادفها وجها لوجه . راعه جمالها سلم عليها

بصوت مرتعش فردت سلامة بصوت هادئ رزين . قال له : ( أنت

نعمة بنت حاج إبراهيم ؟ ) فقالت دون تردد أو وجل : ( نعم )

وبسرعة بحث في ذهنه عن سؤال آخر يستبطئها به قبل أن تذهب فلم يجد خيرا

: ( أخوك أحمد كيف حاله ؟ ) - كان هذا أخاها الأصغر الذي كان

من تلاميذه . فقالت له ووجهها الجريء قبالة وجهه : ( طيب ) ثم

ذهبت ... وعاش الناظر بعد ذلك ليالي وصورتها لا تفارق ذهنه . لعلها

أيقظت في قلبه إحساسا دفينا . لم يذكره منذ عشرين عاما . وأخيرا لم يقو

على الصبر فانتهز وعكة خفيفة ألمت بأبيها فذهب إليه بحجة عيادته . وجده

وحده لحسن حظه ، وبعد حديث سطحي عن أسعار القمح وحال المدرسة ،

دخل الناظر في الموضوع ، وبسرعة طلب يد نعمة من أبيها ، لم يفهم حاج

إبراهيم شيئا أول الأمر ، أو لعله تغابى فاستوضح الناظر في جملة أو جملتين

حزنا في نفسه قال له أولا : ( داير نعمة لي منو ؟ ) فقال الناظر بشيء

من العجرفة : ( لي منو ؟ أنا طبعا ) . وكأنما حاج إبراهيم غرس

خنجرا ثم ضغط على مقبضه ليثبته أكثر في قلبه حين قال له : ( ليك أنت

؟ ) خلاصة القول أن زيارته كانت خطأ فادحا . وحاول حاج إبراهيم أن

يخفف عنه الوقع فألقى خطبة طويلة عن الشرف الذي أسبغه عليه الناظر بطلبه

وأنه خير صهر له وو ... لكن ، وهذا هو المهم ، لكن الفرق بين سنة وسن

البنت يجعله لا يستطيع أن يقبل ، فهو بهذا لا يرضي ضميره ، ثم أن أخوانها

سيعترضون ، وأخيرا حاول الناظر ملافاة الضرر ، فاستحلف حاج إبراهيم إلا

يذكر شيئا مما دار بينهما لمخلوق ، وأن يعتبر الأمر كأن لم يكن . ( نحفر

حفرة وندفنه في محله دا).

وكان حاج إبراهيم عند حسن ظنه . لكن الناظر في قراره نفسه ، على الرغم

من اقتناعه بخطئة ، لم يستطع أن يتخلص من الطعم المر في حلقه ، ولما سمع

بأنها ستزف للزين دون سائر الناس أحس ، الخنجر ينغرس أكثر في قلبه ،

وذعر الناظر قليلا حين سمع عبد الصمد يقول له : ( جنابك ما تزعل أبدا

، إذا كنت عاوز تعرس . البلد مليانة نسوان عزبات ، المطلقة والراجلها مات

أجمل نسوان علي باليمين ) .

وهنا ثار الناظر فعلا . انصب حنقه الداخلي كله على عبد الصمد : ( يا

رجل أنت مجنون ؟ أنت ما تعرف تفرق بين الجد والهزار ؟ ما أنت راجل

اونطة صحيح ! ) .

وقهقهة عبد الصمد بلذة عميقة ، فقد نجح في استثارة الناظر ، أنه يتصيد هذه

الفرص ، لعل الذي آلمه في الموضوع ذكر النساء الثيبات ! وقال شيخ علي

يزيد النار اشتعالا : ( يعني جناب الناظر لما يحب يتزوج فوق أم أولاده .

يتزوج نسوان سكندهاند ؟ أما فعلا يا حاج عبد الصمد أنت راجل اونطة صحيح

) .

وتمسك عبد الصمد بكلمة ( سكندهاند ) يغيظ بها علي هذه المرة : (

قت شنو آشيخ علي ؟ سكن دهان ؟ والله عجايب ! عشنا وشفنا علي ود

الشايب يتكلم الأفرنجي ) .

رهف
14-Jul-2009, 07:55 AM
وضحك الناظر بإفراط محاولا قدر المستطاع تحويل الهجوم عن شخصه إلى

شخص شيخ علي ، لكن شيخ علي كان عليما بنزوات عبد الصمد وحركات

الناظر فتجاهل هجوم عبد الصمد وعاد بالحديث إلى موضوع زواج الزين :

( المهم زي ما قلنا العرس مو قاسي . والراجل راجل وأن كان بي رياله

والمره مره وأن كانت شجرة الدر ) .

تعجب الناظر في سره كيف عرف شيخ علي اسم شجرة الدر . ووقع الاسم

موقعا حسنا على أذن عبد الصمد وكان جاهلا به لكنه تحرج من السؤال مخافة

أن يفضح جهله . ومضى شيخ علي يعدد لهما أسماء الرجال الذين لم يكن لهم

شأن يذكر ومع ذلك تزوجوا نساء بارعات الذكاء مفرطات الحسن . استحوذ

على اهتمام خصميه مدة غير قليلة من الزمن . وغمرته السعادة وهو يرى

الدهشة والإعجاب يبدوان على وجهيهما . ذكرهما بقصة كثير الذي أحبته

عزة على قصره وبشاعة هيئته . وقصة الأعرابية التي سألوها كيف تزوجت

رجلا جلفا قميئا فقالت لهم ( والله لو .. إلخ ) وكاد الناظر وعبد الصمد

يستلقيان على ظهريهما من الضحك حين سمعا ما قالته الأعرابية . ثم أشار

إلى قبيلة الإبراهيمات الذين انحدروا جميعا من صلب رجل درويش يدعى

إبراهيم أبو جبة ، وكيف أنه .. لكن عبد الصمد ضاق ذرعا بطلاوة لسان

شيخ علي ، فقاطعه بشيء من الحدة قائلا : ( أنت رايح بعيد ليه لي كثير

عزة وقبيلة الأبراهيمات ؟ عند سعيد البوم .. ماك طاري حكاية عرسه ؟

) ابتسم الناظر ، فقد كان بينه وبين سعيد البوم مدة خاصة ، أم لعله كان

يستغل سعيد في جلب الحطب والماء لبيته ؟ وكان سعيد يبيع حطب الوقود

ويخدم في البيوت ، ويدخر ماله عند الناظر ، ولما أراد الزواج جاء إلى الناظر

واستشاره ، وتباهى بعد ذلك أن الناظر في جلالة قدره شهد عقد زواجه . كل

أحد في البلد يعرف قصة زواج سعيد ، وأنه عاش مع زوجته قريبا من الحلول

لا يمسها وكادت تيأس وتطلقه وكان سعيد يقول إذا سألوه عن سبب إبطائه :

( التررن بالمهلة ) . لكنه فيما بعد على أي حال أولدها أولاد وبنات .

وفجأة لمح الناظر في خياله وجه نعمة ، ومرة أخرى أحس بالخنجر يتحرك في

قلبه ، فقال وكأنه لم يسمع كل القصص التي قصها عليه شيخ علي وحاج عبد

الصمد : ( لكين تتزوج الزين ؟ دا اسمه كلام يا رجل ؟ والله عجايب !

)

تأثر أمام المسجد أيضا بالحوداث العجيبة التي شهدتها القرية ذلك العام . كان

رجلا ملحاحا متزمتا كثير الكلام ، في رأي أهل البلد . كانوا في دخيلتهم

يحتقرونه ، لأنه كان الوحيد بينهم الذي لا يعمل عملا واضحا - في زعمهم .

لم يكن له حقل يزرعه ولا تجارة يهتم بها ولكنه كان يعيش من تعليم الصبيان له

في كل بيت ضريبة مفروضة ، يدفعها الناس عن غير طيب خاطر ، وكان

يرتبط في أذهانهم بأمور يحلو لهم أحيانا أن ينسوها : الموت والآخرة

والصلاة فعلق على شخصه في أذهانهم شيء قديم كئيب مثل نسيج العنكبوت ،

إذا ذكر اسمه خطر على بالهم تلقائيا موت عزيز لديهم ، أو تذكروا صلاة الفجر

في عز الشتاء ، وما يرتبط بذلك من وضوء بالماء البارد يشقق الرجلين ،

وخروج من الفراش الدافئ إلى لفح الصقيع وسير في غبش الفجر إلى المسجد

. هذا إذا كان الواحد منهم يذهب بالفعل إلى الصلاة . أما إذا كان مثل

محجوب ، وعبد الحفيظ ، وأحمد إسماعيل ، والطاهر الرواسي ، وحمد ود

الريس ، من النفر " العصاة " الذين لا يصلون ، فإنه يحس كل صباح

بإحساس غامض يثير القلق ، من نوع الإحساس الذي يحسه الواحد منهم إذا

نظر خلسة إلى امرأة جاره ، ويقول لك محجوب إذا سألته عن إمام المسجد أنه

" راجل صعب . لا يأخذ ولا يدي " معنى ذلك أنه لم

ن يسايرهم أو يخوض معهم في أحاديثهم - لم يكن يعنيه ، كما يعنيهم ، أوان

زراعه القمح وسبل ريه وسماده وقطعه أو حصاده . لم يكن يهمه هل موسم

الذرة في حقل عبد الحفيظ نجح أم فسد ، وهل البطيخ في حقل ود الريس كبر أم

صغر ؟ كم سعر أردب الفول في السوق ؟ هل هبط سعر البصل ؟ لماذا تأخر

لقاح النخل ؟ كانت تلك أمور ينفر منه بطبعه ويحتقرها بسبب جهله بها .

ومن ناحية أخرى ، كان هو يهتم بأمور لا يأبه لها إلا القليلون من البلد . كان

يتتبع الأخبار من الإذاعة والصحف ويحب أن يناقش هل ستقوم الحرب أم لا ؟

هل الروس أقوى أم الأمريكان ؟ ماذا قال نهرو وماذا قال تيتو ؟ وكان أهل البلد

مشغولين بجزئيات الحياة ، لا تعنيهم عمومياتها . وهكذا نشأت الهوة بينه

وبينهم لكنهم إن لم يحبوه ، فقد كانوا يعترفون بحاجتهم إليه . يعترفون مثلا

بعلمه ، فقد قضى عشر سنوات في الأزهر ، يقول الواحد منهم : " الإمام

ما عنده شغلة " . ثم يضيف : " لكن الحق لسانه فصيح كلام " كان

يلهب ظهورهم في خطبه . وكأنه ينتقم لنفسه منهم . بكلام متدفق فصيح

عن الحساب والعقاب ، والجنة والنار ، ومعصية الله والتوبة إليه ، كلام ينزل

في حلوقهم كالسم . يخرج الرجل من المسجد بعد صلاة الجمعة زائغ العينين

ويحس وهلة كأن سير الحياة قد توقف ينظر إلى حقله بما فيه من نخل وزرع

وشجر ، فلا يحس بأي غبطة في نفسه . يحس أنها جميعا عرض زائل ، وأن

الحياة التي يحياها بما فيها من فرح وحزن ، ما هي إلا جسر إلى عالم آخر .

ويقف برهة يسأل نفسه ماذا أعد لذلك العالم الآخر ؟ لكن جزئيات الحياة ما

تلبث أن تشغل فكره : وسريعا أسرع مما كان يتوقع تغيب صورة العالم

الآخر البعيد ، وتأخذ الأشياء أوضاعها الطبيعية . وينظر إلى حقله فيحس

مرة أخرى بذلك الفرح القديم الذي يعطيه مبررات وجوده . ومع ذلك فأكثرهم

يعودون إليه في كل مرة ليجربوا نفس الصراع الغامض . يعودون إليه لأن

صوته قوي واضح وهو يخطب . عذب رخيم وهو يرتل القرآن ، مهيب حين

يصلي على الأموات ، حازم عليم ببواطن الأمور وهو يقوم بعقود الزواج .

وكانت في عينيه نظرة احتقار وترفع يحس الواحد منهم وقعها حين يفقد ثقته

بنفسه ، كان مثل الضريح الكبير وسط المقبرة .

وكانت البلد منقسمة إلى معسكرات واضحة المعالم إزاء الإمام ( لم يكونوا

أبدا ينادونه باسمه ، فكأنه في أذهانهم ليس شخصا بل مؤسسة ) . معسكر

أغلبه من الرجال الكبار العقلاء يتزعمه حاج إبراهيم . أبو نعمة ، يعامل

الإمام معاملة ود يشوبه تحفظ هؤلاء كانوا يحضرون كل الصلوات في المسجد

ويبدو على وجوههم على الأقل أنهم يفهمون ما يقول . يدعونه إلى الغداء كل

يوم جمعة بعد الصلاة كل واحد منهم يدعوه يوما بالتناوب . كانوا يدفعونه إليه

بصدقة الفطر في عيد رمضان ، ويعطونه جلود الذبائح في عيد الأضحى إذا

تزوج أحد أبنائهم أو بناتهم ، أعطوه حقه نقدا ومعه رداء أو ثوب . شذ عن

هذا الفريق رجل في السبعين اسمه إبراهيم ود طه . لا يصلي ولا يصوم ولا

يزكي ولا يعترف بوجود الإمام والفريق الثاني . وأغلبه من الشبان دون

العشرين يعادي إمام المسجد عداءا سافرا . بعضهم تلاميذ في المدارس .

وبعضهم سافر وعاد، وبعضهم يحس على أي حال بفيض الحياة حارا قويا في

دمه فلا يحفل برجل صناعته تذكير الناس بالموت . هذا كان فريق المغامرين

- منهم من يشرب الخمر سرا ويلم خفية بالواحة في طرف الصحراء - .

وفريق المتعلمين الذين قرأوا أو سمعوا بالمادية الجدلية ، وفريق المتمردين ،

وفريق الكسالى الذين يصعب عليهم الوضوء في الفجر في عز الشتاء . ومن

عجب أن زعيم هذه الفئة كان إبراهيم ود طه ، الرجل الذي جاوز السبعين ،

لكنه كان يقرض الشعر ، والفريق الثالث ، وقد كان أكثر المعسكرات وزنا فريق

محجوب وعبد الحفيظ والطاهر الرواسي وحمد ود الريس وأحمد إسماعيل

وسعيد .

كانوا متقاربي الأعمار ، بين الخامسة والثلاثين والخامسة والأربعين ، إلا أحمد إسماعيل فقد كان في العشرين لكنه بحكم مسؤوليته وطريقة تفكيره كان واحدا

منهم . هؤلاء كانوا الرجال أصحاب النفوذ الفعلي في البلد . كان لكل واحد

منهم حقل يزرعه ، في الغالب أكبر من حقول بقية الناس ، وتجارة يخوض فيها

. كان لكل واحد منهم زوجة وأولاد . كانوا الرجال الذين تلقاهم في كل أمر

جليل يحل بالبلد . كل عرس هم القائمون عليه . كل مأتم هم الذين يرتبونه

وينظمونه . يغسلون الميت فيما بينهم ويتناوبون حملة إلى المقبرة هم الذين

يحفرون التربة ، ويجلبون الماء وينزلون الميت في قبره . ويهيلون عليه

التراب ، ثم تجدهم بعد ذلك في ( الفراش ) يستقبلون المعزين ، ويديرون

عليهم فناجين القهوة المرة ، إذا فاض النيل أو أنهم سيل فهم الذين يحفرون

المجاري ، ويقيمون التروس ، ويطوفون على الحي ليلا وفي أيديهم المصابيح

يتفقدون أحوال الناس ، ويحصرون التلف الذي أحدثه الفيضان أو السيل .

إذا قيل أن امرأة أو بنتا نظرت نظرة فاجرة إلى أحد ، فهم الذين يكلمونها

وأحيانا يضربونها ، لا يعنيهم بنت من تكون . إذا علموا أن غريبا حام حول

الحي حول المغيب فهم الذين يوقفونه عند حده . إذا جاء العمدة لجمع العوائد

فهم الذين يتصدون له ، ويقولون هذا كثير على فلان ، وهذا معقول وهذا غير

معقول . إذا ألم بالبلد أحد رسل الحكومة ( وهم لا يأتون إلا لماما ) فهم

الذين يستقبلونه ويضيفونه ، ويذبحون له الشاة أو الخروف ، وفي الصباح

يناقشونه الحساب ، قبل أن يقابل أحدا من أهل البلد ، والآن وقد قامت في البلد

مدارس ، ومستشفى ، ومشروع زراعي ، فهم المتعهدون . وهم المشرفون ،

وهم اللجنة المسؤولة عن كل شيء كان الإمام لا يحبهم ولكنه كان يعلم أنه

سجين في قبضتهم ، إذا أنهم هم الذين كانوا يدفعون له مرتبه آخر كل شهر ،

يجمعونه من أهل الحي ، كل موظف حكومة يحل بالبلد ، وكل من له حاجة يريد

أن يقضيها ، سرعان ما يكتشف هذا الفريق فلا تنجح له مهمة أو يتم له عمل إلا

إذا تفاهم معهم . لكنهم كانوا ، ككل صاحب سلطان ونفوذ لا يظهرون

نزعاتهم الشخصية ( إلا في مجالسهم الخاصة أمام متجر سعيد ) ، الإمام

مثلا كانوا يعتبرونه شرا لا بد منه فيحبسون ألسنتهم عن ذمه ما استطاعوا ،

ويقومون " بالواجب والمجاملة " كما يقول محجوب . لم يكونوا يصلون

، ولكن واحدا منهم على الأقل كان يحضر الصلاة مرة في الشهر ، إما الظهر

أو العشاء في الغالب فالفجر لا طاقة لهم به - ويكون غرض الزيارة في

الواقع شيئا غير الاستماع لعظة الإمام حينئذ يعطون الإمام مرتبه ويتفقدون بناء

المسجد إذا كان يحتاج إلى إصلاح .

رهف
14-Jul-2009, 07:57 AM
وكان الزين فريقا قائما بذاته ، كان يقضي أعظم أوقاته مع شلة محجوب ، بل

أنه كان في الواقع إحدى المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاقتهم كانوا يحرصون

على إبعاده عن المشاكل ، وإذا وقع في ورطة أخرجوه منها ، كانوا يعلمون عنه

أكثر مما تعلم أمه ، يشملونه بعنايتهم وترعاه عيونهم من بعيد . وكانوا يحبونه

ويحبهم .

لكن الزين في موضوع الإمام كان معسكرا قائما بذاته ، يعامله بفظاظة ، وإذا

قابله قادما من بعيد ترك له الطريق ، ولعل الإمام كان الشخص الوحيد الذي

يكرهه الزين ، كان مجرد وجوده في مجلس يكفي لإثارته . فيسب ويصرخ

ويتعكر مزاجه ويتحمل الإمام في وقار هيجان الزين ، ويقول أحيانا أن الناس

أفسدوه بمعاملتهم له كأنه شخص شاذ وإن كون الزين ولي صالح حديث خرافة

، وأنه لو ربي تربية حسنة لنشأ عاديا كبقية الناس ، لكن من يدري ، لعله هو

الآخر أحس بقلب في صدره حين حدجه الزين بإحدى نظراته ، فكل أحد يعلم

أن الزين أثير عند الحنين ، والحنين ولي صالح وهو لا يصادق أحدا إلا إذا

أحس فيه قبسا من نور .

إلا أن الأمور اختلطت اختلاطا غير يسير في ( عام الحنين ) فإن (

خيانة ) سيف الدين ، أو ( توبته ) ( حسب المعسكر الذي أنت فيه )

، أضعف فريقا وقوى فريقا . كان سيف الدين بطل الواحة وفارسها وزعيمها

فلما تحول إلى معسكر الأتقياء العقلاء سرى الرعب في قلوب أصدقائه القدامى

. كان من ناحية وارثا . فكان هو الذي يدفع ثمن الشراب في غالب الأحيان

. وكان ستارا مفيدا يختفون وراءه في مجونهم ، إذ كانت البلد مشغولة به

عنهم ، وكان بعضهم يرى فيه رمزا حقيقا لروح الانطلاق والتمرد . وفجأة

انهدت الأرض تحت أرجلهم ، ثم أن سيف الدين استغل معرفته بخباياهم ،

فأصبح أخطر خصم لهم . واشتد ساعد الإمام بسيف الدين . كانت الواحة

دائما شغلة الشاغل ، وتقوم في نظره رمزا للفساد والشر ، ونادرا ما كانت تخلو

خطبة من خطبه من ذكرها . والآن وقد عاد سيف الدين إلى جادة الصواب ،

فقد زادت خطب الإمام قسوة ، وزادت حملته قوة ، وأصبح سيف الدين المثل

الذي يضربه كل مرة على أن الخير ينتصر في النهاية . لم يحفل الإمام بأن

الحنين ، وهو يمثل الجانب الخفي في عالم الروحانيات ( وهو جانب لا

يعترف به الإمام ) كان هو السبب المباشر في توبة سيف الدين . معكسر

( الوسط ) ، جماعة محجوب لم يتأثر كثيرا ، فهم يعتبرون الواحة ،

كالإمام سواء بسواء شرا لا بد منه ، ولم يكونوا يأبهون كثيرا إلى أن بعض

شبان البلد يسكرون ، ما دام ذلك لا يؤثر على سيرة الحياة الطبيعي ، لا

يتدخلون إلا إذا سمعوا أن شابا سكرانا تهجم على أنثى أو رجل من أهل الحي ،

حينئذ يلجأون إلى أساليبهم الخاصة ، التي تختلف عن أساليب الإمام ، وفي

تأييدهم لبقية الناس ، في محاولة تهديم الواحة ، لم يكونوا ينظرون إلى عملهم

كما ينظر له الإمام محاولة لتغليب الخير على الشر . لا بل لأن زوال الواحة

سيغنيهم عن متاعب عملية ، لا حاجة لهم فيها . المهم أن الإمام فرح بسيف

الدين فرحا عظيما ، أصبح يذكره في خطبه ، يتكلم وكأنه يتحدث إليه شخصيا ،

تراه خارجا داخلا معه . وقال أحمد إسماعيل لمحجوب مرة وهو يرى سيف

الدين والإمام يمشيان معا ذراعا في ذراع : ( ود البدوي من الخدم للإمام

) .

وكان للإمام رأي في أمر زواج الزين من نعمة بنت الحاج إبراهيم .

ودخل محجوب دكان سعيد ، ووضع قطعة نقد على الطاولة فأخذها سعيد في

صمت وانزل من الرف علبة سجاير بحاري ، ووضعها في يد محجوب ومعها

الباقي قطع معدنية صغيرة ، أشعل محجوب سيجارة شدة منها نفسين أو ثلاثة

ثم رفع وجهه إلى السماء وتمعن عليها دون إحساس ، كأنه قطعة أرض رملية لا

تصلح للزراعة ، وقال فتور : " الثريا طلعت . وقت زراعة المريق "

وظل سعيد مشغولا بتفريغ علب من صناديق ووضعها على الرف بعد ذلك

تحرك محجوب وجلس قبالة الدكان ، ليس على الكنبة ولكن على الرمل مكانهم

المفضل ، حيث ضوء المصباح يمسهم بطرف لسانه . فإذا ماجوا في

ضحكهم أحيانا تراقص الضوء والظل على رؤوسهم ، فكأنهم غرقى في بحر

يغطسون ويطفون ، بعد ذلك جاء أحمد إسماعيل يجرجر رجلية كعادته ،

واستلقى بظهره على الرمل قريبا من محجوب دون أن يقول شيئا ، ثم جاء عبد

الحفيظ وحمد ود الريس ، وكانا يضحكان لم يسلما على صديقهما ، وهذان لم

يسألاهما عن سر ضحكهما ذلك شيء آخر في تلك الفئة . كانوا يعلمون ،

بطريقة ما ، ما يدور في ذهن كل منهم دون سؤال ، وقال محجوب بعد أن بصق

على الأرض : " أنتو لسع في حكايات سعيد البوم " ؟ كان أحمد

إسماعيل قد انقلب على بطنه فقال وكأنه يحدث الرمل " " لازم المره

عاوزه تطلقه " . وقال عبد الحفيظ في مرح ، أن زوجة سعيد البوم جاءته

في الحقل وقالت له وهي تبكي أنها تريد أن تطلق من سعيد . ولما سألها عن

السبب قالت له أن سعيد كلمها كلاما قاسيا في الليلة الماضية وقال لها امرأة "

جيفة " - هكذا لأنها لا تتعطر ولا تنزين كبقية النساء . ولما قارعته

الكلام ، صفعها على وجهها وقال لها : " امشي اخدي دروس من بنات

الناظر " . وكان الطاهر الرواسي قد وصل أثناء ذلك وجلس في هدوء في

المكان والذي لا يصله النور من بقعة الرمل . ضحك وقال : " المسنوح

يمكن قايل للناظر بيعرس له واحده من بناته " . وقال عبد الحفيظ أنه طيب

خاطر المرأة ودورها إلى بيتها وقال لها أنه سيجيئهم ليكلم سعيد وفعلا غدا

إليهما وقت الظهيرة . لكنه تريث عند باب الدار ، فقد وجده مغلقا ، وسمع

داخله ضحكات سعيد وزوجته ، ضحكات هنيئة منشرحة ، وسمع سعيد يقول

لزوجته ، وكأنه يعض أذنها : " ابكي يا خيتي ابكي " . وضحكوا كلهم

: كل واحد منهم على طريقته : أحمد إسماعيل يكركر بضحك يزمجر بين

بطنه وصدره . ومحجوب يضحك في فمه ويحدث طقطقة بلسانه ، وعبد

الحفيظ يضحك كالطفل . وحمد ود الريس يضحك بجسمه كله ، وخاصة

رجلية والطاهر الرواسي يمسك رأسه بجماع يديه حين يضحك ، وكان سعيد في

دكانه ، فضحك ضحكته الخشنة التي تشبه صوت المنشار في الخشب ، وقال

محجوب : " المسنوح كيفن قدر في الحردا ؟ " . واستمر حديثهم

هكذا حديث منقطع تتخلله فترات صمت . ولم يكن صمتهم ثغرات في الحديث

بقدر ما كان امتدادا له ، يقول أحدهم جملة مبتورة : " ... ما عنده

فهم " ويقول الآخر : " ... الفاضي يعمل قاضي " . ويضيف

الآخر : " ... زمان قلنا لكم طلعوه من اللجنة قلتولا " . ويقول

الآخر : " ... بإذن الله دي آخر سنة ليه " . ولا يدري الغريب

عنهم عمن يتكلمون . لكن ذلك شأنهم ، يتحدثون وكأنهم يفكرون جهارا ، وكأن

عقولهم تتحرك في تناسق ، وكأنهم بشكل أو بآخر عقل كبير واحد يمضي

الحديث رتيبا مثل هذا ، ثم يذكر أحدهم عرضا جميلة أو حادثة تثير خيالهم

جميعا في وقت واحد ، وفجأة تسرى فيهم الحياة فكأنهم كومة قش أشعلت فيها

النار ، يستوي جالسا الذي كان راقدا على ظهره ، ويضم الآخر ذراعيه على

ركبتيه ويقترب الذي كان جالسا بعيد إلا . ويخرج سعيد من دكانه ، يقتربون

بعضهم من بعض حينئذ . كأنهم يتحركون نحو تلك النقطة ، ذلك الشيء في

الوسط الذي يسعون إليه جميعا يميل محجوب إلى الإمام ، وتنغرس يدا أحمد

إسماعيل في الرمل ، ويضغط ود الريس بيديه على رقبته . هذه هي اللحظة

التي تلمحهم فيها ، بين النور والظلام ، وكأنهم غرقى في بحر ، وأحيانا يحتدون

في كلامهم ، يتشاجرون ، تخرج الكلمات من أفواههم كأنما قطع من الصخر ،

تتقاطع جملهم ، يتحدثون في آن واحد ، ترتفع أصواتهم ، في مثل هذه الحالات

يظن الغريب عنهم أنهم غلاظ الطبع ، لهذا تختلف الآراء عنهم ، حسب

اللحظات التي يراهم فيها الناس ، بعض أهل البلد يعتبرونهم صامتين قليلي

الكلام ، لأنهم يصادفونهم في إحدى تلك الحالات ، حين يقف حديثهم عند " آ

" و " أو " و " لا " و " نعم " . وبعض الناس يقولون عنهم

أنهم " ضحاكون " كالأطفال ، لأنهم صادف أن وجدوهم في إحدى حالات

غرتهم ، ويحلف موسى البصير أنه زامل محجوب إلى السوق - مسافة

ساعتين بالحمار - فلم يقل له كلمة واحدة . كان الناس يبتعدون عن

مجالسهم ، لأنهم حينئذ يحسون إحساس الغريب ، وكانوا هم يفضلون ألا يكون

بينهم غريب ، كانوا كأنهم توائم ، ولكن إذا عاشرتهم مدة تدرك الاختلافات التي

تجعل كلا منهم فردا قائما بذاته . أحمد إسماعيل بحكم سنة ، كان أميلهم إلى

المرح ولم يكن يبالي إذا انتشى بالخمر في المناسك ، وكان أحسنهم رقصا في

الأعراس وعبد الحفيظ كان أكثرهم مجاملة للناس الذين لا يفكرون مثل تفكير "

العصابة " ، كما كانوا يسمون أنفسهم ويسميهم الناس ، كان هو الذي ينبههم

إلى أن ابن فلان تزوج ، وفلانا مات أبوه ، وفلانا عاد من السفر ( من سكان

الأحياء البعيدة عن حيهم ) فيذهبون جماعة في الغالب للتهنئة أو للتعزية ،

وكان أحيانا يذهب للمسجد للصلاة ويحاول ألا يقول لهم ، وكان الطاهر

الرواسي أقربهم إلى الغضب وأسرعهم إلى إمساك عصاه ، أو سحب سكينة

في أوقات " الزنقة " ، وكان سعيد أحسنهم في محاجبة الحكام ، يسمونه "

القانون " . وكان حمد ود الريس ذا أذن حساسة لأخبار الفضائح يجمعها

من أطراف البلد ، من الأحياء البعيدة . ويلقيها عليهم في أوقات معينة في

مجالسهم . وكانوا يندبونه في الغالب لمعالجة مشاكل النسوان في البلد .

رهف
14-Jul-2009, 07:59 AM
وكان محجوب أعمقهم وأنضجهم . كان مثل الصخرة المدفونة تحت الرمل .

تصطدم بها إذا عمقت في حفرك . وكانت صلابته تظهر في الأزمات الحقيقة

: حينئذ يصير " ريس المركب " ، يأمر وهم ينفذون . جاءهم مرة

مفتش جديد للمركز اجتمعوا به مرة ومرتين . تحدثوا إليه ، وتناقشوا معه .

ثم قرروا فيما بينهم أنه غير صالح . وبعد شهر تأزمت الأمور ، فقد قال

المفتش لبعض الناس أن " عصابة محجوب " تسيطر على كل شيء في

البلد : فهم أعضاء في لجنة المستشفى ، ولجان المدارس ، وهم وحدهم لجنة

المشروع الزراعي ووصل إليهم أن المفتش قال : " ما فيش في البلد رجال

غير الجماعة دول ؟ " لما تشاوروا في الأمر بينهم ، كانوا أميل إلى الرضوخ

للمر الواقع ، وبعضهم عرض أن يستقيل من عضوية اللجان التي هو فيها ،

ولكن محجوب قال : " ما في إنسان يتحرك من مكانه " ثم لم يلبث

المفتش غير شهر آخر حتى نقل كيف تم ذلك ؟ لمحجوب أساليبه الخاصة .

في الحالات القصوى .

كانوا يضحكون ، حين سمعوا الزين يشتم بأعلى صوته : " الراجل الباطل

، الحمار الدكر " . ووصل عندهم . فوقف برهة فوقهم. ساقاه

منفرجتان ، ويداه على خصره كان نصفه الأعلى كله في الضوء ولاحظوا أن

عينيه محمرتان أكثر من إحمرارهما الطبيعي قال الطاهر الرواسي : "

واقف فوقنا مالك داير تشرب دمنا ؟ يا تقعد يا تغور " . وقال أحمد

إسماعيل : " لازم الزين سكران الليلة " . وقال عبد الحفيظ : "

اقعد خد لك نفس " . وقال حمد ود الريس : " قالوا الليلة كت في

حوش العمدة . شن مشيث تكوس ؟ البث وعرسوها ، تاني شن داير ؟ "

وأمسك الزين السيجاره من عبد الحفيظ وجلس صامتا وأخذ ينفخ فيها بغيظ .

ضحك الطاهر الرواسي وقال له : " مو كيدي يا مرمد . عامل نفسك

فنجري ومتعلهم السيجارة ماك عارف تشريها جرها لي ورا ، أي كدي ..

زي كأنك تمص فيها " ونجح الزين في جذب الدخان إلى فمه فلفث منه غمامة

كبيرة ، وقفت ساكنه برهة ثم ذابت في خيوط دقيقة ، بعضها نجا نحو الضوء

والآخر اختلط مع سواد الليل في الجانب المظلم وجاء بدوي من عرب القوز

يقصد الدكان ونص رطل شاي " . وقال أحمد إسماعيل : " العرب

ديل كل قروشين مودرنها في السكر والشاي " . وهنا صاح الزين بسعيد

: " خلي المره تعمل شاي مضبوط باللبن . يكون مضبوط " . ثم

نادى من شباك يصل بين المتجر والدار خلفه : " اعملوا قوام شاي ثقيل

باللبن للزعيم " وانتعش الزين . فقال برمح : " أنا راجل راجل في

البلد دي ولا لا ؟ " فقال له الطاهر : " طبعا " . " طيب ليه

الحمار الدكر ويروح لي عمي ويقول له الزين مش راجل بتاع عرس ؟ "

وقال محجوب : " الداهي بقي افرنجي . وين عرفت الفصاحة دي ؟

مش راجل بتاع عرس ؟ " وقال ود الريس : " الإمام غاير منك .

داير المره لي رقبته " . فقال الزين :" بت عمي ولا لا ؟ يروح يشوف

له بت عم " . قال له محجوب بحزم : " العقد يوم الخميس الجايي :

يعد دا ما فيش طرطشة ورقيص وكلام فاضي . سمعت ولا لا ؟

سكت الزين :

وسأله الطاهر الرواسي : " منو القال لك ؟ " فقال الزين " هي نفسها

كلمتني " .

كان محجوب ممدا رجليه على الرمل ، متكئا على ذراعيه فلما سمع هذا ، تشنج

جسمه كأن أحدا قرصه ، واستوى جالسا : " هي بنفسها كلمتك ؟ " اي

. جاتني الصباح بدري في بيتنا . وقالت لي قدام مي : يوم الخميس

يعقدوا لك على . أنا و أنت نبقي راجل ومره نسكن سوا . ونعيش سوا "

. وارتفع صوت محجوب من فرط حماسته . وقال في إعجاب ليس له حد

. " على باليمين مره تملأ العين طلاق . بت ما ليها أخت " . وجاء

سعيد يحمل الشاي فقال له محجوب : " سمعت الكلام دا ؟ البت مشت

كلمته بنفسها " . فقال سعيد : " بت عنيدة رأسها قوي ربنا يستر "

صمت الباقون برهة ولكن محجوب ضرب فخذه براحة يده عدة مرات وقال هو

يتلفت يمينا وشمالا بحماسة وانفعال : " يمين الزين ماش يعرس له بتا

تمشيه فوق العجين ما يلخبطه " .

وشرب الزين الشاي في صخب كعادته ، يمص الشاي مصا له زئير وفجأة

وضع الكوب من يده ثم ضحك وقال في سرور : " الحنين قال في قدامكن

كلكم : باكر تعرس أحسن بت في البلد " . ثم انفجر بزغرودة عظيمة

كزغاريد النساء في العرس ، وصاح بأعلى صوته :" أروك يا ناس الغريق

يا أهل البلد ، الزين مكتول . كتلته نعمة بنت الحاج إبراهيم " وصمت بعد

ذلك فلم يفه بكلمة . ولم يلبثوا أن سمعوا صوت سيف الدين ( انتصارا آخر

للإمام ) يؤذن لصلاة العشاء فسرت فيهم حركة خفيفة جدا . تنحنح

محجوب وحرك أحمد إسماعيل أصابع قدمه بطريقة لا شعورية ، وتنهد عبد

الحفيظ ، ومال الطاهر الرواسي إلى الوراء قليلا ، قال سعيد : " أشهد ألا

ه إلا الله " وراء المؤذن بصوت خافت ، ونفخ حمد ود الريس في رمل لا

وجود له من يده ولما انتهى الآذان وسمعوا صوت الإمام ينادي في صحن

المسجد : " الصلاة الصلاة " قام كل واحد منهم إلى بيته ليحضر عشاءه

وكما يصلي الناس جماعة في المسجد ، سيتعشون هم مجتمعين جالسين في

دائرة حول صحون الطعام ، يرف عليهم ضوء المصباح الكبير المعلق في متجر

سعيد . يأكلون بنهم ، شأن الرجال الذين تعرق جباههم من الجهد سحابة

يومهم ، يأكلون الدجاج المحمر والملوخية بالمرق . والبامية المصنوعة في

الطاجن في كل ليلة يذبح أحدهم إما شاة صغيرة وإما حملا . ويغدو عليهم

أطفالهم بمزيد من الأكل ينزل الصحن مليئا وما يلبث أن يرتد فارغا هذا الوقت

من الليل هو قمة يومهم : لمثل هذا تعمل زوجاتهم من طلوع الشمس إلى

غروبها . يأتيهم المرق في صحون عميقة واللحم المحمر في صحون

بيضاوية واسعة يأكلون الأرز وخبزا سميكا من القمح ، وفطائر رقيقة تصنع

على صاجات ملساء من الحديد ، يأكلون السمك واللحم والخصار ، والبصل

والفجل لا يبالون ماذا يأكلون . حينئذ تتوتر عضلاتهم ، ويصبح حديثهم حادا

مبتورا ، يتحدثون وأفواههم ملأى . ويأكلون في صخب . تسمع صرير

أسنانهم وهي تمضغ الطعام . وإذا شربوا قرقرت حلوقهم بالماء يتكرعون

بأصوات عالية ويمصمصون بشفاههم . وحين ترتد الأواني فارغة ، يؤتى

بالشاي ، فيملأون أكوابهم ، ويشعل كل واحد منهم سيجارة ، ويمد رجليه

ويسترخي في جلسته . يكون الناس قد فرغوا من صلاة العشاء يتحدثون في

هدوء وقناعة ولعلهم حينئذ يشعرون ذلك الشعور الدافئ المطمئن . الذي

يحسه المصلون وهم يقفون صفا خلف الإمام . كتفا بكتف ينظرون إلى نقطة

بعيدة غامضة تلتقي عندها صلواتهم . في هذا الوقت تخف الحدة في عيني

محجوب . وهما سارحتان في الخط الضئيل الباهت الذي ينتهي عند ضوء

المصباح ويبدأ الظلام ؟ ) يعمق صمته وقتذاك ، وإذا سأله أحد أصدقائه فلا

يسمع ولا يرد . هذا هو الوقت الذي يقول فيه ود الريس . فجأة جملة

واحدة كأنها حجر يقع في بركة : " الله حي " ، ويميل أحمد إسماعيل

برأسه قليلا ناحية النهر ، كأنه يستمع إلى صوت يأتيه من هناك . في مثل هذا

الوقت أيضا يطقطق عبد الحفيظ أصابعه في صمت ، ويتنهد الطاهر الرواسي

ملء صدره ويقول :

رهف
14-Jul-2009, 08:01 AM
" روح يا زمان وتعال يا زمان " . هل يحسون

حينئذ أنهم يزدادون قربا من تلك النقطة ؟ أم تراهم يدركون أن النقطة الغامضة

الصامته في الوسط ، أمر تنتهي الحياة ولا ينتهي إليها المرءايوى ... ايوى

... ايوى ... ايويا " .أول من زغردت أم الزين . كانت فرحة

لأسباب عدة . فرحة فرح الأم الغريزي لزواج ابنها . تلك مرحلة حاسمة ،

وكل أم تقول لابنها : " اشتهي أن أفرح بزواجك قبل أن أموت " .

وكانت أم الزين تحس أن حياتها تنحدر للغروب . ثم إن الزين كان ابنها

الوحيد . بل كان كل ما أنجبت ، ولم يكن كبقية الناس فخافت أن تموت ولا

يجد من يرعاه . فهذا الزواج أراح بالها ، وزواج الزين مناسبة تسترد فيها

هداياها لأهل البلد في زواج أبنائهم وبناتهم . وكان الناس أحيانا يتعجبون وهم

يرونها تسارع بدفع ربع الجنيه ونصف الجنيه في الأعراس ، لأية غاية ؟ "

هل تظن أنها سترده في عرس الزين ؟ فكان عرس الزين مناسبة قطعت ألسنة

الشامتين والزين لن يتزوج امرأة من عامة الناس ، ولكنه سيتزوج نعمة بنت

الحاج إبراهيم ، وناهيك بهذا دليلا على كرم الأصل ، والفضل ، والجاه

والحسب ، ستدخل ذلك البيت الكبير المبني من الطوب الأحمر ( فليس كل

بيوت البلد من الطوب الأحمر ) ، تدخل مرفوعة الرأس ثابتة الخطوة .

سيقومون لها إذا دخلت ، ويوصلونها للباب إذا خرجت ويعودونها كل يوم إذا

مرضت . ستقضي الأيام الباقية في حياتها في فراش وثير من الرعاية

والحب . ولعل القدر يمهلها فتحمل حفيدها أو حفيدتها في حضنها . تزغرد

أم الزين ، وتتوارد هذه الخواطر في ذهنها فتشتد زغاريدها . وزغرد معها

جيرانها وأحبائها ، وأهلها وعشيرتها . لكن كيف حدثت المعجزة ؟ اختلفت

الأقاويل ، قالت حليمة بائعة اللبن لآمنة ، وكأنها تغيظها بمزيد من أنباء عرس

الزين ، أن نعمة رأت الحنين في منامها فقال لها " عرسي الزين . التعرس

الزين ما بتندم " . وأصبحت الفتاة فحدثت أباها وأمها ، فأجمعوا على

الأمر ، وهزت آمنة رأسها وقالت : " كلام " وزعم الطريفي لزملائه في

المدرسة أن نعمة وجدت الزين في حشد من النساء . يغازلهن ويعبثن به .

فحدجتهن بنظرة صارمة وقالت لهن . " باكر كلكن تأكلن وتشربن في

عرسه " . وخرجت من وقتها فقالت لأبيها وأمها ، فوافقا على ذلك .

وروى عبد الصمد للناس في السوق . أن الزين هو الذي طلب الزواج من

نعمة . وأنه صادفها في الطريق فقال لها : " بت عمر " تعرسيني ؟

" فقالت نعم . وأنه هو الذي ذهب إلى عمه وكلمه في الأمر فقبل الرجل إلا

أن المرجح أن الذي حدث غير هذا ، وأن نعمة بما فيها من عناد واستقلال في

الرأي ، وربما يوازع الشفقة على الزين ، أو تحت تأثير القيام بتضحية ، وهو

أمر منسجم مع طبيعتها ، قررت أن تتزوج الزين ، ويرجح أن معركة عنيفة

دارت في بيت حاج إبراهيم بين الأب والأم في طرف ، والبنت في الطرف

الآخر . كان أخواتها غائبين فكتبوا لهم . ويقال إن الأخوين الكبيرين رفضا

البتة . وأن الأخ الأصغر قبل وقال في جوابه لأبيه : " أن نعمة كانت

دائما عنيدة في رأيها . والآن وقد اختارت زوجها بنفسها فدعوها وشأنها "

. خلاصة القول إن حاج إبراهيم أعلن النبأ فجأة . وكأن الناس كانوا

يتوقعونه بعد حادث الحنين . الغريب أن أحدا لم يضحك أو يسخر ، ولكنهم

هزوا رؤوسهم وزادت حيرتهم وهم ينظرون إلى الزين - ينظرون إليه

فيتضخم في نظرهم وأهلها وحبانها وعشيرتها ، وكل من يتمنى لها الخير "

أيوي أيوي أيوي أيويا " لو أن العرس لم يكن عرسه . لميز الزين صوت

كل منهن في زغاريدها . هذه بت عبد الله ، صوتها عذب وصرختها قوية من

كثرة ما زغردت في أعراس الآخرين . ظلت عانسا عمرها فلم تتزوج .

لكنا كانت تفرح لأفراح كل أحد في الحي . أجواج أجوج أجوج أجوجا "

. هذه سلامة ، كانت جميلة ، وكانت تنطق الياء هكذا وكانت مرهفة الحس ،

لم يسعدها جمالها ، فتزوجت وطلقت وطلقت وتزوجت ولم تستقر مع رجل ولم

تنجب أولادا ، حلوة الحديث ، مهزارة لها مع الزين قصص وحكايات ، تزغرد

لأنها تحب الحياة . أيوي أيوي أيويا " هذه آمنة تزغرد من شدة غيظها .

( هل تذكر آمنة وكيف أرادت البنت لابنها فقالوا لها البنت قاصر لم تصر

للزواج ؟ ) أوو .. اوو ... اووا " . هذه عشمانة الطرشاء

قلبها الأصم عربد بالحب في عرس الزين . ثم اشتعلت شعلة من الزغاريد

في دار حاج إبراهيم . قرابة مائتي صوت . انطلقت مرة واحدة فارتجت

نوافذ الدار . وتزغرد أم الزين فيرد عليها النساء ، وتسمع زغاريدهن

فتزغرد من جديد . لم تبق امرأة لم تزغرد في عرس الزين . وماج الحي

من أركانه ، وامتلأت الدور بالوافدين ، لم يبق بيت إلا أنزلوا فيه جماعة من

القوم ، دار حاج إبراهيم على سعتها ، امتلأت ، ودور كل من محجوب ، وعبد

الحفيظ وسعيد ، وأحمد إسماعيل ، والطاهر الرواسي وحمد ود الريس . دار

الناظر ، ودار العمدة وبيت القاضي الشرعي . وقال شيخ علي لحاج عبد

الصمد : " عرس زي دا الله خلقني ما شفت زيه " وقال حاج عبد

الصمد : " على بالطلاق الزين عرس عرس صح مو كدب " . جرى

الإمام مراسم الزواج في المسجد . ناب حاج إبراهيم عن ابنته . وناب

محجوب عن الزين . ولما تم العقد . قام محجوب ، ووضع المهر على

صحن ، حتى يراه كل أحد مائة جنيه ذهبا ، وهي من حر مال حاج إبراهيم .

ووقف الإمام بعد ذلك ، وأدار عينيه في الرجال المجتمعين ( كانت أم الزين

المرأة الوحيدة بينهم ) وقال إن الجميع يعلمون أنه عارض هذا الزواج ، أما

وأن الله شاء له أن يتم فهو يسأله سبحانه وتعالى أن يجعله زواجا سعيدا مباركا

. التفت الناس إلى الزين ولكنه كان مطرقا . وقال محجوب لعبد الحفيظ

بصوت خافت : " ايه لزوم ذكر المعارضة والكلام الفارغ ؟" وعجبوا

حين رأوا الإمام يمشي نحو الزين ويضع يده على كتفه ، فالتفت إليه الزين

بشيء من الدهشة . أمسك الإمام يده وشد عليها بقوة ، وقال بصوت متأثر :

" مبروك . ربنا يجعله بيت مال وعيال " . تلفت الزين حوله ببلاهة ،

ولكن أحمد إسماعيل نظر إليه نظرة صارمة فطأطأ برأسه . دمدم طبل

النحاس الكبير وهدر ، يقولون أنه يتكلم . وقالت بت عبد الله لسلامة : "

النحاس يقول : الزين عرس الزين عرس " . فزغردت سلامة بصوتها

الحلو . تقاطر على الحقل عرب القوز . يتسابقون على جمالهم ، فاستقبلهم

الطاهر الرواسي وأنزلهم في إحدى الدور ، وأمر لهم بالطعام والشراب .

وجاء فريق الطلحة عن بكرة أبيه - على رأي المثل - فتصدى لهم أحمد

إسماعيل وأنزلهم ، ربط دوابهم وجاء لها بالعلف ، ثم أمر لهم بالطعام فطعموا

وشربوا . وجاء الناس من بحري وجاء الناس من قبلي . .
جاؤوا عبر النيل بالمراكب ، وجاؤوا من أطراف البلد ، بالخيول والحمير

والسيارات ، فأنزلوهم زمرا زمرا . في كل بيت طائفة ، يقوم على خدمتهم

أفراد العصابة ، فهذا يومهم : يعدون لكل شيء عدته لا تفوتهم صغيرة ولا

كبيرة لن يمسوا طعاما . ولن يذوقوا شرابا ، حتى يأكل ويشرب الناس .

زغرودة منفردة ثم مجموعة زغاريد ، ثم طبل وحيد يهمهم ، ثم طبول كثيرة

لأصواته أصداء . لوح الرجال بأيديهم وهزوا بالعصي والسيوف . وأطلق

العمدة من بندقيته خمس طلقات . وقالت آمنة لسعدية : " الأمة دي إن

شاء الله تقدروا تكفوها " . ولم تقل سعدية شيئا . نحرت الإبل ،

وذبحت الثيران . ووكئت قطعان من الضأن على جنوبها . كل أحد جاء

أكل حتى شبع وشرب حتى أرتوى . وكان الزين يبدو مثل الديك ، لا بل

أجمل ، مثل الطاووس ، ألبسوه قفطانا من الحرير الأبيض ومنطقوه بحزام

أخضر ، وعلى ذلك كله عباءة من المخمل الأزرق ، فضفاضة يملأها الهواء

فكأنها شراع , وعلى رأسه عمامة كبيرة تميل قليلا إلى الإمام ، وفي يده

سوط طويل من جلد التمساح . وفي اصبعه خاتم من الذهب ، يتوهج في

ضوء الشمس نهارا ويلمع تحت وهج المصابيح بالليل ، له فص من الياقوت ،

في هيئة رأس الثعبان ، كان منتشيا دون شرب من الضجة الكبيرة التي تضج

حوله . يبتسم ويضحك يدخل ويخرج بين الناس يهز بالسوط ، ويقفز في

الهواء يربت على كتف هذا ، ويجر هذا من يده ، ويحث هذا على الأكل ،

ويحلف على هذا بالطلاق أن يشرب ، وقال له محجوب :" دحين أصبحت

بني آدم ، حلفتك بالطلاق يا دوب أصبح ليها مغنى " . جاء تجار البلد

وموظفوها ووجهاؤها وأعيانها . وحضر أيضا الحلب المرابطون في الغابة

. جيء بأحسن المغنيات وأحسن الراقصات ، ضاربات الدف وعازفي

الطنابير وأخذت فطومة ، وكانت أشهر مغنية غربي النيل تشدو بصوتها المثير

:

الزين الظريف خلا البلد أفراح
انطق يا لسان جيب المديح أقداح


وجرجروا الزين وأدخلوه عنوة حلبة الرقص . فهز بسوطه فوق المغنية

ووضع على جبهتها ورقة جنيه ، وتفجرت الزغاريد مثل الينابيع . اجتمعت

النقائض تلك الأيام . جواري الواحة غنيين ورقصن تحت سمع الإمام

وبصره . كان المشايخ يرتلون القرآن في بيت ، والجواري يرقصن ويغنين

في بيت المداحون يقرعون الطار في بيت ، والشبان يسكرون في بيت ، كان

فرحا كأنه مجموعة أفراح . وكانت أم الزين ترقص مع الراقصين ، وتنشد

مع المنشدين ، تقف هنيهة تستمع للقرآن ، ثم تهرول خارجة إلى حيث يطهى

الطعام تحث النساء على العمل ، وتجري من مكان إلى مكان وهي تنادي : "

أبشروا بالخير ، أبشروا بالخير " . وقالت حليمة ، بائعة اللبن ، تغيظ آمنة

: " أريته يا يم عرس السرور " . نقرت " الدلاليك " نقرات

نشيطة متحفزة دقات الدليب وغنت فطومة

سارق نومي شاغل فكري
التمر البيمرق بدري

رهف
14-Jul-2009, 08:02 AM
وقف الرجال في دائرة كبيرة تحيط بفتاة ترقص في الوسط ، ثوبها انحدر عن

رأسها ، وصدرها بارز للأمام ، ونهداها نافران . ترقص كما تمشي الأوزة

. ذراعاها إلى جانبيها تحركهما في تناسق مع رأسها وصدرها ورجليها ،

ويصفق الرجال ويضربون الأرض بأرجلهم ، ويحمحمون بحلوقهم ، وتضيق

الدائرة على الفتاة ، فترمي شعرها الممشط المعطر على وجه أحدهم ، ثم تتسع

الدائرة . وتتماوج الزغاريد ، ويشتد التصفيق ، ويقوى وقع الأرجل على

الأرض ، ويخرج الغناء سلسا ملحنا من حلق فطومة :

طول اليل عليه بشابي
الزول السكونة فشابي


وانتشى إبراهيم ود طه من الغناء فصاح : " آه . قولي كمان الله يرضى

عليك " . رقصت عشمانة الطرشاء . وصفق موسى الأعرح ، ولم

تلبث دقات الدلاليك أن أبطأت وأصبح لها أزير مكتوم ، هذه نقرات الجابودي .

وقويت حمحمة الرجال في حلوقهم ، ودخلت سلامة حلبة الرقص ، صالت

وجالت ، وهي تزهو تختال مثل المهرة . كانت خير من يرقص الجابودي .

وكان لها معجبون كثيرون ، ترقبها عيونهم فتنفلت منه كالسمكة في الماء .

كثفت حلقة الرقص ، واشتد التصفيف . وهدرت أصوات الرجال ، ودخل

الزين الحلبة ، دخل من تلقاء نفسه هذه المرة . طويلا فوق سلامة ، فلطمته

بشعرها الطويل المنهدل فوق كتفيها ، وغمزته بعينها . وكان الإمام جالسا مع

جماعة ، في ديوان حاج إبراهيم الذي يشرف على فناء الدار ، فحانت منه

التفاته ، ووقعت عينه على سلامة وهي منهمكة في رقصها ، ورأى صدرها

البارز ، ورأى كفلها الكبير ، حين تضرب برجلها يهتز ويترجرج منقسما إلى

شقين كأنهما نصفا بطيخة ، بينهما واد هبط فيه الثوب ، وكانت سلامة في

رقصها قد انثنت حتى أصبح جسمها في شكل دائرة . فمس شعرها الأرض ،

وزاد بروز صدرها ، ونتوء كفلها ، ورأى الإمام ساقها اليمنى وجزءا من فخذها

الممتلئ .وقد رفع عنه الثوب . وحين عاد الإمام بوجهه إلى محدثه .

كانت عيناه مريدين مثل الماء العكر . اييييييويا " . هذه حليمة بائعة اللبن

، تزغرد طعما في خير تناله من أهل العرس ، وتحولت دقات الدلاليك إلى

العرضة . دقتان سريعتان وأخرى منفردة . وأخذ الرجال يرمحون

بأقدامهم كما تخب الخيل . وتقاطر عرب القوز على حلبة الرقص ، فتواثبوا

وتصايحوا وطرقعوا بأسواطهم . رجال قصار القامات مشدود العضلات ،

أجسامهم ريانة ندية في مثل لون الأرض لأنهم يعيشون على لبن الإبل ولحم

الغزلان يلبس الواحد منهم ثوبا يريطه في وسطه ويلقي طرفيه على كتفيه .

إذا قفز في الهواء لمع جسمه في ضوء الشمس ، يلبسون في أرجلهم أخفافا وفي

ذراع كل منهم سكين في غمده . وتختلط أصوات الراقصين وضربات

الدلاليك بدقات الطار ونشيد المداحين في البيت المجاور . هناك ممسك

بالطار أحدهما الكورتاوي وعميد المداحين . كان يقول :

بي سهل الفريش شاف
نعم العبا وروح


العلم لوح زار جد الحسين "

وتدمع أعين الناس ، وبعضهم يجهش بالبكاء ، خاصة الذين حجوا وزاروا مكة

والمدينة والأماكن التي يصفها المادح .

ويمضي الرجل يهرج ، في صوت له بحة اشتهر بها :

" نعم العبا وحاد :


بي سهل القريش شاف العلم نادى


زار جد الحسين


فرشو له الزبيب والتين والحبحب


كاسات من حميا قالوا له هاك اشرب


زار جد الحسين "


وتختلط زغاريد النساء في حلقة المديح بزغاريد النساء في حلبة الرقص ،

وأحيانا يهاجر فريق من حلبة الرقص إلى حلقة المديح . هناك تتحرك أرجلهم

ويثور حماسهم ، وهنا تدمع أعينهم ، كذلك يتحول فريق من حلقة المديح إلى

حلبة الرقص ، يهاجرون من الشوق إلى الصخب .

وفجأة تنبه محجوب .

أين الزين ؟

كان مشغولا كبقية عصابته بتنظيم الفرح . فاختفى الزين عن عينه .

سأل عنه كلا من الباقين ، فقالوا أن أحدا منهم لم يره منذ قرابة ساعتين .

وقال عبد الحفيظ أنه يذكر أنه رآه آخر مرة يستمع للمداحين .

بدأوا يبحثون عنه . دون أن يحس أحد ، مخافة أن يقلق الباقون . لم يجدوه

مع الحشد المجتمع مع الإمام في الديوان الكبير ، ولم يكن في حلقة المديح ، ولم

يكن مع أي من جماعات الرقص المتناثرة في البيوت . دخلوا المطابخ حيث

النسوة يزحفن أمام الأفران والقدور ، فلم يكن الزين هناك .

حينئذ أصابهم الذعر ، فإن الزين قد يفعل أي شيء ، قد ينسى أمر زواجه .

ويختفي كعادته .

وتفرقوا يبحثون عنه . فلم يتركوا موضعا . بعضهم ضرب في الصحراء

قبالة الحي , وبعضهم ذهب ناحية الحقول ، حتى ضفة النيل دخلوا البيوت

بيتا بيتا تفرسوا تحت جذع كل نخلة وكل شجرة .

لم يبق إلا المسجد . لكن الزين لم يدخل المسجد في حياته ، كان الوقت أوائل

الليل ، كثيف مظلم . وكان المسجد ساكنا خاويا ، قد تسرب الضوء من

مصابيح العرس خلال نوافذه . في خطوط مستطيلة من النور ، انعكس

بعضها على السجاجيد ، وبعضها على السقف ، وبعضها على المحراب وقفوا

ينصتون فلم يسمعوا حسا ، إلا . أصوات العرس تتناهى بهم ونادوا باسمه

وبحثوا في أركان المسجد وفي ردهاته فلم يجدوا الزين . وفقدوا الأمل . لا

بد أنه هرب . لكن إلى أين والبلد كلها مجتمعة عندهم . وبغتة خطر خاطر

في ذهن محجوب ، فصاح : " المقبرة " . لم يصدقوا ، ماذا يفعل في

المقبرة في ذلك الوقت من الليل ؟ لكن محجوب سار أمامهم فتبعوه ساروا

صامتين وراء محجوب بين القبور ، تتناهى بهم أصوات الغناء والزغاريد عالية

واضحة ، ثم خافتة بعيدة . كان المكان بلقعا ، إلا من شجيرات السلم والسيال

التي تناثرت بين المقابر ، وامتلأت الثغرات بين فروعها بالظلام فبدت كأنها

سفن في لجة ، وفي الوسط بدا الضريح الكبير غامضا مخيفا , وفجأة وقف

محجوب وقال لهم : " اسمعوا " لم يسمعوا شيئا أول الأمر ، فأرهفوا

آذانهم ، فإذا بنشيج خافت يتناهى بهم . سار محجوب ، وساروا وراءه .

حتى وقف فوق شبح جاثم عند قبر الحنين ، وقال محجوب : " الزين .

الجابك هنا شنو؟ " لم يرد ولكن بكاءه اشتد حتى أصبح شهيقا حادا .

وقفوا وقتا يراقبونه في حيرة ثم قال الزين في صوت متقطع ، يتخلله النحيب :

" أبونا الحنين إن كان ما مات كان حضر العرس " . ووضع محجوب

يده على كتف الزين برفق وقال له : " الله يرحمه . كان راجل مبروك ،

لكن الليلة ليلة عرسك . الراجل ما بيبكي ليلة عرسه يا ألله أرح " .

وقام الزين وسار معهم . وصلوا الدار الكبيرة ، حيث أغلب الناس ،

فاستقبلتهم الضجة ، وغشيت عيونهم أول وهلة من النور الساطع المنبعث من

عشرات المصابيح ، كانت فطومة تغني ، والدلاليك تزمجر ، وفي الوسط فتاة

ترقص ، وحولها دائرة عظيمة فيها عشرات الرجال يصفقون ويضربون

بأرجلهم ويحمحمون بحلوقهم . انفلت الزين ، وقفز قفزة عالية في الهواء

فاستقر في وسط الدائرة . ولمع ضوء المصابيح على وجهه . فكان ما

يزال مبللا بالدموع . صاح بأعلى صوته ويده مشهور فوق رأس الراقصة :

" أبشروا بالخير ..أبشروا بالخير" وفار المكان ، فكأنه قدر تغلي .

لقد نفث فيه الزين طاقة جديدة . وكانت الدائرة تتسع وتضيق تتسع وتضيق ،

والأصوات تغطس وتطفوا والطبول ترعد وتزمجر ، والزين واقف في مكانه في

قلب الدائرة ، بقامته الطويلة وجسمه النحيل ، فكأنه صاري المركب .

ابوهبة الله
16-Jul-2009, 07:56 PM
أعذريني رهف فلقد تأخرت بالرد في هذا الموضوع الذي يكرم أستاذي وأستاذ جميع الأجيال المتمسكه بطين الأرض وتراب البلد ونخيل القرية . والتي أخذت أدبها من أفكار رجل ندعو الله أن يتغمده بوافر رحمته ويسكنه فسيح جناته وهو الأديب الذي ظلمه ضئالة تواجد السودان في المحيط الأعلامي ..الطيب صالح ..
لقد تأخرت في الرد طمعاً في المزيد من المعلومات لأنك تقدمين هذا الرجل وكتاباته بطريقة تجعل الشخص يحاول الغوص عدة مرات في أعماق سطورك ليستشف الكثير والكثير من كنوز عملاقنا الطيب صالح ..
أحييك على الفكرة وأشد من ساعديك وأقول الله يسلم هذه الأنامل لصاحبتها ..
حفظك الله وحفظ كل خطواتك في دروب العلم والأدب والحياة العامة
أخوكي
ديب كومي الأسمر

رهف
17-Jul-2009, 01:26 AM
أعذريني رهف فلقد تأخرت بالرد في هذا الموضوع الذي يكرم أستاذي وأستاذ جميع الأجيال المتمسكه بطين الأرض وتراب البلد ونخيل القرية . والتي أخذت أدبها من أفكار رجل ندعو الله أن يتغمده بوافر رحمته ويسكنه فسيح جناته وهو الأديب الذي ظلمه ضئالة تواجد السودان في المحيط الأعلامي ..الطيب صالح ..
لقد تأخرت في الرد طمعاً في المزيد من المعلومات لأنك تقدمين هذا الرجل وكتاباته بطريقة تجعل الشخص يحاول الغوص عدة مرات في أعماق سطورك ليستشف الكثير والكثير من كنوز عملاقنا الطيب صالح ..
أحييك على الفكرة وأشد من ساعديك وأقول الله يسلم هذه الأنامل لصاحبتها ..
حفظك الله وحفظ كل خطواتك في دروب العلم والأدب والحياة العامة
أخوكي
ديب كومي الأسمر

تلك الشخصيات وتلك الأجواء حاضرة أبدا في روايات وقصص الطيب صالح....
ديب كومي الاسمر
فالأمة التي تريد أن تصنع حضارة لابد أن تحتفي بالثقافة والفن، ونحن أهملنا هذا، ربما لظروف فرضت علينا لأننا ظللنا قرونا عديدة وطويلة لا ننتج شيئا.... تابع معي سيرة هذا العملاق ابن النيل .

رهف
17-Jul-2009, 01:29 AM
* الكتابة تصبح أصعب عندما يكون الواقع أغرب مما يتخيلة الكاتب .

* " نوبل " لن تفكر في " الطيب " لأن حياته غير مثيرة وكتبه غير كثيرة .

* المجتمعات العربية قائمة على الصراعات والتاريخ الدموي .

* أحيانا أشعر أن البشرية تأئهة وأنا معها !

القاهرة - أصيلة : حاوره : خالد محمد غازي :

العبور من محطة إلي أخري مع الطيب صالح يصيبك بالدهشة•• هو شخص عادي -كما يصف نفسه- وولوجه إلي عالم الكتابة لم يكن بغرض الكتابة لكنها الوسيلة المثلي للتعبير•• لكن ما الذي يريد أن يعبر عنه هذا "الأسطوري" الذي يعترف بأن حياته تصنعها الصدفة، وأنه ككاتب يعاني نوعاً من الإنفصام•• ها أنا قد عبرت معه من محطة البداية بعد رحلته من السودان إلي لندن، ومن الخاص إلي العام فإذا به يعود إلي محطته الأولي السودان•• وإذا بي أعود إلي صورة الصوفي الزاهد التي رسخت عنه في نفسي، فأجدني أكثر عطشاً من ذي قبل أريد أن أقف علي جدوله وأنتظر تمر نخلته، فأجمع "حفنة تمر" وأضعها علي مائدة أوراقي وأقول له•• وماذا بعد أول قصة كتبتها فيقول: بعد "نخلة علي الجدول" بسبع سنوات كتبت قصة قصيرة أخري أسميتها "حفنة تمر" ثم كتبت "دومة ود حامد"، نشرت في مجلة كانت تصدر بلندن اسمها "أصوات" يحررها المستشرق الإنجليزي دينيس جونسون ديفيس مع الصديق المصري الراحل - ادقار فرج - وبادر جونسون ديفيس إلي ترجمة -دومة ود حامد- إلي الانجليزية وأرسلها إلي مجلة (إنكونتر ظهظيلهي ئظؤ) وكانت أكبر مجلة أدبية تصدر في بريطانيا في تلك الفترة•• ولشدة دهشتي قبلت المجلة القصة ونشرتها •

إن أي متفحص للمراحل التي مرت بها تجربة الكتابة للطيب صالح سيلمس بسهولة أن هذا الكاتب لم يكن يرسم لنفسه يوما المنزلة الأدبية والابداعية التي يتربع عليها اليوم•• إذ كانت الملامح الأولي لهذه التجربة لا تمثل بالنسبة اليه إلا هواية ولعبة أدبية استهوتها نفسه، وشجعت لها إطراءات المقربين اليه، العاملين خاصة بإذاعة لندن •• وإذا ما كان واحد من هؤلاء الأصدقاء المقربين اليه يلح عليه بمواصلة الكتابة•• فإن جواب الطيب صالح لا يأتي إلا متعجبا للطلب•• بمواصلة الكتابة•• ؟•• يعني أن أتحول إلي كاتب•• هذه مزحة•• لقد كتبت ما عندي وخلاص••! تلك كانت الإجابة التي يمكن أن تمثل بعد المسافة الفاصلة في أن تكون الكتابة هما وانتماءً له •• أولا تكون •• ليتعامل معها كأمر ثانوي وعن بعد • الإنجازات الأولي ولكن•• متي بدأ هذا الروائي يقف حقيقة عند البداية الجادة للإحتراف الأدبي ؟•• وما هي العوامل التي ساعدت علي أن يستمر في الكتابة ويقدم إبداعاته هنا وهناك؟•• إنها في الواقع عدة مؤثرات وعوامل، منها ما يتعلق بشخصية الكاتب نفسه•• وأخري تتعلق بالفترة التاريخية التي ظهرت بها تلك الكتابات•

في عام 4691 نشر روايته الأولي - عرس الزين - والتي كان قد كتبها قبل هذا التاريخ بسنوات •• ولم تحظ هذه الرواية بالاهتمام الذي حدث بالنسبة لروايته الثانية التي جلبت له كل الشهرة دفعة واحدة•• حصل هذا عام 6691 حينما نشر رواية (موسم الهجرة إلي الشمال) في مجلة حوار اللبنانية التي كان يرأس تحريرها الشاعر الفلسطيني توفيق صائغ•• في ذات الوقت كانت هذه الرواية قد صدرت في لندن مترجمة من قبل أحد زملاء الكاتب العاملين في هيئة الإذاعة البريطانية•• ومن المحتم أن هذه الانجازات الأدبية التي حصلت ما بين عامي 4691-6691 قد حثت وشجعت الأديب للمضي في التجربة، هذا بعد أن لاقت الرواية الثانية صدي واسعا من قبل القراء والنقاد•• وأصبحت الأضواء تتركز علي شخصية الطيب صالح•• الأديب•

ويروي الأديب واحدة من صور الإهتمام المدهشة والجديدة التي واجهها من قبل القراء والنقاد خلال تلك الأعوام >زرت جامعة أكسفورد ، وكان لي منها بعض الأصدقاء ، منهم الأخوان حسن بشير وكرار أحمد كرار، وهناك التقيت واحدة من علماء إحدي كليات أكسفورد اسمها سانت أنتوني saint antoy ، كانت مجلة إنكونتر قد نشرت في العدد نفسه الذي نشرت فيه (دومة ود حامد) قصة للكاتب الأمريكي نورمان ميلر، وهو من أشهر الكتاب في أمريكا•• وأثناء تناولنا وجبة الغذاء قال لي أحد الأساتذة •

هل تعلم أن نورمان ميلر يمكن أن يتعلم منك •• صعقت حين سمعت هذا التعليق•• وتساءلت >يتعلم مني أنا<••!•• فأجاب بالإيجاب، وراح يتحدث عن مميزات القصة•• وقال إنها قصة كلاسيكية فيها بساطة شديدة وجوانب فنية غير مطروقة< تلك واحدة من صور عديدة جعلت وساهمت مثلما ساهم الكثير من العوامل والأسباب لأن ينظر الطيب صالح نظرة أكثر حميمية وقربا وانتماء إلي عملية الكتابة•• ففاز بآراء نقدية جادة ومهمة •• فقبل 52 عاما تقريبا صار اسم الطيب صالح ذائع الصيت في دنيا الرواية العربية•• ووصفه الناقد (رجاء النقاش) وبوقت مبكر•• الطيب صالح في الرواية شاعر كبير•• أدواته الفنية في منتهي الطاعة لرؤاه الفنية الفياضة•• وأدبه نموذجا للحوار الفصيح الذي يحمل الكثير من الروح الشعبية••< السودان أولا البيئة الشعبية السودانية هي العالم الوحيد الذي تدور فيه كل أجواء رواياته وقصصه القصيرة التي كتبها•• وحتي اذا ما كتبت عن مكان آخر غير السودان، فان ذلك المكان يأتي موظفا للبيئة الأصل•• وهي واحدة من أهم العوامل التي ساعدت علي صنع هذا الأديب•• فإذا ما كنا قد عرفنا تأثير البيئة السودانية علي كتابات الطيب صالح فما هو تأثير الأماكن الأخري غير السودانية علي الكاتب•• يقول: >إنني لم أهتم بالكتابة عن البيئات الأخري إلا بشكل محدد جدا، ولذلك كان اهتمامي بالبيئة السودانية•• وحتي الأفكار التي أكتبها عن بيئات أخري أجلبها إلي هذه البيئة وأغرسها فيها •• ثم أراقب ماذا يمكن أن تفعل •• ولعل في شخصيتي الكتابية - لا شخصيتي كإنسان - نوعا من الانفصام هنالك جانب في > عرس الزين < أقرب إلي طبيعتي •• أحيانا أكتب روايات ليس فيها توتر ، والعلم فيها متجانس وليس فيه صراعات عنيفة •• ثم هنالك جانب آخر هو عالم > موسم الهجرة < وهو العالم المكتسب من التعليم والسفر والعيش في بيئات غريبة ومعاناة الشتاء القاسي في لندن والدخول في أزمات مع النفس•• ومعايشة أقوام غرباء•• فأكتب عندها علي غرار >موسم الهجرة<•• ولعلي في روايتي >ضو البيت< و >مريود < خلطت بين الشخصيتين فثمة جانب عنيف تمثله أسطورة بندرشاه وعلي السطح هنالك القرية بل هنالك أشخاص >عرس الزين< وامتدادهم محجوب وعبد الحفيظ والطيب يعيشون علي السطح•• ويستطيع الواحد منا القول أننا في العالم العربي كله نعيش في مجتمعات قائمة علي أعماق من الصراعات والتاريخ الدموي •

مشهد من رواية بندرشاه بقيت الثقافة والبيئة السودانية بخصوصيتها المتوارثة من جيل لجيل هي مكان وزمان الكتابة•• حتي بدت كتابات الطيب صالح عبارة عن إعادة وحفظ لتلك الميثلوجيا •• والفلكور الإجتماعي •• مفيدا له ومستفيدا منه•• ولنلاحظ الإستفادة التي أخذت منها رواية ( بندرشاه ) من الفلكورالسوداني، حيث جعل الأديب الشخصية التقليدية السودانية تتحرك وتعيش في روايته دون تدخل منه ودون قمعها تحت تأثير ذاتية المزاج أو لغة الكتابة•• بل إن الكتابة تأتي أحيانا باللهجة السودانية• >قعدنا علي الحالة دي أسبوع عند بندرشاه•• حكيت لهم حكاية الشطة، وقت جروحنا بردت أنا ومختار •• رجعنا للحلوة •• مختار بطل الافتراء ، وأنا من يومها ما قاشطت جنس مخلوق•• ونحن الأربعة بندرشاه، وجدك، ومختار، وأنا، بقينا أصحاب أي كأننا اخوان أشقاء ما يفرق بيننا إلا الموت< قلت لسعيد الذي كان قبلا يلقب بسعيد البوم: >قالوا سموك سعيد عشا البايتات ضحك ضحكته البريئة التي أذكرها من أيام طفولتي في ود حامد وقال بلهجته البدوية•• >الوليه فطومه أجارك الله ، وقت العرقي يشلع في راسها تطلع الكلام خارم بارم قلت له•• -وكمان فطومة غنت في عرسك قال •• - يامحيمين أخوي•• في هادي الأيام الفلوس موتجيب الهوا من فروته•• قلت له•• - فطومة شن قالت فيك ••؟ فقال فخورا وهو يبرم شاربه الصغير الذي يجلس قلقا علي فمه كما تجلس العمامة المفرطة الكبري علي رأسه - يازول فطومة تطير عيشتها•• هو لكن غنا فصاح - يازول العرس الماغنت فيه فطومه أصلا ما يقولوا عليه عرس < وأعدت عليه السؤال، فقال: - علي الحرام، أخوك عرس عرسا خلي ناس ها البلده تنسي عرس الزين•• أسأل أيا من كان يقول بك العرس عرس سعيد والا بلاش< عرس الزين كان أعجوبة•• أما أن سعيد اليوم يصبح صهرا للناظر بجلالة قدره، فهذه هي المعجزة•• وقال سعيد•• >عليك أمان الله، ما لقينا محل نحشرها•• قبايل قبايل•• كل قبيلة تساوي الشئ العلاني•• عملنا العقد في الجامع الإمام قال للرجالة كل واحد يشوف ويسمع سعيد راجل حبابة•• ما في انسان يقول سعيد اليوم< ••

رهف
17-Jul-2009, 01:31 AM
تلك الشخصيات وتلك الأجواء حاضرة أبدا في روايات وقصص الطيب صالح•• ويبدو أنها دائما مُستلة من واقع اجتماعي سوداني لم تدخل اليه السياسة بعد •• ولم تجعله فيما بعد واقعا إجتماعيا قلقا كما هو عليه اليوم بفضل التناحرات السياسية أو المعاناة الإقتصادية والمعيشية التي يعاني منها الإنسان السوداني • زمن مختلف عن هذا الواقع المتغّير•• يقول الطيب صالح وهو يتحدث عن أجواء رواياته في حقبات ما قبل امتداد أصابع السياسة إلي لوحة المجتمع في السودان•• >حين كتبت هذه الروايات كان السودان -نسبيا- مستقرا، ولم يكن قد دخل في هذه الصراعات الدامية •• وربما هذا جزء من عرقلة الكتابة •• فهي تغدو أصعب حين يصبح الواقع أغرب مما يمكن أن يتخيله الكاتب• هذا هو الأمر عندما يتذكر المرء إعدام النميري لعبد الخالق محجوب والشفيع ثم شنقه محمود محمد طه أو يتذكر إعدام هذا النظام حوالي ثمانية وعشرين ضابطا في أواخر شهر رمضان •• وأنا وصفت في >ضو البيت< الجلد والتعذيب قبل أن يحدث ذلك في السودان •• كنت أحس ذلك خيالا •• ولكنه حدث فعلا•• بيوت أشباح وتعذيب وبلاء•• هذه الأمور أحيانا تعرقل الخيال أو تعكره ••

ما حدث في الجنوب مأساة كبري جدا إذ أبيدت قري كاملة•• أنا أنتمي إلي الشمال ولكن علينا أن نقر بأنه وقع ظلم كبير جدا علي الجنوبيين في حرب أدارها زعماء سياسيون< الشهرة شئ زائف قبل أن يظهر اسم هذا الروائي، ليحضر بكل قوة وتفرد في الساحة الأدبية العربية منذ منتصف الستينات، لم يكن يعرف القارئ كاتبا سودانيا كان قد حقق من قبل ما حققه الطيب صالح علي مستوي العملية الإبداعية والانتشار مع أنه يعتبر كاتبا ليس غزير الانتاج•• فما السر الذي يراه هذا الكاتب بالنسبة لاهتمام القارئ بنتاجاته••؟ >عندما أكتب شيئاً، أحب أن يكتشف فيه القارئ متعة مختلفة ،يكتشف عالما جديدا<•• لكن الأقلال في الكتابة كيف يفسره ؟ يقول عن ذلك > ليس عندي هذا الهوس بالكتابة كما لدي بعض الكتاب ، فإذا كتبت فليكن، وإن لم أكتب فلا أظن أن الناس قد خسروا كثيراً، فأنا لا أؤمن بالكثرة في الإنتاج، إذ ليس ضروريا أن أخرج كل سنة كتابا •• بل الكتابة تأتي حين يكون الكاتب قد نضج تماما ، وما عنده لا يمكن حبسه أي كما يقول العرب -بلغ السيل الربي- وكثيرا ما أجد اناسا كتبوا أشياء رائعة في العالم فأتساءل: ماذا بوسعي أن أضيف إلي كل هذا•• بل ما معني أن أكتب رواية كل شهر ليس لها مضمون ذو بال•• كما أنني حقيقة، لا أحس بهذه الرغبة الحادة في الكتابة، غير أني أستمتع بأشياء أخري ذلك أن عالم الإبداع يلتهم الحياة ، فحين نقرأ سيرة الكاتب > بلزاك < مثلا ، نجد أن هذا الرجل أفني عمره ليكتب فالتهم الفن حياته•• وقد تأسف علي ذلك في آخر سنوات عمره••< • هل هذا يعني الإعتراف صراحة بأن الطيب صالح آسف علي ذلك الزمن الذي التهم من حياته وأنفقه علي الكتابة•• ؟

ثم ما هي الحياة التي يتمناها ويرنو لها من بعيد ليعيشها•• يضيف الكاتب•• >أريد أن أوازن بين الحياة وبين الفن حتي لا يلتهم أحدهما الآخر، ولعلي أميل إلي الحياة مني إلي هذا العالم الموهوم الذي أسمه الفن•• لذلك فأني أستمتع بالقراءة وبمقابلة الناس وبالسفر< هل هذا معناه محاولة للهروب من ضريبة الشهرة التي يجلبها الإبداع علي الكاتب••؟ يجيب عن ذلك بالقول••>في الحقيقة أن الشهرة شئ زائف ووقتي والنجومية وهم•• والشئ الأهم وهو الأمر العادي الذي ينتج عن هذا الجهد الذي يبذله الكاتب العربي لا يحصل عليه•• فلو كنت كاتبا انجليزيا لحصلت علي تقدير مادي، وكتاب مثلي يعيشون في بحبوحة من العيش لدي الإنجليز والفرنسيين أما نحن العرب فمساكين لا نجد سوي بعض الحفاوة ونحمد الله علي ذلك•• والشعوب التي تهتم بالكاتب بحكم توجهها الحضاري أعطت للإبداع سواء كان كتابة أو موسيقي أو رسم ، وظيفة في المجتمع ، وأي مجتمع لا يمكن أن يكون متحضرا بدون الإبداع لأنه في نهاية الأمر لا يبقي سوي الفن والثقافة•• فالأمة التي تريد أن تصنع حضارة لابد أن تحتفي بالثقافة والفن، ونحن أهملنا هذا، ربما لظروف فرضت علينا لأننا ظللنا قرونا عديدة وطويلة لا ننتج شيئا< • جائزة نوبل جوابك هذا يعني أن الأديب والمبدع العربي بأقصي حاجة إلي رعاية•• ولعل تكريمه بجائزة ما عالمية سيكون لها أبلغ الأثر عليه• كما حصل مع الروائي نجيب محفوظ ••> فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل كان فوزا بينا، وهو رجل يستحق هذه الجائزة بكل المقاييس ولقد قلت ذلك قبل سنوات••

رهف
17-Jul-2009, 01:33 AM
ويوجد شعراء وكتاب عرب عديدون يستحقون هذه الجائزة، وأنا شخصيا لا أريد أن أشغل نفسي بالجوائز•• جائزة العويس•• جائزة البابطين وغيرها من الجوائز •• ولو ظل الإنسان يفكر في هذه الجوائز فلن ينتهي إلي وضع يستريح له•• والأديب يفعل ما يستطيع تحقيقا لنوازع هي أهم من الجوائز • أما بالنسبة لجائزة نوبل فالله وحده يعلم ، هل سيعطونها لعربي في المستقبل القريب•• ؟ لكن لابد أن نتذكر أن نوبل جائزة أوروبية•• وهم أحرار في منحها لمن يريدون•• وأري أن الرد علي السخط العربي بأن كتابنا مهمشون من قبل جائزة نوبل هو إنشاء جائزة عربية تعطي علي غرار جائزة نوبل•• ونحن كعرب لاينقصنا المال•• إلي درجة أن لدينا أثرياء عرب يستطيع الواحد منهم إنشاء مثل جائزة نوبل•• فنحن نسمع أحيانا أن (فلان) لديه كذا مليار دولار >طيب يعمل أيه في هذه المليارات< فلو خصص منها علي سبيل المثال 005 مليون دولار، وتمنح هذه الجائزة لمن يكتب أحسن بحث عن جزئية معينة من الحضارة العربية والثقافة العربية • وبهذا نكون مساهمين في الحوار الدائر ولسنا متعلقين•• فنحن دائما مستهلكون، نقف متفرجين إلي أن تأتينا السلعة الأجنبية من الخارج•• فجائزة نوبل أنشأها فاعل خير سويدي اسمه -نوبل- صنع الديناميت والقنابل، وتحت أحساس وخز الضمير قال: نخصص جائزة للعلوم والآداب تمنح للمتفوقين سنويا في العالم ، ولكن موقفنا من هذه الجائزة سلبي••

ولابد إذن من انشاء جائزة عربية كبري بديلا لها وعلي الإعلام العربي أن يتولي الدعوة لها•• ومع أن الطيب صالح تحدث عن جائزة نوبل بشئ من التهكم•• إلا أن هنالك أقوالاً ترددت حول سعيه لنيل هذه الجائزة •• وبهدوئه وتواضعه المعتاد يرد الروائي السوداني علي تلك الأقوال•• >لم أسع إلي جائزة نوبل، ولم أفكر فيها علي الإطلاق•• وأنا أولاً لا أملك الإنتاج الأدبي الكافي لتأهيلي إلي نيل هذه الجائزة ثم أني لا أعتبرها شيئا متغيرا في تاريخ الأدب ولا شيئا قادرا علي تضخم الكاتب الذي يحصل عليها سوي في الأيام الأولي للإعلان عن الفوز بها•• ثم ينتهي كل شئ وتدور عجلة الحياة•• وعموما الجوائز لا تصنع أديبا ، ثم إن جائزة نوبل ليست كل شئ في حياة الأدباء الذين يحبون الأدب والحياة والجمال•• وعن سعيي إلي هذه الجائزة كمن سعي إلي السراب لا لأنها ليست مهمة، بل لأنها تسند لأسماء قد لا يتوقعها أحد ولأسباب كثيرة•• ثم إن جائزة نوبل لن تفكر في الطيب صالح لأن حياته غير مثيرة وكتبه غير كثيرة <• المتعة والإمتاع - قلت: طالما أن المتعة الحقيقية لكاتب مثل الطيب صالح تأتي في التعبير عما به، ولا يبغي الشهرة ولكنه مندهش من الواقع عندما يصبح أغرب من الخيال، فيا تري ما الذي يمتع الطيب صالح وهو يبدع؟

يقول: أحب صوت فيروز وأنا أكتب، ولا أعرف لماذا، أم كلثوم يحتاج صوتها إلي تهيؤ واستعداد، لكن صوت فيروز يثير في أشياء كثيرة، أحب المقام العراقي الملئ بالشجب، وأحب كثيراً من الغناء السوداني الخصب، ويحضرني أحمد المصطفي، وعبد الكريم الكابلي، وحسن عطية، وعثمان حسين، هؤلاء أحملهم معي من الوطن، هذه هدايا منقولة من الوطن، عندنا مطربة اسمها حنان النيل، صوتها جميل، وهادية طلسم، وعندنا شاعر من منطقتنا اسمه عبد الله محمد أحمد، وشاعرنا السوداني المعروف سيدي أحمد الحردك• وأسمع موسيقي عالمية، أحب الجاز، وأحب أناشيد المديح، مديح الرسول في شمال السودان، وأحببت موسيقي البيتلز في غناء الأوروبيين• الواقعية السحرية - قلت: تشربت بالثقافة من هنا وهناك حتي أنك تري أن الكتابة في بعض جوانبها تماثل عمل علماء الانتربولوجيا والآثار•• فكيف يكون ذلك؟•• قال: هؤلاء يحفرون طبقات الأرض فيجدون أحياناً بعض التحف أو الصخور الدالة علي حضارة معينة، وأحياناً بعض الحلي، وهم في ذلك مثل الروائيين والمؤرخين، لأن مايقولونه لا أحد يستطيع إثباته لأنه دخل في بحر الزمان، وأنا شخصياً لا أشعر بأنني غريباً عن هؤلاء الناس، علي الرغم من أنهم قد يستعملون عبارات تبدو محددة، لكنهم بالضبط مثل الروائيين•

وفي اعتقادي أن الكاتب أو الروائي "أركيلوجي" بشكل مختلف•• الكاتب ينظر إلي مايسمي بالواقع، ولكن حين نفكر فيه بعمق لا يوجد واقع، من الناحية الفلسفية لا يوجد واقع، هناك حلم، كما يقول شكسبير، إذا نظرت إليه من الناحية التاريخية، وهو ليس ثابتاً• حتي الأشياء التي تحدث قبل أسبوع نجد الناس ينظرون إليها بشكل مختلف، ويحكونها بكيفية مختلفة، وكل واحد يعيد صياغتها بنفسه، وأنا شخصياً لم أسع مطلقاً أن أصنع واقعاً لأني لا أعرف ماهو هذا الواقع•• وأقول في السياق نفسه: إن الذاكرة تلعب كثيراً بالإنسان، وبالنسبة لي حيث أتذكر واقعة ما، فإنني لاأعرف علي وجه الدقة هل ما تذكرته يناسبني في الكتابة؟•• لذلك تجدني دائماً أقول إنني أعتمد أنصاف الحقائق، والأحداث التي يكون جزء منها صحيحاً والآخر مبهماً، وهذا يلائمني تماماً، بمعني آخر قد تكفيني جملة سمعتها عرضاً في الشارع لأستوحي منها فكرة للكتابة، وليس بالضرورة أن أجلس مع صاحب الجملة لأستمع إلي قصته كاملة، هذا لايهمني ولكن يكفيني جملة واحدة أسمعها في الطريق فتثير في نفسي أصداء لاحدود لها•

قد لايفهم القارئ أبعاد ماتكتبه خصوصاً حين تكيف ما تسمعه لكي يتناسب وطريقتك في الكتابة، لذلك أعتقد أن كثيرين أستوعبوا وفهموا ماكتبت، وفي المقابل ربما هناك كثيرون لم يفهموا ما كتبت، وهذا شئ طبيعي، ومجمل القول إن كل صناعة لها آفات، والأذن كذلك، الحداد مثلاً علي رغم أنه يتعامل مع النار صباح مساءً قد تطير شرارة صغيرة وتحرقه، الزراعة لها آفات لذلك يستعمل المزارعون لفظ "آفة" حيث يتحدثون عن أمراض القمح أو القطن، والكتابة خصوصاً في هذا العصر وفي عالمنا العربي مليئة بالآفات، والذي يطرح أفكاره علي الناس علناً عليه أن يتحمل تبعات ذلك، لذا لا يزعجني أحياناً حين يسألني بعض الناس هل مصطفي السعيد يشكل جزءاً من سيرتي الذاتية؟ وهو مايذكرني بالواقعة التي تقول أن أبو تمام عندما أستهل إحدي قصائده المشهورة بالضمير، واستعمل كلمة "هن" في أول البيت، قال له أحدهم "لماذا لا تقول مايفهم" فرد أبو تمام "ولماذا لاتفهم مايقال"؟•• والأمثلة متعددة•• إذن الناس أحرار فيما يسمعون ويقرأون، وحدث أكثر من مرة أن ألتقي أناساً يتحدثون عن رواية وهم لايعرفون حتي عنوانها•• لكنهم أحرار، ويبدو لي أحياناً أن البشرية تائهة، وأنا تائه معها•• لذلك لا أطالب الناس أن تفهمني كما أريد•• الكاتب نفسه أحيانا لايعرف ماذا يقول وماذا يكتب•

سيرة ذاتية - قلت للطيب صالح: صرحت مراراً بأن ليس في حياتك مايمكن كتابته أو طرحه كسيرة ذاتية•• فلماذا غيرت رأيك وتحدثت لتخرج سيرتك الذاتية في كتاب؟ قال: ولآخر قطرة من حياتي أقول: "ليس لدي ماأقوله"، وما حدث في السيرة الذاتية التي نقلها عني الأديب "طلحة جبريل" هو قراءة لسيرة إنسان•• وأنا أفهم الآن مايسمي بتواصل الإنسان مع بيئته ومع الناس، فقد عشت في بيئة صنعها أجدادنا، شرب جدي من لبن البقرة وشربت أنا من سلالتها من بعد، وحتي الحمير كنا نعرف من أين جاءت كأنها بني آدم، كنا نعرف تاريخ كل نخلة علي حدة، كل شئ كان متصلاً ومتناسقاً، كان هناك "هارموني" بين الإنسان وبيئته، وحين يتحدث علماء البيئة حالياً عن المدن الحديثة، أدرك تماماً مايقصدونه، لأن الإنسان في هذه المدن عبارة عن خلية أخذت من بيئة أخري، وزرعت في هذه المدن، وعندما تركت قريتي وسافرت إلي لندن ساورني طويلاً هذا الإحساس، الإحساس بأنني خلية زرعت في مدينة كبيرة زراعة اصطناعية، لذلك لم أحس إطلاقاً بالراحة النفسية التي كنت أحس بها في قريتي• وهذا الحنين الجارف إلي الجذور يتكرر في أكثر من موضع من سيرة الطيب صالح، وهذا الحنين وحده كان دافعه إلي الإبداع، وهو لم يعتبر نفسه أبداً مبدعاً علي مستوي الإحتراف، وإلي ماقبل مغادرته السودان إلي لندن في عام1953م، لم يكن كتب سوي محاولتين قصصيتين، مزقهما، وأنتهي الأمر عند هذا الحد•

يقول الطيب صالح إنه لايعتبر نفسه جزءاً من الحركة الأدبية، ولديه رغبة حقيقية في عدم الإلتزام بالأدب ويقول: لاأقترب أبداً مما يسمي بالصالونات الأدبية أو اتحادات الأدباء•• أنا شخص علي الهامش، وهذا الوضع يريحني كثيراً• عزوف والذين يعرفون الطيب صالح يلمسون عزوفه عن الشهرة، ونفوره من التنظير والإدعاء، ورغم أنه كان من الممكن أن يستغل شهرته ويقبل علي انتاج أعمال كثيرة يفوز من ورائها بشهرة أكبر وربح مادي أوفر إلا أنه رغم تقدمه في العمر ورغم تجربته الموسوعية في الحياة يري أن الشهرة شئ زائف والنجومية وهم ويقول أيضاً: لم أكثر يوماً من الانتاج•• أنا مقل لأني أشتغل في عمل أكسب منه، ولكن الناس ينسون أحياناً أن الكاتب يعيش في الدنيا أيضاً، أنا أختلف في هذه الجهة عن ميخائيل نعيمة الذي كان يعيش في أعالي "بسكنتا" في جبل "حنين" والذي كان خالياً من أية مسئوليات عائلية•• زرته يوماً في منزله، وقلت له "ليتني كنت في وضعك، وليس عندي عائلة وإلتزامات"•• الكتابة ليست هي كل حياتي، وقد ذكرت مرة أنني أراوغ في عملية العلاقة مع الفن لأن الفن يلتهم الحياة•• يأكلها•• هناك من يقبل هذا المصير، ولا يفعل شيئاً سوي الرسم أو الكتابة أو نظم الشعر•• "أنا مش عاوز المصير ده"•• وأرجو بالطبع ألا يكون النبع قد جف عندي، ولكن ماينقصني هو توفر الوقت، فالوقت في الحياة قصير جداً• - قلت للطيب الصالح أليست الكتابة عملاً يومياً؟ قال: لا•

لأن الأفكار تدور في ذهني•• ونوع الكتابة التي أقدمها تستلزم أن تتفاعل مع العمل وتبقي في المخيلة مدة طويلة• - يثار جدل حول مسألة زمن القصة القصيرة وزمن الشعر وهي أسئلة مستهلكة وأنت كالعادة تقرأ كل ماهو مستهلك وكل ما هو معلق•• لكن هل تعتقد أن رواية واحد جيدة في هذا الزمن تستطيع أن تصنع كاتباً؟ نعم•• ففي تاريخ الأدب، توجد أعمال منفردة صنعت كتاباً، وحين نستعرض الشعر العربي مثلاً نجد شاعراً لم يقل إلا بيتين، ولكن هذين البيتين ظلوا يترددوا، علي مر العصور، إذن فالكثرة ليست محاكاً، وإذا كانت كثرة مع جودة فهذا يكون شئ جيد•• لكن نادراً ماتكون الكثرة فيها جودة•• وهناك كتاب مقلون وكتبوا أشياءً عظيمة مازالت موجودة حتي اليوم•

- عندما صدرت مجموعة يوسف إدريس مثلاً "أرخص ليالي" أثارت ضجة، وفي الطبعة الثانية كتب لها المقدمة د• طه حسين في هذا الوقت بالذات وسط الانتشار الإعلامي ووسائل الاتصال ورغم ذلك إلا أنه من الصعب جداً أن مجموعة قصصية أو عمل واحد تستطيع أن تقدم كاتباً؟ هذه القضية، قضية مفتعلة كلها، لأن القارئ لايقرأ كل شئ- حتي ولو كان قليلاً لأي كاتب، وهناك روائع عندنا قد نكرها الناس، من قبل، وكأنهم يريدون توجيه اللوم للكاتب دائماً، وأنا أنظر للأشياء دائماً علي أنها مترابطة، فغير مهم أن يكون الكاتب كبيراً ولكن المهم أن تخلق مجموعة من الأصوات تتفاعل في جيل أو جيلين لتخلق شيئاً جديداً وجيد، ولو لم يكتب يوسف إدريس إلا "أرخص ليالي" لكان من الممكن أن يشهد الناس لعمله هذا بأنه عمل جيد، ولكن من حسن الحظ انه كتب أكثر من ذلك، فالضغط علي الكاتب بأن ينتج باستمرار ليس مهماً، ويمكن الاستمرار في الكتابة في حالة واحدة فقط وهي إذا كانت حياته مرتبطة بالكتابة فمثلاً، تشارلز ديكنز عند الإنجليز أو بانزاك كان يكتب كثيراً لأنه يريد أن يكسب، وكان يقدم الرواية مسلسلة للصحيفة ليكسب منها لأنه إذا لم يفعل ذلك فقد يموت من الجوع، وهذا هو المبرر الوحيد، وغير ذلك لايوجد أي مبرر للضغط علي الكاتب كي نتتج، فإذا قارنت بين ابراهيم عبد القادر المازني وبين طه حسين ستجد أن د• طه حسين أنتج عدداً من الأعمال ذوي مستوي عالي جداً، ولكن المازني علي قلة ماكتب ترك أدباً علي مستوي عالي•

- إذن فليست المسألة مسألة نجومية؟ هناك إناس يحبون النجومية، ولكن هذا ليس له صلة بعملية الإبداع• .

رهف
17-Jul-2009, 01:35 AM
بعد ان مات الطيب صالح، انبرى البعض للحديث عن انتمائه لتنظيم سياسي، بينما نفس هذا التنظيم كان العقبة الكأداء، ولا يزال في طريق انفتاح (أدب) الطيب صالح على المجتمع السوداني ودمغ هذا الأدب بالانحراف وكل الصفات السيئة. بل ساهم هذا التنظيم في منع دخول وتداول روايات الطيب صالح في السودان، وما زلت أذكر حتى اللحظة، تلك المقالات التي كتبها بعض كتاب هذا التنظيم قدحاً في (أعمال) الطيب صالح، بل وتلويث سمعتها، خلال فترة الديمقراطية الثانية قبل انقلاب مايو (1969م)... ولا أريد ان ذكر الأسماء حتى أقلب المواجع.. ومن يريد التأكد فعليه بأرشيف هيئة الوثائق القومية، ففيها الكثير الذي يبثت هذا القول، واتمنى ان اجد الوقت للتقليب والتنقيب والخروج على الناس بما يفيد!
* وما زلت أذكر كذلك كيف حفيت اقدامي وانا ابحث عن روايات الطيب صالح في الخرطوم قبل خمسة عشر عاماً، ولم أجد إلا نسخة واحدة قديمة من رواية احد (موسم الهجرة الى الشمال) في مكتبة الآداب بجامعة الخرطوم، استعرتها بطريقة خاصة، وصورتها، واعدتها مرة اخرى.. ووجدت نسختين من (دومة ود حامد)... اما ما عدا ذلك فلم اجد شيئاً، ولا حتى باللغات الاخرى..
وذكر لي احد الموظفين.. ان بعض الاشخاص حضروا الى المكتبة واخذوا كل النسخ الموجودة من (رواية موسم الهجرة).. ولم يعيدوها مرة اخرى.. وذكر لي ان هؤلاء الاشخاص كانوا من اساتذة الجامعة.. وكان ذلك في الاعوام الاولى لعقد التسعينيات من القرن الماضي.. ايام كانت (ثورة) التعليم في اوج ازدهارها!
* والآن.. بعد وفاة الطيب صالح، صار فجأة احد المؤسسين لذلك التنظيم السياسي، ولن استغرب اذا خرج علينا احدهم غداً بانه كان مرشحاً لرئاسة التنظيم، وهاجر من السودان بسبب ملاحقة السلطات الاستعمارية له كونه احد قادة هذا التنظيم!
* قد يكون الطيب صالح صديقا او قريبا من بعض طلاب الجامعة آنذاك، وجمعته معهم بعض الصور الفوتوغرافية القديمة، ثم تفرقت بهم السبل، هاجر الطيب صالح، وانضم البعض للتنظيمات السياسية المختلفة.. كما كانت (الموضة) خلال تلك الحقبة التي تميزت بارتفاع الروح الوطنية، والاستقطاب السياسي الحاد!.
* اما الطيب صالح، فلم يكن يحب السياسة ولم يكن مهموماً بها، ولم تكن احدى الادوات التي يستخدمها في انتقاد الظواهر والمظاهر التي لم يكن يراها صحيحة، وابلغ دليل على ذلك رواياته التي كانت تنتقد كل شيء، ولكن بعيداً عن السياسة ومصطلحاتها وادواتها!!.
* وحتى المقال السياسي الوحيد الذي كتبه في حياته الطيب صالح في بداية التسعينيات، ظل يؤرقه حتى اعتذر عنه بطريقة غير مباشرة في ما بعد!!
* ويأتي الآن من ينسب الطيب صالح الى تنظيم سياسي معين، بعد ان مات الطيب صالح، ولم يعد بامكانه الحديث عن نفسه!!
* الطيب صالح عظيم بأدبه الراقي، وانتمائه الوطني، وليس بالانتماء السياسي المزعوم!!

رهف
17-Jul-2009, 01:39 AM
بعد رحيل الأديب العربي الكبير الطيب صالح تعالت الأصوات المطالبة بدعم ترشيحه لنيل جائزة نوبل وكان من المنطقي أن تتجه الأنظار نحو اتحاد الكتاب العرب واتحاد كتاب مصر لحثهما علي التضامن مع مجموعة من المؤسسات الثقافية في الخرطوم بينها اتحاد الكتاب السودانيين ومركز عبدالكريم ميرغني الثقافي الذين أرسلوا رسالة إلي الأكاديمية السويدية ترشح فيها الروائي الطيب صالح لنيل جائزة نوبل. وهي المرة الثانية التي يرشح فيها الراحل من خلال مؤسسات سودانية.
المفاجأة أن كل هذه الخطابات كما يقول الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب محمد سلماوي لا قيمة لها فجائزة نوبل بفروعها المختلفة لا يتم ترشيح الأشخاص لنيلها من قبل الدولة أو غيرها من المؤسسات والاتحادات بل يتم الترشيح لها حصرا من قبل أكاديمية متخصصة مرتبطة بالجائزة وهي لا تأخذ بعين الاعتبار ترشيحات الدول أو الأفراد بل تقرر شروط الترشيح وفق آلية خاصة. وتكون الترشيحات سرية.
أضاف: الترشيح لجائزة نوبل له طريقتان لا ثالثة لهما الأولي عبر تلك المراكز العلمية المعتمدة لدي الجائزة وتسمي وكلاء نوبل والثانية بواسطة الفائزين السابقين بالجائزة إذ ترسل لهم المؤسسة سنويا استمارة ترشيح.
المفاجأة الكبري أن الطيب صالح رشح لنيل الجائزة بالفعل قبل وفاته بأسبوع واحد فقط عبر وساطة مصرية قام بها الكاتب محمد سلماوي وتنفرد الجمهورية بنشر تفاصيلها كاملة.
سلماوي أكد علمه بآليات الترشيح للجائزة نظرا لاقترابه من الأديب الكبير نجيب محفوظ وقال: عندما تصاعدت الأصوات السودانية المطالبة بدعم جهودهم لترشيح الطيب صالح لنيل نوبل طالبت الناقدة فريدة النقاش اتحاد كتاب مصر واتحاد الكتاب العرب بالقيام بكل ما يمكن لدعم الترشيح وقد خطر لي أن الحل الوحيد المتاح لنا هو إقناع أحد الحاصلين علي الجائزة بأهمية ابداعات الطيب صالح وجدوي ترشيحه.
قال: بعد النظر للفائزين بالجائزة وجدت أن أديبة جنوب إفريقيا نادين جورديمر قد تكون الأقرب للقيام بهذه المهمة لعدة أسباب أولها أنها صديقة شخصية يمكن أن نطلب منها طلبا كهذا دون حساسية وثانيها أنها قد تكون الأكثر حماسة وتفهما لترشيح أديب أفريقي عربي. وبالفعل أرسلت لها رسالة بالبريد الالكتروني طرحت فيها أسباب دعمنا لترشيح الأديب الراحل وأرفقت بالرسالة سيرة ذاتية وفية للأديب الكبير وكتابات نقدية عن أبرز أعماله الروائية "موسم الهجرة إلي الشمال".
المثير كما يقول سلماوي أن نادين جورديمر بادرت بالاتصال تليفونيا فور استلامها الرسالة وقالت إنها تعرف الطيب صالح جيدا علي المستوي الروائي برغم أنهما لم يلتقيا من قبل. وأشارت إلي إنها الآن تقرأ الطبعة الشعبية لروايته الأشهر موسم الهجرة إلي الشمال الصادرة مؤخرا بالانجليزية عن دار بنجوين وتعهدت بترشيحه لأنه كما قالت يستحق الجائزة بجدارة.
قال: الغريب أن الأديبة البريطانية الأشهر مارجريت درابيل عندما زارت القاهرة للمشاركة في فعاليات معرض القاهرة للكتاب كانت تحمل النسخة نفسها من رواية موسم الهجرة إلي الشمال وقالت للجمهور أنها تقرأها للمرة الثانية وهو ما نقلته لنادين جورديمر.
سألته: كنت الأقرب للأديب الكبير نجيب محفوظ الذي كان يملك حق الترشيح للجائزة سنويا هل سبق ورشح الطيب صالح للجائزة أم كان يكتفي بترشيح الأدباء المصريين كما ردد البعض.؟
قال ضاحكا في كل عام كانت تأتي الاستمارة واعرضها علي الأديب الكبير لاستيفاء بيانات من يرغب في ترشيحه وارسالها للأكاديمية ولكنه كان يطالب "بركنها" حتي لا يغضب أحدا من أصدقائه.
أضاف: كان يقول دائما انه يتلقي مئات الاتصالات ويتعرض للعديد من الضغوط من أدباء يرغبون في نيل شرف الترشيح وهو يرفض أن يغضب أحدا ولهذا أعلن اعتذاره عن عدم القيام بالترشيح متعللا بسوء حالته الصحية وأنه توقف عن القراءة ومتابعة أحدث الاصدارات.
وحول موقف الطيب صالح من الجائزة خاصة وأنها لم تمنح من قبل لأديب متوفي أكد سلماوي أن العرف في الجوائز العالمية الكبري يقضي بأن العبرة بتوقيت الترشيح فلو أرسلت الاستمارة والطيب مازال حيا فاعتقد انه سيدخل التصفيات المعتادة أما إذا تأخرت نادين جورديمر لما بعد وفاته فأظن أن الترشيح سيصبح لاغيا.

رهف
17-Jul-2009, 01:43 AM
كنت اقنيت الجزء الثالث من مختاراته في مسقط ، الاربعاء ، وفي المنامة ، قرات نعيه صباح الخميس ، وخلال الرحلة القصيرة من العاصمة العمانية الى عاصمة البحرين ، استغرقت الى حد عدم الشعور بالزمن بكتابات الطيب صالح .

بين كلية الاداب ، وحي المنصور ، انقضت رحلة الباص بسرعة ، وكان" بناي" ، صاحب اكبر
" بسطة " لبيع الكتب في الباب الشرقي ، بالاقساط ، تساهل معي في سعر " موسم الهجرة الى الشمال " . رواية لم تفارق عذوبتها مخيلتي ، مثل اول قبلة في شارع خلفي بحي الوزيرية ، المضوع بعبق الشبوي . وبالمحاولات الناجحة دائما ، لاخراج كتب من المعهد الثقافي البريطاني ، امام اغماضة ، نحسبها ، متعمدة ، للسيدة الانكليزية ، امينة المكتبة ، كانت تمد بعنقها الجميل ، كانها تراقب . لكنها تبتسم ، حين تفضح قمصان الصيف على الاجساد الهزيلة ، كتب التاج البريطاني ، تتسرب تباعا من رفوف المركز ، وفيه تعلمنا اولى عبارات الغزل الشكسبيري ، ممزوجا بعصير البنات .

لم استفق ، من موسم الهجرة الى الشمال ، الا في هزيع الليل ، وفي اليوم التالي ، حملته مع دفاتري الى صديقتي النجفية ، ذات العينين ، الواسعتين ، والصوت الرخيم ، ورثته عن اب كان في موسم العزاء يبكي الحسين ، وفي ايام السنة الاخرى ، يعيش حياة مليئة ، ويستمتع بقراءة " ادب
النصارى " ويهتف مقهقها ، " العزايات مهنة ، والحياة لاتحتمل البكاء على الماضي " .

تلقف زملائي ، رواية الطيب ، وبدانا نبحث عن مؤلفاته ، ونتابع برامجه ، ونصخب بالجدل حول تفوقه على روايات السرد ، ونبحث عن موقفه السياسي ، على وقع مذابح قادة الحزب الشيوعي في السودان ، وكنا ، مصابين ، باعراض تصنيف المثقفين ، وفق خانات الاحزاب ، وبعضنا ، كان ينتحل للمبرزين في عالم الثقافة ، مراكز حزبية وهمية ، من منطلق ان كل مبدع مجيد لابد وان يكون شيوعيا ، او قريبا من الحزب . انها ستالينية ، ابتكرها رهط من المثقفين العراقيين ، ولازمت الحركة السياسية العراقية ، الى ان وصلت سفينتها ، في بحر الدماء المتلاطمة ، الى مستنقع الهلاك والتشظي ،والتواطؤ ، تتكسر باحذية المارينز .

قبل رحلتي الى مسقط باسبوعين ، كنت في الخرطوم ،وبحثت عن مؤلفات الطيب صالح ، في عدد من مكتبات العاصمة السودانية ، فلم اجد له اثرا ، بين اكوام الكتب عن احكام الوضوء ، وفقه النجاسة ، وصراعات الف حزب في بلد يحتل المرتبة العاشرة من حيث المساحة في العالم ، والاولى في القارة السمراء . سالت مرافقي ، السائق السوداني ، عن مؤلفات مواطنه ، فاستغرب الاسم ، واقترح ان نذهب الى مكتبة يعرفها في ام درمان ، لعلنا نجد اثرا " لصاحبك " ؟

رحلت الى جوبا ، عاصمة الجنوب ، ولم ابحث عن مكتبة ، فالطقس ، في ارض ارتوت على مدى ربع قرن تقريبا ، بدماء الحرب الاهلية ، يمنعك حتى من التفكير ، اشعة الشمس ، مثل اسنان
" الدريل " تخترق الجسد . وفي المدينة لايوجد غير شارع واحد معبد بالاسفلت ، طوله خمسة كيلومترات ، يصل الى مدرج خطر لاقلاع الطائرات .
ابتسمت موظفة الامم المتحدة ، انطوانيت من كينيا ، حين سالتها عن محلات بيع الكتب ، وردت بغنج خلاسي ، يكشف عن جمال يوقع الطير من عشه ، في سماء ملتهبة بالقيض " ليس ثمة متسع من الوقت هنا للمطالعة ، بالكاد نستطيع التواصل مع العالم عبر الانترنت ، وفي الاماسي ، نشاهد افلام المغامرات " .

انطوانيت ، سمعت بالطيب صالح " الانكليزي " وقرات نتفا عنه . وابيضت عينيها اللوزيتن ، مثل الندف ، حين حدثتها ، عن مشاهد من موسم الهجرة الى الشمال ، واخبرتها ان السلطات في الخرطوم منعت الرواية " لانها اباحية " . تعهدت بمتابعة " الموضوع " ونحن نتعانق عائدا الى الخرطوم . كانت انطوانيت ، كافحت ليوم ضجرها ، بقادم " ابيض " من روسيا . لم اخبرها بجنسيتي الاصلبة ، خوفا من ان تنهمر على الاسئلة المعروفة عن الوضع في العراق ، الذي فارقته قبل ثلاثة عقود ، فاض خلالها نيل الطيب صالح ، المعتل ببلاغة العربية ، فترشق قلمه ، ونحت اجمل القصص والحكايات .

لازمني هاجس الطيب صالح منذ ان وطات ارض السودان ، وكان خياله يلاحقني ، فكنت
" اقيس " هامات ، وحركات ، وسكنات ، النساء والرجال من التقيت على ضفاف النيلين ، بابطال الروائي الذي نعته الصحافة العربية بعناوين تكاد تتشابه تصب كلها تقريبا في مفهوم " الصراع بين الشمال والجنوب " وذهب البعض الى القول بان الاديب السوداني ، تنبا بنظيرية صمؤيل هانتينغتون ، التي لم يقراها احد الى النهاية ، او هكذا اعتقد ، عن صراع الحضارات .
تسطيح ، يفرغ الروائي العظيم من سيل ابداعه ، ويحوله الى ، منظّر . انها الستالينية ، التي لم يتفرد مثقفو العراق ، بصناعتها ، بل انها النمطية ، التي سعى الطيب الراحل ، الى تهشيمها ولاندري مااذا ، كان الوعي العربي سيتخلص منها ولو في اليوبيل المئوي لرحيل الكاتب السوداني . الحي ، المتواضع ، المدوي ، والحاني على اهله .

في الخرطوم ، صادفت ، ارملة المربي الاديب ، عبد الله الطيب . سيدة انكليزية ، في الخامسة والثمانين ، ستون حولا منها ، امضتها في السودان ، ولفت بريشتها الساطعة ، البلد الشاسع من اقصاه الى اقصاه . وحين فرقها الموت عن زوجها ، اثرت البقاء في ارض السواد ، المشرقة ، فلاشيء يشدها الى ضباب الوطن الام . غريزيليا ، الطيب ، طلقت الالوان الزيتية ، وخطت بالالوان المائية ، لوحات تزدحم بها جدران بيتها الوادع في الشارع الميمون باسم زوجها ، المفتوح على جنينية ، متفتحة الزهور على مدار العام .

اعتذرت الرسامة بانكليزية مقعرة " انا عجوز ، والعجائز ، خرفات ، وربما اقول كلاما صريحا لايعجب الكثيرين " . كانت غريزيليا الطيب ترد على سؤالي حول اعمال الطيب صالح .
لم يمنعني ردها المقعر ، من الالحاح بالسؤال . فردت بلهجة سودانية ، معجمة بانكليزية عذبة
" الطيب صالح اعرفه جيدا ، ولكني اعتقد انه خبير بالدعاية لنفسه اكثر مما يستحق " .

لاحظت ، ان البوم صور ارملة الكاتب عبد الله الطيب ، يخلو من تذكار مع الطيب صالح ، رغم ان الاديبين السودانيين ، عاشا سنوات متقاربة ، اعوام الطيب صالح ، في الغربة ، واعوام عبد الله الطيب بين لندن والسودان . وفهمت قبل ان تكمل السيدة التي لم تكدم زرقة عينينها ، شمس افريقيا ، ولم يكل بصرها تدفق الالوان في ارض الله المشرقة ؛ ان صراع الوسط الثقافي ، وربما على خلفيات حزبية وسياسية ، في السودان ، مر على مجلسها . وان غريزيليا ، الوفية لرفيق حياتها ، لاتريد ان يتفوق احد على عبد الله الطيب ، في المفاضلة . ولم اكن بهذا الصدد ، لكني وددت ان اسمع اي شي عن الطيب صالح ، الذي لازمني كالهاجس ، في الخرطوم ، ولاحقني في مسقط ، وقرات في صحف المنامة ، نعيه ، واستغرقت في الرحلة الطويلة بين البحرين وموسكو بقراءة الجزء الثالث من مختاراته .

طوفان من الادب الرفيع ، صبه الروائي العظيم في اوان ، تفيض بالجمال . اليس من النيل برافديه ، الازرق والابيض ، ارتوى الطيب ، واغتسل والداه ، قبل ان يزرعا نطفة اورقت شجرة مثقلة بالفاكهة المحرمة ، وبكل انواع الطيب ؟؟

* سلام مسافر :

كاتب وصحافي عراقي مقيم في موسكو

رهف
17-Jul-2009, 02:06 AM
أشكرك اختى رهف على الإضافات التى تزيد
من جمال الموضوع و رونقه
لا تحرمينا روائعك يا رائعة
محبتى ،،
كبرياء أٌنثى

كبرياء انثي
شكرا لحضورك البهي
انا بكل أمانة، قناعتي الشخصية تويد هذا الانتماء عن الطيب صالح، ولكن أنطلق من هذا البوست، لدعوة أشمل بالحرص والدعوة لكتابة تاريخنا، متمثلا في الرصد الأمين لتاريخ مثل الطيب صالح، كوني معي في الحدث

رهف
17-Jul-2009, 02:18 AM
http://www.youtube.com/watch?v=G1AKpC7IY1M

http://www.youtube.com/watch?v=xv_owkGq4Rs


http://www.youtube.com/watch?v=9zL9pUW6t2M

http://www.youtube.com/watch?v=CFZjeJ6DrtM

رهف
17-Jul-2009, 02:27 AM
الطيب صالح يتذكر المنسي

بقلم‏:‏ د‏.‏ صلاح فضل
ـــــــــــــــــ

قطع الطيب صالح‏,‏ أكبر شيوخ الرواية العربية بعد محفوظ‏,‏ صمته الإبداعي الذي دام أكثر من عقدين‏,‏ بعمل فني بديع‏,‏ بعنوان غريب‏'‏ منسي‏:‏ إنسان نادر علي طريقته‏'‏ جعله الجزء الأول من مختاراته في الكتابة‏.‏ والواقع أنه لم يكف بدوره عن الكتابة الإبداعية‏,‏ لكن‏'‏ علي طريقته‏'‏ إذ تتجلي في مقالاته ومداخلاته قدرته الفذة علي التفلسف البسيط المدهش‏,‏ بحيث يحول موضوعه‏,‏ مهمـا كان‏,‏ إلي مادة شعرية مثيرة للتأمل‏,‏ تسبح في عالم متناغم‏,‏ ينفذ بضوئه الي جنبات الروح‏,‏ ويسري بحرارته إلي شغاف القلب‏,‏ كما تتجلي عنده تلك الخلاصة المقطرة من الخصائص الطيبة للشخصية السودانية وقد امتزجت بمكنون الثقافـة العربية وبلورت رؤية حضارية للعالم‏,‏ تتميز بصفائها الذي يغمر قارئه ومحدثه علي السواء‏.‏
رواية المنسي هي سيرة مزدوجة‏,‏ ذاتية وغيرية‏,‏ يتذكر فيها الطيب صالح زمنه الجميل‏,‏ عندما كان يعمل في إذاعة لندن مطلع الخمسينيات‏,‏ قبل أن ينتقل إلي العمل في منظمة اليونسكو‏,‏ وتستعين به قطر لتأسيس بنيتها الإعلامية‏,‏ ثم يعود كالطائر الغريب؟ المنتمي دائما؟ الي عشه الأول الإنجليزي‏.‏
وهو يدير ذكرياته في هذه السيرة حول إنسان مصري‏'‏ نادر علي طريقته‏'‏ في أول مرة‏,‏ فيما أحسب‏,‏ يتعرض فيها لأشقائه في شمال الوادي الذين يبادلونه الحب والمودة والتقدير العميق‏.‏
ولنقرأ تقديمه الطريف لهذا النموذج المصري في مستهل عمله‏:'‏ في مثل هذا الوقت من العام الماضي توفي رجل لم يكن مهما بموازين الدنيا‏,‏ ولكنه كان مهما في عرف ناس قليلين‏,‏ مثلي‏,‏ قبلوه علي عواهنه‏,‏ وأحبوه علي علاته‏.‏ رجل قطع رحلة الحياة القصيرة وثبا‏,‏ وشغل مساحة أكبر مما كان متاحا له‏.‏ وأحدث في الحياة حدود العالم الذي تحرك فيه ضوضاء عظيمة‏,‏ حمل عدة أسماء‏:‏ أحمد منسي يوسف‏,‏ ومنسي يوسف بسطا وروس‏,‏ ومايكل جوزف‏.‏ ومثل علي مسرح الحياة عدة أدوار‏,‏ حمالا وممرضا ومدرسا وممثلا‏,‏ ومترجما وكاتبا وأستاذا جامعيا ورجل أعمال ومهرجا‏.‏ ولد علي ملة‏,‏ ومات علي ملة‏,‏ وترك أبناء مسيحيين‏,‏ وأرملة وأبناء مسلمين‏..‏ قاده حبه للغة الإنجليزية‏,‏ وهو الذي ولد في‏'‏ ملوي‏'‏ في عمق صعيد مصر‏,‏ إلي الهجرة إلي انجلترا فوصل إليها عام‏1952‏ بعد سلسلة من المغامرات والألاعيب وانخرط في الدراسة في جامعة‏'‏ ليفربول‏'‏ فكان يدرس ويعمل‏,.‏
عرفته أول عهدي بهيئة الإذاعة البريطانية‏,‏ فكنا نعطيه أشياء يكتبها أو يترجمها‏,‏ وأدوارا صغيرة في التمثيليات الإذاعية تعينه علي العيش والدراسة‏,‏ ظل طول حياته يحب التمثيل‏,‏ وحتي بعد أن أثري كان يصر علي تقاضي أجره المتواضع‏,‏ وكنت أقول له‏:‏ أنت ممثل جيد في الحياة‏,‏ ولكنك ممثل فاشل في الفن‏'.‏ ولم تكن هذه هي المفارقة الوحيدة في حياة المنسي كما يرسمها الطيب صالح‏,‏ فحياته كلها ومواقفه عناقيد من المفارقات الموجعة المثيرة‏.‏ ومع أن كل الشواهد والإشارات التوثيقية‏,‏ والأسماء والتواريخ ونية الكاتب البارزة في كلماته‏,‏ تؤكد أنه يروي سيرة شخصية وليست متخيلة‏,‏ فإن القارئ يتلقاها باعتبارها عملا إبداعيا خلاقا بغض النظر عن طبيعة المادة التي تتناولها‏.‏ وفي هذا شيء من سر الفن وسحره‏,‏ لنا أن نحاول النفاذ إليه من بعض المداخل‏.‏ صورة شخصية‏!‏
ليست سيرة المنسي ولا تقلبات حياته‏,‏ علي أهميتها‏,‏ هي التي تعنينا عند قراءة هذا النص الفريد‏,‏ وإنما مهارة الطيب صالح وهو يتقن رسم منظومة متسقة من صوره المتحركة الناطقة‏,‏ تحيط به من الداخل والخارج‏,‏ وكما أن كثيرا من كبار الفنانين التشكيليين يحيلون الوجوه التي يرسمونها الي نماذج فنية بالغة الجمال والحيوية‏,‏ بغض النظر عن أصولها‏,‏ فإن كاتبنا الكبير يقبض علي خفايا الوجدان‏,‏ ويمسك بشكل الروح‏,‏ بلفتات وصفية دقيقة وهو يتتبع المنسي في حماقاته وانتصاراته‏,‏ في نزواته وفتوحاته‏,‏ صانعا من ذلك جديلة فنية محكمة‏,‏ لنتعرف علي مزاجه وطريقته في الدخول إلي عوالم الآخرين المغلقة‏,‏ كما يحكي الطيب صالح‏'‏ لم يعدم طوال حياته نساء يحببنه‏,‏ بعضهن كن جميلات جمالا بينا‏,‏ فارعات‏,‏
تراه يختال إلي جانب الواحدة منهن‏,‏ فكأنها نخلة علي جانب شجرة الدوم‏.‏ كان وجهه صبيحا يميل الي الاستدارة‏,‏ تزحمه عينان واسعتان وقحتان‏,‏ يركزهما علي محدثه طول الوقت دون أن يطرف له جفن‏.‏ وكانت تلك حيلة نعرفها عنه‏,‏ فكنا نعابثه بوسائل شتي‏,‏ وكان سريع الضحك‏..‏ وكان جريئا يقتحم الناس اقتحاما‏,‏ويرفع الكلفة فورا كأنه يعرف الشخص من زمن‏,‏ وكأن هذا
الشخص‏,‏ مهما علا شأنه‏,‏ دونه مرتبة‏.‏ رافقني الي حفل تخرجي من الجامعة فقابل لأول مرة سفيرا عربيا وزوجته‏,‏ وكانا من أسرة حاكمة‏.‏ انشغلت عنه فترة ولما عدت إليه وجدته قد أوقف الرجل وزوجته‏,‏ ووقف هو بينهما‏,‏ يضرب الرجل علي كتفه مرة‏,‏ ويضرب السيدة علي كتفها مرة أخري‏,‏ ويقول وهو يقهقه بالضحك‏:-‏
‏-‏ آه‏,‏ اتكلموا كمان‏,‏ والله لهجتكم ظريفة جدا‏!‏
‏-‏ جررته عنهما وقلت له‏:-‏ انت مجنون‏,‏ ألا تعرف هؤلاء ؟‏-‏ حيكونوا مين يعني‏.‏ ولما أفهمته قال‏:‏ وإيه يعني‏.‏
كانت الوقاحة تنفعه أحيانا‏,‏ وتضره أحيانا‏,‏ ولكنها كانت تسعفه مع النساء في الغالب‏'.‏
وإذا لاحظنا أن هذه الأحداث التي يرويها الكاتب لابد أن يكون قد مضي عليها قرابة نصف قرن من الزمان أدركنا أن البراعة في رسم هذا الـ‏'‏ بورتريه‏'‏ الناطق تتمثل في التركيز علي ملمح رئيس في الشخصية يمكن تجسيده حيا وهو النظرة المحدقة الوقحة التي تخترق سطح الأشياء وتضمن له التفوق علي الأشخاص مهما علا قدرهم‏;‏ إضافة إلي ملمح آخر معنوي هو حس الفكاهة والدعابة في لا مبالاته وخروجه السهل من المآزق الحرجة‏.‏ علي أن مراوحة الكاتب بين السرد والحوار‏,‏ واحتفاظه بنكهة اللهجة الدارجة في هذا الحوار‏,‏ ووصفه للمشهد بوضع الأشخاص وحركة الأيدي وتمثيل الانفعالات يؤجج من درامية الموقف ويفجر روح الفكاهة فيه‏.‏ حلاوة السرد‏.‏
ينساب حديث الطيب صالح بتدفق منتظم عن تجربته مع صديقه المنسي‏,‏ في إيقاع يحافظ علي التشويق ويستخدم بعض جماليات السرد الحديث‏,‏ فهو يبدأ من النهاية ويعود لاسترجاع المواقف السابقة‏,‏ معتمدا علي حلاوة الحكي المسترسل كيفما اتفق في فصول شائقة‏,‏ لعمل من أطرفها تلك المناظرة التي خاضها أوائل الستينات‏,‏ بدعوة من اتحاد طلبة جامعة لندن عن الحق الفلسطيني ضد شخصية عاتية هي‏'‏ رتيشارد كروسمان‏'‏ الذي كان من مفكري اليسار المعدودين‏,‏ ومن المنظرين الكبار في حزب العمال‏,‏ وكان يعمل أستاذا في جامعة أوكسفورد قبل أن يصبح نائبا في البرلمان‏,‏ وقد صار فيما بعد وزيرا ومستشارا أثيرا عند ولسن رئيس الوزراء كما يذكر الطيب صالح قائلا‏'‏ قال لي منسي ونحن في سيارته في طريقنا إلي مقر الاتحاد وقد بقي أقل من ساعة علي بدء المناظرة‏:‏ اسمع‏,‏ قل لي بسرعة إيه حكاية فلسطين دي‏.‏ فأجبته‏:‏ الله يخيبك‏,‏ هل ستواجه كروسمان وأنت لم تستعد ؟‏..‏ ألا تعرف من هو؟
‏-‏ بلاش غلبة‏,‏ بس انت قولي بسرعة إيه حكاية وعد بلفور وموش عارف إيه وشغل الحلبسة دا‏'.‏
ويمضي الطيب في تصوير قلقه وإشفاقه من الموقف‏,‏ وعجبه من أن يتم اختيار المنسي لهذه المهمة الصعبة مع وجود كثير من المختصين وحضور بعض النواب والسفراء ورجال الإعلام واهتمامهم بالمناظرة الخطيرة‏,‏ ثم يصف خطاب كروسمان المتمرس بمعارك مجلس العموم حتي يصل الي المنعطف الحاسم‏'‏ بعد ذلك حدث أمر عجيب لا أذكر بوضوح كيف حدث‏,‏ ولكني أذكر‏'‏ علج‏'‏ الصهيونية الجبار وقد تقلص وصغر‏,‏ وفارسنا منسي وقد تحول إلي سبع كاسر يجري غاديا رائحا من المنصة إلي القاعة وهو يلح في سؤاله‏:‏ هل أنت بريطاني أم إسرائيلي‏,‏ نحن نعلم أنك يهودي‏,‏ ولسنا ضد اليهود ولكن نريد أن نفهم‏:‏ ولاؤك لمن‏,‏ مع بريطانيا أم إسرائيل‏'‏ ويؤكد الطيب صالح أن كروسمان لم يكن يهوديا‏,‏ ولكنه كان من الواضح أن منسي يريد أن يزعزع الثقة به وبمصداقيته وينزع عنه ثوب الوقار‏,‏ وقد نجح في ذلك وانتصر في نزال كان يبدو غير متكافئ‏,‏ واستحق إعجاب كل الحاضرين‏.‏
تحولات المنسي‏:‏
لم يكن حظ منسي في مناظراته الأخري بمثل هذا التوفيق‏,‏ فقد شهد مع الطيب صالح محاضرة المؤرخ الكبير‏'‏ أرنولد توينبي‏'‏ في جامعة أكسفورد عن قضية فلسطين أيضا‏,‏ حيث شبهها بالمآسي الملحمية الإغريقية التي يقود فيها الشر إلي شر آخر دون نهاية‏,‏ ورأي أنه يتعين علي الفريقين أن يعملا علي كسر هذه الحلقة الشريرة‏,‏ لكن منسي نام خلال المحاضرة وأفاق ليزج نفسه في المناقشة زاعما أن توينبي وهو صديق العرب قد نسب إليهم إساءة معاملة اليهود طيلة تاريخهم‏,‏ وكان هذا عكس ما شرحه توينبي بالتفصيل‏,‏ مما أثار علي منسي حنق العرب والإنجليز الذين طالبوا بإسكاته‏.‏ لكن أطرف ما يورده الطيب عن صاحبه قصة اعتناقه الإسلام ببساطة كأنه ينتقل من دار إلي دار‏,‏ ولم يكن ذلك بغرض التجارة أو الزواج‏,‏ كان يقول إنه قرأ القرآن الكريم وهو صبي في ملوي في الصعيد مع أطفال المسلمين‏,‏ وذلك أمر ليس مستغربا‏'‏ فأقباط وادي النيل وهم ذوو قربي ورحم اقتربوا جدا من المسلمين‏,‏ وأذكر أن أبناء القبط كانوا يقرأون القرآن معنا في مدارس السودان‏,‏ وفي مدينة أم درمان حي يسمي‏'‏ السالمة‏'‏ وهم أقباط هاجروا إلي مصر‏,‏ وبعضهم دخل الإسلام‏.‏ وقد أسلم منسي في‏'‏ واشنطن‏'‏ علي
يدي إمام مسجدها وسرعان ما أصبح داعية للإسلام كأنه مسلم منذ ولد‏,‏ وقد أنشأ إذاعة تدعو للإسلام‏,‏ وكان يسألني متحديا‏:-‏
‏-‏ أنا دخلت ناس كثيرة الإسلام‏,‏ إنت دخلت كم واحد ؟
‏-‏ لعلني لينت قلوب بعض الناس‏,‏ أو أزلت بعض سوء الفهم عن الإسلام هنا وهناك‏,‏ أما أنني أدخلت أحدا في الإسلام فاللهم لا‏'.‏
وهنا تقطر كلمات الطيب صالح بالسماحة والمحبة والوعي وهي تمثل هذا المفصل الدقيق في حياة صاحبه‏,‏ مما يكشف عن قيمة هذه السيرة باعتبارها نموذجا فائقا لرواية الشاهد ورسوم الصور الإنسانية المفعمة بالنبل والحيوية‏,‏ مما يثري شعرية السرد العربي‏.‏
ـــــــــــــــــــ
عن صحيفة "الأهرام" ـ في 28/3/2005م

رهف
17-Jul-2009, 02:30 AM
http://www.elaph.com/Web/Video/2009/2/411332.htm


لقاء تلفزيوني نادر مع الأديب الراحل الطيب صالح أجراه الشاعر آدم فتحي وأخرجه الفنان عبد المجيد الجلولي مع استضافة للناقد فوزي الزمرلي

رهف
17-Jul-2009, 02:34 AM
منسي عمل أدبي للطيب صالح صدر عن دار الريس للنشر عام 2004 ، هو سرد يتناول الذاكرة والسيرة الذاتية . يلقي الضوء على مرحلة من حياة الكاتب ، عبر شخصية تمتاز بالملاحة والظرف وهو المنسي أو الدكتور مكايل أو لا هم ، فبطل العمل حالة ذات تتميز ، تتفرد وتتعمم . بذلك تكون أمام نموذج للشخصية العربية في محاولة للالمام بها من جميع جوانبها وفي سياق ظروفها .


الطيب صالح، القامة الروائية العربية العالية ، صاحب موسم الهجرة الى الشمال ودومة ود حامد وضو البيت وعرس الزين ، لايقدم عملا روائياً في المنسي ، بل يقدم سرداً قصصياً جميلاً يتناول فيه نموذج للشخصية العربية باعتبارها ذاتٌ تتفاعل مع واقعها المليء بالتعقيدات والهزائم ، شخصية تتميز بالقدرة على الشطارة والقدرة على الأونطة ، بعدم الجاهزية وانتفاء التخطيط . المنسي يُقدم على الوقائع التي تواجهه معتمدا على الفهلوية وسياسة الحلبسة كما يطلق عليها المنسي بطل الرواية.
يحقق المنسي انتصارات بهذه السياسة ويصاب بانكسارات ، تدخله في القضايا العامة وتجعله يخوض مواجهات في الندوات ومحافل الحوار من على منابر مهمة ، ومحطات ذات قيمة في المجتمع الدولي . فينقض ليدافع . يبرع ببعض القضايا لكنه لا يراكم ، وينهزم بكثير من الأحيان ، لكنه لايعتبر . ورغم ذلك يمتلك القدرة على الابحار بنفس العقلية والحيوية والنشاط . الدين حالة تفاعل إيجابي للتعايش والتفاعل . لا فوارق تبرز في هذا التعايش بل حالة من التماهي التام . قد يكون المنفى ؟ الغربة ؟ فليس هناك حالة نفي في الرواية إلا إذا لعب المكان والثقافة محورا في تجسيد دوائر للنفي السيكولوجي بمعنى الشعور الباطني بعدم الاندماج في الجديد . وهذه لا تبرز لدى المنسي ، بل على العكس فهو مغرق بحالة الاندماج ، حالة تتجلى في الندية بالتصدى للآخر ، إلا ان هذه الندية خليط من الادعاء وشعور خفي بالدونية . تتجسد هذه الحالة بارتداء الأقنعة . أقنعة كثيرة ، لا تبدأ بالتظاهر الخارجي على شكل اللباس ، ولا تنتهي بالمعرفة السطحية كأن يردد أسماء المشاهير وأسماء كتبهم . المسيحي يتحول لداعية اسلامي ، والمنسي ...ليس انتهازيا . المنسي...حالة الشعور البيئي المشبع بالذاكرة المبنية على التفاعل والتعايش ، وهذا يبرز في المنفى دائما . فالعرب يتفاعلون مع بعضهم بحميمية ظاهرة ، حميمية ترجع الدين للماوراء تلغيه وتهمله ، بانتظار بيئته وثقافته . المنسي هنا إسراف في التوغل بالحياة لاثبات الذات بالفطرة الغير متساوقة مع العصر ، لذا فهي تتطاول وتتداخل بعفوية تامة ، لا تعبأ كثيراً عندما ينكشف زيفها ولا تتردد من المغامرة ثانية وثالثة .
الكاتب هنا منحاز للمنسي منحاز للانسان في المنسي ، للقدرة على الحياة والغرف منها . منحاز لتبسيط الأمور لدى بطله ، حيث يدرك تماما الجوهر الكامن فيه . يتسامح معه رغم شدة المقالب والاحراجات التي يوقعه فيها ، يحنق عليه ويثور إلا أنه لا يفتأ أن يغفر له ويدخل بالدور الذي يرسمه المنسي له ليلعبه راضياً راضخاً ومندمجاً . حالة الغضب والحنق تذوب وتتلاشى مع أول محطة يجلسان بها ويتناولان طعاما أو شراب .
ما المميز في هذه الشخصية التي لازمت كاتبنا الطيب صالح ؟ ولماذا سكنت الطيب وألحت عليه وشكلت له قلق الكتابة ؟
لاشك ان الطيب صالح مشغول بشخصية المنسي ، ولكنه مسكون أيضا بالعام فيها ، العام الذي يؤرخ للزمن وللسياق الذي تشغله الشخصيات . فالبطلان يواكبان النهوض القومي ونكسة حزيران وأحداث لبنان من زاوية الاعلام ، فالشخصيتان تعملان لمحطة اذاعية بريطانية ، ويتفاعلان مع الخارج ونظرته للداخل ، والداخل وتصديه لقضاياه .
الطيب صالح لا يقدم هنا زوربا عربي ، بقدر ما يقدم عقلية ، تتعامل بالشطارة والفهلوة في التعبير عن وجودها ، بتبسيط الأمور ، بالقفز عن الواقع ، بالتطفل على الموضوعي المحكوم بالقوة . القوة التي تحدد تجاوز الواقع ، ثورة العقل وتطور الصناعة والسيطرة على الطبيعة وتسخيرها .
كل هذا امام الحلبسة . سياسة الحلبسة العربية ، التعبير المحبب لبطل الطيب صالح ، ثقافة مبنية على التسلق والقفز الغير متسق والغير عقلاني ، قد تصل إلا أنها لا تنجز أثراً .
المنسي ينتهي كأي برجوازي طفيلي ، يمتلك مزارع وشركات في امريكا ولندن . لكنه ذو جذور من قش في منطقته . روح المرح والتفاعل مع الأصدقاء والطيب صالح منهم ، وقد أكون أنا منهم وغيري ممن يعيشون المنفى . وقد يكون أكثر من منسي في دوائرنا . منسي نأنس له ونتفاعل معه ونحن إليه ، ولكنه لا ينقذ دافور ، ولايوصل طريقاً حراً وكريماً إلى دمشق .
قد اكون حملت رواية الطيب صالح اكثر مما ينبغي ، وقد اكون قولته ما لا يريد ، والطيب صالح له في نفسي ووجداني الكثير . وكم فرحت عندما التقيته في احدى الأماسي ببرلين ، ممتنا بذلك لصديقي الطيب الذي أحب ، الدكتور حامد فضل الله ، الذي عرفني على الكثير من السودانيين الطيبين . أقول قد أكون حملت العمل قراءة قد لا تكون في وارد الطيب ، إلا ان الأعمال الأدبية الممتازة هي التي تحمل اكثر من تأويل وأكثر من اجتهاد ، وعمله المميز موسم الهجرة الى الشمال ما زال في متناول البحث والنقد والسبر وهذا ما جعلني أتجرأ في تناول المنسي . عودنا الطيب صالح على ادخال أسلوبه السلس الصافي المتسق مع الحدث بجمالية في سبك الفكرة ، فأنت لا تقف على الكلمة بقدر ما تنساق مع الحدث ، وبذلك تكون الصياغة عمل تناسبي معجون بروح الحدث .
وبهذا يبقى عمل المنسي للطيب صالح من الأعمال الجميلة ، تتمازج السيرة الذاتية فيه مع إفصاحها عن البيئة وتعرية الذات من أجل الالتصاق بالآخر والدخول إليه ، قدمها الطيب صالح لنا بجهد مبذول وبسلاسة عالية وانسجام في الفكرة والأسلوب . وبالتأكيد وكما في كل كتابات الطيب صالح ، تغادرها وتبقى آثار المتعة متلصقة بخلاياك منها ، تفاجئ بالبساطة لكنها تدخلك الى العميق العميق . حقيقة كم من مرة راودتني بعض التفاصيل وضحكت في سري وشاهدت هذا المنسي يتجسد بكثير من الشخصيات التي حولي وبي في بعض الأحيان . لذا وكي أصل وتصل أنت الى نتيجة لابد من قراءة العمل ثانية وثالثة للاحاطة به .

رهف
17-Jul-2009, 02:37 AM
يقول السويسريون إن تاريخ بلادهم عبارة عن سجل لاتجاهات متضاربة ونزاعات متعارضة. ولعل أوضح ظواهر هذا التضارب هو النزوع من ناحية إلى العيش في تجمعات بشرية وإدارية صغيرة، ومن ناحية أخرى الرغبة في تجميع هذه الوحدات الصغيرة في كيان كبير موحد.
وكون السويسريين نجحوا في إنشاء دولة حديثة ينوه بذكرها وحافظوا فيها على هاتين النزعتين المتضاربتين، لهو بحق من أكبر الإنجازات في التاريخ.
الاسم الرسمي للدولة باللغة اللاتينية هو Confoedera tio Helvetica أي كنفدرالية هلفيشيا، وهو الاسم المطبوع على أوراق العملة، ومنه الحرفان (C.H) اللذان تجدهما على لوحات السيارات السويسرية. والاسم مأخوذ من اسم قبيلة من (الكلت الغاليين) عرفوا بـ (الهلفيسيين) نزحوا قبل بداية التاريخ المسيحي من ضفاف نهر "الراين" واصطدموا بالرومان الذين كانوا يسيطرون على الإقليم الذي يعرف اليوم بسويسرا وهزموا جيشهم عام 107 ق.م.
إلا أن الرومان بقيادة " يوليوس قيصر" لم يلبثوا أن هزموهم وأخضعوهم لسلطانهم، فاستقروا في مستوطنات صغيرة على ضفاف بحيرة " جنيف" ونهر"الراين" وفي الإقليم الذي يعرف اليوم بإقليم " التشينو" في الجنوب السويسري .
أعطاهم الرومان سلطات محدودة لتصريف شؤونهم وتقول المصادر إن تلك كانت البداية في وجود ظاهرة الوحدات الإدارية الصغيرة التي سوف تظل مظهراً مميزاً للنظام السويسري.
خلال العهد الروماني كان نهر " الراين" من مدينة " بازل" في الغرب إلى مدينة " كنستانس" في الشرق بمثابة الحدود الفاصلة بين الشعوب اللاتينية والشعوب الجرمانية. هذان العنصران سوف يتغلغلان في الأراضي السويسرية فيما بعد ويكونان عصب الأمة كما هي معروفة اليوم.
في عام 47 للميلاد حدث أمر سوف يكون له أثر بعيد في تاريخ سويسرا وذلك أن الرومان بعد أن سيطروا على جبال الألب كلها أرادوا كما كانت عادتهم في ربط أطراف إمبراطوريتهم أن يربطوا بين شمال أوروبا وجنوبها ففتحوا في الجبال الممر المعروف بممر " سانت بيرنارد" .
ويصفون أن هذا الحدث كان له من الأثر أكثر مما لأية معركة عسكرية، ذلك أنه أكد صفة أخرى تميزت بها سويسرا طوال تاريخها المليء بالتناقض والتضارب. فهي من ناحية تميل إلى أن تكون " قلعة حصينة مغلقة" ومن ناحية أخرى أصبحت " معبراً مفتوحاً" .
هذا وفي أواخر العهد الروماني مع سهولة التواصل عبر تلك المضايق الجبلية بدأ الدين الجديد – المسيحية- يتسرب بالتدريج إلى داخل الأراضي السويسرية. وما إن حل القرن الرابع الميلادي حتى كان قد عم وانتشر وصار الدين الغالب في القطر.
ذلك أيضاً سوف يكون له أثر بعيد في مجرى التاريخ السويسري ويكفي أن أشير الآن إلى أن سويسرا ومدينة " جنيف" خاصة أصبحت منذ القرن السادس عشر معقلاً من معاقل البروتستانتية الكالفينية. وهو المذهب المستمد من أفكار المفكر اللاهوتي الفرنسي المولد " جان كالفن".
إنه مذهب جمع على الطريقة السويسرية – كما يقول الفيلسوف "ماكس وبر- ربما بشيء من السخرية " بين حب الدنيا وحب الآخرة بين نقاء العقيدة وتشجيع التجارة والربح !".
إنه بحق مزيج من عجيب من التناقض وكون السويسريين استطاعوا أن يصوغوا من كل ذلك التناقض دولة موحدة يضرب بها المثل في الاستقرار السياسي والرفاه المادي، فتلك معجزة من معجزات التعايش السلمي التي أنجزها الإنسان.
لاحظ المؤرخون أن السويسريين أحدثوا ثورة دون أن يقصدوا ذلك وأقاموا دولة مستقلة دون أن يكون ذلك هو هدفهم منذ البداية. وكان مما يدعو أيضاً إلى الدهشة والإعجاب أن مسيرة تاريخهم في نيل الاستقلال كانت مخالفة لبقية الدول الأوروبية التي كانت تقوم بوساطة تعزيز سلطان الإقطاع. أما السويسريون فقد أنشأوا دولتهم بواسطة انتفاضات شعبية ضد سيطرة الإقطاع.
لم يكن نضالهم أول أمره في النصف الأول من القرن الثالث عشر يهدف إلى الانفكاك من التبعية لإمبراطورية الـ"هابسبيرق" وريثة ما كان يسمي "الإمبراطورية الرومانية المقدسة" وإن كانت ليست أكثر من ظل باهت لها.
كان السويسريون يهدفون فقط إلى التخلص من رجال الإقطاع الذين كانوا يحكمونهم حكماً متعسفاً باسم الإمبراطور، وأن يصيروا تابعين تبعية مباشرة للإمبراطور نفسه.
ويذكر المؤرخون أن من مظاهر فساد الأحوال في إمبراطورية الهابسبيرق أنها لم تعبأ بذلك المطلب المشروع، الأمر الذي اضطر السويسريين إلى حمل السلاح وتحقيق مطلبهم بالقوة.
في السفوح الشمالية لسلسلة جبال " القوتادرد" وعلى طرفي البحيرة التي عرفت فيما بعد ببحيرة "لوتزيرن" نمت مجموعتان من السكان في تنظيمات لها طابع الدويلات الصغيرة. هما كانتون (اوري- Uri) وكانتون شفتز. في هاتين الدولتين كان السكان على اختلاف طبقاتهم من فلاحين وأصحاب حرف وبعض صغار النبلاء ينظمون أمور حياتهم بوسيلة ديمقراطية بواسطة مجالس شورى لها طابع البرلمانات.
في عام 1231 نجح كانتو (أوري) في انتزاع موافقة الإمبراطور على منحه ما كان يعرف بـ "براءة الإمبراطورية"، أصبح الكانتون بمقتضاه تابعاً للإمبراطور مباشرة. هذا التطور جعل كانتو شفتز يطالب بالحق نفسه. ولما لم يستجب الإمبراطور قام الكانتون بثورة مسلحة اضطرت الإمبراطور إلى أعطائهم براءة الإمبراطورية عام 1240.
ولكن لوردات الإقطاع لم يقبلوا هذا الوضع، فحمل المواطنون السلاح مرة أخرى وأجبروا الإمبراطور على تأكيد وضعهم الدستوري الجديد بأن أباح لهم رفع علمهم الخاص بهم وهو عبارة عن صليب أبيض على قاعدة حمراء.
ذلك العلم أصبح فيما بعد هو علم الدولة الموحدة كما أصبح اسم الكانتون هو اسم الدولة "سوايتز – سويسرا".
بعد ذلك استغل السويسريون ضعف الإمبراطورية فقاموا بانتفاضات مسلحة في عدة مناطق حصلوا من جرائها على مزيد من الاستقلال الإداري. ثم أخذت تلك الكانتونات في عقد اتفاقيات إحداها مع الأخرى لتنظيم المعاملات فيما بينهما والتعاون على صيانة حقوقها المكتسبة.
وفي اليوم الأول من شهر آب/ أغسطس عام 1291، حدث أمر سوف يكون له أثر بعيد في تاريخ سويسرا. خلال البلبلة التي أعقبت وفاة الإمبراطور "روبرت" وتراخي قبضة الدولة، أقدمت ثلاثة كانتونات على اتخاذ خطوة حاسمة فعقدت معاهدة فيما بينها كانت الأساس لقيام الكنفيدرالية السويسرية والكانتونات هي "أوري" و "شفتز" و"نيد والدن" التي عرفت بـ"كانتونات الغابة" كانت معاهدة ثورية في تلك الظروف وإن لم يعطها السويسريون تلك الصفة فقد نصت على إضفاء صبغة الولاء المشترك لمواطني الكانتونات الثلاثة وأنه إذا حدث أي اعتداء على واحدة منها تلتزم البقية بالدفاع عنها، وأن الكانتونات المتعاهدة لا تعترف بأية امتيازات قد يكون لبعض الأفراد قد حصلوا عليها تحت نظام الإقطاع كما تحظر أن يعمل مواطنوها جنوداً مرتزقة في خدمة قوى أجنبية أو بأية صفة أخرى. (كان ذلك أمراً شائعاً في سويسرا). كذلك نصت المعاهدة على رفض أي تدخل أجنبي في شؤونها الداخلية حتى لو كان ذلك من الإمبراطور نفسه، وحددت أنواع العقوبات التي تفرض على أولئك الذين يقومون بأعمال تخل بالأمن أو تضر بالمصلحة العامة .

رهف
17-Jul-2009, 02:41 AM
أول عمل أدبي ألفه الطيب صالح هو "نخلة على الجدول"، وذلك عام 1953 بعاصمة الضباب لندن، والقصة في مجملها كما يصفها المؤلف نفسه "بسيطة، كتبتها ببساطة شديدة جداً... كانت القصة تعبيرا عن حنين للبيئة، ومحاولة لاستحضار تلك البيئة". وبعدها انقطع الطيب عن الكتابة لمدة سبع سنوات، ثم أنتج تباعا "حفنة تمر"، و"دومة ود حامد". ويروي لنا الاستاذ علي أبو عاقلة أبوسن عن "دومة ود حامد" قائلا: "إن الطيب صالح قال له ذات مرة انه كتب قصة قصيرة، ويريد رأيه فيها. كان ذلك عام 1961 فأعجبته القصة، وطلب من الطيب صالح نشرها، لكنه رفض فكرة النشر، وحاول نزع المسودة من يده، ولكن أبوسن رفض اعادة القصة اليه إلا إذا وافق على نشرها، وبعد ثلاثة ايام جاءه الطيب صالح ضاحكا، وقال: "يا سيدي خلاص أنا وافقت، لكين منو البينشرها لينا؟".

وفي العام نفسه، حسب رواية طلحة جبريل، نشرت مجلة "أصوات" اللندنية "دومة ود حامد"، ثم ترجم دينيس جونسون ديفيس النص العربي الى الانكليزية، ونشره في مجلة الكونتر (Encounter) الأدبية، وكانت عملية نشرها في هذه المرحلة الباكرة من عُمر الطيب، ومع كُتّاب مرموقين أمثال الكاتب الاميركي نورمان ملير، بمثابة ميلاد حقيقي لاديبنا الطيب صالح، وفتح أدبي جديد في مساراته الأدبية. وعندما شجعه ديفيس على مواصلة الكتابة قال له الطيب صالح في سخريته المعهودة: "يعني أتحول الى كاتب... هذه مزحة، لقد كتبتُ ما عندي... وخلاص". وبعد الصدى الذي أحدثته "دومة ود حامد" في الأروقة الأدبية، كتب الطيب رواية "عرس الزين"، إلا أنه أحجم عن نشرها ولم يطلق سراح نصها الأدبي إلا عام 1964، حيث نشرت الرواية ملحقاً في مجلة "الخرطوم" الثقافية، ولكن لم يحفل الناس بها كثيرا، ثم أردف ذلك بعمله الروائي الرائد "موسم الهجرة الى الشمال" الذي نشرته مجلة "حوار" البيروتية عام 1966. ويقول في هذا المضمار الديبلوماسي سيد أحمد الحاردلو انه كان في زيارة الى قاهرة المعز بصحبة الاستاذ محمد أحمد المحجوب، وفي تلك الاثناء اشترى خمس نسخ من مجلة "حوار" البيروتية، وأعطى منها نسخة للاستاذ رجاء النقاش الذي قرأ رواية "موسم الهجرة الى الشمال" بعين فاحصة – ناقدة، وكتب عنها مقالا بعنوان: "الطيب صالح عبقري الرواية العربية". وحسب الاستاذ الحاردلو وآخرين ان ذلك المقال هو الذي وضع الطيب صالح على قمة الروائيين العرب منذ عام 1968، وجعل الناس يعودون الكرة لقراءة أدبياته السابقة، ويتشوقون لمطالعة مساهماته اللاحقة.

أحلام العودة الى السودان

كانت احلام العودة الى السودان هاجسا معششاً في مخيلة الطيب صالح، لا يفارقه في حلّه وترحاله. لذا فان الدكتور منصور خالد لا يطلق عليه صفة المهاجر، أو اللاجىء، أو المنفي، "لأن الأوطان ليست ظواهر جغرافيا، فألأوطان ترحل في قلوب أصحابها". ويؤكد صدق هذه الفرضية قول الطيب نفسه ردا على السؤال الذي طرحه عليه الاستاذ خالد الاعيسر في حوار تلفزيوني: "لم يحن وقت هجرة الطيب صالح جنوبا للاستمتاع بدفء العشيرة والأهل، بعيدا عن بلاد تموت من البرد حيتانها كما وصفتها؟" فجاء رد الطيب عليه ردا حزينا، أبكى المجيب أولا، قبل أن يبكي مستمعيه: "أنا دائماً أقول حين أواجه بهذا السؤال بأنني أحمل السودان بين أضلاعي... ولست في حاجة الى ان اعود اليه لأنني عايش فيه... وفي هذا الزمان اصبح الوجود الجسماني لشخصي في مكان جغرافيا ما مهما، ولكن ما هو مهم جدا... في فترات كنت أزور السودان كثيرا، وكان الناس الذين أعزهم في السودان أحياء... فقلوا، الموت ما قصّر أخذ كثيرين من الاعزاء، لكنني أحب جدا ان أتمكن من زيارة السودان على فترات قصيرة، الان لا أستطيع أن أسافر، هذه العلة التي أعاني منها، لأني أنا مرتبط بغسيل الكُلى ثلاث مرات في الاسبوع، ولا استطيع ان اسافر، لكن عندي أمل قوي ان شاء الله قبل ما نودع هذه الدنيا، نزور البلد، ونشم هواها، ونشم تربتها، ونرى ما بقى من الاصحاب"

ويتجدد هذا المشهد في كل روايات الطيب صالح، لان الراوي عاش في قريته كما يعيش اهلها، وظل يعتقد جازماً "ان الشخص الذي يطلق عليه لفظ كاتب، او مبدع، يوجد طفل قابع في اعماقه، والابداع نفسه فيه البحث عن الطفولة الضائعة". ويقول الطيب ايضاً "حين كبرتُ ودخلتُ في تعقيدات الحياة كان عالم الطفولة بالنسبة لي فردوساً عشتُ خلاله متحرراً من الهموم، أسرح وامرح كما شاء لي الله، واعتقد انه كان عالماً جميلاً... وذلك هو العالم الوحيد الذي أحببته دون تحفظ، وأحسست فيه بسعادة كاملة، وما حدث لي لاحقاً كان كله مشوباً بالتوتر".

ويقول الاديب المرهف في احد مقاطع ادبياته الروائية القصصية: "استيقظت في فراشي، وارخيت أذني للريح. ذاك لعمري صوت اعرفه. سمعت هديل القمري، ونظرتُ الى النخلة القائمة في فناء دارنا، فعلمت ان الحياة ما زالت بخير. انظر الى جذعها القوي المعتدل، والى عروقها الضاربة في الارض، والى الجريد الاخضر المنهدل فوق هامتها فأحس بالطمأنينة. أحس بأنني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل تلك النخلة مخلوق له اصل، وله جذور، وله هدف".

وفي زيارته الاخيرة الى السودان عام 2005 يقول الطيب: "وعندما حلقت الطائرة فوق مروي، وشفت النيل والمزارع والنخيل، حدث لي شعور عظيم". ويبدو ان ذلك الشعور كان اشبه بما حدث له قبل خمسة عقود عندما زار قرية ود حامد (كرمكول) الرمز، وسطر تلك المشاعر الجياشة في فاتحة "موسم الهجرة الى الشمال" بلسان الراوي: "عدت الى اهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة اعوام على وجه التحديد، كنت خلالها اتعلم في اوروبا. تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، ولكن تلك قصة اخرى. المهم انني عدت، وبي شوق عظيم الى اهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل. سبعة اعوام وانا احن اليهم واحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة، ان وجدتني حقيقة قائمة بينهم، فرحوا بي وضجوا حولي، ولم يمض وقت طويل حتى أحسستُ كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس ذاك دفء الحياة والعشيرة، فقدته زمانا في بلاد تموت من البرد حيتانها".

والمشهد التالي يحكي عن موقف للراوي الذي لم يكن قشة في مهب الريح، بل انسان له مواقفه المرتبطة بجرس الارض التي ينتمي اليها، وعزة اهله الطيبين، وفي هذا يقول الراوي على لسان احدى شخصياته الروائية: "وقتين طفح الكيل، مشيت لأصحاب الشأن، قلت ليهم خلاص. مش عاوز... رافض... ادوني حقوقي، عاوز اروح لي اهلي، دار جدي وابوي... أزرع واحرث زي بقية خلق الله، اشرب الموية من القلة، وآكل الكسرة بالويكة الخضرا من الجروف، وارقد على قفاي بالليل في حوش الديوان... اعاين السما فوق صافية زي العجب، والقمر يلهلج زي صحن الفضة... قلت ليهم عاوز اعود للماضي، ايام كان الناس ناس، والزمان زمان...".

ويبدو ان هذه المشاهد اللامعة وتلك المشاعر المتدفقة قد دفعت الدكتور حسن ابشر الطيب والاستاذ محمود صالح عثمان صالح وآخرين فضلاء بأن يقوموا بجمع بعض المال لشراء بيت للطيب صالح في السودان، ولكن لتعذر المسعى بعض الشيء يقول الطيب: فسألني حسن ابشر ماذا نفعل، وخطر لي في الاول ارجاع الفلوس للمتبرعين، لكننا فكرنا والاخ محمود صالح عثمان صالح...وقلنا: "والله كويس نخصصها لجائزة، وهم من اقترحوا ان تكون باسمي، مع اني كنت افضل لو انها كانت باسم التجاني يوسف بشير مثلا، وختينا القريشات دي عشان تبقي نواة لهذه الجائزة". لا غرو ان فكرة الجائزة كانت فكرة طيبة، والشكر موصول لأصحابها، لأن فيها تخليد لاسم الاديب الطيب صالح بين اهله وعشيرته، وفيها نوع من التقدير والعرفان الذي يستحقه ذلكم الرجل النخلة، لأنه بفضل عطائه السابل قد منح السودان اسما عظيماً في المحافل الادبية والفضائيات، بعيدا من ارث الحروبات، ونزوات السياسة البغيضة في السودان.

(اجزاء من دراسة اطول)

* ( كاتب سوداني)

رهف
17-Jul-2009, 02:47 AM
أكد عدد من المفكرين والكتاب المصريين أن أعمال الروائي السوداني الطيب صالح ذات جودة عالية رغم قلة عددها.
وأوضحوا في ندوة عقدها المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة مؤخراً لتأبين الطيب صالح، ان الراحل لم يهتم بكمّ الأعمال التي ينتجها، لكنه كان حريصا على نوعية ما يكتبه للجمهور.
وتأتي الندوة ضمن سلسلة ندوات تعقدها الجهات الثقافية في مصر لتأبين الراحل الطيب صالح، وتذكره في المكان الذي طالما أثراه بكلماته ولقاءاته.
وأوضحت د. شهيدة الباز ان الطيب صالح مقل في أعماله من ناحية الكم، لكنها تدل على عبقرية من ناحية الكيف، مشيرة إلى أن عبقريته تأتى من شخصيته، فقد كان زاهدا امتلك العالم ولم يمتلكه شيء، وكان تواضعه الشديد يجعله يقول دائما: إنه «نقطة في بحر»، كما كان يحب الحياة، وكانت لديه في السنوات الأخيرة رغبة شديدة في العودة إلى الوطن وليس هو السودان فقط، بل كان وطنه هو الوطن العربي.
وقال المفكر د. جلال أمين ان كتابات الطيب صالح قليلة (ما لا يزيد على خمس روايات قصيرة لا تتعدى150 صفحة، وعدد من القصص القصيرة) إلا أن الحديث لا ينقطع عن رواياته، منذ صدور روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» عام 1968، مما يذكّرنا بالحقيقة أن الرجل ليس بكثرة كلامه ولكن بنوع ما يقول، فالطيب صالح كان يتعذب بالكتابة، كما قال هو عن نفسه: «الكتابة عذاب لي، وأن القراءة أهون علي ألف مرة من الكتابة»، وحينما كان يُسأل عن قلة أعماله، كان يقول إنه رأسمالي يعيش لكي يزيد من أمواله، بل هو يعمل فى مجال إبداعي، ولو مات دون أن يكمل عمله فسيكمله غيره، وأوضح أنه كان يكره السياسة ويعتبرها شيئا ثقيلا على نفسه، ورغم ذلك فقد خدم السودان كما يخدمه غيره، وخلد شخصيات سودانية من خلال أدبه.
وقال الكاتب المصري محمود سالم: بدأت علاقتي بالطيب صالح عام 1968 حيث استضافني فى بيته بلندن دون أن يعرفني، وفى نهاية الرحلة منحني مجموعة من قصصه القصيرة بالإضافة إلى روايته «موسم الهجرة إلى الشمال»، فنشرت قصصه القصيرة متتابعة فى مجلة الإذاعة والتليفزيون مع مقدمة مني لكل قصة، أما الرواية فأرسلتها إلى رجاء النقاش الذي أرسلها بدوره إلى الرقابة، ونشرت لأول مرة فى مصر وأحدثت ضجة كبيرة لدرجة أنهم عاقبوا عبد الحميد الجنايني الذي وافق على نشرها، وحينما وصل الطيب للقاهرة ورويت له ما حدث، صمم أن يشكر بنفسه هذا الرجل الذي كان سببا فى نشر روايته الرائعة لأول مرة.
وأكد د. جابر عصفور، في كلمة النقاد، أن الطيب صالح صاحب نص متجدد، وكلما أعيدت قراءة أعماله سنجد فيها جديدا، فنصوصه متألقة ولا تكف عن العطاء، موضحا أنه لا يدهش حينما يكتشف جديدا فى روايات الطيب صالح كلما عاود قراءتها، لأن أي نص أدبي مميز لابد أن يُشعر الناقد بأنه متجدد ومتعدد الأوجه مثل قطعة الألماس تعطي ألوانا جديدة كلما اختلفت زاوية رؤيتها.
وقال ان جميع مناهج النقد الأدبي جُربت على نصوص الطيب صالح، واكتشفت آفاقا جديدة فى كتاباته، فإخلاصه جعله ينتج نصوصا إنسانية بمعنى الكلمة، لهذا لاقت «موسم الهجرة إلى الشمال» رواجا هائلا في بريطانيا، وفي الجامعات الأمريكية، مرجعا ذلك إلى أن الطيب صالح عرف السر في الوصول إلى العالمية وهو الإغراق في المحلية.
واختتم سفير السودان الأسبق في واشنطن صلاح أحمد، وقال: إن الطيب رمز بارز من رموز السودان المضيئة وكنز ثمين للأمة العربية، وسهم إبداعي وهّاج اخترق حدود أمته وقارته، وتعرفت عليه شعوب العالم بأكثر من 25 لغة، وأعلت من شأنه ووضعت رائعته «موسم الهجرة إلى الشمال» ضمن أفضل الأعمال الروائية في تاريخ الإنسانية، وأُعدت الكثير من البحوث والرسائل الجامعية عنها

رهف
17-Jul-2009, 02:49 AM
هذه الحلقات كتبها الشهيد محمد طه محمد احمد فى الوفاق
ان سعيد البوم الذي اصبح هو سعيد عشا البايتات بفضل غناء فطومة ان سعيد هو النجم الصاعد في كرمكول القرية التي عاش فيها ابطال قصص الطيب صالح.
دفع سعيد بصرة جنيهات لفطومة وقال لها (الله يرضي عليك داير منك اسماً ينسى ناس هذا البلد اسم سعيد البوم) فقالت هي (وقت الدارة تعمر والبنات يرقصن تشوف غناء فطومة فيك)
سعيد الظريف تمساح الجزائر
حديثو ذاع وعم البنادر
عشا البايتات القوي
فارس العشائر
زغردن يا بنات
ده عريس بت الناظر
وكان سعيد لم يقنع بمد حبل المصاهرة مع الناظر وانما اصبح هو امين الصندوق في لجنة الجمعية التعاونية الجديدة التي اطاحت بلجنة محجوب وشلة الحرامية . انه الحدث الاكبر في كرمكول انها ثورة الطريفي ود بكري ضد خاله محجوب وبقية الشلة لقد بدأت الحكاية بنزاع حول ارض. ان ام الطريفي هي اخت محجوب الزعيم التاريخي في الدبة كرمكول. كسب محجوب قضية الارض ولكنه خسر هيبته واصبح الطريفي يتهمه كما يتهم مجموعته القيادية بالفساد والرشوة والمحسوبية واصبح هذا الاتهام يجد صداه في البلدة وتكون للطريف حزب. ووصل باشمفتش التعاون من مروي وتحت شجرة السيال الضخمة كان الشعب يقاضي محجوب وشلته الحساب ان البنات خرجن في مظاهرة يهتفن (يعيش الطرفي يسقط محجوب) واختار سعيد عشا البايتات المعسكر الجديد نزل محجوب وخطب يوم الاجتماع خطبة يفلق فيها ويداوي يقول احد اعضاء لجنة محجوب التي اطيح بها وخطبة عشا البايتات في اجتماع الجمعة لازم يكتبوها في الكتب ويدرسوها في المدارس الليلة القبلها متعشي معانا هنا تحلف قال يصوت معانا وقت وقف قلت لي ود الرواسي معليش أهبل وعوير لكن برضو معانا وقف عشا البايتات لا سلام عليكم ولا بسم الله قال يا جماعة الخير .. محجوب وسعيد ناس أصحابي واهلي .. محجوب حابه عشرة .. راجل ما بتفضل عليكم .. جملة الايمان راجل يوزن الف راجل .. شكال صريمة ومخلص يتيمة.. لكن الحق لله الجماعة اكلوا البلد .. نقوا لحمها ما خلوا غير العظم.. الخراب .. من الله خلقنا والجماعات ديل بسرقوا وينهبوا .. الشئ الاكلوه حلال بارد عليهم مافي انسان عايز يرجعه منهم ناس عليك امان الله تلقاهم في الحارة والباردة سرقوا ونهبوا .. البلد الله لا يكسبهم حسنة .. رجال فرسان وبطونهم ما بتشبع دحين ذي ما قال الزعيم الطريفي ولد بكري الناس دي تتفضل تروح بيوتها بالتي هي احسن والا اذا كان عندهم كلام الشعب واقف ليهم بالمرصاد.
يحيا الشعب يعيش الطريفي يسقط محجوب وخصوصاً يسقط جني اسماعيل مقطوع الطاري ان شاء الله ما تنعدل صاحبي اخو اخوان قروشه كلها مودرها في العرقي .. محجوب راجل حبابه عشرة .. راجل ما بتفضل عليكم .. خدم البلد وسرق ونهب باع لي البرسيم الحوض بي خمسين قرش
قلت له اشاركك في البقرة قال شراكة مش عاوز يا جماعة صلوا على النبي الحلال بين والحرام بين فضوا الحكاية دي خلونا نروح لي بيوتنا.
ان سعيد خطب بطريقة يفلق ويداوي ولكنه انحاز الي قيادة الطريفي واصبح اميناً للصندوق واصبح هو المؤذن رغم صوته الضعيف الاخرق واختلف الناس حول ثروة سعيد فقيل انه عثر على كنز مدفون وقال هو إن الشيخ الحنين كان دليله الي قصر بندر شاه حيث نال الامانة فهو من المستضعفين الذين ورثوا الارض واصبح سعيد زاهداً في منصب امين الصندوق وقال انه اصابه بالصداع ووجع الرأس وقال سعيد انه لم يعد مهتماً بالناظر او العمدة او مدير المديرية وفكر في الزواج من احدي الفتيات ممن خرجن في المظاهرة واحدة تتكلم انجليزي.
ولكن لماذا اختار سعيد عشا البايتات معسكر الطريفي؟ ان قائد التغيير كان شخصية مثيرة للجدل كان اهل كرمكول يختلفون حوله فمنهم من يعتبره لا يراعي قواعد الادب فيخلف رجله في حضرة الكبار ويتثاءب ويتدخل في احاديث الكبار وانه كان ينام وفيضان النهر يزحف لابتلاع القرية ولكن البعض الاخر يشهد للطريفي بجلائل الاعمال وكيف انقذ أمونة من الغرق ويقول سعيد عشا البايتات لمن ينتقدون الطريفي والطريفي راجل حبابو عشرة لكن انتو عميانين.
واجتمع الناس واختاروا الطريفي زعيماً جديداً لود حامد وقال محجوب .. المدارس فتحناها بالجري والعرق والتعب طلعت اولادوا بقوا يتفاصحوا علينا.
وكان التعليق لقد انتهى ذلك الزمان الذي يخضع فيه الصغير للكبير والمرأة لزوجها والمحكوم للحاكم .. وكان محجوب يجلس على بقعة الرمل في كرمكول ان الزعيم الذي تمت الاطاحة به هو صاحب المأساة الحقيقية فهو يرفض ان يغادر المسرح رغم انتهاء دوره فيه.
ان الطريفي هو صاحب الوقت السياسي اما سعيد عشا البايتات فهو صاحب الوقت الروحي ولهذا غنت له فطومة وانحاز له الامام واختاره الشيخ الحنين ليدله على الكنز في قصر بندر شاه.
ومن الواضح ان الطيب صالح يرمز للشيخ الحنين بنبي الله الخضر الذي تقول الحكايات انه يتجول بين مقرن النيلين ومنحنى النيل في الدبة كرمكول انه العبد الصالح في سورة الكهف الذي بنى جدار الفلاحين اليتميين ليحفظ لهما كنزهما.
نواصل

رهف
17-Jul-2009, 02:51 AM
ابطال الطيب صالح يتحدثون في منحنى النيل «3»
بندر شا حسم الصراع بضربة في بطن حمد ود حليمة
عمل عليهم حرب اعصاب ولكن ود مفتاح الخزنة دائماً مع الغالب
بندر شاه هو رمز الرقي والتحضر والقوة والثراء وهوالغريب الذي حملته امواج النهر الي الدبة كرمكول ليحدث فيها التغيير الجذري فهو يتحرك بقوة خارقة وينتج محاصيل الصيف في الشتاء وينتج محاصيل الشتاء في الصيف . ان انتاجه اضعاف ما ينتجه اهل منحنى النيل ولكن اترى ان الطيب صالح في رواية (بندر شاه ضو البيت) يرمز بندر شاه للحكم التركي المصري للسودان؟ ربما ان استقبال منحنى النيل للغرباء ظهر ايضاً في رواية (موسم الهجرة الي الشمال) وبطل الطيب صالح هنا من السودانيين ولكنه من خارج القرية انه مصطفى سعيد المولود من اب من قبيلة العبابدة وام من قبيلة الباريا من جنوب السودان.
وكل غريب يدخل قرية كرمكول في منحنى النيل يترك تأثيره الضخم ثم يختفي ويظل تأثيره باقياً.. وتبقى اسماء الغرباء مختلفة حتى اذا اختارها لهم اهل القرية.
ويروى حمد ود حليمة ان عيسي ود ضو البيت خرج عليهم ذات يوم وكانوا صبية صغاراً في لباس كأنه لباس العيد ولم يكن الوقت عيداً . كان يلبس جلابية جديدة من الحرير وعلى رأسه طاقية حمراء جديدة مشغولة وعمة ناصعة البياض وفي رجليه حذاء احمر يلمع ويقول حمد ود حليمة.
ان هيئة عيسي كانت شاذة حقيقة وسط صبية بينهم العاري والذي لا يلبس غير خرقة حول وسطه والمقطع الثياب والمتسخ الثياب . ظهر لنا غريباً ومضحكاً اول ما رأيته صرخت: (بندر شاه) واخذنا جميعاً نردد (بندر شاه) وطاردناه حتى ادخلناه داره ومن يومها ولا احد يناديه بغير بندر شاه.
اذاً فقد ظهر عيسي ود ضو البيت بذلك المظهر المميز عن اطفال القرية واطلقوا عليه منذ الصغر (بندر شاه) واكتسب الي جانب حسن المظهر القوة. ان القوة في مجتمع فردي يتم التدريب عليها منذ الصغر كما توضح ذلك قصة الصراع بين حمد ود حليمة ومختار ود حسب الرسول.
يقول حمد ود حليمة مسألة الاسماء عجيبة بعض الناس أسماؤهم تناسبهم تماماً الخالق الناطق عندك (حسن تمساح والله لينا ود حميد الدار وبخيت ابو البنات وسليمان اكل النبق وعبد المولي ود مفتاح الخزنة والكاشف ود رحمة الله) كل واحد منهم اسمه لابس عليه زي عمد السكين وتجدهم ملاعين اجارك الله من شرهم وأنا مثلاً الناس تقول لي ود حليمة مافي انسان يطرى ابوي عبد الخالق السبب؟
اسأل مختار ود حسب الرسول الله لا يعدل عليه شق ايش ما يقبل . جمع حمد ود خليفة ثوبه حول هيكله النحيل وقال (حين كنا صبية ندرس القرآن في مسجد حاج سعد كان مختار حسين عاجباه نفسه مفتول العضلات مرهوب الجانب نجتمع بعد الدرس تحت شجرة السيال الكبيرة الموجودة الي يومنا هذا ويقف مختار وسط الحلقة عاري الظهر يركز للمبارزة.. كانت تلك الايام ايام فروسية ومرجلة والولد الخواف لا يقدر يعيش وسط اولئك التماسيح.. والمبارزة بأيش سوط طول الذراع من عروق السنط.. اللهم صلى على نبينا .. ما كان صبي يحتمل اكثر من سوط او اثنين بالكثير من مختار ود حسب الرسول اما هو فكان ظهره ذي ظهر عجل البحر قدر ما تضرب فيه بالسوط ولا اثر ويستمر حمد ود حليمة قائلاً انا ما كنت احتمل الضرب ابداً اقف بعيداً لا بي ولا علي وكفى الله المؤمنين القتال طول النهار مختار راكز وسط الحلقة والاولاد يدخلوا واحد وراء واحد سوط سوطين بره.. سوط سوطين غيره .. وكان مختار كلما يلقاني يهزأ بي يناديني باسم امي من شدة الاستحقار يقول لي (يا ود حليمة متين تبقى راجل تدخل الحلقة مع الرجال؟) المغصة تحش قلبي زي السكين وازعل غاية الزعل لكني انا قليل وكحيان كيف العمل؟ يوم من ذات الايام حزمت امري .. موت حياة ما عليّ شئ واخير من قولة ود حليمة اقول لك بني آدم مصيبة معلقة بالسبيبة اذا دست على طرفه ما يغلب حيلة ابداً .. بعد الدرس جريت لي بيتنا .. كيس شطة يمكن رطل شلته و انطلقت فوق الخلاء لحد ما البيوت ظهرت رهاب رهاب .. شطة حمراء نار الله الموقدة اكلتها كلها وقلعت عريان. ومسحت بيها جسمي كله.. العياذ بالله من النار الولعت في بدني .. نار الجحيم انطلقت وانا اصيح باعلى حسي واي واي والدنيا خلاء ولا حد سامع .. وابرطع واتمرمغ في التراب والعرق نازل شل شل .. يا زول ألم اجل الله السامعين.. شئ يمخول العقل.. بعد داك الم ما يهمني ابداً .. ادخل النار ما احس باي شئ جريت وقميصي في ايدي وعيوني شرار ورأسي قدر الزير .. وصلت السيالة بقيت لقيت مختار ود حسب الرسول الـ ما بخفي علي راكز عامل عنتر خلص على الجماعة كلهم تش دخلت ووقفت قدامه وركزت عاين لي باحتقار .. قال ود حليمة اليوم بقيت راجل؟ امرق انا ما اقاشط واحد ولد مره.
ويقول حمد ود حليمة قلت له: الله اكبر رمقته بي عيون ذي الشرر قلت له ابقى راجل اضرب ابتسم وضحك وعاين جاي وجاي والجماعة يضحكوا صبركم بالله ود مفتاح الخزنة وود رحمة الله ضحكهم عالي .. قالوا ود حليمة راح في داهية مختار مسك السوط وحناه بي ايديه الاتنين وفرقعه في الهواء وج وج .. بعدين لف حوالي ونقرني بالسوط نقرات خفيفة هنا وهنا عاوز يزعزعني وانا رأسي فيه ستين الف عفريت وبعدين ركز وضرب رجله اليمين في الارض ولولح السوط ونزله وحياتك نزل علي برداً وسلاماً بعد نار الشطة .. جلدي كلو خدران ميت اذا جرحته بالسكين ما يحس هبوني بالسوط الثاني والثالث وانا راكز ذي الحيطة اذا كان الباب دا يحس انا احس .. وقت وصل السوط السابع وقف زح لي وراء وعاين لي باستغراب حدرته بنظرة ذي سم الله الهاري بلع ريقه صاحبي بدا يتزعزع بعد الضحك الناس سكتوا بم . ضحك ود مفتاح الخزنة وود رحمة الله يبس في حلوقهم.
ويتابع حمد ود حليمة القصة (عليك امان الله حسيت ذي شيطان مارد في بطني بقي يتحرك ويكبر ويفرهد جناحاته فوق العالم كله حسيت كأني جبار شمهو (دش) واذا كان سقف السما وقع أسنده بايدي الشطة اجارك الله وحرقة القلب صرخت فيه يا زول بي صوت ما اعرف جاني من وين قلت له يا وليد ميمونة احقره باسم امه ابقى راجل واضرب بالسوط قسماً النهار ده يا انت يا انا يشيلوه من هنا للجبانة.)
الناس ساكتة من ضربني السوط الثامن والتاسع والعاشر ضرب بي زعل ضرب القوي لم يعرف انه ضعيف ويواصل حمد ود حليمة وهو يخاطب محيميد ويقول ولما وصل مختار في الضرب الثلاثين جدك وبندر شاه الله يمسيهم بالخير وقفوا مسكوا السوط من ايده قالوا له خلاص انت اخدت حقك الضرب لي حمد .. انا اخو البنات يا زول حسيت ذي كأني سر عسكري الترك بقيت انفخ واقدل قلت لهم خلوه يضرب قسماً بي سورة كاف لام ميم شوف عندكم جنس قسم ود ميمونة الليلة لازم يشيلوه جنازة.. جدك وبندر شاه قالوا ابداً .. ثلاثين سوط كفاية .. مسكت السوط لقيته مليان دم .. الله اكبر هزيته فوق الحاضرين .. واتبختر ود مفتاح الخزنة ود رحمة الله منكمشين يعاينو للارض من الخوف .. نقرت كل واحد بالسوط فوق رأسه بعدين طلقت الزغاريد ايوي ايوي يويا .. عاينت لي مختار ود حسب الرسول لقيته راكز متماسك لكن جبهته ندت بالعرق بقيت ادور حواليه وانغبشه بالسوط مرة مرة واصرخ وابرطع بعيد واجي راجع واقيف قدامه وانط في الهواء عملت عليه حرب اعصاب لحد ما اتأكدت زولي خلاص حالته بقت حالة.
ود مفتاح الخزنة وود رحمة الله بعد ضحكهم ما كان ضدي بقى معاي .. الوحيدين البقوا يضحكوا وراي كلما ضحكت الله يخيبهم دائماً مع الغالب.. رفعت السوط فوق ونزلته شد .. عليك امان الله كأنك شرطت لك قماش .. مختار ما اتزعزع لكن عينه رمشت .. نزلت السوط الثاني سمعته قنت .. انا اخوك يا السمحة .. اديته الثالث زح ورا شوية السوط الرابع اترتع .. السوط الخامس وقع بب غمران.
الناس ساكتة ولا حس مبهورين ..انا التعبان الكحيان حمد ود خليفة اهزم مختار ود حسب الرسول الفارس المغوار والبطل الهدار اقول ليك شعرت كأنني سيد الكون مالك الليل والنهار والحكاية كلنا اطفال اكبرنا عمره ما بحصل ثمانية سنين .. بقيت اضرب من طرف اغير يمين واغير شمال اجوط بي جاي وبي جاي واكثر ضرب ضربته ود رحمة الله .. وود مفتاح الخزنة يا زول ركبني جن وقفت وسط الحلقة وختيت رجل فوق مختار وهو راقد جثة هامدة ذي كأني اسد واقف فوق الفريسة بقيت اتكلم كلام خارم بارم ذكرني بيه جدك وبندر شاه بعدين قالوا خلاص كفاية.
جدك قال خلاص عرفنا انك راجل رد عليه بندر شاه اذا كان ود حليمة يفتكر انه راجل في ارجل منه وما احس الا وضربة في بطني من بندر شاه بعدها ما عرفت حصل شنو .. وقت صحيت لقيت نفسي في بيت بندر شاه على عنقريب وجنبي راقد مختار والالم اجارك الله انا اصرخ واي ومختار يصرخ واي.
نواصل

رهف
17-Jul-2009, 02:53 AM
ابطال روايات الطيب صالح يتحدثون في منحنى النيل «8»
احمد اسماعيل: الزين كان يغني «القروش تمت قفتين ود رمضان طبعو شين»
تحدثت مع الطيب صالح بالتلفون قبل شهور وقال سيحضر الي البلد قريباً
قال الطيب صالح في رواية عرس الزين دخل الزين على امه وكان على رأسه جرح كبير يصل الي عينه اليمنى وصدره وسرواله ملطخان بالدماء وفقد الناس رشدهم واخذ عبد الحفيظ يصيح في الزين وقد احمرت عيناه من الغضب (كلمنا منو العمل فيك العمل دا .. منو الكلب المجرم الضربك؟؟) وتصارخت النساء وبعضهم اخذن في البكاء.. وكانت نعمة تقف على بعد صامتة وعيناها مركزتان على وجه الزين وقد حل محل الغضب فيهما ضوء عظيم وقال حاج ابراهيم (الحكيم) وكانت للكلمة وقع الماء على النار فهدأ عويل النساء وصاح محجوب (الحكيم) وصاح عبد الحفيظ (الحكيم) وانطلق احمد اسماعيل على حماره ليحضره وتتواصل الرواية وفي جزء آخر منها:
وفجأة وفي وقت واحد قفز الزين واقفاً كأن عقرب لدغته. وقفز احمد اسماعيل وقفز محجوب والطاهر ود الرواسي واحمد ود الريس وصالح عبد الحفيظ (امسكوه) ولكنه كان اسرع منهم وفي لمح البصر كان الزين قد امسك بالرجل ورفعه في الهواء بعنف ثم رماه على الارض وشد من رقبته وانكبوا كلهم عليه احمد اسماعيل امسكه من ذراعه اليمنى وعبد الحفيظ امسكه من ذراعه اليسرى والطاهر ود الرواسي امسك به من وسطه واحمد ود الريس امسك بساقيه وكان سعيد يزن شيئاً في دكانه فخرج مسرعاً وامسك بساقي الزين ايضاً وكلهم لم يفحلوا وتحدثت فقرة طويلة من الرواية من قوة الزين الكامنة في جسده النحيل قبل ان تواصل سيف الدين هذه الفريسة التي انقض عليها الزين الان انه لا محالة هالك واختلطت اصواتهم برهة وكان الزين يردد في غضب (الحمار الدكر لازم اكتلو) وارتفع صوت عبد الحفيظ في توتر وخوف والرسول آآآآلزين عليك الله خليهو واخذ محجوب يشتم في يأس وكان احمد اسماعيل اصغرهم لما اعيته الحيلة عض الزين في ظهره. الي آخر الرواية والتي اوردنا هذا الجزء منها ايضاً في الحلقة الاولى التي تحدثنا فيها عن سيف الدين وهي من المشاهد التي تجمع الابطال الثلاثة الذين التقيناهم سيف الدين وعبد الحفيظ واحمد اسماعيل والذي سنورد جزء من حديثه في هذه الحلقة.
دخلت زاوية المحاميد عند صلاة العشاء فوجدت احمد اسماعيل مضجع في نهاية احد (بروش) الصلاة وواضح انه كان في غفوة بعد ان اديت تحية المسجد والتفت نحوي فجأة وقام من مكانه وحياني واعتذر اعتذاراً صارماً عن عدم تمكنه من الحضور للبيت فقد علم بقدومي اليوم فقط وفجأة ايضاً انصرف عني فاتجه بحديثه الي شخص آخر كان يجلس على مقربة منه.. فلان راجع دنقلا بكرة فاجابه بالايجاب وفواصل احمد اسماعيل قولو قول للحلبي الزفت ما عندك تعريفة عندي وقروش الارضية في واطاتك دفعناها لطلب التمر (وطلب التمر ضريبة تدفع للدولة عن كل نخلة سنوياً وتشكل عبئاً ثقيلاً على المزارعين) واطاتك كان دايره من بكرة تعال استلمها قايل نافعاني بشنو كلها كسرين.. انا ذاتي ما داير ازرعها تاني هي زايداني بشنو كمان يقول لي في جوابو الرسلو خاف الله عندو عندي شنو اخاف الله فيهو ... جواب ذاتو انا ما اخسروا فيهو قولوا كلموه كدي
وانتبه كل المصلين في الزاوية لانفعال احمد اسماعيل وارتفاع صوته واخذوا يسألونه وكان يرد عليهم بطنطنة غير مفهومة.
وكان الامر بالنسبة لي كان يمثل مشهد من مشاهد روايات الطيب صالح وكان احمد اسماعيل قد ورث زعامة الشلة التي تجددت دمائها بعد محجوب وود الريس والطاهر ود الرواسي رغم ان العمدة نفسه لم يعد له اثر هنالك ولم يورثه احد من اولاده بعد وفاته ولم يعد للعمودية حيث كل ما بقى فيها هو فلان ود العمدة وفلانة بنت العمدة مجرد صفات فقط.
انقضت الصلاة وخرجت مع احمد اسماعيل صوب منزله وفي الطريق سألني عن طالب يدرس في جامعة الخرطوم كان يصلي بهم في اجازته ومعروف بترتيله الجيد للقرآن الكريم فقال لي الزول ما قرب يجي الناس البصلوا في الزاوية صلاة مطرطشة ساكت لا تعرف ليها رأس من قعر .. صوتهم ذاتوا ما تسمعوا.
عندما بدأت الحديث معه عن الطيب صالح بدأ وكأنه متأثراً الغيبة الطويلة للطيب صالح عن البلد وقال لي انه لم ير الطيب صالح منذ سنين طويلة ولكنه سمع صوته قبل شهور في بورتسودان في وفاة زكية حمزة صالح ابنة عم الطيب صالح وقد هاتفهم معزياً وكنا موجودين فتحدثنا معه في التلفون وقال انه مشتاق للبلد ويتمنى ان يزورها وسيزورها قريباً كما قال.
احمد اسماعيل قال لي انه لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولكن اولادي قرأوا رواياته وحكوا في بعض احداثها وهنالك الكثير منها حقيقي في الشخصيات والاحداث مثل العمدة ومحجوب الذي كان يحب الزعامة حتى توفى وعبد الحفيظ وسيف الدين والزين وهو (جدك) الفضل طه الفضل وكان درويشاً فعلاً يباري البنات والحفلات وقد يغيب عن البلد يومين او ثلاثة في حفلة او عرس في جدا اودية الفقراء او الكرو او القري المجاورة حتى يذهب والدي اسماعيل رمضان للبحث عنه واحضاره قبل وفاة شقيقه محمد نور طه وكان دائماً ما يقول انه مقتول في حوش فلان اي داير بنت فلان وكان يغني (القروش تمت قفتين ود رمضان طعبو شين) يعني مانعو من العرس وود رمضان اشارة لوالدي اسماعيل رمضان ولكنه لم يتزوج حتى مرض فجأة ومات وبكته الحلة كلها بدموع الدم ولم يتزوج حتى مات. وقد ضربه بالفعل سيف الدين بالفأس ولكنه لم يضرب سيف الدين لانه قدر وقفة والده معه وذهابه معه حتى مروي وتعالج وعاد لذلك لم يفكر في الثأر من سيف الدين اكراماً لوالده.
سألته عن الدومة التي كان يقصها الطيب صالح قال انه يعتقد انها دومة ود ام مريوم الواقعة في نهاية فشودة ومع بداية ما يعرف هنالك (باللاودي) وهو وادي رملي يفصل فشودة من الدبة في مسافة كيلو متر ونصف تقريباً وقال ان هذه الدومة لها شأن عظيم وكان يستريح فيها الناس بحميرهم وهم في عودتهم او ذهابهم الي الدبة وهي تمثل التبريك بالنسبة لهم وربما كان يتبرك بها البعض ولكن زحف نحوها النيل بهدامه وابتلعها فقد كانت تقع مع منحنى النيل تماماً والنيل في منحناه هذا ومع شدة جريانه كان يأكل من الارض الغربية ويحولها الي شرقة وقد تحولت معظم اراضي اهل كرمكول الي منطقة ارقي شرق النيل وكانت سبباً في مشاكل طويلة وعريضة بين كرمكول وارقي سالت فيها الدماء وصلت طريقها للمحاكم حسمها القضاء لصالح اهل كرمكول باعتبار انها اراضيهم تحولت بفعل الهدام الي الضفة الاخرى.
هذا جزء من حديث احمد اسماعيل الذي مازال يتمتع بصحة جيدة وربما ذلك لان الطيب صالح كان يقول في الرواية ان احمد اسماعيل كان اصغرهم وربما نعود الي ما تبقى من حديثه.
نواصل

رهف
17-Jul-2009, 02:59 AM
بعد رحيله المدوي ، ستبدأ الكتابة عنه ، تتحوّل ، شيئاً فشيئاً ، لتشبه الكتابة عن سر من أسرار الكون ، لايخالجني شك في ذلك .. كنت أنظر إليه ـ وهو حي بيننا ـ على هذا الاعتبار ، أنه سر من أسرار الكون ،... لقد أنعم الله علي بمعرفته عن قرب ، فقد كان يزورني في داري المتواضعة بمدينة الرياض كلما جاء إلى المهرجان السنوي للثقافة والتراث المعروف ب"الجنادريّة" وكان من أكبر ضيوفه سنوياً .. سيتغيب بالطبع هذا العام كما تغيب العام الماضي ، وستكون الجنادرية حزينة هذا الموسم الذي سيحل بعد أيام .. يمتلئ فندق قصر الرياض بضيوف الجنادرية ، وتمتلئ صالات الفندق بالزوار والصحفيين ، وكان راحلنا الكبير يخصني بمساحات واسعة من وقته ، لدرجة أنه يتغيب عن بعض المناشط ليعطيني من وقته .. فقد كان يجد في شخصي الضعيف بعضاً من بقايا الثقافات والعادات واللهجة والذكريات التي عجنته وصنعت شخصيته ، فأنا من قرية الأراك التي لا تبتعد كثيراً عن قريته كرمكول ، وتحمل ذات الطبائع والخصائص والموروثات التي تربى عليها.، فنحن امتداد ثقافي وجغرافي واحد ... وكان يلاقيني بأبيات عن الأراك وإنسان الأراك كما تغنت له المحبوبة ، لم أسمعها إلا منه ، يقول : " الظريف مسواك الأراك .. وين لقيتك لامن آباك ؟ راقدي فوق صدرك ومشتهاك" والطيب كما هو معروف ، تهمه الجوانب الإنسانية في حياة الناس وفي تصرفاتهم وفي كافة شؤونهم ، ولهذا تأسره مثل هذه الأبيات البسيطة ، لكنها عنده عميقة محمّلة بالدلالات والمعاني ، معاني الحب في أقصى تجلياته ، كذلك تأسره البلاغة المتناهية التي تعبّر بها هذه المحبوبة ، "راقدي فوق صدرك ومشتهاك" !! والمعروف أنّ الإنسان يشتهي أشياءاً لاتكون في يده ، والمشتاق يشتاق لمن يبعد عنه ، ولكن أهلنا في هذه المنطقة الساحرة ، يسحرونك كذلك بأشعارهم ، فقد قال شاعر الحنين والطمبور إبراهيم أبنعوف نسأل الله له عاجل الشفاء ، قال في قصيدته : " ليه ما اكتب وليه ما أغني ؟ سنين الشقا مني عدت ومعاك ضمتني السعادي " يقول فيها : " مشتاق ليك وانتي جمي وأهم بالشوق في بعادي " وقد عالج الشاعر الأموي عبد الله بن الدمينة الخثعمي في قصيدته المشهورة : ألا ياصبا نجد متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجداً على وجد" قال فيها : وقد زعموا أن المحب إذا دنا يمل وأن البعد يشفي من الوجد .. بكل تداوينا فلم يشف مابنا على أن قرب الدار خير من البعد ، على أن قرب الدار ليس بنافع ٍ، إذا كان من تهواه ليس بذي ود ."

ويقيني أننا مهما نقبنا في الشعر العربي والشعبي لن نجد كقول ود أبنعوف "مشتاق ليك وانتي جمبي وأهم بالشوق في بعادي" ولن نجد كالتي ظلّ يلاقيني بها أديبنا الكبير " الظريف ود الأراك ، وين لقيتك لامن آباك ؟ راقدي فوق صدرك ومشتهاك" والدلالة التي استوقفتي الآن قصدت ألا أتجاوزها سريعاً ، لأنّ الحديث عن الطيب صالح يشبه الحديث عن سر مفقود ، وهو نفسه كما قال للزميل طلحة جبريل في حواره المطول معه : أشعر بأن البشريّة تائهة وأشعر بأنني تائه معها .." وهذه الإجابة تماماً تجعلنا ننظر للأديب الكبير من أعلى ، أقصد ننظر لمسيرته الطويلة بين المطارات يجوب العواصم والمواسم ، بل حتى لو نظرنا وتجولنا في رواياته ، سنجده بالفعل مشغول بالبشرية التائهة وسنجده بالفعل تائهاً معها ، والتوهان هنا هو التوهان الذي قصده ، وهو التوهان الذي عاشه ، وهو التوهان الذي تجده ببساطة عند أي درويش في أي حي من أحياء السودان ، لا التوهان الفكري والثقافي كما يتبادر ، وهنا يمكنني أن أسجل عبارات موجزة متقابلة متضادة عن الطيب صالح ، فهو البسيط المثقف ، الزاهد الأنيق ، السطحي العميق ، فهو عميق لأقصى درجات العمق ، وهو على السطح لا تكاد تجد له غوراً ، كما أنه عميق لا تكاد تسبر غوره !! والبساطة تمثل الطبيعة التي يفضلها ، لايفضل الأعماق التي تلف الفلاسفة والمثقفين ، وهو زاهد تماماً كالزهاد والدراويش ، ولكنه الأنيق الذي يهتم بأناقته وهندامه ، وهو مثقف جبار ، بل إنه موسوعي الثقافة ، يبحر بلا أي شواطئ في قضايا الثقافة ، لكنه لايجد نفسه إلا في حياة العوام وحياة البسطاء .. كان بهو فندق قصر الرياض يعج بالدعوات ، من أمراء ومن وجهاء سعوديين وعرب وسودانيين يقدمون له دعوات محافل وليالي مختلفة ، لكنه كان يقول لهم : " أبداً والله ، مابقدر ، أنا مرتبط مع ود أخوي ده " ويواصل : " ده من ناس الأراك .." ثمّ يقول أبياته "الظريف مسواك الأراك" ذات مرّة أتيته على موعد بعد صلاة العصر ، فوجدته جالس في بهو الفندق ومعه الشاعر عصام عيسى رجب وهي أول مرة ألتقي فيها بعصام ، ومعه أحد أصدقاءه، وجدته منهمكاً معهم ، وقرأ عليه عصام من شعره ، فأعجب إعجاباً كبيراً ، فهو يحفز ويشجّع بلا حدود ، لا كبقية المثقفين الذين يحتكرون شهادات الغفران الثقافي ، ثمّ استأذن وكان الموعد أن آتيه بعد صلاة العشاء ليذهب معي للبيت ، فوجدته ينتظرني وأتى لي بحقيبة أنيقة مليئة بكتب قيّمة ، قال لي هذه هدية ، وهي أقيم هدية ، توزن عندي ذهباً .

في الموسم قبل الماضي ، وهو آخر موسم يشارك فيه ، أعطيته كتاباً كتبته من ذكرياتي مع الآباء والجدود في خلوتنا الصغيرة بالقرية ، وتحدثت عنهم بشفافية وحاولت أن أنقل الصورة اليومية من داخل الخلوة وأنا صغير وهم يتسامرون ويحكون تفاصيل الحياة اليوميّة ، كل واحد يسرد يومياته كل يوم ، وقلت لأستاذنا الكبير أريدك أن تقرأه وتكتب مقدمته ، فأخذه ، وفي اليوم التالي عبر الهاتف ، امتدح الكتاب وقال لي إنه منهمك معه ، وفي اليوم التالي ـ أي بعد يومين ـ ذهبت إليه بعد صلاة الظهر فوجدته قد كتب المقدمة بخطه الجميل ، وقال إنّ التفاصيل التي أوردتها في الكتاب قادته إلى عالم "عظيم الجاذبية" وأن شخوص الكتاب "يعرفهم واحداً واحداً" كما عايشهم من خلال حياة مشابهة ، وطلب أن أوسّع في رسم الصورة ، لم يقلها شفاهة إنما ضمنها في المقدمة لأهمية ذلك . كان الطيب صالح مثل "منسي" إنسان نادر على طريقته " وكان مثله مثل أي درويش نعرفه في قرى الريف ، فقط يختلف أديبنا الكبير في الهندام وفي العلم والثقافة ، والطيب صالح كذلك طفلٌ كبير ، تكسوه البراءة والعفوية والتلقائية وصفاء السجية والنفس السمحة السخية ، هو إنسان نادر على طريقته ، كذلك رأيت فيه كرم حاتمي ، فلا يستطيع أحد أن يدفع فاتورة إكرام أو ضيافة في حضرته ، في مطعم كان أو مقهى . يكره تماماً أن يجاهر أحد ويكثر من كلمات الثناء والمدح والتزلف والإطراء ونحوها ، وأذكر أنّ زميلاً صحفياً بالرياض ، ينشط جداً في الحوارات ، جاء فوجدني أرتب لأجري معه حواراً سبق الاتفاق بشأنه ، فانبهر صديقنا ، ولم يكد يصدق أنه وجهاً لوجه مع الطيب صالح ، فقال عبارات الانبهار ، وزاد منها ، فاغتاظ الراحل عليه رحمة الله ، فتدخلت وهدّأت من غضبه ، وقلت له ، يا أستاذنا الطيب ، نقول لك بكل صدق ، غيابك الطويل جعل جيلاً كاملاً يقرأ عنك ويتعامل معك كما يتعامل مع الأساطير ، فعليك أن تدرك هذه المسافة الكبيرة الفاصلة ، وهي مسافة تعبر عنها المشاعر كما فعل صديقنا هذا .. فهدأ وأعطى إيحاءات الإعتذار لصديقنا الصحفي .. فإذا كانت تلك جلسة محصورة جداً ، فلك أن تتخيّل زهادته في الصولجان والبهرجة والأبهة .. وأذكر أنّ أحداً شاركنا في حوار مفتوح معه ، وطرح عدة أسئلة عن الهوية السودانية ، وعن عدم اعتراف بعض العرب بنا كدولة عربية وغيرها من الإشكالات المفتعلة عند بعض المثقفاتية ، فكان رد أديبنا أننا لانستجدي أحداً ، ولا نود الاعتراف من أحد ، ونحن حضارتنا أقدم من أي حضارة ، ولا نخجل من لوننا أو شكلنا ، فنحن أقدم وأعرق وأرسخ في الحضارة ..

كان الجمهور الذي يفضله وأحشده له في دارنا المتواضعة ، لم يكن جمهور المسرح والتصفيق ، فتلك بهارج كثيراً ما يعتذر عنها ، كان جمهوره جمهور البسطاء من قرى الشمالية التي أحبها وكوّنت وجدانه ، لا تصفيق ولا جدال ثقافي ، فقط الحديث عن ذكريات ، كأن يحكي أحدهم قصة الحمارة حين رمته ، وأحدهم كان صبياً "شقياً" يسرق المنقة من منقة محجوب ، ومثل هذه الحكاوي ، والوجبات التي نقدمها ليست ذبائح وبذخ ، فقط فول بزيت سمسم ، وقراصة بدمعة ، وفطير مع لبن .. هذه هي متعته مع الأشخاص ومع هذا النوع من الأنس ومع هذا النوع من الطعام .. وأذكر في مرة من المرات شرفنا فيها بالحضور الصحفي والشاعر الأستاذ سليمان عبد التواب سفيرنا الحالي بإيران ، وقد أهدى أحد دواوينه لأستاذنا الكبير .. وفي مرة شرفنا الأستاذ الشاعر الأخ والصديق محمود محمد حسن ، هذا المثقف الجبار الذي يبتعد عن الأضواء وينطوي على أديب عملاق لا يعرفه كثير من الناس .. وفي إحدى المرات أتيت بفنان الطمبور المبدع عبود تبوري ، وقلنا للطيب صالح أطلب أغنية طمبور ، فطلب أغنية من أقدم أغاني المبدع صديق أحمد " روِّح يا البريد شيل من قليبي سؤالو .. إنت روّح للصعيد شوف الحبيب كيف حالو" وغنى عبود من أغاني النعام آدم فأطرب الراحل وكل الحضور .

كان الراحل مغرم لدرجة الهوس بشاعر البطانة الحردلو ، فكان يردد قصيدة "الليلة المعيز جفلن بشوف لصفيهم" وشرحها بيتاً بيتاً وقال كل مفرداتها تعود للغة العربية الفصحى ، ثمّ قارن بينها وبين أبيات لشاعره الأثير (ذو الرمّة) وما أن عاد حتى حولها إلى مادة رائعة في عموده الأسبوعي بمجلة المجلّة .. وقد كان مجنوناً بالمتنبئ كما هو معلوم .

نواصل

رهف
17-Jul-2009, 03:01 AM
كنت سأكتب عن الطيب صالح كتابة أفخم من هذه الكتابة لو أنني حاولت الكتابة العلمية أو دخلت إلى عالم رواياته ، أو تناولت سيرته الذاتية من مدخل تقلباته العملية ، ولكنني أعرف أنّها كتبت على ذلك النحو عشرات المرات، فأردت الجانب الإنساني فيه ، لأنّ جميع من كتبوا تناولوا "تواضعه" وأنا لا أراه تواضعاً إنما هو طبع وتطبع وتكوين فطري فيه ، ففضلت أن أكتب من خلال المعايشة والجلوس الطويل معه ، لأكتب عن رجل جمع بين الثقافة الموسوعية العميقة ويعيش البساطة !! تحيط به نجوميته ويزهد في الأضواء !! بداخله درويش حقيقي لكنه يختلف عن الدراويش ، لبق في حديثه أنيق في هندامه !! يحب الناس ، ولا يرى لنفسه أي ميزة تميزه عن أي سوداني ، وقد أعجبتني عبارة دكتور عبد الوهاب الأفندي حين قال : " يأسرك بإنسانيته قبل أن يبهرك بموهبته" .

أما عن الطيب صالح الأديب ، فيكفي أنّه صار مادة علمية في معظم جامعات العالم ، يجلس لتدارسها الدارسون ويمتحن فيه الممتحنون لنيل الدكتوراة في أرقى جامعات الدنيا .. يكفي أنّ رواياته تقرأ بكل لسان في الكون .. يكفي أنّ كتباً وترجمات ودراسات نقدية كثيرة كتبت في شرح ودراسة أعماله وتناولتها بالتحليل والنقد .. ورغم كل ذلك ، فإنني أقول في موهبته ، إنها تعود للسر الذي ذكرناه في شخصيته الإنسانية ، لايخالجني شك أنّ في أستاذنا الكبير سر كبير غير معروف ، مثل آثار البركل وكرمة و البجراوية وآثار الأقصر وإهرامات الجيزة ، مثل النيل الذي ينطوي على سر عظيم ، مثله تماماً ، ينطوي أديبنا على سر عظيم ، لم يُكتب عنه على هذا النحو ، لكنني أعني ما أقول ، فالطيب صالح شخصية غير عادية بمعنى الكلمة ، ولله في خلقه شؤون !! مثلما نعلم أنّ في الأنبياء أسرار وفي الأولياء أسرار ، فإنني أرجح ولا أتجاوز فأقول إنني على يقين ، أنّ الطيب صالح ، رحمة الله عليه ، ينطوي على سر عظيم ، حتى موهبته ، ليست موهبة عادية توضع في صف واحد مع المواهب ، هذه موهبة غير عادية ، وغير معتادة في بني البشر ، نادرة جداً ، ورواية موسم الهجرة وحدها تؤكد ذلك ، فهي عمل غريب ساحر ومدهش .. وما عرفت شخصاً قرأها مرّة واحدة واكتفى بذلك ، أبداً .. كان كل هذا الحديث يجول في ذهني يوم مماته ، ولكنني صعقت وأنا أشاهد فضائيّة الشروق وهي تقوم مشكورة بزيارة بيت الطين المتواضع في كرمكول الذي ولد فيه ، ثمّ تدخل الغرفة القديمة الموحشة ، التي يحتفظ فيها الطيب صالح بكتبه وأشياءه القديمة ورسائله الشخصية لشقيقه بشير ، صعقت تماماً لأننا ندخل هذه المرّة غرفة كأنها غرفة مصطفى سعيد الموحشة عياناً بياناً !! مراسل الشروق يأخذ من الأوراق ويقلّبها في عين العدسة !! ثمّ يلتقي بنساء الحي يحكين موت الطيب صالح وكأنهن نساء يخرجن من روايته موسم الهجرة !! يا إلهي !! كنت أشاهد الشروق وأتمالك نفسي وهي صعقة ممّا ترى وتشاهد ، وتعززت قناعتي بالسر الكبير الذي ينطوي عليه هذا الأديب الساحر ، مثلما لامس دكتور غازي صلاح الدين بحاسته الأدبية المرهفة شغاف درويش كبير يسكن دواخل الطيب صالح كما كتب في مقالته الباذخة " أريحيات الطيب صالح" وقال كأن شخصيات رواياته يخرجون منها وكأنّ أديبنا كالصالحين في طبقات ود ضيف الله تأتيهم الأفكار "دخاخين دخاخين" .. وأرجو أن يلتفت الناس لهذه الناحية غير المطروقة في شخصية الطيب صالح ، فهو طيب وهو صالح بإذن الله .. وأرجو من أديبنا الكبير دكتور الشوش أن يعطينا خلاصات في هذا الشأن وهو الخبير بشخصية صفيه وخليله .

رحم الله الطيب صالح قال لي أنه يزور المسجد النبوي ويجلس في الروضة ، وهو لا يحب أن يقول مثل هذا الكلام ولكن تداعيات الحديث جرته للقول ، قال : رآه أحد الناس وظلّ يرمقه بالنظر ، ثمّ تجرّأ وسأله : أأنت الطيب صالح ؟ قال فأثار غضبي وقمت فغيرت مكاني .. كان شخصاً نادراً على طريقته . اللهم أرحمه وأسكنه فسيح جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء والأولياء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . اللهم إنه فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه ، اللهم جاءك فقيراً وأنت أكرم الأكرمين ، اللهم فاكرم نزله وأشمله بعطفك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين . وارحمنا اللهم إذا صرنا إلى ما صار إليه . واجعل اللهم البركة في ذريته إلى يوم الدين . ونعزي أنفسنا جميعاً في ركن من أركان السودان ، أصبح جزءاً من تاريخ السودان وثقافته وجغرافيته ، أصبح معلماً تماماً كالنيل ، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف علينا بأحسن منه . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

رهف
17-Jul-2009, 03:04 AM
«خلال أشهر تصدر المجموعة الروائية الكاملة للطيب صالح، وتصبح بين يدي القراء. وبعد أيام قليلة فقط سيصدر الكتاب العاشر من مقالات الطيب صالح التي جُمعت في تسعة كتب لغاية الآن». وستبصر الإصدارات النور بناء على اتفاق بين الطيب صالح وناشره رياض الريس، تم قبل رحيل الكاتب، والريس ماضٍ في الاتفاق. ليس ذلك فحسب، بل إن رسائل رائعة تبادلها الطيب صالح مع أدباء عدة وكذلك مع ناشره رياض الريس موجودة في عهدة الدار، لا بد أن تبصر النور لاحقا. هذا ما أخبرنا به رياض الريس أمس، بعد أن علم بنبأ وفاة الراحل الكبير، مبديا حزنه من رحيل كتّابه واحدهم بعد الآخر. فلم يمض على وفاة محمود درويش أشهر، حتى جاء النبأ الحزين لوفاة الطيب صالح. ونستفسر من رياض الريس عن صاحب فكرة جمع مقالات الطيب صالح، خصوصا وأن الأخير كان رجلا كسولا لا مباليا، لا يُعنى كثيرا بأن تجمع مقالاته أو تضيع، هنا يضحك الريس ويقول: «بالفعل هو كاتب كسول جدا، لكنه كسل جميل، كان يتخفى وراءه ليهرب من الكتابة أو يتقاعس عنها. نحن فقط طلبنا إذنه، وما قاله حينها أنه لا يمانع، لكنه لا يريد أن يتكفل بالبحث والتنقيب وترك لنا هذه المهمة، وهو ما فعلناه. والنتيجة أننا أنقذنا هذه الكتابات التي كانت لتضيع لو أننا لم نجمعها وباتت اليوم بين دفتي عشرة كتب، بعضها أكثر شعبية من رواياته نفسها. وقد كان الطيب صالح سعيدا بها وهو يراها تبصر النور على هذا النحو».
يتحدث الريس عن الطيب صالح بكثير من الحزن، فقد أراد أن يكرمه لمرة ثانية في بيروت، فالتكريم الذي أقيم له منذ ست سنوات أسعده كثيرا، وكان يريد له أن يعود، لكن المرض الذي يقعده منذ سنتين حال دون ذلك. «هذا الرجل هو أحد أعمدة الرواية العربية في الخمسين سنة الماضية»، هكذا يصف الريس الطيب صالح «هو على مستوى محفوظ. هناك جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف، وربما لا يزيد عدد هؤلاء الكبار على العشرة». يستذكر الريس أيضا كيف أن أول من شجع الطيب صالح على نشر روايته الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال» هو توفيق صايغ، وصدرت في العدد الأول من مجلة حوار. ولا يمكن أن نغمط الطيب صالح دوره الذي لعبه في الصحافة أيضا، وفي العمل الإذاعي عبر الـ«بي بي سي». بكثير من التأثر يتحدث الريس عن الفشل الكلوي الذي أصاب الطيب صالح، وعن معاناته في البحث عن متبرع بكلية، وعن الجلطة الأولى والثانية اللتين أصابتا الأديب، ثم الثالثة التي لم ينجُ منها على ما يبدو، والمتبرع بالكلية الذي اختفى قبل أن يسدي إليه خدمة تساوي عمرا.
أصدقاء الطيب صالح في لبنان ليسوا كثرا، لكن محبيه أكثر من أي يحصوا، الروائية رشا الأمير التي التقته لمرات ثلاث، تتحدث عن قدرة بديعة له في إلقاء الشعر. قرأ على مسمعها المتنبي فطربت: «في القاهرة التقيته، وجمعنا حب المتنبي، فقرأ لي من أبياته، بصوته الجميل الدافئ. صوته كما كتاباته لا مكان فيه للبروتوكولات والتكلف. اليوم أشعر بالأسف لأنني لم أسجل له تلك القراءات. حين يخطب أيضا كان يملأ المكان بصوته الجهوري وقدرته القوية على الإلقاء». وتضيف رشا الأمير: «لو طُلب إليّ أن أختصر هذا الرجل الشديد الراقي بكلمتين لقلت إنه أديب كبير وصوت مدرب ومتمرس، سواء في مخارج الألفاظ أو في الإلقاء». «مشكلة الطيب صالح وسره» كما تقول رشا الأمير «في خجله وخفره. رجل لا يحب الضوء، لا، بل يهرب منه ويتحاشاه. ومن البديع أن الناس كرموه دون أن يطلب أو حتى يبحث عن ذلك، لا، بل كان زاهدا ومتعففا. هذا جيل آخر، غير جيل الأدباء الجديد الذي يستجدي الشهرة ويطاردها، الطيب صالح كانت النجومية هي التي تطارده». وحين نسألها عن سرّ أسلوبه السلس وعربيته المرنة اللدنة، تقول رشا الأمير: «الطيب صالح كان عاشقا للشعر العربي، وهو أحد الروائيين العرب القلة الذين فهموا أن النثر العربي لا يستطيع إلا أن يتغذى بالشعر. صحيح أنه ترك لنا ثلاث تحف صغيرة لا أكثر، لكنها كانت كافية لإسعادنا. فمن ميزاته أيضا أن زهده وتقشفه انعكسا على أسلوبه، ولربما كسله أيضا، فهو يكتب جملته على قد المعنى دون ثرثرة أو إطالة». تتحدث الأمير عن كاتب «راق، ومترفع، عاش حياته بالطول والعرض، بعيدا عن لوثة الضجيج، لذا فمن يستطيع أن لا يحب الطيب صالح؟».
الروائي اللبناني جبور الدويهي يقول: «لعل البعض يلومني لو قلت إنني أحبه أكثر من نجيب محفوظ، لكنني معه أشعر بأنني في مكان رحب وعالم متسع. لقد استطاع الطيب صالح أن يقدم إنجازا لم يقدر عليه غيره، فلقد استطاع تحويل المحلي إلى عالمي. ليس سهلا أنه تمكن من أن يجعل هذه القرية السودانية النائية التي كتب عنها، مكانا يجسّد حالة عالمية وإنسانية فياضة». ما يعجب جبور دويهي في الطيب صالح أيضا إحساسه معه بأنه «رجل أصيل وبلا عقد. أصيل في أسلوبه وسرده، ولا يتعامل بموقف مسبق مع الرواية الغربية. فروايته تتمتع بحرية تشبه تلك التي يتمتع بها هو نفسه في تعاطيه مع ذاته، وكل هذا ينمّ عن ثقة كبيرة في النفس. صحيح أنه مقل، لكن كل ما قرأته له كان يمتعني، فهو أديب يمد يده إلى قارئه». ولعل أفضل من تكلم عن الطيب صالح هو الطيب صالح نفسه، في مقابلة قديمة مع الزميلة هدى الحسيني تعود إلى السبعينات، يقول فيها شارحا ما يعتلج في نفسه في أثناء الكتابة: «مشكلاتي النفسية مرتبطة بعملية الكتابة فقط، لأنني أغرق في ينبوع داخلي عميق، وهذا الينبوع هو منطقة الفوضى. الفوضى هي أن كل شيء أصبح محتملا. وكلما أوغل الكاتب داخل نفسه بحثا عن الضوء، ازدادت الفوضى. ثم تأتي فكرة تستقر خلالها عملية الخلق فيتضح الطريق، وقد يكون خطأ أو صحيحا، المهم في تلك اللحظة هو: الضوء».

رهف
17-Jul-2009, 03:07 AM
لابدّ إنني كنت صغيراً جداً حينذاك. لست أذكر كم كان عمري تماماً، ولكنني أذكر أن الناس حين كانوا يرونني مع جدي كانوا يربتون على رأسي، ويقرصونني في خدي، ولم يكونوا يفعلون ذلك مع جدي. العجيب أنني لم أكن أخرج أبداً مع أبي، ولكن جدي كان يأخذني معه حيثما ذهب، إلا في الصباح حين كنت أذهب إلى المسجد، لحفظ القرآن. المسجد والنهر والحقل، هذه كانت معالم حياتنا. أغلب أندادي كانوا يتبرمون بالمسجد وحفظ القرآن ولكنني كنت أحب الذهاب إلى المسجد. لابد أن السبب أنني كنت سريع الحفظ، وكان الشيخ يطلب مني دائماً أن أقف وأقرأ سورة الرحمن، كلما جاءنا زائر. وكان الزوار يربتون على خدي ورأسي، تماماً كما كانوا يفعلون حين يرونني مع جدي. نعم كنت أحب المسجد. وكنت أيضاً أحب النهر. حالما نفرغ من قراءتنا وقت الضحى، كنت أرمي لوحي الخشبي، وأجري كالجن إلى أمي، والتهم إفطاري بسرعة شديدة واجري إلى النهر وأغمس نفسي فيه. وحين أكلُّ من السباحة، كنت أجلس على الحافة وأتأمل الشاطئ الذي ينحني في الشرق ويختبئ وراء غابة كثيفة من شجر الطلع. كنت أحب ذلك. كنت أسرح بخيالي وأتصور قبيلة من العمالقة يعيشون وراء تلك الغابة … قوم طوال فحال لهم لحى بيضاء وأنوف حادة مثل أنف جدي. أنف جدي كان كبيراً حاداً. قبل أن يجيب جدي على أسئلتي الكثيرة، كان دائماً يحك طرف أنفه بسبابته. ولحية جدي كانت غزيرة ناعمة بيضاء كالقطن. لم أرَ في حياتي بياضاً أنصع ولا أجمل من بياض لحية جدي. ولابد أن جدي كان فارع الطول، إذ أنني لم أرَ أحداً في سائر البلد يكلم جدي إلا وهو يتطلع إليه من أسفل، ولم أرَ جدي يدخل بيتاً إلا وكان ينحني انحناءة كبيرة تذكرني بانحناء النهر وراء غابة الطلح. كان جدي طويلاً ونحيلاً وكنت أحبه وأتخيل نفسي، حين استوي رجلاً أذرع الأرض مثله في خطوات واسعة. وأظن جدي كان يؤثرني دون بقية أحفاده. ولست ألومه، فأولاد أعمامي كانوا أغبياء وكنت أنا طفلاً ذكياً. هكذا قالوا لي. كنت أعرف متى يريدني جدي أن أضحك ومتى يريدني أن اسكت، وكنت أتذكر مواعيد صلاته، فاحضر له ((المصلاة)) وأملأ له الإبريق قبل أن يطلب ذلك مني. كان يلذ له في ساعات راحته أن يستمع إليّ أقرأ له من القرآن بصوت منغم، وكنت أعرف من وجه جدي أنه أيضاً كان يطرب له. سألته ذات يوم عن جارنا مسعود. قلت لجدي: (أظنك لا تحب جارنا مسعود؟) فأجاب بعد أن حك طرف أنفه بسبابته: (لأنه رجل خامل وأنا لا أحب الرجل الخامل). قلت له: (وما الرجل الخامل؟) فأطرق جدي برهة ثم قال لي: (انظر إلى هذا الحقل الواسع. ألا تراه يمتد من طرف الصحراء إلى حافة النيل مائة فدان؟ هذا النخل الكثير هل تراه؟ وهذا الشجر؟ سنط وطلح وسيال. كل هذا كان حلالاً بارداً لمسعود، ورثه عن أبيه). وانتهزت الصمت الذي نزل على جدي، فحولت نظري عن لحيته وأدرته في الأرض الواسعة التي حددها لي بكلماته. (لست أبالي مَن يملك هذا النخل ولا ذلك الشجر ولا هذه الأرض السوداء المشققة. كل ما أعرفه أنها مسرح أحلامي ومرتع ساعات فراغي). بدأ جدي يواصل الحديث: (نعم يا بنيّ. كانت كلها قبل أربعين عاماً ملكاً لمسعود. ثلثاها الآن لي أنا). كانت هذه حقيقة مثيرة بالنسبة لي، فقد كنت أحسب الأرض ملكاً لجدي منذ خلق الله الأرض. (ولم أكن أملك فداناً واحداً حين وطئت قدماي هذا البلد. وكان مسعود يملك كل هذا الخير. ولكن الحال انقلب الآن، وأظنني قبل أن يتوفاني الله سأشتري الثلث الباقي أيضاً). لست أدري لماذا أحسست بخوف من كلمات جدي. وشعرت بالعطف على جارنا مسعود. ليت جدي لا يفعل! وتذكرت غناء مسعود وصوته الجميل وضحكته القوية التي تشبه صوت الماء المدلوق. جدي لم يكن يضحك أبداً. وسألت جدي لماذا باع مسعود أرضه؟ (النساء). وشعرت من نطق جدي للكلمة أن (النساء) شيء فظيع. (مسعود يا بنيَّ رجل مزواج كل مرة تزوج امرأة باع لي فدناً أو فدانين). وبسرعة حسبت في ذهني أن مسعود لابد أن تزوج تسعين امرأة، وتذكرت زوجاته الثلاث وحاله المبهدل وحمارته العرجاء وسرجه المكسور وجلبابه الممزق الأيدي. وكدت أتخلص من الذكرى التي جاشت في خاطري، لولا أنني رأيت الرجل قادماً نحونا، فنظرت إلى جدي ونظر إليّ. وقال مسعود: ((سنحصد التمر اليوم، ألا تريد أن تحضر؟)) وأحسست أنه لا يريد جدي أن يحضر بالفعل. ولكن جدي هب واقفاً، ورأيت عينه تلمع برهة ببريق شديد، وشدني من يدي وذهبنا إلى حصاد تمر مسعود. وجاء أجد لجدي بمقعد عليه فروة ثور. جلس جدي وظللت أنا واقفاً. كانوا خلقاً كثيراً. كنت أعرفهم كلهم، ولكنني لسبب ما أخذت أراقب مسعوداً. كان واقفاً بعيداً عن ذلك الحشد كأن الأمر لا يعنيه، مع أن النخيل الذي يحصد كان نخله هو، وأحياناً يلفت نظره صوت سبيطة ضخمة من التمر وهي تهوي من علٍ. ومرة صاح بالصبي الذي استوى فوق قمة النخلة، وأخذ يقطع السبيط بمنجله الطويل الحاد: ((حاذر لا تقطع قلب النخلة)). ولم ينتبه أحد لما قال، واستمر الصبي الجالس فوق قمة النخلة يعمل منجله في العرجون بسرعة ونشاط، وأخذ السبط يهوي كشيء ينزل من السماء. ولكنني أنا أخذت أفكر في قول مسعود: ((قلب النخلة)) وتصورت النخلة شيئاً يحس له قلب ينبض. وتذكرت قول مسعود لي مرة حين رآني أعبث بجريد نخلة صغيرة: ((النخل يا بنيّ كالادميين يفرح ويتألم)). وشعرت بحياء داخلي لم أجد له سبباً. ولما نظرت مرة أخرى إلى الساحة الممتدة أمامي رأيت رفاقي الأطفال يموجون كالنمل تحت جذوع النخل يجمعون التمر ويأكلون أكثره. واجتمع التمر أكواماً عالية. ثم رأيت قوماً أقبلوا وأخذوا يكيلونه بمكاييل ويصبونه في أكياس. وعددت منها ثلاثين كيساً. وانفض الجمع عدا حسين التاجر وموسى صاحب الحقل المجاور لحقلنا من الشرق، ورجلين غريبين لم أرَهما من قبل. وسمعت صفيراً خافتاً، فالتفت فإذا جدي قد نام، ونظرت فإذا مسعود لم يغير وقفته ولكنه وضع عوداً من القصب في فمه وأخذ يمضغه مثل شخص شبع من الأكل وبقيت في فمه لقمة واحدة لا يدري ماذا يفعل بها. وفجأة استيقظ جدي وهب واقفاً ومشى نحو أكياس التمر وتبعه حسين التاجر وموسى صاحب الحقل المجاور لحقلنا والرجلان الغريبان. وسرت أنا وراء جدي ونظرت إلى مسعود فرأيته يدلف نحونا ببطء شديد كرجل يريد أن يرجع ولكن قدميه تزيد أن تسير إلى أمام. وتحلقوا كلهم حول أكياس التمر وأخذوا يفحصونه وبعضهم أخذ منه حبة أو حبتين فأكلها. وأعطاني جدي قبضة من التمر فأخذت أمضغه. ورأيت مسعوداً يملأ راحته من التمر ويقربه من أنفه ويشمه طويلاً ثم يعيده إلى مكانه. ورأيتهم يتقاسمونه. حسين التاجر أخذ عشرة أكياس، والرجلان الغريبان كل منهما أخذ خمسة أكياس. وموسى صاحب الحقل المجاور لحقلنا من ناحية الشرق أخذ خمسة أكياس، وجدي أخذ خمسة أكياس. ولم أفهم شيئاً. ونظرت إلى مسعود فرأيته زائغ العينين تجري عيناه شمالاً ويميناً كأنهما فأران صغيران تاها عن حجرهما. وقال جدي لمسعود: ما زلت مديناً لي بخمسين جنيها نتحدث عنها فيما بعد، ونادى حسين صبيانه فجاؤوا بالحمير، والرجلان الغريبان جاءا بخمسة جمال. ووضعت أكياس التمر على الحمير والجمال. ونهق أحد الحمير وأخذ الجمل يرغي ويصيح. وشعرت بنفسي أقترب من مسعود. وشعرت بيدي تمتد إليه كأني أردت أن ألمس طرف ثوبه. وسمعته يحدث صوتاً في حلقه مثل شخير الحمل حين يذبح. ولست أدري السبب، ولكنني أحسست بألم حاد في صدري. وعدوت مبتعداً. وشعرت أنني أكره جدي في تلك اللحظة. وأسرعت العدو كأنني أحمل في داخل صدري سراً أود أن أتخلص منه. ووصلت إلى حافة النهر قريباً من منحناه وراء غابة الطلح. ولست أعرف السبب، ولكنني أدخلت إصبعي في حلقي وتقيأت التمر الذي أكلت.

رهف
17-Jul-2009, 03:09 AM
وصف وزير خارجية المغرب الطيب صالح( بالولي الصالح) حتى من دون عمامته, كل كامل يقاسمك كل أحاسيسه, كل كامل لا ينافق ولا يحابي ولايعادي ولا يحاسب ولا يلوم, قنوع لدرجة إهمال حقوقه, لعوب بقهقهته وتقاسيم وجهه وشرود نظراته, كل شيء عنده ملفوف بالحشمة والتقشف ونكران الذات.

حتى في دراساته الأدبية, الطيب صالح يفيض بالمحبة يؤمن بأن الحب يفتح البصيرة على عكس الكراهية ومن أطراف الأمثلة التي يسوقها على صحة نظريته, طه حسين في كتابه عن المتنبي السيىء إلى أبعد حدود السوء- كما يرى الباحث إبراهيم الصلحي- لسبب بسيط هو أن طه حسين دخل على المتنبي بكراهية مسبقة فلم يفهم شخصيته ونفسيته وتوصل إلى نتائج خاطئة بمجملها.‏

يعرف من خبره وعايشه( أنه لا يتصدر المجالس ولا يتصدر المآدب سواء أكانت على شرفه أو كان من أبرز الضيوف, متسامح لا ينفعل ولا يغضب. يحاول أن يجد الأعذار عما يسبب له الكدر).‏

يرى فيه عبد الواحد عبد الله يوسف شيئاً من تصوف ابن عربي وحذق الغزالي وإباء المتنبي ولكنه بعيد عن صلف المتنبي وطموحه إلى السلطة والجاه.‏

يعتبره صلاح فضل هدية الجنوب إلى الشمال فالإنسان العربي في السودان هو جوهر ما تلتقطه أعماله في البداية بكل غليانها الفكري لكنها تطرحه على العالم وتحتك به مع الإنسان الآخر والأفق الآخر والثقافة الأخرى له موسم الهجرة إلى الشمال- مريود- عرس الزين- المنسي- بندر شاه.‏

وصف رجاء النقاش( مريود) تستعصي على التلخيص تقترب من الموسيقا فلا يمكن والحال هذه تلخيص الأنغام والسيمفونيات.. نسجها في قماش سوداني إفريقي عربي وفي هذا القماش المحلي القومي استطاع أن يكتب أدباً إنسانياً عالمياً.‏

درس المستعرب الأميركي روجر ألن رواية عرس الزين بالإضافة لأعماله الأخرى ومما قاله: نجح الطيب صالح في أن يخلق بأعماله عوالم حملت للقراء عرباً وغير عرب.. رؤية بالغة الخصوصية لتأثيرات عملية التغيير الدائمة العنيدة في ثقافات إفريقية. وفي أي مكان آخر بفعل التسرب والامتداد.‏

أما حسن أبشر فقال في دراسته لرواية بندر شاه للطيب صالح:‏

هي ملامح اكتشاف لوضعنا في الماضي والحاضر والمستقبل. إننا نعيش في عالم متغير دوماً, و في تشبثنا بالحضارة الحديثة نستفيد كثيراً, ولكن تضيع منا أشياء كثيرة وجميلة.

رهف
17-Jul-2009, 03:11 AM
ثمة حضور لافت للمنجز السردي الذي خلفه الكاتب (الطيب صالح)، يعد - وبجلاء- واحداً من أهم المشاريع السردية في مسيرة الكتابة العربية، وربما يصبح الكشف عن الإمكانات التقنية الواعدة، والرؤى التي تملك وعياً حاداًْ بالعالم، في نصوص (الطيب صالح) القصصية أمراً مهماً، خاصةً وأن جل الكتابات النقدية حول نصوصه السردية تمحورت وبشكل مركزي حول عمله اللافت (موسم الهجرة للشمال)- أحد أبرز الأعمال في مسيرة القص العربي-، ومن بعده روايته الفاتنة (عرس الزين). ولذا فقد آثرت هنا الإشارة إلى المنجز القصصي للطيب صالح، متخذاً من مجموعته (دومة ود حامد) موضوعاًْ للتطبيق.

في مجموعة (دومة ود حامد) تتكشف لنا طرائق السرد القصصي لدى (الطيب صالح)، وتبرز كذلك عدد من التيمات الأثيرة التي تتجلى في نصوصه المختلفة، حيث تبدوثنائية (الأنا/ الآخر) حاضرة وبقوة في المجموعة، فضلاً عن ثنائيات أخرى (الحداثة/ الموروث)، (التقدم/ التخلف) تسبغ نصوصه بنزوع رؤيوي محدد المعالم، كذلك تظهر آليات الكتابة القصصية لديه من حيث اتكائها على الاختزال والتكثيف، واعتماد (الحوار) الموسوم بالعربية الفصحى صيغة لديه، فضلاً عن الاحتفاء بنهايات النصوص التي تصبح في تجلٍ من تجلياتها أشبه بالتوقيعة الحاسمة المتخذة طابعاً إدهاشياً قادراً على النفاذ- وبعمق- إلى سيكولوجية المتلقي، ولعل محاولة الولوج في جوهر هذه المجموعة هي التي ستدفع بالمقاربة النقدية إلى ملامسة هذا العالم الثري للطيب صالح.

تتشكل المجموعة من سبع قصص (نخلة على الجدول/ حفنة تمر/ رسالة إلى إيلين/ دومة ود حامد/ إذا جاءت/ هكذا يا سادتي/ مقدمات)، تخلق فيما بينها عوالم النص وفضاءاته.

تمثل قصة (دومة ود حامد) النص المركزي بداخل هذه المجموعة، ولذا يصدر بها الكاتب عنوان مجموعته، وفيها يدخل الكاتب قارئه مباشرة إلى أجواء قصته، فثمة حضور لافت لراوعليم، يهيمن على فضاء الحكي داخل النص، وتأخذ كلماته طابعاً حكمياً، وتأتي في سياق حواري مع (شاب) مقبل على مغادرة المكان (دومة ود حامد)، ولم يستطع أن يخلق حالاً من التواصل معه، غير أن عين الشيخ الكبير تصبح بمثابة عدسة كاميرا تنقل له ولنا تفصيلات المكان بناسه وحوادثه، وتحكي له عن أهم خصائصه (دومة ود حامد)، الضريح الذي أضحى حاضراً ومشكلاً الوجدان الجمعي لأهل المكان: "سترحل عن بلدنا غداً، أنا واثق من ذلك، وحسناً تفعل، مالك ولهذا العناء؟ نحن قوم جلودنا ثخينة، ليست كجلود سائر الناس. لقد اعتدنا هذه الحياة الخشنة، بل نحن في الواقع نحبها، لكننا لا نطلب من أحد أن يجشم نفسه مشقة الحياة عندنا. سترحل في الغد يا بني- إني أعلم ذلك ولكن قبل أن ترحل دعني أريك شيئاً واحداً- قل إننا نعتز به. عندكم في المدن والمتاحف- أماكن تحفظ تاريخ القطر والأمجاد السالفة. هذا الشئ الذي أحب أن أريكه، قل إنه متحف. شئ واحد نصر أن يراه زوارنا. مرة جاءنا واعظ أرسلته إلينا الحكومة ليقيم عندنا شهراً. وحل علينا في موسم لم ير ذباب البقر أسمن منه في ذلك الموسم. تورم وجه الرجل في اليوم الأول. وتصبر وصلى بنا صلاة العشاء في الليلة الثانية، وحدثنا بعد الصلاة عن مباهج الحياة في الفطرة. وفي اليوم الثالث أصابته حمى الملاريا، وأصابته الدسنتاربا وانسدت عيناه تماماً. زرته في عصر ذلك اليوم فوجدته طريح الفراش، يقف على رأسه غلام يهش عنه الذباب. فقلت له: (يا شيخ ليس في بلدنا شئ نريكه، ولكنى أحب أن ترى دومة ود حامد".

ولا يظهر الكاتب ناس المكان هنا في صورة السذج الذين يسخر منهم راويه، ويتحدث عن الفروقات الشاسعة بينهم وبين أهل المدن فحسب، ولكنهم يبدون هنا مكتفين بعوالمهم الخاصة، قانعين بها، متوحدين مع نموذجهم ومثلهم الأعلى (ود حامد)، لا يبذلون سعياً في معرفة (الضجة)- بتوصيف النص- التي ثارت في العاصمة حينما طرد الاستعمار، إنهم- وباختصار- قوم يعيشون على الحافة، ولكنهم يرونها ملء الأرض والسماء: "أنت تذكر أنه كان لنا قبل أعوام نواب وأحزاب، وضوضاء كبيرة ما كنا نعرف أولها من آخرها. كانت الدروب تسوق إلينا أحياناً غرباء تلقيهم على أبوابنا، كما يلقي موج البحر بالحشائش الغريبة. ما منهم أحد زاد على ليلة واحدة عندنا، ولكنهم كانوا ينقلون إلينا أنباء الضجة الكبيرة في العاصمة. حدثونا يومها أن الحكومة التي طردت الاستعمار قد استبدلت بحكومة أخرى أكثر ضجةً ونواباً". إن (دومة ود حامد) تمثل حلماً بالخلاص يتجاوز قرية الراوي إلى بلدان أخرى متعددة: "لعل السبب أن في كل بلد من بلدان هذا القطر علماً كدومة ود حامد، يراه الناس في أحلامهم".

ينهي الطيب صالح قصته بإشارة بديعة إلى إمكانية التعايش بين ذلك الإرث الماضوي بمعتقداته الدينية والشعبية، وشيوع أنماط من التحديث تتجاور معها: "الأمر الذي فات على هؤلاء الناس جميعاً أن المكان يتسع لكل هذه الأشياء- يتسع للدومة والضريح ومكنة الماء ومحطة الباخرة".

يستهل الكاتب قصته الأولى (نخلة على الجدول) بعبارة دالة (يفتح الله) تصبح بمثابة الجملة/ المفتاح في النص، حيث تشير إلى حالة المساومة الحادثة بين التاجر (حسين) و(شيخ محجوب)، فقد عرض التاجر عشرين جنيهاً فقط مقابل شراء النخلة الوحيدة التي يملكها (شيخ محجوب)- والذي يمثل الشخصية المركزية في القصة-، ونلحظ هنا حضوراً دالاً للسارد الرئيس Main Narrator في الحكاية، صانعاً غوصاً شفيفًا في سيكولوجية شخصيته المركزية: "ولف ضباب الذكريات معالم الأشياء الممتدة أمام ناظري شيخ محجوب. الناس والبهائم وغابة النخيل الكثة المتلاصقة وأحواض الذرة الناضجة التي لم تحصد بعد، والأحواض الجرداء العارية قطعت منها الذرة، وسرحت على بقياها قطعان الضأن والماعز".

يوظف الكاتب تقنية الاسترجاع في قصته، محققاً من خلالها قدراً عارماً من المفارقة التي تعد ملمحاً بارزاً في نصوص (الطيب صالح) القصصية، ونرى ذلك حين يستعيد (شيخ محجوب) ماضيه السابق، لتحدث مقارنة بين ذلك الماضي البهيج، وهذا الحاضر المؤلم: "وتمتم شيخ محجوب في صوت لا يكاد يسمع، شئ يشبه التوسل والابتهال: "يفتح الله"، وزم شفتيه في عصبية وعاد بعقله خمسة وعشرين عاماً إلى الوراء".

تتكئ (نخلة على الجدول) إذن على تفعيل آلية التذكر، فالحدث المركزي بداخلها (بيع النخلة) قادر على استعادة حوادث أخرى ترتبط بتاريخ علاقة (شيخ محجوب) مع نخلته، التي أصبحت موسومة بطابع إنساني خاص، فبدت ممثلة لحضور لافت في حياة صاحبها ، حيث ترتبط لديه بذكريات سعيدة، وتبدل إيجابي في مسار حياته: "وصارت الحياة رغداً كأنما استجاب الله دعاءه يوم شق في الأرض على حافة الجدول وغرس النخلة. لقد استغنى عن أبيه، وبنى لنفسه بيتاً يؤويه مع عائلته، وصار ثرياً يعد المال مثل أي تاجر".

إن اللغة هنا ليست محض وسيلة ينفذ بها الكاتب إلى متلقيه، إنها صيغة مركزية من صيغ بناء العمل السردي، ولذا فإن الطيب صالح بدا قابضاً على زمامها، واعياً بضرورة تواؤمها مع وعي الشخوص الذين ينطقون بها. إن منطق السرد في (نخلة على الجدول) يشي بذلك التعاطف من قبل السارد الرئيس مع شخصيته المركزية (محجوب)، ومن ثم بدت النهاية متواشجة مع منطق السرد ذاته، فالابن الغائب (حسن) يرسل بثلاثين جنيهاً وطرداً من الملابس، تصبح جميعها كفيلة بالإجهاز على مشكلات (شيخ محجوب) وأسرته، لتنتهي القصة بهذه الجملة الدالة القادرة على النفاذ إلى سيكولوجية المتلقي (يفتح الله).

ثمة نزوع إنساني آسر كامن في قصة (حفنة تمر)، فالصبي الصغير الملازم لجده والمفتون به، والذي يعد أقرب الأحفاد إليه، نتيجة لذكائه وتقديمه الدائم لفروض الطاعة المطلقة، إذا هويقف على حافة المراجعة لهذا الجد- والذي يمكن أن تنسحب دلالته على أشياء أخر- الذي يتفاخر بأنه اشترى ثلثي أرض جاره (مسعود)، وأن (مسعود) هذا سيبيع له الثلث الباقي لا محالة: "لست أدرري لماذا أحسست بخوف من كلمات جدي. وشعرت بالعطف على جارنا مسعود. ليت جدي لا يفعل".

ثمة شعوران يتنازعان الصبي إذن، ويشكلان بداية الطريق لتحسس حقيقة (الجد)، فما بين المحبة لجده والتعاطف مع الجار الطيب (مسعود) تسلك الشخصية القصصية في نهاية المطاف مسلكاً يتواءم مع نزوعها الإنساني الخاص، فتستحيل محبة الجد إلى كراهية، يتقيأ الصبي على اثرها حفة التمر التي أكلها، بعد أن علم أن (مسعود) صاحب النخيل لن يأخذ شيئاً من تمره: "وعدوت مبتعداً. وشعرت أنني أكره جدي في تلك اللحظة. وأسرعت العدوكأنني أحمل في داخل صدري سراً أود أن أتحلص منه، ووصلت إلى حافة النهر قريباً من منحناه وراء غابة الطلح. ولست أعرف السبب، ولكنني أدخلت أصبعي في حلقي وتقيأت التمر الذي أكلت".

في (رسالة إلى إيلين) يتبع الكاتب أسلوب الرسائل/ الخطابات، ومن ثم يدخلنا إلى أجواء نصه/ خطابه مباشرة: "عزيزتي إيلين، الآن انتهيت من فض حقائبي…. ".

رهف
17-Jul-2009, 03:13 AM
ثمة تنويعة هنا على التيمة ذاتها التي صنعها (الطيب صالح) من قبل في روايته الأثيرة (موسم الهجرة إلى الشمال)، حيث نلحظ مقابلة بين عالمين (الشرق/ الغرب)، ينبئ كلاهما عن رؤية متمايزة للعالم، غير أنهما يسعيان للقيا عبر نبتيهما (البطل/ إيلين)، على رغم الاختلاف في كل شئ: "ثمانية أشهر وأنا أتهرب وأحاور وأحاضر، أحاضرك في الفوارق التي تفرقنا. الدين والبلد والجنس. أنت من أبردين في اسكتلندا وأنا من الخرطوم…..".

ويقول الكاتب في موضع آخر أكثر دلالة على لسان بطله مخاطباً إيلين: "تزوجتني، تزوجت شرقاً مضطرباً على مفترق الطرق، تزوجت شمساً قاسية الشعاع، تزوجت فكراً فوضوي، وآمال ظمأى كصحارى قومي". يستشعر البطل في (رسالة إلى إيلين) حالاً من التيه والتمزق والإحساس العارم بفقدان البوصلة جراء ابتعاده عن موطنه الأصلي، ولعل نهاية القصة تكشف عن حالة النوستالجيا التي تنتاب البطل تجاه موطنه، ومن ثم يختتم النص بهذه الجملة المدهشة التي يلتحم فيها صوت الشخصية المركزية بالسارد الرئيس: "آه منك يا زمان النزوح".

في قصته (إذا جاءت) يشير الضمير المستتر في (جاءت)- والذي يعد فاعلاً من الوجهة النحوية- إلى تلك الفتاة السويدية التي ينتظرها (بهاء) ليقضي ليلته معها. و(بهاء) – أحد الشركاء الثلاثة في (المكتب العالمي لفنون السياحة)- حسب المتن الحكائي- مع صديقيه (أمين) و(سناء)، غير أن هذا (المكتب السياحي) لم يجد قبولاً في ظل واقع اجتماعي ضاغط، لا تنتمي هذه التمظهرات الحديثة لواقعه الفعلي واحتياجاته الحقيقية، وهذا ما يوقفنا الكاتب أمامه ببراعة شديدة، ولذا فثمة حالة من الارتباك تسيطر على شخوصه المؤسسين (بهاء/ سناء/ أمين)، دفعتهم إلى مراجعة موقفهم من هذا الكيان. في (هكذا يا سادتي) يشير العنوان إلى جملة مجتزأة من السياق السردي في نهاية القصة التي تحكي عن ذلك المغترب الذي لا تنتظم علاقته بالآخر، ولا يستطيع استساغته بوصفه (أجمل بلد في العالم)- حسب توصيف النص-، ومن ثم فهودائم المراجعة لعلاقته معه، وهذا ما يدفعه إلى الجهر برأيه في نهاية الحفلة المدعوإليها، والتي علم فيما بعد أنه لم يكن ضيف شرفها الوحيد: "أقمت هنا شهراً قبل اليوم. سرقوني في الفندق "أقمت هنا شهراً قبل اليوم" عرض على رجل ابنته فبصقت في وجهه. دعوني إلى العشاء ودفعت أنا الثمن". ثمة فتاتان تلوحان في الأفق في قصة (هكذا يا سادتي)، تختلط عبرهما الحقيقة بالحلم، غير أنهما تبقيان علامة دالة على إمكانية المجاوزة لأسر الواقع الضاغط بفعل الاغتراب والوحشة. تتشكل قصة (مقدمات) من سبعة نصوص/ مقاطع قصيرة، يصلح كل نص منها لأن يكون قصة قائمة ومستقلة بذاتها، حيث يطرح كل منها حالة إنسانية منفصلة، حاملا عنواناً داخلياً خاصاً (أغنية حب- خطوة للأمام- لك حتى الممات- الاختبار- سوزان وعلي)، غير أنها تتلاقى جميعها في التيمة العامة (البدايات التي لم تكتمل)، وكأننا- وباختصار- أمام (مقدمات)- كما في العنوان الدال للقصة- لم تفض إلى نتائج، وهذا ما تشير إليه النصوص/ المقاطع الخمسة بداخل القصة، ففي (أغنية حب) على الرغم من حالة التلاقي بين (الراوي/البطل) و(الفتاة الغربية) وتشجيعها المتواصل له على الغناء، إلا أنها تتركه في النهاية.

في (خطوة إلى الأمام) ثمة روح من التفاؤل تسيطر على أجواء القصة، وتغاير في طبيعتها هذه الروح المأساوية، والنفس الشجي الحزين الذي يظلل النصوص المختلفة. ويتكئ هذا النص على تلك الثنائيات المتعارضة، والتي أفضت في نص (الطيب صالح) عبر جدلها الخلاق إلى حالة من حالات التعايش: "كان أسمر داكناً، أسود إذا شئت. لم تكن سمرتها داكنة، بيضاء إذا شئت" ؛ فثمة بادرة طيبة تلوح في الأفق، إنها (خطوة إلى الأمام)- كما العنوان المعبر للنص-، غير أنها تظل في نطاق "الأمنيات"- بالنسبة لهذا الابن- الهجين- الناتج من التلاقح بين هاتين الثقافتين المتمايزتين، والذي يصير التعويل عليه بمثابة (المقدمة) التي تستلزم تتمة واستكمالاً: "أخذ يعلم وأخذت تمرض، وولدت له ابناً. "ماذا تسميه؟".

"سامي. يسهل لفظه، بالإنجليزية وبالعربية".

في (الاختبار) بدت العلاقة بين المحامي (الأسود) والممرضة (البيضاء) أشبه بتجربة قابلة للكشف عن إمكانات بقائها بعد ارتباطهما، هذا الارتباط الذي لم يدم طويلاً، وأفضى إلى نتائج بائسة. في (سوزان وعلي) نرى حضوراً لافتاً لتلك الثنائية المتعارضة، حيث المقابلة بين عالمين مختلفين: "كان اسمه علي واسمها هي سوزان. الخرطوم. لندن".

يمثل الحوار هنا أحد أبعاد الرؤية السردية، ويكشف بجلاء عن قدرة بارعة على التكثيف والاختزال وهما سمتان تميزان القصة عند كاتبنا. وبعد.. في مجموعة (دومة ود حامد) نرى وعي (الطيب صالح) بالنماذج البشرية التي يقدمها، وبسيكولوجية الشخوص (المحكي عنهم)، مما منحه قدرة واعدة على ارتياد مناطق جديدة، وملامسة العصب العاري بداخلها، إنها في رأيي القدرة الفريدة التي منحت نصه خصوصية ضافية بدا على أثرها مشحوناً بزخم فكري وعاطفي دال.

لقد قدم (الطيب صالح) إمكانية رائعة لتخليق نص قادر على أن تتجاور بداخله مفردات متنوعة، تصنع جميعها جدلاً خلاقاً تقتضيه اشتراطات الكتابة الجمالية، وتعدد زوايا النظر إلى الحياة والعالم في الآن نفسه.

بقلم يسرى عبدالله

رهف
17-Jul-2009, 03:19 AM
http://www.4shared.com/file/25905668/d3a5853/___online.html

رهف
14-Aug-2009, 05:24 PM
طيب الله ثراك الراحل المقيم الطيب صالح
بكل فخر نفتخر بوجود هؤلاء الكبار من سوداننا الحبيب بما قدموه من سير واخبار وعكس عادات مجتمعنا بدرر متناثرة مازال شذاها وصداها خالد على نفوسنا
انت لم ترحل بعيداعني بل انت محلق فى وجدان كل سودانى
تقبلك الله واسكنك فى رياض الخلد

رهف
14-Aug-2009, 05:27 PM
للمريود الرحمة الواسعة ,,,,انا لله وانا اليه راجعون
هذا حال العظماء واصحاب العقول النيرة في بلادنا ...نحاربهم احياءا ثم نتباكى فقدانهم ..ثم نكرمهم بوشاح من القماش او درع من الخشب ..وخلاص!!!!!!!!! لك الله ايها الطيب.

رهف
28-Oct-2009, 03:19 PM
الطيب صالح الكاتب الكبير ملفات اخري كثيرة لم توثق
لكل مهتم ان يوثق له

معروف اوشي
29-Oct-2009, 02:46 AM
يااا سلااام عليكي يا رهف
بوست كامل الدسم لحد التخمة و مع ذلك لا يشبع الواحد منا منه .
و يظل اديبنا الكبير الطيب صالح هو سفير الابداع السوداني
في فضاءات الادب في العالم تضيء اعماله سماء الابداع بنور
بهي ..
أترى سيظل الطيب صالح هو بيضة الديك التي لا تكرر في مشهدنا
الثقافي و ادبنا الروائي .. ؟!!

الرحمة و المغفرة للاديب الكبير الطيب صالح و جعل الله تعالى قبره روضة
من رياض الجنة .. آمين ..
و لك التحية رهوووووفة صاحبة الكرم و الجود .. حقيقي ما عندك بوست
منزوع الدسم ولا ( دايت ) .. !! .. :smile:
تحياتي .. و دمت بود و سعادة ..

رهف
15-Mar-2010, 02:37 AM
اين اسبوع تكريم الطيب صالح ما زااال الطلب جاري ؟؟؟؟؟؟؟
انتظر الرد منكم !!!!!!!!!!!!!!!!!!!

ابوهبة الله
29-Mar-2011, 07:35 PM
دعماً مني لمكتبة الثقافة والآداب ولأحياءها بشكل يلفت الأنظار سأبداء بإعادة لبعض الأعمال الهامة وتخليد ذكرى كتاب كبار عشقناهم وتعلمنا منهم
وهنا أنادي الجميع
بأن لاينسوا الطيب صالح
وأتمنى مزيداً من المشاركات عن هذا الأديب الرائع
أبوهبة الله