مشاهدة النسخة كاملة : مختصر منهاج القاصدين
سلافة
02-Sep-2009, 12:20 PM
مختصر منهاج القاصدين
ابن قدامة المقدسي
فصول الكتاب
الربع الأول :
ربع العبادات
العلم وفضله وما يتعلق به
الطهارة وأسرارها والصلاة وما يتعلق بها
الزكاة و أسرارها
الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به
الحج وأسراره وفضائله وآدابه
آداب القرآن الكريم وذكر فضله
الأذكار والدعوات وغيرها
الربع الثانى :
ربع العادات
في آداب الآكل والاجتماع عليه والضيافة ونحو ذلك
النكاح وآدابه وما يتعلق به
آداب الكسب والمعاش وفضله وصحة المعاملة وما يتعلق بذلك
آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق ونحو ذلك
باب العزلة
آداب السفر
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
المنكرات المألوفة فى العادات
باب آداب المعيشة وأخلاق النبوة
الربع الثالث :
ربع المهلكات
شرح عجائب القلوب
رياضة النفس وتهذيب الخلق ومعالجة أمراض القلب
كسر الشهوتين شهوة البطن، وشهوة الفرج
آفات اللسان
ذم الغضب والحقد والحسد
ذم الجاه والرياء وعلاجهما وفضيلة الخمول
في بيان الرياء وحقيقته وأقسامه وذمه ونحو ذلك
ذم الكبر والعجب
الغرور وأقسامه ودرجاته
الربع الرابع :
ربع المنجيات
التوبة وذكر شروطها وأركانها وما يتعلق بذلك
الصبروالشكر
الرجاء والخوف
الزهد والفقر
التوحيد والتوكل
المحبة والشوق والأنس والرضى
سلافة
02-Sep-2009, 12:24 PM
الربع الأول : ربع العبادات
كتاب العلم وفضله وما يتعلق به
قال الله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر:9].
وقال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة:11] قال ابن عباس رضى الله عنهما: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام، وقال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28].
وفى "الصحيحين" من حديث معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين".
وعن أبى أمامة رضى الله عنه قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلان: أحدهما: عابد، والآخر: عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة فى جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير" رواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح.
وفى حديث آخر: "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر".
وعن صفوان بن عسال رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب" رواه الإمام أحمد، وابن ماجة.
قال الخطابي: فى معنى وضعها أجنحتها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه بسط الأجنحة.
الثاني: أنه بمعنى التواضع لطالب العلم.الثالث: أن المراد به النزول عند مجالس العلم وترك الطيران.
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة” رواه مسلم.
وروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، كان بينه وبين الأنبياء فى الجنة درجة واحدة” ، وفيه أخبار كثيرة.
وكان بعض الحكماء يقول: ليت شعري، أي شىء أدرك من فاته العلم، وأي شىء فات من أدرك العلم.
ومن فضائل التعليم ما أخرجاه فى “الصحيحين” عن سهل بن سعد رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلى رضى الله عنه: “ لأن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم”.
وقال ابن عباس: “ إن الذى يعلم الناس الخير تستغفر له كل دابة حتى الحوت فى البحر”. وروى نحو ذلك فى حديث مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: ما وجه استغفار الحوت للمعلم؟
فالجواب: أن نفع العلم يَعُمُّ كل شىء حتى الحوت، فإن العلماء عرفوا بالعلم ما يحل ويحرم، وأوصوا بالإحسان إلى كل شىء حتى إلى المذبوح والحوت، فألهم الله تعالى الكل الاستغفار لهم جزاءاً لحسن صنيعهم.
وعن أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب (1) أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي
قيعان (2) لا تمسك ماء ولاتنبت كلأ، فذلك مثل من َفقُه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به” أخرجاه فى “الصحيحين.
سلافة
02-Sep-2009, 12:25 PM
فانظر رحمك الله إلى هذا الحديث ما أوقعه على الخلق، فإن الفقهاء أولي الفهم، كمثل البقاع التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ، لأنهم علموا وفهموا، وفرعوا وعلَّموا. وغاية الناقلين من المحدثين الذين لم يرزقوا الفقه والفهم، أنهم كمثل الأجادب التي حفظت الماء فانتفع بما عندهم، وأما الذين سمعوا ولم يتعلموا ولم يحفظوا، فهم العوام الجهلة.
وقال الحسن رحمه الله: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم.
وقال معاذ بن جبل رضى الله تعالى عنه: تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاده، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس فى الوحدة، والصاحب فى الخلوة.
وقال كعب رحمه الله: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أن تعلم يا موسى الخير وعلمه للناس، فإني منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا بمكانهم.
1ـ فصل [ طلبُ العلمِ فريضةُُ]
قد روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “ طلب العلم فريضة على كل مسلم” رواه أحمد فى “العلل” .
قال المصنف رحمه الله تعالى: اختلف الناس فى ذلك.
فقال الفقهاء: هو علم الفقه، إذ به يعرف الحلال والحرام.
وقال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسنة، إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها.
وقالت الصوفية: هو علم الإخلاص وآفات النفوس.
وقال المتكلمون: هو علم الكلام. إلى غير ذلك من الأقوال التي ليس فيها قول مرضى، والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه.
والمعاملة التي كلفها على ثلاثة أقسام:
اعتقاد، وفعل، وترك.
فإذا بلغ الصبى، فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناها وإن لم يحصل ذلك بالنظر والدليل، لأن النبى صلى الله عليه وآله وسلم اكتفى من أجلاف العرب بالتصديق من غير تعلم دليل، فذلك فرض الوقت، ثم يجب عليه النظر والاستدلال.
فإذا جاء وقت الصلاة وجب عليه تعلم الطهارة والصلاة، فإذا عاش إلى رمضان وجب عليه تعلم الصوم، فإن كان له مال وحال عليه الحول وجب عليه تعلم الزكاة، وإن جاء وقت الحج وهو مستطيع وجب عليه تعلم المناسك.
وأما التروك: فهو بحسب ما يتجدد من الأحوال، إذ لا يجب على الأعمى تعلم ما يحرم النظر إليه، ولا على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام، فإن كان فى بلد يتعاطى فيه شرب الخمر ولبس الحرير، وجب عليه أن يعرف تحريم ذلك.
وأما الاعتقادات: فيجب علمها بحسب الخواطر، فإن خطر له شك فى المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة، وجب عليه تعلم ما يصل به إلى إزالة الشك. وإن كان فى بلد قد كثرت فيه البدع، وجب عليه أن يتلقن الحق، كما لو كان تاجراً فى بلد شاع فيه الربا، وجب عليه أن يتعلم الحذر منه.
وينبغى أن يتعلم الإيمان بالبعث والجنة والنار.
فبان بما ذكرنا أن المراد بطلب العلم الذى هو فرض عين: ما يتعين وجوبه على الشخص.
فأما فرض الكفاية: فهو علم لا يُستغنى عنه فى قِوَام أمور الدنيا، كالطب إذ هو ضروري فى حاجة بقاء الأبدان على الصحة، والحساب، فإنه ضروري فى قسمة المواريث والوصايا وغيرها.
فهذه العلوم لو خلا البلد عمن يقوم بها حَرِجَ أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الباقين.
ولا يُتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفاية، فإن أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفاية، كالفلاحة والحياكة، بل الحجامة فإنه لو خلا البلد عن حَجَّام لأسرع الهلاك إليهم، فإن الذى أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله.
وأما التعَّمق فى دقائق الحساب، ودقائق الطب وغير ذلك، فهذا يعد فضله، لأنه يستغنى عنه (3)
وقد يكون بعض العلوم مباحاً، كالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها، وتواريخ الأخبار.
وقد يكون بعضها مذموماً، كعلم السحر، والطلسمات، والتلبيسات.
سلافة
02-Sep-2009, 12:26 PM
فأما العلوم الشرعية فكلها محمودة، وتنقسم إلى أصول، وفروع، ومقدمات ومتممات.
فالأصول: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإجماع الأمة، وآثار الصحابة.
والفروع: ما فهم من هذه الأصول من معان تنبهت لها العقول حتى فهم من اللفظ الملفوظ وغيره، كما فهم من قوله: “لا يقضى القاضي وهو غضبان” أنه لا يقضى جائعاً.
والمقدمات: هي التي تجرى مجرى الآلات، كعلم النحو واللغة، فإنهما آلة لعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
والمتممات: كعلم القراءات، ومخارج الحروف، وكالعلم بأسماء رجال الحديث وعدالتهم وأحوالهم، فهذه دهى العلوم الشرعية، وكلها محمودة.
2ـ فصل [في علم المعاملة]
فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب، كالخوف، والرجاء، والرضى، والصدق، والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم، كسفيان ، وأبى حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
وإنما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات، لتشاغلهم بصورة العلم من غير أخذ على النفس أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه.
وأنت تجد الفقيه يتكلم فى الِّظهار، واللِّعان، والسبع، والرمى، ويفرع التفريعات التي تمضى الدهور فيها ولا يحتاج إلى مسألة منها، ولا يتكلم فى الإخلاص، ولا يحذر من الرياء، وهذا عليه فرض عين، لأن في إهماله هلاكه، والأول فرض كفاية. ولو أنه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس فى الإخلاص والرياء لم يكن له جواب. ولو سئل عن علة تشاغله بمسائل اللعان والرمى، لقال: هذا فرض كفاية، ولقد صدق، ولكن خفي عليه أن الحساب فرض كفاية أيضاً، فهلا تشاغل به، وإنما تبهرج عليه النفس، لأن مقصودها من الرياء والسمعة يحصل بالمناظرة، لا بالحساب!
واعلم: أنه بدلت ألفاظ وحرفت، ونُقلت إلى معان لم يردها السلف الصالح.
* فمن ذلك: الفقه، فإنهم تصرفوا فيه بالتخصيص، فخصوه بمعرفة الفروع وعللها، ولقد كان اسم الفقه فى العصر الأول منطلقاً على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب.
ولذلك قال الحسن رحمه الله: إنما الفقيه الزاهد فى الدنيا، الراغب فى الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الوَرِع الكافُّ عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لهم.
فكان إطلاقهم اسم الفقه على علم الآخرة أكثر، لأنه لم يكن متناولاً للفتاوى، ولكن كان متناولاً لذلك بطريق العموم والشمول، فثار من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد لعلم الفتاوى الظاهرة، والإِعراض عن علم المعاملة للآخرة.
اللفظ الثاني: العلم. فقد كان ذلك يطلق على العلم بالله تعالى وبآياته، آي: نعمه وأفعاله فى عباده، فخصوه وسموا به الغالب المناظر فى مسائل الفقه وإن كان جاهلاً بالتفسير والأخبار.
اللفظ الثالث: التوحيد: وقد كان ذلك إشارة إلى أن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فيثمر ذلك التوكل والرضى وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام فى الأصول، وذلك من المنكرات عند السلف.
اللفظ الرابع: التذكير والذكر. قال تعالى: {وَذكَّرْ َفإنَّ الذَّكْرَى تْنَفعُ الُمْؤمنينَ} (الذاريات: 55).
وقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم :”إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر” فتقلوا ذلك إلى القصص وما يحتوى عليه اليوم مجلس القاص من الشطح والطامات.
ومن تشاغل فى وعظة بذكر قصص الأولين، فليعلم أن اكثر ما يحكى فى ذلك لا يثبت، كما ينقلون أن يوسف عليه السلام حل تكته، وأنه رأى يعقوب عاضا على يده، وأن داود جهز أوريا حتى قتل، فمثل هذا يضر سماعه.
وأما الشطح والطامات: فمن أشد ما يؤذى العوام، لأنها تشمل على ذكر المحبة والوصال وألم الفراق، وعامة الحاضرين أجلاف، بواطنهم محشوة بالشهوات وحب الصور، فلا يحرك ذلك من قلوبهم إلا ما هو مستكن فى نفوسهم، فيشتعل فيها نار الشهوة، فيصيحون، وكل ذلك فساد.
وربما احتوى الشطح على الدعاوى العريضة فى محبة الله تعالى، وفى هذا ضرر عظيم. وقد ترك جماعة من الفلاحين فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى.
اللفظ الخامس: الحكمة. والحكمة: العلم والعمل به.
قال ابن قتيبة رحمة الله: لا يكون الرجل حكيما حتى يجمع العلم والعمل. وقد صار هذا الاسم يطلق فى هذا الزمان على الطبيب والُمنِّجم.
سلافة
02-Sep-2009, 12:36 PM
3ـ فصل (في العلوم المحمودة)
وأعلم أن العلوم المحمودة تنقسم إلى قسمين:
الأول: محمود إلى أقصى غاياته، وكلما كان أكثر كان أحسن وأفضل. وهو العلم بالله تعالى، وبصفاته، وأفعاله، وحكمته فى ترتيب الآخرة على الدنيا، فان هذا علم مطلوب لذاته، والتوصل به إلى سعادة الآخرة، وهو البحر الذى لا يدرك غوره وانما يحوم اُلمَحِّومون على سواحله وأطرافه بقدر ما تيسر لهم.
والقسم الثاني: العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص، وهى التي ذكرناها من فروض الكفايات، فان فى كل منها افتقاراً واقتصاراً واستقصاءاً.
فكن أحدَ رجلين: إما مشغولاً بنفسك، وإما متفرغاً لغيرك بعد الفراغ من نفسك.
وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك، واشتعل بإصلاح باطنك وتطهيره من الصفات الذميمة، كالحرص، والحسد، والرياء، والعجب، قبل إصلاح ظاهرك، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى فى ربع المهلكات.
فان لم تتفرغ من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات، فان فى الخلق كثيراً يقومون بذلك، فإن مهلك نفسه فى طلب صلاح غيره سفيه، ومثله مثل من دخلت العقارب تحت ثيابه وهو يذب الذباب عن غيره.
فإن تفرغت من نفسك وتطهيرها، وما أبعد ذلك ، فاشتغل بفروض الكفايات وراع التدريج فى ذلك.
فابتدأ بكتاب الله عز وجل، ثم بسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بعلوم القرآن: من التفسير، ومن ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، إلى غير ذلك.
وكذلك فى السنة، ثم اشتغل بالفروع، وأصول الفقه وهكذا بقية العلوم على ما يتسع العمر ويساعد فيه الوقت.
ولا تستغرق عمرك فى فن واحد منها طلباً للاستقصاء، فان العلم كثير، والعمر قصير، وهذه العلوم آلات يراد بها غيرها، وكل شىء يطلب لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب.
4ـ فصل (فى عَالمٍ لم ينفعه علمه)
واعلم: أن المناظرة الموضوعة لقصد المغالبة والمباهاة منبع الأخلاق المذمومة، ولا يسلم صاحبها من كبر، لاحتقار المقصرين عنه، وعجب بنفسه لارتفاعه على كثير من نظرائه، ولا يسلم من الرياء، لأن جمهور مقصود المناظر اليوم علم الناس بغلبته، وإطلاق ألسنتهم بشكره ومدحه، فهو يُذِهبُ عمره فى العلوم التي تعين على المناظرة مما لا ينفع فى الآخرة، كحسن اللفظ، وحفظ النوادر.
وقد روى فى الحديث عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه” (1).
5ـ باب فى آداب المعلم والمتعلم
وآفات العلم وبيان علماء السوء وعلماء الآخرة
أما المتعلم فينبغي له تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات. إذ العلم عبادة القلب.
وينبغى له قطع العلائق الشاغلة، فان الفكرة متى توزعت قصرت عن إدراك الحقائق.
وقد كان السلف يؤثرون العلم على كل شىء، فروى عن الإمام احمد رحمه الله انه لم يتزوج إلا بعد الربعين.
وأهديت إلى أبى بكر الأنبارى جارية، فلما دخلت عليه تفكر فى استخراج مسألة فعزبت عنه، فقال: أخرجوها إلى النخاس، فقالت: هل من ذنب؟ قال: لا، إلا أن قلبي اشتغل بك، وما قدر مثلك أن يمنعني علمي.
وعلى المتعلم أن يلقى زمامه إلي المعلم اللقاء المريض زمامه إلي الطبيب، فيتواضع له ، ويبالغ فى خدمته .
وقد كان ابن عباس رضى الله عنه يأخذ بركاب زيد بن ثابت رضى الله عنه ويقول : هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء.ومتى تكبر المتعلم أن يستفيد من غير موصوف بالتقدم فهو جاهل، لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها، وليدع رأيه لرأى معلمه فان خطأ المعلم أنفع للمتعلم من صواب نفسه.
قال على رضى الله عنه: إن من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة، وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشير عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا تكثر عليه السؤال، ولا تعينه فى الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تراجعه إذا امتنع، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشى له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا تطلبن عثرته، وان زل قبلت معذرته، ولا تقولن له : سمعت فلانا يقول كذا ، ولا أن فلاناً يقول خلافك. ولا تصفن عنده عالماً، ولا تعرض من طول صحبته، ولا ترفع نفسك عن خدمته، وإذا عرضت له حاجة سبقت القوم إليها، فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شئ.
وينبغى أن يحترز الخائض فى العلم فى مبدأ الأمر من الإصغاء إلى اختلاف الناس، فإن ذلك يحير عقله ويفتر ذهنه.
وينبغى له أن يأخذ من كل شئ أحسنه. لأن العمر لا يتسع لجميع العلوم، ثم يصرف جُمَام قوته إلى أشرف العلوم، وهو العلم المتعلق بالآخرة، الذى به يكتسب اليقين الذى حصله
أبو بكر الصديق رضى الله عنه، حتى شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: “ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر فى صدره” فهذه وظائف المتعلم.
سلافة
02-Sep-2009, 12:39 PM
وأما المعلم فعليه وظائف أيضاً:
من ذلك الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه، ولا يطلب على إفاضة العلم أجراً، ولا يقصد به جزاءاً ولا شكراً، بل يعلم لوجه الله تعالى، ولايرى لنفسه منة على المتعلمين، بل يرى الفضل لهم إذ هيؤوا قلوبهم للتقرب إلى الله تعالى بزارعة العلم فيها، فهم كالذي يعير الأرض لمن يزرع فيها.فلا ينبغي أن يطلب المعلم الأجر إلا من الله تعالى. وقد كان السلف يمتنعون من قبول هدية المتعلم.
ومنها أن لا يدخر من نصح المتعلم شيئاً، وأن يزجره عن سوء الأخلاق بطريق التعريض مهما أمكن، لا على وجه التوبيخ، فإن التوبيخ يهتك حجاب الهيبة.
ومنها: أن ينظر فى فهم المتعلم ومقدار عقله، فلا يلقي إليه مالا يدركه فهمه ولا يحيط به عقله.
فقد روي عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم”(( لم يثبت شئ من هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم، وقد روى البخاري في "صحيحه" 1/199 تعليقاً فى العلم: باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا قول علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله، قال الحافظ: وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول :عبد الله بن مسعود فيما رواه الإمام مسلم فى "صحيحه" 1/76 بشرح النووي: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)) .
وقال علي رضي الله عنه: إن هاهنا علماً لو وجدت له حملته.
وقال الشافعي رحمه الله:
أأنثر دراً بين سارحة النعم أأنظم منثوراً لراعية الغنـــم
>ومن منح الجهال علماً أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم
ومنها: أن يكون المعلم عاملاً بعلمه. ولا يكذب قوله فعله. قال الله تعالى:
{أَتَأْمُرونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم وَأَنْتُم تَتْلُونَ الكَتابَ} [البقرة: 44]
وقال علي رضي الله عنه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك.
6ـ فصل فى آفات العلم وبيان علماء السوء وعلماء الآخرة
علماء السوء: هم الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا، والتوصل إلى المنزلة عند أهلها.
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من
الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة” يعنى ريحها.
وفى حديث آخر أنه قال: “من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فهو في النار” رواه الترمذي.
وفى ذلك أحاديث كثيرة.
وقال بعض السلف: أشد الناس ندامة عند الموت عالم مفرط.
واعلم: أن المأخوذ على العالم أن يقوم بالأوامر والنواهي، وليس عليه أن يكون زاهداً ولا معرضاً عن المباحات، إلا أنه ينبغي له أن يتقلل من الدنيا مهما استطاع، لأنه ليس كل جسم يقبل التعلل، فإن الناس يتفاوتون.
وروى أن سفيان الثوري رحمه الله كان حسن المطعم. وكان يقول: إن الدابة إذا لم يحسن إليها في العلف لم تعمل.
وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يصبر من خشونة العيش على أمر عظيم والطباع تتفاوت.
ومن صفات علماء الآخرة أن يعلموا أن الدنيا حقيرة، وأن الآخرة شريفة. وأنهما كالضرتين، فهم يؤثرون الآخرة، ولا تخالف أفعالهم أقوالهم، ويكون ميلهم إلى العلم النافع فى الآخرة، ويجتنبون العلوم التي يقل نفعها إيثاراً لما يعظم نفعه، كما روي عن شقيق البلخي رحمه الله أنه قال لحاتم: قد صحبتني مدة، فماذا تعلمت؟
قال: ثمانية مسائل:
أما الأولى: فإني نظرت إلى الخلق، فإذا كل شخص له محبوب، فإذا وصل إلى القبر فارقه محبوبه، فجعلت محبوبي حسناتي لتكون في القبر معي.
وأما الثانية: فإني نظرت إلى قوله تعالى: {ونهى النفس عن الهوى} [النازعات: 40] فأجهدتها فى دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى.
وأما الثالثة: فإني رأيت كل من معه شئ له قيمة عنده يحفظه، ثم نظرت فى قوله سبحانه وتعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل: 96] فكلما وقع معي شئ له قيمة، وجهته إليه ليبقى لى عنده.
وأما الرابعة: فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف، وليست
بشئ، فنظرت فى قوله الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] فعملت فى التقوى لأكون عنده كريماً.
أما الخامسة: فأنى رأيت الناس يتحاسدون، فنظرت فى قوله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم} [الزخرف: 32] فتركت الحسد.
والسادسة: رأيتهم يتعادون، فنظرت فى قول الله تعالى :{إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً} [فاطر : 6] فتركت عدواتهم واتخذت الشيطان وحده عدواً.
السابعة : رأيتهم يذلون أنفسهم، فنظرت فى قول تعالى :{وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها} [هود : 6] فاشتغلت بما له علي وتركت ما لى عنده.
والثامنة : رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحة أبدانهم، فتوكلت على الله تعالى.
ومن صفات علماء الآخرة :أن يكونوا منقبضين عن السلاطين ، محترزين من مخالطتهم.
قال حذيفة رضى الله عنه : إياكم ومواقف الفتن . قيل : وما هي ؟ قال : أبواب الأمراء ، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ، ويقول ما ليس فيه.
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله : إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء، فاحذروا منه فإنه لص.
وقال بعض السلف: إنك لا تصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينك أفضل منه.
ومن صفات علماء الآخرة : أن لا يسترعوا إلى الفتوى، وأن لا يفتوا إلا بما يتيقنون صحته.
وقد كان السلف يتدافعون الفتوى حتى ترجع إلى الأول.
وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى رحمه الله: أدركت فى هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما أحد يسأل عن حديث أو فتوى إلا وَدَّ أن أخاه كفاه ذلك . ثم قال آل الأمر إلى إقدام أقوام يدعون العلم اليوم ، يقدمون على الجواب في مسائل لو عرضت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه لجمع أهل بدر. واستشارهم.
ومن صفاتهم : أن يكون أكثر بحثهم فى علم الأعمال عما يفسدها ويكدر القلوب ويهيج الوساوس، فإن صور الأعمال قريبة سهلة، وإنما التعب فى تصفيتها.
وأصل الدين : التوقي من الشر، ولا يصح أن يتوقى حتى يعرف.
ومن صفاتهم : البحث عن أسرار الأعمال الشرعية، والملاحظة لحكمها . فان عجز عن الاطلاع على العلة كفاه التسليم للشرع.
ومن صفاتهم : اتباع الصحابة وخيار التابعين، وتوقى كل محدث.
سلافة
02-Sep-2009, 12:45 PM
الربع الأول : ربع العبادات
كتاب : الطهارة وأسرارها والصلاة وما يتعلق بها
اعلم: أن الطهارة لها أربع مراتب:
الأولى : تطهير الظاهر من الأحداث والأنجاس والفضلات.
والثانية : تطهير الجوارح من الذنوب والآثام.
والثالثة : تطهير القلب من الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة.
والرابعة : تطهير السر عما سوى الله تعالى، وهذا هو الغاية القصوى، فمن قويت بصيرته سمت إلى هذا المطلوب، ومن عميت بصيرته لم يفهم من مراتب الطهارة إلا المرتبة الأولى، فتراه يضيع أكثر زمانه الشريف فى المبالغة فى الاستنجاء وغسل الثياب، ظناً منه بحكم الوسوسة وقلة العلم أن الطهارة المطلوبة هي هذه فقط، وجهلاً بسير المتقدمين الذين كانوا يستغرقون الزمان فى تطهير القلوب ويتساهلون فى أمر الظاهر، كما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه توضأ من جرة نصرانية، وكانوا لا يكادون يغسلون أيديهم من الزُّهم (1) ويصلون على الأرض، ويمشون حفاة، ويقتصرون فى الاستجمار على الأحجار.
وقد انتهى الأمر إلى قوم يسمون الرعونة (2) نظافة، فترى أكثر زمانهم يمضى فى تزيين الظواهر، وبواطنهم خراب محشوة بخبائث الكبر، والعجب ، والجهل، والرياء والنفاق . ولو رأوا مقتصرا فى الاستجمار على الحجر ، أو حافياً يمشى على الأرض ، أو من يصلى عليها من غير حائل، أو متوضأ من آنية عجوز، لأنكروا عليه أشد الإنكار ، ولقبوه بالقذر، واستنكفوا من مؤاكلته.
فانظر كيف جعلوا البذاذة (3) التي هي من الإيمان قذارة، والرعونة نظافة، وصيروا المنكر معروفاً، والمعروف منكراً. لكن من قصد بهذه الطهارة النظافة ولم يسرف فى الماء، ولم يعتقد أن استعمال الماء الكثير أصل الدين، فليس ذلك بمنكر، بل هو فعل حسن. وليرجع فى معرفة الأنجاس والأحداث إلى كتب الفقه، فإن المقصود من هذا الكتاب الآداب.
وأما إزالة الفضلات فهي نوعان:
[النوع الأول] : أوساخ تزال ، كالذي يجتمع فى الرأس من الوسخ والدرن، فيستحب تنظيفه بالغسل والترجيل (4) والتدهين لإزالة الشعث ، وكذلك ما يجتمع فى الأذن من الوسخ يستحب إزالته.
ويستحب التسوك والمضمضة لإزالة ما على الاثنان واللسان من القلح (5) ،وكذلك وسخ البراجم (6) والدرن الذى يجتمع على جيمع البدن برشح العرق وغبار الطريق ، وذلك يزيله الغسل.ولا بأس بدخول الحمام، فانه أبلغ فى الإزالة، وقد دخله جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لكن على داخله صيانة عورته من نظر الغير إليها ولمسه إياها . وينبغى للداخل إليه أن يتذكر بحرارته حر النار، فان فكرة المؤمن لا تزال تجول فى كل شئ من أمور الدنيا فيذكر به أمور الآخرة ، لأن الغالب على المؤمن أمر الآخرة، وكل إناء ينضح بما فيه . ألا ترى أنه لو دخل إلى دار -معمورة- بَزَّاز، ونجار، وبناء، وحائك، رأيت البزاز ينظر إلى الفرش يتأمل قيمتها ، والحائك ينظر إلى نسج الثياب، والنجار ينظر إلى سقف الدار والبناء ينظر إلى الحائط، فكذلك المؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور، وإن رأى نعيماً تذكر نعيم الجنة، وإن رأى عذاباً ذكر النار.
ويكره دخول الحمام قريباً من الغروب وبين العشاءين ، فانه وقت انتشار الشياطين.
النوع الثاني من إزالة الفضلات: أجزاء تحذف، مثل قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظافر. ويكره نتف الشيب، ويستحب خضابه.
وبأبقى مراتب الطهارة يأتى فى ربع المهلكات والمنجيات إن شاء الله تعالى.
سلافة
02-Sep-2009, 12:47 PM
1ـ فصل [فى فضائل الصلاة]
وأما الصلاة فإنها عماد الدين وغرة الطاعات. وقد ورد فى فضائل الصلاة أخبار كثيرة مشهورة، ومن أحسن آدابها الخشوع.
وقد روى عن عثمان رضى الله عنه ، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : “ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله “.
وله فى حديث أيضا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “ من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه “.
وكان ابن الزبير رضى الله عنهما إذا قام فى الصلاة كأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذع حائط، وصلى يوماً فى الحِجْر(7) فجاء حجر قذافة (8) فذهب ببعض ثوبه فما انفتل.
وقال ميمون بن مهران : ما رأيت مسلم ين يسار ملتفتاً فى صلاة قط، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدتها، وإنه لفى المسجد يصلى فما التفت، وكان أهل بيته إذا دخل المنزل سكتوا، فإذا قام إلى الصلاة تكلموا وضحكوا.
وكان على بن الحسن رضى الله عنهما إذا توضأ اصفر لونه ، فقيل له : ما هذا الذى يعتادك عند الوضوء ؟ فقال: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم ؟
وأعلم: أن للصلاة أركانا وواجبات وسنناً، وروحها النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب، فان الصلاة تشتمل على أذكار ومناجاة وأفعال ، ومع عدم حضور القلب لا يحصل المقصود بالأذكار والمناجاة، لأن النطق إذا لم يُعِربُ عما فى الضمير كان بمنزلة الهذيان ، وكذلك لا يحصل المقصود من الأفعال، لأنه إذا كان المقصود من القيام الخدمة، ومن الركوع والسجود الذل والتعظيم، ولم يكن القلب حاضراً، لم يحصل المقصود، فان الفعل متى خرج عن مقصوده بقى صورة لا اعتبار بها ، قال الله تعالى: { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } [الحج : 37] والمقصود أن الواصل إلى الله سبحانه وتعالى هو الوصف الذى استولى على القلب حتى حمل على امتثال الأوامر المطلوبة، فلا بد من حضور القلب فى الصلاة، ولكن سامح الشارع فى غفلة تطرأ لأن حضور القلب فى أولها ينسحب حكمه على باقيها.
والمعاني التي تتم بها حياة الصلاة كثيرة.
المعنى الأول:
حضور القلب كما ذكرنا ، ومعناه أن يفرغ القلب من غير ما هو ملابس له ، وسبب ذلك الهمة، فإنه متى أهمك أمر حضر قلبك ضرورة فلا علاج لإحضاره إلا صرف الهمة إلى الصلاة، وانصراف الهمة يقوى ويضعف بحسب قوة الإيمان بالآخرة واحتقار الدنيا، فمتى رأيت قلبك لا يحضر فى الصلاة، فاعلم أن سببه ضعف الإيمان، فاجتهد فى تقويته.
والمعنى الثاني:
التفهم لمعنى الكلام فإنه أمر وراء حضور القلب، لأنه ربما كان القلب حاضراً مع اللفظ دون المعنى ، فينبغي صرف الذهن إلى إدراك المعنى بدفع الخواطر الشاغلة وقطع موادها، فان المواد إذا لم تنقطع لم تنصرف الخواطر عنها.
والمواد، إما ظاهرة: وهى ما يشغل السمع والبصر، وإما باطنة : وهو أشد كمن تشعبت به الهموم فى أودية الدنيا، فإنه لا ينحصر فكره فى فن واحد، ولم يغنه غض البصر، لأن ما وقع فى القلب كاف فى الاشتغال به.
وعلاج ذلك إن كان من المواد الظاهرة، بقطع ما يشغل السمع والبصر، وهو القرب من القبلة، والنظر إلى موضع سجوده ، والاحتراز فى الصلاة من المواضع المنقوشة، وأن لا يترك عنده ما يشغل حسه ، فإن النبى صلى الله عليه وآله وسلم لما صلى فى أبجانية (9) لها أعلام نزعها وقال : “ إنها ألهتني آنفا عن صلاتي.
سلافة
02-Sep-2009, 12:48 PM
وإن كان من المواد الباطنة، فطريق علاجه أن يرد النفس قهراً إلى ما يقرأ فى الصلاة ويشغلها به عن غيره، ويستعد لذلك قبل الدخول فى الصلاة، بأن يقضى أشغاله، ويجتهد فى تفريغ قلبه ويجدد على نفسه ذكر الآخرة وخطر القيام بين يدي الله عز وجل وهول المطلع ، فان لم تسكن الأفكار بذلك ، فليعلم أنه إنما يتفكر فيما أهمه واشتهاه ، فليترك تلك الشهوات وليقطع تكل العلائق.
واعلم: أن العلة متى تمكنت لا ينفعها إلا الدواء القوى، والعلة إذا قويت جاذبت المصلى وجاذبها إلى أن تنقضي الصلاة فى المجاذبة، ومثل ذلك كمثل رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره، وكانت أصوات العصافير تشوش عليه وفى يده خشبة يطيرها بها، فما يستقر فكره حتى تعود العصافير فيشتغل بها، فقيل له : هذا شئ لا ينقطع ، فإن أردت الخلاص فاقطع الشجرة، فكذلك شجرة الشهوة إذا علت وتفرقت أغصانها انجذبت أليها الأفكار كانجذاب العصافير إلى الأشجار والذباب إلى الأقذار ، فذهب العمر النفيس فى دفع ما لا يندفع ، وسبب هذه الشهوات التي توجب هذه الأفكار حب الدنيا.
قيل لعامر بن عبد قيس رحمه الله : هل تحدثك نفسك بشيء من أمور الدنيا فى الصلاة ؟ فقال: لأن تختلف الأسنة في أحبُّ إلي من أجد هذا.
واعلم: أن قطع حب الدنيا من القلب أمر صعب وزواله بالكلية عزيز، فليقع الاجتهاد فى الممكن منه ، والله الموفق والمعين.
وذلك يتولد من شيئين : معرفة جلال الله تعالى وعظمته،ومعرفة حقارة النفس وأنها مستعبدة، فيتولد من المعرفتين: الاستكانة ، والخشوع.
ومن ذلك الرجاء : فانه زائد على الخوف ، فكم من معظم ملكاً يهابه لخوف سطوته كما يرجو بره.
والمصلى ينبغي أن يكون راجياً بصلاته الثواب، كما يخاف من تقصيره العقاب.
وينبغى للمصلى أن يحضر قلبه عند كل شئ من الصلاة، فإذا سمع نداء المؤذن فليمثل النداء للقيامة ويشمر للاجابة، ولينظر ماذا يجيب، وبأي بدن يحضر. وإذا ستر عورته فليعلم أن المراد من ذلك تغطية فضائح بدنه عن الخلق ، فليذكر عورات باطنه وفضائح سره التي لا يطلع عليها إلا الخالق ، وليس لها عنه ساتر ، وأنها يكفرها الندم، والحياء، والخوف.
وإذا استقبل القبلة فقد صرف وجهه عن الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، فصرف قلبه إلى الله تعالى أولى من ذلك ، فكما أنه لا يتوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها، كذلك القلب لا ينصرف إلى الله تعالى إلا بالانصراف عما سواه.إذا كبرت أيها المصلى، فلا يكذبن قلبك لسانك، لأنه إذا كان فى قلبك أكبر من الله تعالى قد كذبت ، فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر بدليل إيثارك موافقته على طاعة الله تعالى. فإذا استعذت، فاعلم أن الاستعاذة هي لجأ الى لله سبحانه، فإذا لم تلجأ بقلبك كان كلامك لغواً ، وتفهم معنى ما تتلو، وأحضر التفهم بقلبك عند قولك: {الحمد لله رب العالمين}، واستحضر لطفه عند قولك : {الرحمن الرحيم}، وعظمته عند قولك : {مالك يوم الدين } , وكذلك فى جميع ما تتلو.
وقد روينا عن زرارة بن أبى أوفى رضى الله عنه أنه قرأ فى صلاته : { فإذا نقر فى الناقور} [المدثر:8] فخر ميتاً، وما ذاك إلا لأنه صور تلك الحال فأثرت عنده التلف.
واستشعر فى ركوعك التواضع ، وفى سجودك الذل، لأنك وضعت النفس موضعها، ورددت الفرع إلى أصله بالسجود على التراب الذى خلقت منه وتفهم منه معنى الأذكار بالدوق.
واعلم: أن أداء الصلاة بهذه الشروط الباطنة سبب لجلاء القلب من الصدأ ، وحصول الأنوار فيه التي بها تتلمح عظمى المعبود، وتطلع على أسراره وما يعقلها إلا العالمون.
فأما من هو قائم بصورة الصلاة دون معانيها، فانه لا يطلع على شئ من ذلك بل ينكر وجوده.
سلافة
02-Sep-2009, 12:49 PM
2ـ فصل في آداب تتعلق بصلاة الجمعة ويوم الجمعة
وهى نحو من خمسة عشر:
أحدها: أن يستعد لها من يوم الخميس وفى ليلة الجمعة، بالتنظيف، وغسل الثياب ، وإعداد ما يصلح لها.
الثاني: الاغتسال فى يومها، كما فى الأحاديث فى “الصحيحين” وغيرهما. والأفضل فى الاغتسال أن يكون قبيل الرواح إليها.
الثالث: التزين بتنظيف البدن، وقص الأظفار، والسواك، وغير ذلك مما تقدم من إزالة الفضلات، ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه.
الرابع: التبكير إليها ماشياً.
وينبغى للساعى إلى الجامع أن يمشى بسكون وخشوع ، وينوى الاعتكاف في المسجد إلى وقت خروجه.
الخامس :أن لا يتخطى رقاب الناس ولا يفرق بين اثنين إلا أن يرى فرجة فيتخطى إليها.
السادس: أن لا يمر بين يدي المصلى.
السابع: أن يطلب الصف الأول، إلا أن يرى منكراً أو يسمعه فيكون له فى التأخر عذراً.
الثامن :أن يقطع النفل من الصلاة والذكر عند خروج الإمام ، ويشتغل بإجابة المؤذن ، ثم بسماع الخطبة.
التاسع: أن يصلى السنة بعد الجمعة إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعاً، وإن شاء ستاً.
العاشر: أن يقيم فى المسجد حتى يصلى العصر، وإن أقام إلى المغرب فهو أفضل.
الحادى عشر: أن يراقب الساعة الشريفة التي فى يوم الجمعة بإحضار القلب وملازمة الذكر.واختلف في هذه الساعة، ففى أفراد مسلم من حديث أبى موسى رضى الله عنه : أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ((أخرجه مسلم (852) فى الجمعة : باب فى الساعة التي فى يوم الجمعة من حديث بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبى بردة بن أبى موسى، عن أبى موسى. وقد أعل بالانقطاع والاضطراب ، أما الانقطاع، فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبية ... " أما الإضراب، فقد رواه أبو إسحاق وواصل الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم عن أبى بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة وأبو بردة كوفى، فهم أعلم بحديثه من بكير المدني، وهم عدد وهو واحد، ولذا جزم الدار قطني بأن الموقوف هو الصواب، وحديث جابر أنها أخر ساعة بعدى العصر أخرجه أبو داود (1048) والنسائي 3/93،100 وسنده جيد، وصححه الحاكم 1/279 ووافقه الذهبى، وصححه أيضا النووي وحسنه الحافظ ابن حجر ، ويشهد له حديث أنس الذى أورده المؤلف بعده )) وفى حديث آخر: هي ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن تقضى الصلاة. وفى حديث جابر رضى الله عنه : أنها آخر ساعة بعد العصر. وفى حديث أنس رضى الله عنه قال : التمسوها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو بكر الأثرم رحمه الله : لا تخلو هذه الأحاديث من وجهين : إما أن يكون بعضها أصح من بعض، وإما أن تكون هذه الساعة تنتقل فى الأوقات كتنقل ليلة القدر فى ليالي العشر.
الثاني عشر: أن يكثر من الصلاة على النبى صلى الله عليه وآله وسلم فى هذا اليوم ، فقد روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : “ من صلى على فى يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله ذنوب ثمانين سنة “
وحديث أبى بن كعب قلت : يارسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعلك لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع ؟ قال : ما شئت وإن زدت فهو خير، قلت : النصف ، قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير، قلت: الثلثين ، قال : ما شئت ، وإن زدت فهو خير، قلت : النصف، قال ما شئت ، وإن زدت فهو خير لك، قلت : أجعل لك صلاتي كلها، قال : إذاً تكفى همك. ويغفر لك ذنبك" أخرجه الترمذى (2459) وهو حديث صحيح خرجناه فى "جلاء الأفهام فى الصلاة على خير الأنام" لابن القيم طبع مكتبة دار البيان بدمشق . صفحة 45))).
وإن أحب زاد فى الصلاة عليه الدعاء له، كقوله : اللهم آت محمداًالوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذى وعدته، اللهم اجز نبينا عنا ما هو أهله “.
وليضف إلى الصلاة الاستغفار ، فانه مستحب فى ذلك اليوم.
الثالث عشر: أن يقرأ سورة الكهف ، فقد جاء فى حديث من رواية عائشة رضى الله عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : “ ألا أحدثكم بسورة ملأ عظمها ما بين السماء والأرض،ولكاتبها من الأجر مثل ذلك ، ومن قرأها يوم الجمعة غفر له ما بينها وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ، ومن قرأ الخمس الأواخر منها عند نومه بعثه الله تعالى أي الليل (10) " شاء” قالوا : بلى يا رسول الله : قال “ سورة الكهف”
وروى فى حديث آخر : “ أن من قرأها فى يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وفى الفتنة”.
ويستحب أن يكثر من قراءة القرآن فى يوم الجمعة، وأن يختم فيه أو فى ليلة الجمعة إن قدر.
الرابع عشر: أن يتصدق فى يوم الجمعة بما أمكن، ولتكن صدقته خارج المسجد.
ويستحب أن يصلى صلاة التسبيح فى يوم الجمعة.
الخامس عشر : يستحب أن يجعل يوم الجمعة لأعمال الآخرة، ويكف عن جميع أشغال الدنيا.
سلافة
02-Sep-2009, 12:50 PM
3ـ فصل فى ذكر النوافل
اعلم : أن ما عدا الفرائض من الصلاة ثلاثة أقسام:
سنن، ومستحبات ،وتطوعات.
ونعنى بالسنة: ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المواظبة عليه، كالرواتب عقيب الفرائض والوتر والضحى.
ونعنى بالمستحب : ما ورد الخبر بفضله ولم ينقل بالمواظبة عليه ، كالصلاة عند دخول المنزل والخروج منه.
ونعنى بالتطوعات : ما وراء ذلك مما لم يرد به خبر، لكن العبد يتطوع بفعله، وتسمى هذه الأقسام الثلاثة: نوافل، لأن النفل هو زيادة، وهذه زيادة على الفرائض.
واعلم: أن أفضل تطوعات البدن : الصلاة.
وأقسام النوافل وفضائلها مشهورة مذكورة فى كتب الفقه وغيرها ، لكن نذكر منها صلاة التسبيح، لأنها قد تخفى صفتها على بعض الناس.
فروى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للعباس “ يا عماه : ألا أعطيك ، ألا أعلمك - وذكر الحديث إلى أن قال-: “ تصلى أربع ركعات، تقرأ فى كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة فى أول ركعة وأنت قائم قلت : سبحان الله ، والحمد لله، ولا إله إلا الله ، والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك عن الركوع فتقولها عشراً، ثم تهوى ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً ،ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً قبل أن تقوم ، فذلك خمس وسبعون ، تفعل ذلك فى أربع ركعات إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل، ففى كل جمعة مرة، فإن لم تفعل، ففى كل شهر مرة ، فإن لم تفعل ففى كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففى عمرك مرة”.
4ـ فصل [فى أوقات النهى عن الصلاة]
ولا يتطوع فى أوقات النهى بصلاة لا سبب لها كصلاة التسبيح، لأن النهى مؤكد فيها عن الصلاة، وهذه الأشياء ضعيفة فلا تقاومه. وأما ما له سبب، كتحية المسجد، وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، فعلى روايتين.
واعلم : أن النهى عن الصلاة فى الأوقات الثلاثة له ثلاثة أسرار.
أحدها: ترك التشبه بعباد الشمس.
الثاني: التحذير من السجود لقرن الشيطان ، فإن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان ، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زلت الشمس فارقها، فإذا تضيفت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها.
الثالث: إن سالكي طريق الآخرة مواظبون على العبادات ، والمواظبة على نمط واحد يورث الملل ، فإذا وقع المنع زاد النشاط، لأن النفس حريصة على ما منعت منه، فمنع الإنسان من الصلاة فى أوقات النهى ، ولم يمنع من نوع آخر من التعبد، كالقراءة، والتسبيح لينتقل العابد من حال إلى حال، كما جعلت الصلاة متنوعة بين قيام وقعود وركوع وسجود، والله أعلم.
سلافة
02-Sep-2009, 12:57 PM
الربع الأول : ربع العبادات
كتاب الزكاة وأسرارها
الزكاة:أحد مباني الإسلام، وقد قرنها الله سبحانه وتعالى بالصلاة، فقال تعالى: { وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة } [البقرة : 43]
أما أنواع الزكاة، وأقسامها، وأسباب وجوبها، فظاهر مشهور في مظانه من كتب الفقه، وانما نذكر هاهنا بعض الشروط والآداب.
فمن الشروط أن يخرج المنصوص عليه ، ولا يخرج القيمة في الصحيح، فإن من أجاز إخراج القيمة إنما تلمح سد الخلة فقط، وسد الخلة ليس هو كل المقصود بل بعضه، فإن واجبات الشرع ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تعبد محض، كرمى الجمار، فمقصود الشرع فيه الابتلاء، بالعمل ليظهر عبودية العبد بفعل ما لا يعقل له معنى، لأن ما يعقل معناه يساعد عليه الطبع ويدعو إليه، فلا يظهر خلوص العبودية به ، بخلاف ما ذكرنا.
والقسم الثاني: عكس ذلك ، وهو ما لا يقصد منه التعبد، بل المقصود منه حضُّ محض ، كقضاء دين الآدميين، ورد المغصوب ونحو ذلك، وكذلك لا تعتبر فيه النية ولا الفعل ، بل كيفما وصل الحق إلى مستحقه حصل المقصود وسقط خطاب الشرع، فهذان قسمان لا تركيب فيهما.
وأما القسم الثالث: فهو المركب، وهو أن يقصد منه الأمران جميعاً : امتحان المكلف، وحظ العباد، فيجتمع فيه تعبد رمى الجمار، وحظ رد الحقوق، فلا ينبغي أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد، ولعل الأدق هو الأهم، والزكاة من هذا القبيل، فحظ الفقير مقصود في سد الخلة، وحق التعبد مقصود الشرع في اتباع التفاصيل، وبهذا الاعتبار صارت الزكاة قرينة للصلاة والحج، والله أعلم.
1ـ فصل في دقائق الآداب الباطنة في الزكاة
اعلم: أن على مريد الآخرة في زكاته وظائف:
الأولى: أن يفهم المراد من الزكاة ، وهو ثلاثة أشياء : ابتلاء مدعى محبة الله تعالى بإخراج محبوبه، والتنزه عن صفة البخل المهل، وشكر نعمة المال.
الوظيفة الثانية: الإسرار بإخراجها لكونه أبعد من الرياء والسمعة، وفى الإظهار إذلال للفقير أيضاً، فان خاف أن يتهم بعدم الإخراج أعطى من لا يبالى من الفقراء بالأخذ بين الجماعة علانية، وأعطى غيره سراً.
الوظيفة الثالثة : أن لا يفسدها المن والأذى، وذلك أن الإنسان إذا رأى نفسه محسناً إلى الفقير، منعماً بالإعطاء، ربما حصل منه ذلك، ولو حقق النظر لرأى الفقير محسناً إليه بقبول حق الله الذي هو طهرة له.
وإذا استحضر مع ذلك أن إخراجه للزكاة شكر لنعمة المال، فلا يبقى بينه وبين الفقير معاملة. ولا ينبغي أن يحتقر الفقير لفقره، لأن الفضل ليس بالمال ولا النقص بعدمه.
الوظيفة الرابعة: أن يستصغر العطية، فإن المستعظم للفعل معجب به . وقد قيل: لا يتم المعروف إلا بثلاث : بتصغيره، وتعجيله، وستره.
الوظيفة الخامسة: أن ينتقى من ماله أحله وأجوده وأحبه إليه، أما الحل، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً . وأما الأجود. فقد قال الله تعالى : { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267].
وينبغى أن يلاحظ في ذلك أمرين: أحدهما : حق الله سبحانه وتعالى بالتعظيم له، فانه أحق من اختير له، ولو أن الإنسان قدم إلى ضيفه طعاماً رديئاً لأوغر صدره.
والثاني: حق نفسه، فان الذي يقدمه هو الذي يلقاه غداً في القيامة، فينبغي أن يختار الأجود لنفسه.
وأما أحبه إليه، فلقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران : 92].
سلافة
02-Sep-2009, 12:59 PM
وكان ابن عمر رضى الله عنهما إذا اشتد حبه لشيء من ماله قربه لله عز وجل وروى : أنه نزل الجحفة وهو شاك ،فقال : إني لأشتهى حيتاناً، فالتمسوا له فلم يجدوا حوتا، فأخذته امرأته فصنعته ثم قربته إليه ، فأتى بمسكين، فقال ابن عمر رضى الله عنه: خذه، فقال له أهله سبحان الله ، قد عنيتنا ومعنا زاد نعطيه، فقال: إن عبد الله يحبه.
وروى أن سائلا وقف بباب الربيع بن خثيم رحمة الله عليه فقال: أطعموه سكراً، فقالوا : نطعمه خبزاً أنفع له فقال: ويحكم أطعموه سكراً، فإن الربيع يحب السكر.
الوظيفة السادسة: أن يطلب لصدقته من تزكو به ، وهم خصوص من عموم الأصناف الثمانية، ولهم صفات:الأولى: التقوى ، فليخص بصدقته المتقين ، فإنه يرد بها هممهم إلى الله تعالى.
وقد كان عامر بن عبد الله بن الزبير يتخير العباد وهم سجود، فيأتيهم بالصرة فيها الدنانير والدراهم، فيضعها عند نعالهم بحيث يحسون بها ولا يشعرون بمكانه، فقيل له: ما يمنعك أن ترسل بها إليهم؟ فيقول: أكره أن يتمعر وجه أحدهم إذا نظر إلى رسول أو لقيني.
الثانية : العلم، فإن في إعطاء العالم إعانة على العلم ونشر الدين، وذلك تقوية للشريعة.
الثالثة: أن يكون ممن يرى الإنعام من الله وحده، ولا يلتفت إلى الأسباب إلا بقدر ما ندب إليه من شكرها ، فأما الذي عادته المدح عند العطاء، فانه سيذم عند المنع.
الرابعة : أن يكون صائناً لفقرة، ساترا لحاجته، كاتما للشكوى، كما قال تعالى:{يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} [البقرة : 273].
وهؤلاء لا يحصلون في شبكة الطالب إلا بعد البحث عنهم، وسؤال أهل كل محلة عمن هذه صفته.
الخامسة : أن يكون ذا عائلة ، أو محبوساً لمرض أو دين ، فهذا من المحصرين ، والتصدق عليه إطلاق لحصره.
السادسة: أن يكون من الأقارب وذوى الأرحام، فإن الصدقة عليهم صدقة وصلة، ولك من جمع من هذه الخلال خلتين أو أكثر، كان إعطاؤه أفضل على قدر ما جمع.
2ـ فصل في آداب القابض
لابد أن يكون آخذ الزكاة من الأصناف الثمانية، وعليه في ذلك وظائف.
[الوظيفة الأولى]: أن يفهم أن الله تعالى إنما أوجب صرف الزكاة إليه ليكفيه ما أهمه ، ويجعل همومه هماً واحداً في طلب رضى الله عز وجل.
[الوظيفة الثاني] أن يشكر المعطى ويدعو له ويثنى عليه، وليكن ذلك بمقدار شكر السبب، فان من لم يشكر الناس لم يشكر الله ، كما ورد في الحديث.
ومن تمام الشكر أن لا يحتقر العطاء وإن قل، ولا يذمه، ويغطى ما فيه من عيب. وكما أن وظيفة الُمعطي الاستصغار فوظيفة المعطى الاستعظام، وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمى من الله عز وجل. فإن من لا يرى الواسطة واسطة ، فهو جاهل ، وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلاً.
الوظيفة الثالثة: أن ينظر فيما يعطاه، فان لم يكن حِلًّ لم يأخذه أصلاً، لأن إخراج مال الغير ليس بزكاة، وإن كان من شبهة تورع عنه ، إلا أن يضيق عليه الأمر، فمن كان أكثر كسبه حراماً، فأخرج الزكاة ولم يعرف لما أخرجه مالك معين، كانت الفتوى فيه أن يتصدق به (1).
الوظيفة الرابعة: أن يتوقى مواقع الشبه في قدر ما يأخذ ، فيأخذ القدر المباح له، ولا يأخذ أكثر من حاجته. فان كان غارماً لم يزد على مقدار الدين ، أو غازياً لم يأخذ إلا مقدار ما يحتاج إليه، وإن أخذ بالمسكنة أخذ قدر حاجته دون ما يتسغنى عنه، وكل ذلك موكول إلى اجتهاده والورع ترك ما يريب.
واختلف العلماء في قدر الغنى المانع من الزكاة، والصحيح فيه أن يكون له كفاية على الدوام، إما من تجارة، أو صناعة، أو أجر عقار، أو غير ذلك، وإن كان له بعض الكفاية أخذ ما يتممها، وإن لم يكن له ذلك أخذ ما يكفيه.
وليكن ما يأخذه بقدر ما يكفى سنته ولا يزيد على ذلك ، وإنما اعتبر بالسنة، لأنها
إذا ذهبت جاء وقت الأخذ، وإذا أخذ الأكثر منها ضيق على الفقراء.
سلافة
02-Sep-2009, 01:00 PM
3ـ فصل في صدقة التطوع وفضلها وآدابها
أما فضائل الصدقة فهي كثيرة مشهورة:
منها: ماروى البخاري من حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا : يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم ، ومال وارثه ما أخر".
وفى الصحيحين "من رواية أبى هريرة رضى الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال” من تصدق بعدل (2) " ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه (3)((أي المهر الصغير. وقيل : الصغير من أولاد ذوات الحافر))" " حتى تكون مثل الجبل".
وفى حديث آخر :" إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتقى ميتة السوء".
وفى حديث آخر: " تصدقوا فإن الصدقة فكاككم من النار"(4)
وعن بريدة رضى الله عنه قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما يخرج أحد شيئاً من الصدقة حتى يفك عنه لحى سبعين شيطاناً".
وروى أن راهباً تعبد في صومعة ستين سنة، ثم نزل يوماً ومعه رغيف، فعرضت له امرأة فتكشفت له ، فوقع عليها، فأدركه الموت وهو على تلك الحال، وجاء سائل فأعطاه الرغيف ومات ، فجئ بعمل ستين سنة ، فوضع في كفة وخطيئته في كفة، فرجحت بعمله، حتى جئ بالرغيف فوضع مع عمله ، فرجح بخطيئته.
وفى أفراد مسلم، من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " ما نقصت صدقة من مال ".
وروى عن عائشة رضى الله عنها أنهم ذبحوا شاة فقال النبى صلى الله عليه وآلة وسلم : " ما بقى منها؟ فقالت : ما بقى منها إلا كتفها، فقال : " بقى كلها إلا كتفها".
وأما آدابها ، فنحو ما تقدم في الزكاة.
واختلفوا: أيما أفضل للفقير، أن يأخذ من الزكاة ، أو من الصدقة . فقال قوم: من الزكاة أفضل ،وقال آخرون من الصدقة أفضل.
وأما أفضل الصدقة فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: " سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أي الصدقة أفضل؟ قال: " أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى ، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ، ولفلان كذا ، وقد كان لفلان" أخرجاه في " الصحيحين".
سلافة
02-Sep-2009, 02:06 PM
الربع الأول : ربع العبادات
كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به
أعلم: أن في الصوم خصيصة ليست فى غيره، وهى إضافته إلى الله عز وجل حيث يقول سبحانه (1): " الصوم لى وأنا أجزى به"، وكفى بهذه الإضافة شرفاً ، كما شرف البيت بإضافته إليه فى قوله : { وطهر بيتي } [الحج : 26]. وإنما فضل الصوم لمعنيين:
أحدهما: أنه سر وعمل باطن ، لا يراه الخلق ولا يدخله رياء.
الثاني: أنه قهر لعدو الله، لأن وسيلة العدو الشهوات، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب، وما دامت أرض الشهوات مخصبة، فالشياطين يترددون الى ذلك المرعى، وبترك الشهوات تضيق عليهم المسالك . وفى الصوم أخبار كثيرة تدل على فضله وهى مشهورة.
1ـ فصل فى سنن الصوم
يستحب السحور، وتأخيره، وتعجيل الفطر، وأن يفطر على التمر.
ويستحب الجود في رمضان، وفعل المعروف ، وكثرة الصدقة، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ويستحب دراسة القرآن ، والاعتكاف فى رمضان : لا سيما فى العشر الأواخر، وزيادة الاجتهاد فيه.
وفى "الصحيحين" من حديث عائشة رضى الله عنها قالت : كان النبى صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل العشر [يعنى الأخير]، شد مئزره، وأحيا الليل، وأيقظ أهله. وذكر العلماء في معنى شد المئزر وجهين:
أحدهما : أنه الإعراض عن النساء.
الثاني: أنه كناية عن الجد والتشمير فى العمل . قالوا : وكان سبب اجتهاده فى العشر طلب ليلة القدر.
2ـ بيان أسرار الصوم وآدابه
وللصوم ثلاث مراتب : صوم العموم. وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.
فأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة.
وأما صوم الخصوص: فهو كف النظر ، واللسان، واليد، والرجل ، والسمع ، والبصر، وسائر الجوارح عن الآثام.
وأما صوم خصوص الخصوص: فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة، والأفكار المبعدة عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية، وهذا الصوم له شروح تأتى فى غير هذا الموضع.
من آداب صوم الخصوص: غض البصر، وحفظ اللسان عما يؤذى من كلام محرم أو مكروه ، أو ما لا يفيد ، وحراسة باقي الجوارح.
وفى الحديث من رواية البخارى، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه (2)((المعنى أن الله لا يبالى بعلمه ولا ينظر إليه، لانه أمسك عما أبيح له فى غير وقت الصوم ولم يمسك عما حرم عليه فى سائر الأحايين)) "
ومن آدابه : أن لا يمتلئ من الطعام فى الليل، بل يأكل بمقدار ، فانه ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن. ومتى شبع أول الليل لم ينتفع بنفسه فى باقيه، وكذلك إذا شبع وقت السحر لم ينتفع بنفسه إلى قريب من الظهر، لأن كثرة الأكل تورث الكسل والفتور، ثم يفوت المقصود من الصيام بكثرة الأكل ، لأن المراد منه أن يذوق طعم الجوع، ويكون تاركا للمشتهى.
فأما صوم التطوع، فاعلم أن استحباب الصوم يتأكد فى الأيام الفاضلة، وفواضل الأيام بعضها يوجد فى كل سنة، كصيام ستة أيام من شوال بعد رمضان، وكصيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء، وعشر ذي الحجة، والمحرم.وبعضها يتكرر في كل شهر، كأوله، وأوسطه ، وآخره، فمن صام أول الشهروأوسطه وآخره فقد أحسن . غير أن الأفضل أن يجعل الثلاثة أيام البيض.
وبعضها يتكرر في كل أسبوع وهو يوم الاثنين، ويوم الخميس.وأفضل صوم التطوع صوم داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وذلك يجمع الثلاثة معان:
أحدها: أن النفس تعطى يوم الفطر حظها، وتستوفى فى يوم الصوم تعبدها، وفى ذلك جمع بين ما لها وما عليها، وهو العدل
والثاني: أن يوم الأكل يوم شكر، ويوم الصوم يوم صبر، والإيمان نصفان : شكر وصبر.
والثالث: أنه أشق على النفس من المجاهدة، لأنها كلما أنست بحالة نقلت عنها. فأما صوم الدهر: ففى أفراد مسلم من حديث أبى قتادة رضى الله عنه أن عمر رضى الله عنه سأل النبى صلى الله عليه وآله وسلم فقال : كيف بمن يصوم الدهر كله؟ فقال: " لا صام ولا أفطر أولم يصم ولم يفطر" وهذا محمول على سرد الصوم فى الأيام المنهي عن صيامها: فأما إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق فلا بأس بذلك.فقد روى عن هشام بن عروة رحمه الله أن أباه كان يسرد الصوم، وكانت عائشة رضى الله عنها تسرد.وقال أنس بن مالك رضى الله عنه ، سرد أبو طلحة الصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعين عاماً.
واعلم: أن من رزق فطنة، علم المقصود بالصوم، فحمل نفسه قد ما لا يعجزه عما هو أفضل منه.
فقد كان ابن مسعود قليل الصوم، وكان يقول : إذا صمت ضعفت عن الصلاة وأنا أختار الصلاة على الصوم.وكان بعضهم إذا صام ضعف عن قراءة القرآن، فكان يكثر الفطر حتى يقدر على التلاوة، وكل إنسان أعلم بحاله وما يصلحه .
سلافة
02-Sep-2009, 02:09 PM
الربع الأول : ربع العبادات
كتاب الحج وأسراره وفضائله وآدابه
ينبغي لمن أراد الحج أن يبدأ بالتوبة، ورد المظالم، وقضاء الديون ، وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع .
ويستصحب من المال الحلال ما يكفيه لذهابه ورجوعه من غير تقتير، على وجه يمكنه معه التوسع بى الزاد، والرفق بالفقراء.ويستصحب ما يصلحه كالسواك ، والمشط والمرآة، والمكحلة.ويتصدق شئ قبل خروجه وإذا اكترى فليظهر للجمال كل ما يريد أن يحمله من قليل وكثير. وقد قال رجل لابن المبارك: احمل لى هذه الرقعة إلى فلان. فقال: حتى أستأذن الجمال. وينبغى أن يلتمس رفيقا صالحاً محباً للخير معيناً عليه، إن نسى ذكره ، وإن ذكر أعانه، وإن ضاق صدره صبره.
وليؤمر الرفقاء عليهم أحسنهم خلقاً، وأرفقهم بالأصحاب ، وإنما احتيج إلى التأمير لأن الآراء تختلف، فلا ينتظم التدبير، وعلى الأمير الرفق بالقوم ، والنظر في مصالحهم، وأن يجعل نفسه وقاية لهم.
وينبغى للمسافر تطيب الكلام، وإطعام الطعام، وإظهار محاسن الأخلاق، فإن السفر يخرج خفايا الباطن، ومن كان في السفر آذى هو مظنة الضجر حِسنَ الخلق، كان في الحضر أحسن خلقاً.
وقد قيل : إذا أثنى على الرجل معاملوه بى الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في صلاحه.
وينبغى له أن يودَّع رفقاءه وإخوانه المقيمين، ويلتمس أدعيتهم ، ويجعل خروجه بكرة يوم الخميس، وليصل بى منزله ركعتين قبل الخروج منه ويستودع أهله وماله، ويستعمل الأدعية والأذكار والمأثورة عند خورجه من منزله، وفى ركوبه ونزوله، وهى مشهورة صفى كثير من الكتب في مناسك الحج، وكذلك جميع المناسك من الإحرام، والطواف والسعى، والوقوف بعرفة، وغير ذلك من أعمال الحج يأتى فيها بما ذكر من الأذكار والدعوات والآداب ، وكل ذلك مستوفى في كتب الفقه وغيرها، فليطلب هناك.
1ـ فصل في الآداب الباطنة والإشارة إلى أسرار الحج.
اعلم : أنه لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتجرد والانفراد لخدمته، وقد كان الرهبان ينفردون في الجبال طلباً للأنس بالله، فجعل الحج رهبانية لهذه الأمة.
فمن الآداب المذكورة، أن يكون خالياً في حجه من تجارة تشغل قلبه وتفرق همه، ليجتمع على طاعة الله تعالى، وأن يكون أشعث أغبر، رث الهيئة، غير مستكثر من الزينة.
وينبغى أن يتجنب ركوب المحمل إلا من عذر، كمن لا يستمسك على الزاملة (1)
فإن النبى صلى الله عليه وآله وسلم حج على راحلة وتحته رحل رث.
وفى حديث جابر رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن الله عز وجل يباهى بالحاج الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادى ، أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، أشهدكم أنى قد غفرت لهم".
وقد شرف الله تعالى بيته وعظمه، ونصبه مقصداً لعباده، وجعل ما حوله حرماً له تفخيماً لأمره، وتعظيماً لشأنه، وجعل عرفة كالميدان على فنائه.
واعلم : أن في كل واحد من أفعال الحج تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر.
فمن ذلك : أن يتذكر بتحصيل الزاد زاد الآخرة من الأعمال، وليحذر أن تكون أعماله فاسدة من الرياء والسمعة فلا تصحبه ولا تنفعه، كالطعام الرطب الذي يفسد في أول منازل السفر ، فيبقى صاحبه وقت الحاجة متحيراً ، فإذا فارق وطنه ودخل البادية وشهد تلك العقبات ، فليتذكر بذلك خروجه من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وما بينهما من الأهوال.
ومن ذلك: أن يتذكر وقت إحرامه وتجرده من ثيابه ، إذا لبس المحرم الإحرام لبس كفنه، وأنه سيلقى ربه على جزى مخالف لزي أهل الدنيا، وإذا لبى فليستحضر بتلبيته إجابة الله تعالى إذ قال: { وأذن في الناس بالحج } [ الحج :27 ]،وليرج القبول، وليخش عدم الإجابة ، وكذلك إذا وصل إلي الحرم ينبغي أن يكون الرجاء غالباً ، لأن الكرم عميم، وحق الزائر مرعى، وذمام المستجير لا يضيع.
ومن ذلك : إذا رأى البيت الحرام استحضر عظمته في قلبه، وشكر الله تعالى على تبليغه رتبة الوافدين إليه ، وليستشعر عظمة الطواف به ، فإنه صلاة، ويعتقد عند استلام الحجر أنه مبايع لله على طاعته ، ويضم إلى ذلك عزيمته على الوفاء بالبيعة، وليتذكر بالتعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم لجأ المذنب إلى سيده وقرب المحب.
وأنشد بعضهم في ذلك:
ستور بيتك نيل الأمن منك وقد علقتها مستجيراً أيها الباري
وما أظنك لما أن علقت بها خوفاً من النار تنجيني من النار
وها أنا جار بيت أنت قلت لنا حجوا إليه وقد أوصيت بالجار
ومن ذلك : إذا سعى بين الصفا والمروة، ينبغي أن يمثلها بكفتي الميزان، وتردده بينهما شفى عرصات القيامة، أو تردد العبد إلى باب دار الملك، إظهاراً لخلوص خدمته ، ورجاء الملاحظة بعين رحمته ، وطمعاً في قضاء حاجته.
وأما الوقوف بعرفة: فاذكر بما ترى فيه من ازدحام الخلق، وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم موقف القيامة، واجتماع الأمم في ذلك الموطن ، واستشفاعهم.
فإذا رميت الجمار: فاقصد بذلك الانقياد للأمر، وإظهار الرق والعبودية، ومجرد الامتثال من غير حظ النفس.
وأما المدينة: فإذا لاحت لك فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وشرع إليها هجرته، وجعل فيها بيته، ثم مثل في نفسك مواضع أقدام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند تردده فيها ، وتصور خشوعه وسكينته، فإذا قصدت زيارة القبر ، فأحضر قلبك والهيبة له، ومثل صورته الكريمة في خيالك، واستحضر عظيم مرتبته في قلبك، ثم سلم عليه، واعلم انه عالم بحضورك وتسليمك، كما ورد في الحديث.
سلافة
02-Sep-2009, 02:27 PM
الربع الأول : ربع العبادات
كتاب آداب القرآن الكريم وفضله
أعظم فضائل القرآن الكريم أنه كلام الله عز وجل، وقد مدحه الله تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك }[الأنعام : 92] { إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم } [الإسراء:9] { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } [فصلت : 42].
وفى أفراد البخاري، من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
وعن أنس رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن لله عز وجل أهلين من الناس ، قيل: من هم يارسول الله ؟ قال : أهل القرآن هم أهل الله (1) وخاصته " رواه النسائي.وفى حديث آخر، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : " لا يعذب الله قلباً وعى القرآن (2) ".
وعن ابن عمر رضى الله عنهما، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: " يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فان منزلتك عن آخر آية تقرؤها" صححه الترمذى.
وعن بريدة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب ، فيقول : هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول : أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر (3) وأسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنى لك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك (4) بيمينه، والخلد (5) بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والده حلتين لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان : بما كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد بى درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما كان يقرأ، هذا كان (6) أو ترتيلاً (7).قال ابن مسعود رضى الله عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون.ولا ينبغي أن يكون جافياً ولا غافلاً ولا صخاباً (8) ولا حديداً. قال الفضيل رحمه الله : حامل القرآن حامل راية الإسلام ، لا ينبغي أن يلغو مع من يلغو ، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو ، تعظيماً لله تعالى.ولا ينبغي أن يكون له إلى أحد حاجة، بل ينبغي أن تكون حوائج الناس إليه.وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : رأيت رب العزة بى المنام ، فقلت : يا رب ، ما أقرب ما يتقرب به إليك المتقربون ؟ فقال : بكلامي يا أحمد، فقلت: يارب بفهم أو بغير فهم ؟ فقال: بفهم وبغير فهم.
سلافة
02-Sep-2009, 02:54 PM
1ـ فصل في آداب التلاوة
ينبغي لقارئ القرآن أن يكون على وضوء، مستعملاً للأدب ، مطرقاً غير متربع ولا متكئ، ولا جالس على هيئة المتكبر (9).
وأفضل الأحوال : أن يقرأ في الصلاة قائماً ، وأن يكو في المسجد.
فأما مقدار القراءة، فقد اختلفت فيها عادات السلف، فمنهم من كان يختم كل يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختم في اليوم والليلة أكثر رأيتهم ذلك، ومنهم من كان يختم في ثلاث ختمة ومنهم من كان يختم في كل أسبوع، ومنهم من كان يختم في كل شهر، اشتغالا بالتدبر أو بنشر العلم، أو بتعليمه، أو بنوع من التعبد غير القراءة ، أو بغيره من اكتساب الدنياوأولى الأمر: ما لا يمنع الإنسان من أشغاله المهمة، ولا يؤذيه في بدنه، ولا يفوته معه الترتيل والفهم.قال ابن عباس رضى الله عنهما: لأن أقرأ البقرة وآل عمران، وأرتلهما وأتدبرهما أحب إلى من أن اقرأ القرآن كله هذرمة (10) من وجد خلسة في وقت، فليغتنم كثرة القراءة ليفوز بكثرة الثواب، فقد كان عثمان رضى الله عنه يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها، وكان الشافعي رحمه الله يختم في رمضان ستين ختمه.
وأما الدوام: فليكن على قدر الإمكان، كما أشرنا إليه.
واستحب بعضهم إذا ختم بالنهار أن يختم في ركعتي الفجر أو بعدهما، وإذا ختم بالليل أن يختم في ركعتي المغرب أو بعدهما ليستقبل بالختمة أول الليل وأول النهار.وقال ابن مسعود رضى الله عنه: من ختم القرآن فله دعوة مستجابة .وكان أنس رضى الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا.
2ـ فصل [في تحسين الصوت]
ويستحب تحسين القراءة، وإذا لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع، فأما القراءة بالألحان، فقد كرهها السلف.ويستحب الإسرار بالقراءة. وقد جاء في الحديث: " فضل قراءة السر على قراءة العلانية كفضل صدقة السر على صدقة العلانية" (11) ، إلا أنه ينبغي أن يسمع نفسه.ولا بأس بالجهر في بعض الأوقات لمقصود صحيح، إما لتجويد الحفظ، أو
ليصرف عن نفسه الكسل والنوم، أو ليوقظ الوسنان (12).
فأما حكم القراءة في الصلاة، ومقدار ما يقرأ في صلاة الفرض، وموضع الجهر والإسرار فذلك معروف مشهور في كتب الفقه.ومن كان عنده مصحف ينبغي له أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة لئلا يكون مهجورأ.وينبغى لتالي القرآن العظيم أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه بى إيصال معاني كلامه إلى أفهامهم، وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من القراءة، وإن لم يحصل التدبر إلا بترداد الآية، فليرددها، فقد روى أبو ذر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قام ليلة بآية وهى قوله تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الجاثية:21] وكذلك قام بها الربيع بن خثيم رحمة الله عليه ليلة.وينبغى للتالي أن يستوضح من كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك، فإذا تلا قوله تعالى: {خلق السموات والأرض} [ الأنعام:1] فليعلم عظمته ويتلمح قدرته في كل ما يراه.وإذا تلا: {أفرأيتم ما تمنون} [الواقعة: 58] فليتفكر في نطفة متشابهة الأجزاء، كيف تنقسم إلى لحم وعظم، وعرق وعصب، وأشكال مختلفة من رأس ويد، ورجل، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة كالسمع، والبصر، والعقل، وغير ذلك، فيتأمل هذه العجائب.وإذا تلا أحوال المكذبين فليستشعر الخوف من السطوة إن غفل عن امتثال الأمر.
وليتخلى التالي من موانع الفهم، مثل أن يخيل الشيطان إليه أنه ما حقق تلاوة الحرف ولا أخرجه من مخرجه، فيكرره التال، فيصرف همته عن فهم المعنى.ومن ذلك أن يكون التالي مصراً على ذنب، أو متصفاً بكبر، أو مبتلى بهوى مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصداه، فهو كالجرب على المرآة، يمنع من تجلى الحق، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل الجلاء للمرآة.
وينبغى لتالي القرآن أن يعلم أنه مقصود بخطاب القرآن ووعيد، وأن القصص لم يرد بها السمر(13) بل العبر، فليتنبه لذلك، فحينئذ يتلو تلاوة عبد كاتبه سيده بمقصود.
وليتأمل الكتاب ويعمل بمقتضاه، فإن مثل العاصي إذا قرأ القرآن وكرره، كمثل من كرر كتاب الملك وأعرض عن عمارة مملكته وما أمر به في الكتاب فهو مقتصر على دراسته، مخالف أوامره، فلو ترك الدراسة مع المخالفة كان أبعد من الاستهزاء واستحقاق المقت.
وينبغى أن يتبرأ من حوله وقوته، وأن لا يلتفت إلى نفسه بعين الرضى والتزكية فإن من رأى نفسه بصورة التقصير، كان ذلك سبب قربه.
عادل الصينى
02-Sep-2009, 05:49 PM
الاخت سلافة جزاءك الله خير الجزاء وانشاء الله فى ميزان حسناتك
سلافة
03-Sep-2009, 09:19 AM
الاخت سلافة جزاءك الله خير الجزاء وانشاء الله فى ميزان حسناتك
تسلم أخي عادل وتقبل الله منا صالح الأعمال
تحياتي
سلافة
03-Sep-2009, 09:43 AM
الربع الأول : ربع العبادات
كتاب الأذكار والدعوات وغيرها
أعلم: أنه ليس بعد تلاوة القرآن عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر الله سبحانه وتعالى، ورفع الحوائج بالأدعية الخالصة إليه تعالى، ويدل على فضل الذكر قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] وقوله: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم}(1)((قال ابن الجوزى في تفسير زاد المسير 1/527 بتحقيقنا طبع المكتب الإسلامي بدمشق: قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} في الذكر ثلاثة أقوال:
((قال ابن الجوزى في تفسير زاد المسير 1/527 بتحقيقنا طبع المكتب الإسلامي بدمشق: قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} في الذكر ثلاثة أقوال:
الثانى: أنه الذكر في الصلاة وغيرها، وهو قول طائفة من المفسرين.
الثالث: أنه الخوف، فالمعنى: يخافون الله قياماً في تصرفهم، وقعوداً في دعتهم، وعلى جنوبهم في قيامهم.
وتبين من هذا أن الآية ليس فيها مستدل لمن يجوز الرقص في حلقات الذكر)) ">((قال ابن الجوزى في تفسير "زاد المسير" 1/527 بتحقيقنا طبع المكتب الإسلامي بدمشق: قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} في الذكر ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الذكر في الصلاة يصلى قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب، هذا قول على وابن مسعود وابن عباس وقتادة.
الثانى: أنه الذكر في الصلاة وغيرها، وهو قول طائفة من المفسرين.
الثالث: أنه الخوف، فالمعنى: يخافون الله قياماً في تصرفهم، وقعوداً في دعتهم، وعلى جنوبهم في قيامهم.
وتبين من هذا أن الآية ليس فيها مستدل لمن يجوز الرقص في حلقات الذكر)) [آل عمران: 190] وقوله: {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} [الأحزاب: 35].
وعن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدى ما ذكرني وتحركت بى شفتاه". وفى أفراد مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة (2)((السكينة: الوقار)) " وذكرهم الله فيمن عنده (3)" وفى ذلك أحاديث كثيرة مذكورة في فضائل الأعمال.وعن أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما جلس قوم مجلساً فتفرقوا على غير ذكر الله عز وجل، إلا تفرقوا عن مثل جيفة الحمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة".وفى حديث آخر. "لا يجلس قوم مجلساً لا يذكرون الله عز وجل ولا يصلون على النبى صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة".
وأما فضيلة الدعاء: فقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ليس شئ أكرم على الله عز وجل من الدعاء" و"أشرف العبادة الدعاء " و"من لا يسأل الله يغضب عليه". وفى حديث أخر: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل".
وللدعاء آداب: من ذلك أن يتحرى الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الشهور، والجمعة من الإسبوع، والسحر من الليل.ومن الأوقات الشريفة بين الآذان والإقامة، وعقيب الصلوات، وعند نزول الغيث، وعند القتال في سبيل الله، وعند ختم القرآن، وفى السجود، وعند الإفطار، وعند حضور القلب ووجله. وعلى الحقيقة فإن شرف الأوقات يرجع إلى شرف الحالات، فإن وقت السحر وقت صفاء القلب وفراغه، وحالة السجود حالة الذل.
ومن آداب الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه ثم يمسح بهما وجهه، وأن يخفض صوته حال الدعاء.ومن آدابه أن يبدأ بذكر الله عز وجل، ثم يصلى على النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا يتكلف السجع في الدعاء. ومن آدابه وهو الأدب الباطن -وهو الأصل في الإجابة- التوبة ورد المظالم.
1ـ فصل في الأوراد وفضلها وتوزيع العبادات على مقادير الأوقات
أعلم: أنه إذا حصلت المعرفة لله سبحانه والتصديق بوعده، والعلم بقصر العمر، وجب ترك التقصير في هذا العمر القصير، والنفس متى وقفت على فن واحد حصل لها ملل، فمن التلطف نقلها من فن إلى فن، وقد قال الله تعالى: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا* ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلا} [الإنسان: 25-26]، فهذا ونحوه مما ذكر من الآيات في ذلك يدل على أن الطريق إلى الله تعالى مراقبة الأوقات وعمارتها بالأوراد على الدوام، وقال الله تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهارخلفه لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان: 62]، أي يخلف أحدهما الآخر ليتدارك في أحدهما ما فات في الآخر.
سلافة
03-Sep-2009, 10:12 AM
2: بيان عدد أوراد الليل والنهار وترتيبها
أوراد النهار سبعة، وأوراد الليل ستة، فلنذكر فضيلة كل ورد ووظيفته وما يتعلق به.
الورد الأول من أوراد النهار: ما بين طلوع الفجر الثانى إلى طلوع الشمس، وهو وقت شريف، وقد أقسم الله تعالى به فقال: {والصبح إذا تنفس} [التكوير: 18].
فينبغي للمريد إذا انتبه من النوم أن يذكر الله سبحانه وتعالى فيقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". روى ذلك عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم من أفراد البخاري.
وفى أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمسى قال: "أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر".وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: "أصبحنا وأصبح الملك لله...." إلى آخره، ويقول: "بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" ثلاث مرات، "رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً".فإذا صلى الفجر قال وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شئ قدير" عشر مرات.
ويذكر سيد الاستغفار: "اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك،وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك (4) بنعمتك على، وأبوء بذنبى، فاغفر لى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".
ويقول: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً (5)((أي: مائلاً من جميع الأديان إلى الإسلام)) " مسلماً، وما كان من المشركين". ويدعو "اللهم أصلح لى ديني الذى هو عصمة أمري، وأصلح دنياي التي فيها ماشى، وأصلح لى آخرتى التي فيها معادى، واجعل الحياة زيادة لى في كل خير، واجعل الموت راحة لى من كل شر".ويدعو بدعاء أبى الدرداء: "اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، أعلم أن الله على كل شئ قدير، وأن الله قد أحاط بكل شئ علماً. اللهم إني أعوذ بك من شر نفسى، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربى على صراط مستقيم"
فهذه الأدعية لا يستغني المريد عن حفظها. وينبغى له قبل خروجه إلى صلاة الفجر أن يصلى السنة في منزله ثم يخرج متوجهاً إلى المسجد ويقول: " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، فإني لم أخرج أشراً ((أي: بطراً)) ولا بطراً، ولا رياء ولا سمعة،خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ".فإذا دخل المسجد فليقل ما روى مسلم في "صحيحه" أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبى صلى الله عليه وآله وسلم ثم ليقل: اللهم افتح لى أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: " اللهم إني أسألك من فضلك"، ثم يطلب الصف الأول منتظراً للجماعة داعيا بنحو ما تقدم من الأذكار والأدعية. فإذا صلى الفجر استحب أن يمكث في مكانه إلى طلوع الشمس.
فقد روى أنس رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" ((رواه الترمذى، قال: حديث حسن)). وليكن وظائف وقته أربعاً: الدعاء، الذكر، والقراءة، والفكر. وليأت بما أمكنه، وليتفكر في قطع القواطع، وشغل الشواغل عن الخير ليؤدى وظائف يومه، وليتفكر في نعم الله تعالى ليتوفر شكره.
الورد الثانى: ما بين طلوع الشمس إلى الضحى، وذلك بمضي ثلاث ساعات من النهار، إذا فرض النهار اثنتي عشرة ساعة، وهو الربع، وهذا وقت شريف، وفيه وظيفتان: أحدهما: صلاة الضحى .
والثاني: القيلولة، فإنها مما تعين على قيام الليل، كما يعين السحور على صيام النهار، فإن نام فليجتهد في الانتباه قبل الزوال بقدر الاستعداد للصلاة قبل دخول الوقت.
واعلم: أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فالاعتدال أن ينام من ذلك الثلث، وهو ثمان ساعات، فمن نام أقل من ذلك لم يأمن اضطراب بدنه، ومن نام أكثر من ذلك كثر كسله، فذا نام أكثر من ذلك فت الليل فلا وجه لنومه في النهار، بل من نقص منه استوفى ما نقص في النهار.
الورد الرابع: ما بين الزوال إلى الفراغ من صلاة الظهر، وهو أقصر أوراد النهار وأفضلها، فينبغي له بى هذا الوقت إذا أذن المؤذن أن يجيبه بمثل قوله، ثم يقوم فيصلى أربع ركعات، ويستحب أن يطيلهن، فإن أبواب السماء تفتح حينئذ، ثم يصلى الظهر وسنتها ، ثم يتطوع بعدها بأربع.
الورد الخامس: ما بعد ذلك إلى العصر، فيستحب له في هذا الوقت الاشتغال بالذكر، والصلاة، وفنون الخير، ومن أفضل الأعمال انتظار الصلاة بعد الصلاة.
الورد السادس: إذا دخل وقت العصر إلى أن تصفر الشمس، وليس في هذا الوقت صلاة سوى أربع ركعات بين الأذانين، ثم فرض العصر، ثم يتشاغل بالأقسام الأربعة التي سبق ذكرها في الورد الأول، والأفضل فيه تلاوة القرآن والتدبر والتفهم.
الورد السابع: من اصفرار الشمس إلى أن تغرب، وهو وقت شريف. قال الحسن البصري رحمه الله : كانوا أشد تعظيماً للعشي من أول النهار، فيستحب في هذا الوقت التسبيح والاستغفار خاصة.
وبالمغرب تنتهي أوراد النهار فينبغي أن يلاحظ العبد أحواله ويحاسب نفسه، فقد انقضت من طريقه مرحلة. وليعلم أن العمر أيام تنقضي جملتها بانقضاء آحادها.
قال الحسن: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا مضى يومك مضى بعضك. وليتفكر هل ساوى يومه أمسه، فإن رأى أنه قد توفر على الخير في نهاره، فليشكر الله سبحانه وتعالى على التوفيق، فإن تكن الأخرى، فليتب وليعزم على تلافى ما سبق من التفريط في الليل، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وليشكر الله تعالى على صحة جسمه، وبقاء بقية من عمره يمكن فيها استدراك التقصير، وقد كان جماعة من السلف يستحبون أن لا ينقضي يوم إلا عن صدقة، ويجتهدون فيما أمكن من كل خير.
سلافة
03-Sep-2009, 10:13 AM
3ـ ذكر أوراد الليل
الورد الأول :إذا غربت الشمس إلى وقت العشاء، فإذا غربت صلى المغرب واشتغل بإحياء ما بين العشاءين، فقد روى أنس رضى الله عنه في قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون} [السجدة : 16]. أن هذه الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا يصلون بين المغرب والعشاء.
وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "من صلى بعد المغرب ست ركعات ولم يتكلم فيما بينهن بسوء، عدلن له بعبادة اثنتي عشرة سنة". رواه الترمذى .
الورد الثانى:من غيبوبة الشفق الأحمر إلى وقت النوم، يستحب أن يصلى بين الأذانين ما أمكنه، وليكن في قراءته : {آلم تنزيل الكتاب} [السجدة : 1] و{ تبارك الذي بيده الملك} [تبارك : 1]. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقرأهما.
وفى حديث آخر، عن ابن مسعود رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة" .
الورد الثالث:الوتر قبل النوم، إلا من كان عادته القيام بالليل، فإن تأخيره في حقه أفضل، قالت عائشة رضى الله عنها من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر. متفق عليه، ثم ليقل بعد الوتر: " سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات.
الورد الرابع : النوم، وإنما عددناه من الأوراد، لأنه إذا روعيت آدابه وحسن المقصود به احتسب عبادة. وقد قال معاذ رضى الله عنه: إني لأحتسب في نومتى كما أحتسب في قومتى.
فمن أدأب النوم: أن ينام على طهارة، لما روت عائشة رضى الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد أن ينام يتوضأ وضوءه للصلاة. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما: إن الأرواح يعرج بها في منامها إلى السماء فتؤمر بالسجود عند العرش، فما كان منها طاهراً سجد عند العرش، وما كان ليس بطاهر سجد بعيداً عن العرش.
ومن آدابه أن يتوب قبل نومه، لأنه ينبغي لمن طهر ظاهره أن يطهر باطنه، لأنه ربما مات في نومه. ومنها: أن يزيل كل غش في قلبه لمسلم، ولا ينوى ظلمه، ولا يعزم على خطيئة إذا استيقظ.
ومنها : أن لا يبيت من له شئ يوصى به إلا ووصيته مكتوبة عنده، لأن في "الصحيحين" من حديث ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " ما حق امرئ مسلم له شئ يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده".
وينبغى له أيضا أن لا يبالغ فت تمهيد الفراش متنعماً بذلك، فإنه يزيد في النوم، فإن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ثنى له فراشة فقال: منعتني وطأته صلاتي الليلة". وينبغى أن لا ينام حتى يغلبه النوم، فقد كان السلف لا ينامون إلا غلبة.
ومن آدابه أن يستقبل القبلة وأن يدعو بما ورد في الأحاديث في ذلك، أن ينام على جنبه الأيمن ، فمما جاء في ذلك ما روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزارة، فإنه لا يدرى ما حدث بعده".فإذا وضع جنبه فليقل: " باسمك ربى وضعت جنبي وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فاغفر لها ، وإن أرسلتها فاحفظها (6)((هذه إشارة إلى قوله تعالى : {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى})) "بما تحفظ به عبادك الصالحين" أخرجاه في "الصحيحين".
وفى "الصحيحين" أيضاً، من حديث عائشة، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفخ فيهما وقرأ فيهما: {قل هو الله أحد} و{وقل أعوذ برب الفلق} و{قل أعوذ برب الناس}، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. وفيهما من حديث البراء بن عازب رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك ، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك آذى أرسلت، فإنك إن مت ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيراً".
وعن على رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له ولفاطمة: "إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما، فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم" متفق عليه. وحديث أبى هريرة في حفظ زكاة رمضان مشهور، وفيه أن شيطاناً قال له : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربه شيطان . فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب". وفى أفراد مسلم أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافى له ولا مأوى". فإن استيقظ للتهجد، فليدع بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق،والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت" وفى رواية: وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت " متفق عليه.
وليجتهد أن يكون آخر كلامه عند النوم ذكر الله تعالى، وأول ما يجرى على لسانه عند التيقظ ذكر الله تعالى، فهاتان علامتان على الإيمان.
الورد الخامس من أوراد الليل: يدخل بمضي النصف الأول إلى أن يبقى من الليل سدسه، وذلك وقت شريف. قال أبو ذر رضى الله عنه : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي صلاة الليل أفضل؟ فقال: " نصف الليل أو جوف الليل، وقليل فاعله
وروى أن داود عليه السلام قال: يا رب، أية ساعة أقوم لك؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود لا تقم أول الليل ولا آخرة، ولكن قم في شطر الليل حتى تخلو بى وأخلو بك، وارفع إلىَّ حوائجك.
فإذا قام إلى التهجد، قرأ العشر آيات من آخر سورة {آل عمران}، كما روى في "الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك ، وليدع بما سبق من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم عند قيامه من الليل، ثم يستفتح صلاته بركعتين خفيفتين، لما روى أبو هريرة رضى الله عنه ، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا قام أحدكم يصلى بالليل، فليبدأ بركعتين خفيفتين" رواه مسلم، ثم يصلى مثنى مثنى، وأكثر ما روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، وأقلهن سبع.
الورد السادس من الليل: السدس الأخير وهو وقت السحر ، قال الله تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات : 18].وفى الحديث : إن قراءة الرجل آخر الليل محضورة.
وجاء طاووس إلى رجل وقت السحر فقالوا: هو نائم ، فقال: ما كنت أرى أن أحداً ينام وقت السحر. فإذا فرغ المريد من صلاة السحر، فليستغفر الله عز وجل. وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كان يفعل ذلك.
سلافة
03-Sep-2009, 10:40 AM
4ـ فصل في اختلاف الأوراد باختلاف الأحوال
اعلم: أن السالك لطريق الآخرة لا يخلو من ستة أحوال: إما أن يكون عابداً، أو عالماً، أو متعلما، أو والياً، أو محترفاً، أو مستغرقا بمحبة الله عز وجل مشغولاً به عن غيره.
الأول: العابد: وهو المنقطع عن الأشغال كلها إلى التعبد، فهذا يستعمل ما ذكرنا من الأوراد، وقد تختلف وظائفه، فقد كانت أحوال المتعبدين من السلف مختلفة، فمنهم من كان يغلب على حاله التلاوة، حتى يختم في يوم ختمة، أو ختمتين ، أو ثلاثاً، وكان فيهم من يكثر التسبيح، ومنه من يكثر الصلاة، ومنه من يكثر الطواف بالبيت.
فإن قيل: فما الأولى أن يصرف إليه أكثر الأوقات من هذه الأوراد؟
فاعلم أن قراءة القرآن في الصلاة قائما مع التدبر يجمع الجميع، ولكن ربما عسرت المواظبة على ذلك، والأفضل يختلف باختلاف حال الشخص، ومقصود الأوراد تزكية القلب وتطهيره، فلينظر المريد ما يراه أشد تأثيراً فيه فليواظب عليه، فإذا أحس بملل انتقل عنه إلى غيره.
قال أبو سليمان الدارانى: فإذا وجدت قلبك في القيام فلا تركع، وإذا وجدته في الركوع فلا ترفع.
الثانى: العالم: الذي ينتفع الناس بعلمه في فتوى، أو تدريس، أو تصنيف، أو تذكير، فترتيبه في الأوراد يخالف ترتيب العابد فإنه يحتاج إلى المطالعة في الكتب، والتصنيف والإفادة، فان استغرق الأوقات في ذلك، فهو أفضل ما يشتغل به بعد المكتوبات، وإنما نعنى بالعلم المقدم على العبادة الذي يرغب في الآخرة، ويعين على سلوك طريقها، والأولى بالعالم أيضاً أن يقسم أوقاته، لأن استغراق الأوقات في العلم لا تصبر عليه النفس، فينبغي أن يخص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس بالأذكار والأوراد على ما ذكرنا، ثم ما بعد طلوع الشمس إلى الضحى في الإفادة والتعليم، فإن لم يكن عنده من يتعلم، صرف ذلك الزمان إلى التفكير في العلوم، فان صفاء القلب بعد الفراغ من الذكر وقبل الاشتغال بهموم الدنيا يعين على التفطن للمشكلات ، ثم من ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف والمطالعة، لا يترك ذلك إلا في وقت أكل ، أو طهارة، أو مكتوبة، أو قيلولة، ومن العصر إلى اصفرار الشمس بسماع ما يقرأ عليه من تفسير، أو حديث، أو علم نافع، ومن الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالاستغفار والتسبيح، فيكون ورده الأول من عمل اللسان، والثاني بى عمل القلب بالتفكير، والثالث في عمل العين واليد والمطالعة والنسخ، والرابع بعد العصر صفى عمل السمع لتتروح العين واليد، فان المطالعة والنسخ بعد العصر ربما أضر بالعين.
وأما الليل: فأحسن قسمة فيه قمسة الشافعي رحمه الله، فانه كان يقسمه ثلاثة أجزاء: الثلث الأول لكتابة العلم، والثاني للصلاة، والثالث للنوم، فأما الصيف، فربما لا يحتمل ذلك، إلا إذا كان أكثر النوم بالنهار.
الثالث: حال المتعلم: فإن المتعلم أفضل من التشاغل بالأذكار والنوافل، وحكم المتعلم حكم العالم في ترتيب الأوراد، لكنه يشتغل بالاستفادة حين يشتغل العالم بالإفادة، وبالتعليق والنسخ حين يشتغل العالم بالتصنيف، فإن كان من العوام كان حضوره مجالس الذكر والعلم والوعظ أفضل من اشتغاله بالأوراد المتطوع بها.
الرابع: توالى: مثل الإمام، والقاضى، أو المتوفى للنظر في أمور المسلمين، فقيامه بحاجات المسلمين وأغراضهم على وفق الشرع وقصد الإخلاص أفضل من الأوراد المذكورة، لأنه عبادة يتعدى نفعها، فينبغي أن يقتصر في النهار على المكتوبات، ثم يستفرغ باقي الزمان في ذلك، ويقنع بأوراد الليل.
الخامس: المحترف: وهو محتاج إلى الكسب له أو لعياله، فليس له أن يستغرق الزمان في التعبد، بل يجتهد في الكسب مع دوام الذكر، فإذا حصل له ما يكفيه عاود الأوراد.
السادس: المستغرق بمحبة الله سبحانه: فهذا ورده بعد المكتوبات حضور القلب مع الله تعالى، وهو يحركه إلى ما يريد من ورده.وينبغى أن يداوم على الأوراد، لقول النبى صلى الله عليه وآله وسلم : " أحب العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل" . وكان النبى صلى الله عليه وآله وسلم عله ديمة.
سلافة
03-Sep-2009, 10:41 AM
5ـ باب في قيام الليل وفضله والأسباب الميسرة لقيامه ونحو ذلك
قال الله تعالى {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة : 16]. وقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم : " عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وهو قربة إلى ربكم ومغفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" وفى فضله أحاديث كثيرة.
وقال الحسن البصري رحمه الله : لم أجد من العبادة شيئاً أشد من الصلاة في جوف الليل، فقيل له : ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها ؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.
6ـ فصل في الأسباب الميسرة لقيام الليل
اعلم: أن قيام الليل صعب إلا من وفق للقيام بشروطه الميسرة له.
فمن الأسباب ظاهر، ومنها باطن.
فأما الظاهر: فأن لا يكثر الأكل، كان بعضهم يقول: يا معشر المريدين لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فتناموا كثيراً، فتخسروا كثيراً.
ومنها: أن لا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال الشاقة.
ومنها : أن لا يترك القيلولة بالنهار، فإنها تعين على قيام الليل.
ومنها : أن يتجنب الأوزار.
قال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته.
وأما الميسرات الباطنة: فمنها سلامة القلب للمسلمين، وخلوه من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا.
ومنها: خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل.
ومنها: أن يعرف فضل قيام الليل.
ومن أشرف البواعث على ذلك الحب لله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه، وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام.قال أبو سليمان رحمه الله: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وفى "صحيح مسلم" عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا آتاه إياه، وذلك كل ليلة".
سلافة
03-Sep-2009, 10:43 AM
وإحياء الليل مراتب:
أحدها : أن يحيى الليل كله، روى ذلك عن جماعة من السلف.
الثانية: أن يقوم نصف الليل، وهو مروى أيضاً عن جماعة من السلف وأحسن الطريق في هذا أن ينام الثلث الأول من الليل، والسدس الأخير منه.
المرتبة الثالثة: أن يقوم ثلث الليل، فينبغي أن ينام النصف الأول، والسدس الأخير، وهو قيام داود عليه السلام. ففى "الصحيحين": "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه"، ونوم آخر الليل حسن، لأنه يذهب آثار النعاس من الوجه بالغداة، ويقلل صفرته.
المرتبة الرابعة: أن يقوم سدس الليل أو خمسه، والأفضل من ذلك ما كان في النصف الآخير، وبعضهم يقول: أفضله السدس الأخير.
المرتبة الخامسة: أن لا يراعى التقدير، فان مراعاة ذلك صعب.
ثم فيما يفعله طريقان:
أحدهما : أن يقوم أول الليل إلى أن يغلبه النوم فينام، فإذا انتبه قام، فإذا غلبه النوم نام، وهذا من أشد المكابدة، وهو طريق جماعة من السلف.
وفى "الصحيحين" من حديث أنس رضى الله عنه: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصلياً من الليل إلا رأيناه، وما كنا نشاء أن نراه نائماً إلا رأيناه. وكان عمر رضى الله عنه يصلى من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله، فيقول: الصلاة الصلاة.
وقال الضحاك: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الضجعة.الطريق الثانى: أن ينام أول الليل، فإذا أخذ حظه من النوم، وانتبه، ، قام الباقي.قال سفيان الثوري: إنما هو أول نومة، فإذا انتبهت لم أقلها.-يعنى : لم ينم-.
المرتبة السادسة: أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين ، فقد روينا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " صلوا من الليل، صلوا أربعاً، صلوا ركعتين"(7)((إسناده ضعيف رواه البيهفى في "((إسناده ضعيف رواه البيهفى في "(8)((إسناده ضعيف رواه البيهفى في " شعب الإيمان" وابن نصر في قيام الليل عن الحسن مرسلاً))... الحديث.
وفى "سن أبى داود" قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا جميعاً ركعتين، كتبا ليلتئذٍ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات". وكان طالحة بن مصرف يأمر أهله بقيام الليل، ويقول: صلوا ركعتين، فإن الصلاة في جوف الليل تحط الأوزار.
فهذه طرق قسمة الليل، فليتخير المريد لنفسه ما يسهل عليه، فان صعب القيام عليه بى وسط الليل، فلا ينبغي أن يخل بإحياء ما بين العشاءين وورد السحر، ليكون قائماً في الطرفين وهذه مرتبة سابعة.
7ـ فصل [فيمن صعبت عليه الطهارة في الليل]
فأما من صعبت عليه الطهارة في الليل، وثقلت عليه الصلاة، فليجلس مستقبل القبلة وليذكر الله تعالة، وليدع مهما قدر. فان لم يجلس فليدع وهو مضطجع، ومن كان له ورد فغلبه النوم وفاته، فليأت به بعد صلاة الضحى. فقد ورد ذلك في الحديث. وليحذر من له عادة بقيام الليل أن يتركها، ففى " الصحيحين" أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعبد الله بن عمرو: "لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل. ".
8ـ فصل في بيان الليالي والأيام الفاضلة
أما الليالي المخصوصات بمزيد الفضل التي يستحب إحياؤها، فخمس عشرة ليلة ولا ينبغي للمريد أن يغفل عنهن، لأنه إذا غفل التاجر عن موسم الربح فمتى يربح؟! فمن هذه الليالي سبع في رمضان: الليلة السابعة عشرة، وهى التي كانت صبيحتها وقعة بدر، والست الباقية هن أوتار العشر ، إذا فيهن تطلب ليلة القدر وأما الثمان الآخر: فأول ليلة من المحرم، وليلة عاشوراء، وليلة النصف من شعبان، وليلة عرفة، وليلتا العيدين (9).وقد ورد صلوات لبعض هذه الليالي وليس فيها ما يثبت.
وأما الأيام الفاضلة فتسعة عشر يوماً: يوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويوم سبع وعشرين من رجب، وهو أول يوم هبط فيه جبريل على النبى صلى الله عليه وآله وسلم ويوم سبع عشرة من رمضان كان فيه وقعة بدر، ويوم النصف من شعبان ، ويوم الجمعة، ويوما العيدين، والأيام المعلومات وهى عشر ذي الحجة، والأيام المعدودات وهى أيام التشريق. ومن فواضل الأيام في الأسبوع: يوم الاثنين، والخميس، وأيام البيض. وفيها فضل كبير مذكور في فضائل الصوم.
آخر كتاب الأوراد، وهو آخر ربع العبادات، وبالله التوفيق.
سلافة
03-Sep-2009, 10:49 AM
الربع الثانى : ربع العادات
باب في الأكل والاجتماع عليه والضيافة ونحو ذلك
وآداب الأكل، منها ما هو قبله، ومنها ما هو مع الأكل، ومنها ما هو بعد الأكل.
فمن القسم الأول: غسل اليدين قبل الأكل، كما ورد فى الحديث، لأنها لا تخلو من درن، ومن ذلك أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض، فانه أقرب إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رفعه على المائدة، وهو أدنى إلى التواضع، ومن ذلك أن يجلس الجلسة على السفرة، فينصب رجله اليمنى، ويعتمد على اليسرى، وينوى بأكله أن يتقوى على طاعة الله تعالى ليكون مطيعاً بالأكل، ولا يقصد به التنعم فقط، وعلامة صحة هذه النية أخذ البلغة دون الشبع. قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم : " ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه". ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد يده إلى الطعام إلا وهو جائع، وأن يرفع يده قبل الشبع، ومع فعل ذلك لم يكد يحتاج إلى طبيب، ومن ذلك أن يرضى بالموجود من الرزق، ولا يحتقر اليسير منه، وأن يجتهد فى تكثير الأيدى على الطعام ولو من أهله وولده.
القسم الثانى: فى الآداب حالة الأكل: وهو أن يبدأ ببسم الله فى أوله، ويحمد الله تعالى فى آخره.
ومن ذلك أن يأكل باليمنى ويصغر اللقمة ويجود مضغها، وأن لا يمد يده إلى أخرى حتى يبتلع الأولى، ولا يذم مأكولاً، ومن ذلك أن يأكل مما يليه، إلا أن يكون الطعام متنوعا كالفاكهة، وليأكل بثلاث أصابع، وإذا وقعت لقمة أخذها. ومن ذلك أن لا ينفخ فى الطعام الحار، ولا يجمع بين التمر والنوى فى طبق واحد، ولا يجمعه فى كفه، بل يضعه من فيه على ظهر كفه ثم يلقيه، وكذا كل ماله عجم وثفل، ولا يشرب الماء فى أثناء الطعام، فانه أجود فى باب الطب.
ومن آداب الشرب أن يتناول الإناء بيمينه، وينظر فيه قبل الشرب، ويمص مصاً لاعبَّاَّ، فقد روى عن على رضى الله عنه : مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عبا، فإن الكباد من العب.
ولا يشرب قائماً، ويتنفس فى شربه ثلاثاً. ففى "الصحيحين" أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان يتنفس فى الإناء ثلاثاً. والمعنى يتنفس فى شربه فى الإناء، بأن يباعد الإناء عنه ويتنفس، لا أن يكون النفس فى الإناء.
القسم الثالث: من آداب الأكل ما يستحب بعد الطعام، وهو أن يمسك قبل الشبع ويلعق أصابعه، وأن يسلت (1) القصعة، وليحمد الله، ففى الحديث عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :" إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليه، ويشرب الشربة فيحمده عليها"، ويغسل يده من الغمر (2).
1ـ فصل فيما يزيد من الآداب بسبب الاجتماع والمشاركة فى الأكل
من ذلك أن لا يبتدئ فى الأكل إلا إذا كان معه من يستحق التقدم لكبر سن أو زيادة فضل، إلا أن يكون هو المتبوع. ومنها أن لا يسكتوا على الطعام، بل يتكلمون بالمعروف، ويتحدثون بحكايات الصالحين فى الأطعمة وغيرها. ومن ذلك أن يقصد كل منهم الإيثار لرفيقه، ولا يحوج رفيقه إلى أن يقول له: كل، بل ينبسط ولا يتصنع بالانقباض. ومن ذلك أن لا ينظر إلى أصحابه حالة الأكل لئلا يستحيوا. ومن ذلك أن لا يفعل ما يستقذره من غيره، فلا ينفض يده فى القصعة، ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة فى فيه، وإذا أخرج شيئاً من فيه ليرمى به، صرف وجهه عن الطعام وأخذه بيساره، ولا يغمس اللقمة الدسمة فى الخل، ولا الخل فى الدسمة، فقد يكرهه غيره، ولا يغمس بقية اللقمة التى أكل منها فى المرقة.
سلافة
03-Sep-2009, 10:54 AM
2ـ فصل [فى تقديم الطعام إلى الإخوان]
ويستحب تقديم الطعام إلى الإخوان، روى ذلك عن على رضى الله عنه قال: لأن أجمع إخوانى على صاع من الطعام أحب إلى من أن أعتق رقبة. وكان خيثمى رحمه الله يصنع الخبيص والطعام الطيب، فيدعو إبراهيم والأعمش ويقول: كلوا، فما صنعته إلا لكم. ويقدم ما حضر من غير تكلف، ولا يستأذنهم فى التقديم، بل يقدم من غير استئذان، ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده. ومن آداب الزائر أن لا يقترح طعاماً بعينه، وإن خير بين طعامين اختار أيسرهما، إلا أن يعلم أن مضيفه يسر باقتراحه، ولا يقصر عن تحصيل ذلك، فقد نزل الشافعى رحمه الله على الزعفرانى، وكان الزعفرانى يكتب كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان، ويسلمها إلى الجارية، فأخذ الشافعى الرقعة وألحق فيها لونا آخر، فلما علم الزعفرانى اشتد فرحه.
3ـ فصل [لا تدخل على قوم يأكلون]
ولا ينبغى لأحد إذا علم أن قوماً يأكلون أن يدخل عليهم، فإن صادفهم من غير قصد، فسألوه الأكل، نظر، فإن علم أنهم إنما سألوه حياء منه، فلا يأكل، وإن علم أنهم يحبون أكله معهم، جاز له أن يأكل. ومن دخل دار صديقه فلم يجده وكان واثقاً به عالماً أنه إذا أكل من طعامه سر بذلك، جاز له أن يأكل.
4ـ فصل [فى آداب الضيافة]
ومن آداب الضيافة، أن يقصد بدعوته الأتقياء دون الفساق، وقال بعض السلف: لا تأكل إلا طعام تقى، ولا يأكل طعامك إلا تقى . وينبغى أن يقصد الفقراء دون الأغنياء.
وينبغى أن لا يهمل أقاربه فى ضيافتهم، فان إهمالهم يوجب الإيحاش وقطيعة الرحم. وكذلك يراعى الترتيب فى أصدقائه ومعارفه، ولا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر، وبل استعمال السنة فى إطعام الطعام واستمالة قلوب الإخوان، وإدخال السرور على قلوب المؤمنين، ولا يدعو من يعلم أنه تشق عليه الإجابة، أو إذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب.
وأما آداب الإجابة، فان كانت دعوة عرس، فالإجابة عليها واجبة إذا دعاة المسلم فى اليوم الأول، وإن كانت لغيره فهى جائزة، ثم ينبغى أن لا يخص الغنى بالإجابة دون الفقير، ولا يمتنع من الدعوة لكونه صائماً، بل يحضر، فان كان تطوعاً وعلم أن فطره يسر أخاه المسلم فليفطر.
فأما إن كان الطعام حراماً فليمتنع من الإجابة، وكذلك واجبة إذا دعاه المسلم فى اليوم الأول، وإن كانت لغيره، فهى جائزة، ثم ينبغى، أن لا يخص الغنى بالإجابة دون الفقير، ولا يمتنع من الدعوة لكونه صائماً، بل يحضر، فان كان تطوعا وعلم أن فطره يسر أخاه المسلم فليفطر.
فأما إن كان الطعام حراماً فليمتنع عن الإجابة، وكذلك إذا كان ثمة فرش محرمة، أو إناء محرم، أو مزمار أو صورة، وكذلك إذا كان الداعى ظالماً أو فاسفاً أو مبتدعاً أو مفاخراً بدعوته.
وينبغى أن لا يقصد بالإجابة إلى الدعوة نفس الأكل، بل ينوى به الاقتداء بالسنة، وإكرام أخيه المؤمن ، وينوى صيانة نفسه عمن يسئ به الظن، فربما قيل عنه إذا امتنع: هذا متكبر.
وينبغى أن يتواضع فى مجلسه إذا حضر، ولا يتصدر، وإن عين له صاحب الدار مكاناً لم يتعده، ولا يكثر النظر إلى المكان الذى يخرج منه الطعام، فإنه دليل على الشره.
سلافة
03-Sep-2009, 11:04 AM
5ـ فصل [في آداب إحضار الطعام]
وأما إحضار الطعام فله خمسة آداب:
الأول: تعجيله، فذلك من إكرام الضيف.
الثانى: تقديم الفاكهة أولاً قبل غيرها، وذلك أصلح فى باب الطب، وقد قال الله تعالى: {وفاكهة مما يتخيرون *ولحم طير مما يشتهون} [الواقعة :20،22].
ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم، خصوصاً المشوى، ثم أفضل الطعام بعد اللحم الثريد، ثم الحلوى، وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد، وتكملة الأمر صب الماء الفاتر على اليد عند الغسل.
الثالث : أن يقدم جميع الألوان الحاضرة.
الرابع : أن لا يبادر رفعها بل يمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا أيديهم.
الخامس: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية، فإن التقليل من الكفاية نقص فى المروءة.
وينبغى أن يعزل لأهل البيت نصيبهم قبل تقديم الطعام، فإذا أراد الضيف الانصراف ينبغى أن يخرج معه إلى باب الدار، فإنه سنة، وذلك من إكرام الضيف ومن تمام الإكرام طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة.
وأما الضيف فينبغى أن يخرج طيب النفس وإن جرى فى حقه تقصير، فذلك من حسن الخلق والتواضع، ولا يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، ويراعى قلبه فى قدر الإقامة.
سلافة
03-Sep-2009, 11:12 AM
الربع الثانى : ربع العادات
كتاب النكاح وآدابه وما يتعلق به
لا يختلف العلماء فى أن النكاح مستحب، مندوب إليه، كثير الفضائل، وفيه فوائد:
منها: الولد، لأن المقصود بقاء النسل، وفيه فوائد محبة الله تعالى بالسعي لذلك، ليبقى جنس الإنسان. وفيه طلب محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى تكثير من به مباهاته.
وفيه طلب التبرك بدعاء الولد الصالح والشفاعة بموت الولد الصغير .
ومن فوائد النكاح: التحصن من الشيطان بدفع غوائل الشهوة. وفيه ترويح النفس، وإيناسها بمخالطة الزوجة. ومنها: تفريغ القلب عن تدبير المنزل، والتكفل به بشغل الطبخ والكنس والفراش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب العيش، فإن الإنسان يتعذر عليه أكثر ذلك مع الوحدة، ولو تكفل به لضاع أكثر أوقاته، ولم يتفرغ للعلم والعمل، فالمرأة الصالحة عون على الدين بهذه الطريقة، إذ اختلال هذه الأسباب شواغل للقلب. ومن فوائده أيضاً: مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية، والقيام بحقوق الأهل، والصبر على أخلاقهن ، واحتمال الأذى منهن، والسعى فى إصلاحهن وإرشادهن إلى طريق الدين، والاجتهاد فى كسب الحلال لأجلهن، والقيام بتربية الأولاد، وكل هذه أعمال عظيمة الفضل، فإنها رعاية وولاية، وفضل الرعاية عظيم، وإنما يحترز منها من يخاف القصور عن القيام بحقها، ومقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد فى سبيل الله عز وجل. وفى أفراد مسلم، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "دينار أنفقته فى سبيل الله، ودينار أنفقته فى رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين ، ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الذى أنفقته على أهلك".
1ـ فصل [في آفات النكاح]
وفى النكاح آفات:
أقواها: العجز عن طلب الحلال، فان ذلك يصعب، فربما امتدت يد المتزوج إلى ما ليس له.
الثانية: القصور عن القيام بحقوق النساء، والصبر على أخلاقهن وأذاهن، وفى ذلك خطر، لأن الرجلَ راعٍ وهو مسؤول عن رعيته.
الثالثة: أن يكون الأهل والولد يشغلونه عن ذكر الله عز وجل، فينقضي ليله ونهاره بالتمتع بذلك، فلا يتفرغ القلب للفكر فى الآخرة والعمل لها، فهذه مجامع الآفات، والفوائد، فالحكم على شخص واحد، بأن الأفضل له النكاح أو العزوبة مطلقاً مصروف على الإحاطة بمجامع هذه الأمور، بل ينبغي للمريد أن يعرض نفسه على هذه الأحوال، فإن انتفت عنه الآفات واجتمعت له الفوائد، بأن كان له مال حلال وحسن خلق، وهو مع ذلك شاب يحتاج إلى تسكين الشهوة، ومنفرد يحتاج إلى تدبير المنزل، فلا شك أن النكاح أفضل، وإن انتفت هذه الفوائد واجتمعت فيه الآفات، فتركه أفضل، وهذا فى حق من لم يحتج إلى النكاح، فإن احتاج إليه فانه يلزمه.
سلافة
03-Sep-2009, 11:17 AM
2ـ فصل [فى طِيبٍ العِشْرَةِ]
ويعتبر فى المرأة لطيب العشرة أمور:
أحدها: الدين، وهو الأصل، لقول النبى صلى الله عليه وآله وسلم : " عليك بذات الدين"، فإذا لم يكن لها دين أفسدت دين زوجها، وأَزْرَتْ به . وإن سلكت سبيل الغيرة لم يزل فى بلاء وتكدير عيش.
الثاني: حُسْن الُخُلقِ، فان سيئة الخلق ضررها أكثر من نفعها.
الثالث: حُسْن الخَلْق، وهو مطلوب، إذ به يحصل التحصن، ولهذا أمر بالنظر إلى المخطوبة. وقد كان أقوام لا ينظرون فى الحُسْنِ ، ولا يقصدون التمتع، كما روى أن الإمام أحمد رحمه الله اختار امرأة عوراء على أختها، إلا أن هذا يندر، والطباع على ضده.
الرابع: خِفَّة المهر، وقد زوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين. وقال عمر رضى الله عنه : لا تغالوا فى مهور النساء. وكما تكره المغالاة فى المهر من جهة المرأة، يكره السؤال عن مالها من جهة الرجل. قال الثوري: إذا تزوج الرجل وقال:أي شئ للمرأة؟ فاعلم أنه لص.
الخامس: البكارة، لأن الشارع ندب إلى ذلك، ولأنها تحب الزوج وتألفه أكثر من الثيب، فيوجب ذلك الود، فان الطباع مجبولة على الأنس بأول مألوف، وهو أيضاً أكمل لمودته لها ، لأن الطبع ينفر من التي مسها غيره.
السادس: أن تكون ولوداً.
السابع: النسب، وهو أن تكون من بيت دين وصلاح.
الثامن: أن تكون أجنبية. وكما ينبغي للرجل أن ينظر فى المرأة، ينبغي للولى أن ينظر فى دين الرجل وأخلاقه وأحواله، لأنه تصير بالنكاح مرقوقة، ومتى زوجها من فاسق أو مبتدع، فقد جنى عليها وعلى نفسه. قال رجل للحسن: من أُزّوج ابنتي؟ قال : ممن يتقى الله ؟ فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لن يظلمها.
سلافة
03-Sep-2009, 11:18 AM
3ـ فصل في آداب المعاشرة والنظر فيما على الزوج وفيما على الزوجة
أما الزوج، فعليه مراعاة الاعتدال والأدب فى اثني عشر أمراً:
الأول: الوليمة فإنها مستحبة.
الثاني: حسن الخلق مع الزوجات. واحتمال الأذى منهن لقصور عقلهن. وفى الحديث الصحيح: " استوصوا بالنساء خيراً، فانه خلقن من ضلع، وإن أعوج ما فى الضلع أعلاه، فان ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً.
واعلم: أنه ليس حسن الخلق مع المرأة كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها، والحلم على طيشها وغضبها، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ففى "الصحيحين"، من حديث عمر رضى الله عنه أن أزواج النبى صلى الله عليه وآله وسلم كن يراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. والحديث مشهور.
الثالث: أن يداعبها ويمازحها، وقد سابق عليه السلام عائشة رضى الله عنها، وكان يداعب نساءه صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال لجابر: "هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك".
الرابع: أن يكون ذلك بقدر، ولا ينبسط فى الرعاية إلى أن تسقط هيبته بالكلية عند المرأة، بل ينبغي أن يقصد طريق الاقتصاد، وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه عتب على بعض عماله، فكلمته امرأة عمر رضى الله عنه فيه فقالت : يا أمير المؤمنين فيم وجدت عليه؟ قال: يا عدوة الله ، وفيم أنت وهذا ؟ إنما أنتِ لعبةُ يُلعب بكِ ثم تُتْركين.
الخامس: الاعتدال فى الغيرة، وهو أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي يَخشى غوائلها، ولا يبالغ فى إساءة الظن ، وقد نهى النبى صلى الله عليه وآله وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً.
السادس: الاعتدال فى النفقة والقصد دون الإسراف والتقتير، ولا ينبغي للرجل أن يستأثر عن أهله بالطعام الطيب، فان ذلك مما يوغر الصدر.
السابع: أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه وما يدرى به كيف معاشرة الحائض، ويلقنها الاعتقاد الصحيح، ويزيل عن قلبها كل بدعة إن كانت ، ويعلمها أحكام الصلاة والحيض والاستحاضة، فيعرفها أنها إذا انقطع دمها قبل المغرب بمقدار ركعة فعليها الظهر والعصر، وإذا انقطع دمها الصبح بمقدار ركعة فعليها قضاء المغرب والعشاء، وهذا لا يكاد النساء يراعينه.
الثامن: إذا كانت له نسوة ينبغي أن يعدل بينهن، والعدل فى المبيت والعطاء، لا فى الحب والوطء، فإن ذلك لا يملكه، فان سافر وأراد استصحاب إحداهن أقرع بينهن، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه.
التاسع: النشوز، فإذا كان النشوز من المرأة، فله أن يؤدبها ويحملها على الطاعة قهراً، ولكنه ينبغي أن يتدرج فى تأديبها بتقديم الوعظ والتخويف، فإن لم ينفع هجرها في المضجع ، فولاّها ظهره أو انفرد عنها بالفراش، وهجرها فى الكلام فيما دون ثلاثة أيام ، فإن لم ينفع ضربها ضرباً غير مُبَرّح، وهو أن لا يدمى جسماً ، ولا يضرب لها وجهاً.
العاشر: فى آداب الجماع، يستحب البداءة بالتسمية، والانحراف عن القبلة، وأن يتغطى هو أهله بثوب ،وأن لا يكونا متجردين، وأن يبدأ بالملاعبة والضم والتقبيل. ومن العلماء من استحب الجماع يوم الجمعة، ثم إذا قضى وطره فليتمهل لتقضى وطرها، فان إنزالها ربما تأخر.
ومن الآداب: أن تأتزر الحائض بإزار من حَقْويها إلى ما بين الركبة إذا أراد الاستمتاع بها، ولا يجوز وطؤها فى الحيض، ولا فى الدُّبُرِ، ومن أراد أن يجامع مرة ثانية فليغسل فرجة ويتوضأ.
ومن الآداب : أن لا يحلق شعره، ولا يقلم أظافره، ولا يخرج دما وهو جنب، وأما الغزل فهو مباح مع الكراهة.
الحادى عشر: فى آداب الولادة، وهى ستة:
الأول: أن لا يكثر فرحه بالذكر وحزنه بالأنثى، فانه لا يدرى في أيهما الخير.
الثاني: أن يؤذن فى أذن المولود حين يولد.
الثالث: أن يسميه اسماً حسناً. وفى أفراد مسلم :" إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن" ومن كان له اسم مكروه، استحب تبديله، فقد غير النبى صلى الله عليه وآله وسلم أسماء جماعة، وقد كره من الأسماء، أفلح، ونافع، ويسار، ورباح، وبركة، لأنه يقول: أهو ثمة؟ فيقال: لا.
الرابع: العقيقة عن الذكر شاتان ، وعن الأنثى شاة.
الخامس: أن يحنكه بتمرة أو حلاوة.
السادس: الختان.
الثاني عشر: مما يتعلق بالزواج الطلاق، وهو أبغض المباحات إلى الله عز وجل فيكره للرجل أن يفاجئ به المرأة من غير ذنب، ولا يجوز للمرأة أن تلجئه إلى طلاقها، فإذا أراد الطلاق فليراع فيه أربعة أشياء.
الأول : أن يطلقها فى طُهْرٍ لم يُصبها فيه، لئلا تطول عليها العدة.
الثاني : أن يقتصر على طلقة واحدة ليستفيد بها الرجعة إن ندم.
الثالث: أن يتلطف فى الأمر فى الطلاق بإعطائها ما تتمتع به لينجبر الفاجع، فقد روى عن الحسن بن على رضى الله عنهما أنه طلق امرأة وبعث إليها بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق.
الرابع: أن لا يفشى سرها، وفى الحديث الصحيح فى أفراد مسلم " إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه، ثم ينشر سرها". وروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأته فقيل له : ما الذى يريبك منها؟ فقال: العاقل لا يهتك سراً، فلما طلقها قيل له : لم طلقتها فقال : مالي ولامرأة غيري. فهذا كله فى بيان ما على الزوج.
القسم الثاني: من آداب المعاشرة، ما على الزوجة لزوجها. عن أبى أُمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " لو جاز لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" لعظم حقه عليها. وفى هذا القسم أحاديث كثيرة تدل على تأكيد حق الزوج على زوجته، وحقوقه عليها كثيرة، أهمها أمران:
أحدهما: الستر والصيانة.
الثاني: القناعة: ، وعلى هذا كان النساء فى السلف، كان الرجل إذا خرج من منزله يقوله له أهله، إياك وكسب الحرام، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار. ومن الواجب عليها : أن لا تفرط فى ماله، فإن أطعمت عن رضاه كان لها مثل أجره، وإن كان بغير رضاه، كان له الأجر وعليها الوزر. وينبغى لوالديها تأديبها قبل نقلها إلى الزوج لتعرف آداب العشرة، وينبغى للمرأة أن تكون قاعدة فى بيتها، لازمة لمغزلها، قليلة الكلام لجيرانها، كثيرة الانقباض حالة غيبة زوجها، تحفظه غائباً وحاضراً، وتطلب مسرّته فى جميع الأحوال، ولا تخونه فى نفسها ولا فى ماله، ولا تُوطئ فراشه من يكره، ولا تأذن فى بيته إلا باذنه، ولتكن همتها صلاح شأنها وتدبير بيتها، قائمة بخدمة الدار فى كل ما أمكنها، ولتكن مُقَدَّمة لحق زوجها على حق نفسها وحق جميع أقربائها، آخر كتاب النكاح.
سلافة
03-Sep-2009, 11:31 AM
الربع الثانى : ربع العادات
كتاب آداب الكسب والمعاش وفضله وصحة المعاملة
كتاب آداب الكسب والمعاش وفضله وصحة المعاملة وما يتعلق بذلك
اعلم أن الله سبحانه وتعالى بلطيف حكمته جعل الدنيا دار تسبب واكتساب، تارة للمعاش، وتارة للمعاد، ونحن نورد آداب التجارات، والصناعات، وضرورة الاكتساب وأسبابها ونشرحها.
1ـ فصل في الكسب والحث عليه
قال الله تعالى : { وجعلنا النهار معاشاً} [النبأ :11]، فذكره فى معرض الامتنان، وقال تعالى:
{ وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون} [الأعراف:10] فجعلها نعمة، وطلب الشكر عليها، وقال تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} [البقرة : 198].
وفى الحديث أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : "طلب الحلال جهاد" و"إن الله ليحب العبد المحترف" وفى أفراد البخارى أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده". وفى حديث آخر : " أن زكريا عليه السلام كان نجاراً".
وقال ابن عباس رضى الله عنهما: كان آدم عليه السلام حراثاً، ونوح نجاراً، وإدريس خياطاً، وإبراهيم ولوط زرًّاعين، وصالح تاجراً، وداود زراداً، وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله عليهم رعاة. وأما الآثار فروى أن لقمان الحكيم قال لابنه : يا بنى استعن بالكسب الحلال، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة فى دينه، وضعف فى عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الخصال استخفاف الناس به. وقيل لأحمد بن حنبل : ما تقول فى رجل جلس فى بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد : هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبى صلى الله عليه وآله وسلم : "إن الله جعل رزقي تحت ظل رحى"، وقال حين ذكر الطير: " تغدو خماصاً وتروح بطاناً". وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يَتّجرون فى البر والبحر، ويعملون فى نخلهم، والقدوة بهم. وقال أبو سليمان الدارانى : ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يتعب لك، ولكن أبدأ برغيفيك فاحرزهما ثم تعبد، فان قيل: قال أبوالدرداء : زاولت التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فاخترت العبادة؟ فالجواب: أنا لا نقول: إن التجارة لا تراد لذاتها، بلا للاستغناء عن الناس، وإغناء العائلة، وإفاضة الفضل على الإخوان، فأما إن كان المقصود نفس المال وجمعه، والتفاخر ونحو ذلك، فهو مذموم، وليكن العقد الذى به الاكتساب جامعاً لأمور أربعة: الصحة، والعدل، والإحسان، والشفقة على الدين.
سلافة
03-Sep-2009, 11:33 AM
الأمر الأول :فى الصحة، فان كان العقد بيعا، فله ثلاثة أركان:العاقد والمعقود عليه ، واللفظ.
الركن الأول : أما العاقد، فينبغي للتاجر أن لا يعامل المجنون، لأنه غير مكلف، فلا يصح بيعه، ولا يعامل العبد إلا أن يعلم أنه مأذون له، وكذلك الصبى لا يعامل إلا أن يكون قد أذن له الأب أو الوصى، فيصير بمنزلة العبد المأذون له، وعند الشافعي لا تصح عقود الصبى، ومعاملة الأعمى عندنا صحيحة، يصح بيعه وشراؤه، وعند الشافعي لا تصح. وأما الظَّلمة ومن أكثرُ مالِهِ حرامُ، فلا ينبغي أن يعامل إلا فى شئ يعرف أن عينه حلال.
الركن الثاني: المعقود عليه، وهو المال المقصود نقله، ولا يجوز بيع الكلب، لأنه نجس العين. فأما البغل والحمار فيجوز بيعهما، سواء قلنا: إنهما طاهران أو نجسان، ولا يجوز بيع الحشرات، ولا بيع العود والمزمار ، والصور المصنوعة من الطين ونحوه، ولا يجوز بيع ما لا يقدر على تسليمه حِساً ولا شرعاً، وأما الحِسُ فكالطير فى الهواء، والعبد الآبق ونحوهما، وأما الشرع فكالمرهون، وبيع الأم دون الولد الصغير، أو الولد دون الأم ، فهذا ممنوع تسليمه شرعاً.
الركن الثالث: اللفظ، وهو الإيجاب والقبول، فان تقدم القبول للإيجاب لم يصح فى إحدى الروايتين، ويصح فى الأخرى، سواء كان بلفظ الماضي أو بلفظ الطلب، فان تبايعا بالمعاطاة، فظاهر كلام أحمد صحة البيع. وقال القاضي أبو يعلى : لا يصح ذلك إلا فى الأشياء اليسيرة، وهذا أصلح الأقوال، أعنى أن تكون المعاطاة فى الأشياء المْحَقرة دون النفيسة، لجريان العادات بذلك، وينبغى من طريق الورع أن لا يترك الإيجاب والقبول ليخرج عن شبهة الخلاف، وقد شدد الله تعالى فى أمر الربا، فينبغي أن يحذر من الوقوع فيه، وهو قسمان: ربا الفضل، وربا النسيئة، فينبغي أن يعرف ذلك وما يجرى فيه الربا، ويحتاج أيضاً أن يعرف شروط السلم، والإجارة والمضاربة، والشركة، فان المكاسب لا تنفك عن هذه العقود المذكورة.
2ـ فصل في العدل واجتناب الظلم فى المعاملة
الأمر الثاني: وهو العدل، واجتناب الظلم فى المعاملة، ونعنى بالظلم ما يتضرر به الغير، وهو ينقسم إلى ما يعم ضرره وما يخص.
الأول: الاحتكار، وهو منهي عنه لما فيه من غلاء السعر وتضييق الأقوات على الناس.
وصفته : أن يستكثر من ابتياع الغلات فى الغلاء، ويتربص بها زيادة الأسعار، فأما إذا دخلت له غلة من ضيعته وحبسها، فليس محتكراً، وكذلك إذا كان الشراء فى حال الاتساع والرخص على صفة لا يضيق على الناس ، وفى الجملة تكره التجارة فى القوت، لأنه قوام الآدمي.
القسم الثاني: ما يخص ضرره، نحو أن يثنى على السلعة بما ليس فيها، أو يكتم بعض عيوبها فيضر بذلك المشترى. وقد قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "من غشنا ليس منا" :
واعلم : أن الغش حرام فى البيوع، وفى الصناعات، وقد سئل الإمام أحمد عن رَفْو الثواب حتى لا يبين ، فقال: لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه. وينبغى للتاجر أن يحقق الوزن، ولا يتخلّص فى هذا حتى يرجح إذا أعطى، وينقص إذا أخذ، ومتى خلط العلاّف الطعام تراباً ثم كاله فهو مطفف، وكذلك القصاب إدا خلط عظما لم تجر العادة بمثله. وقد نُهى عن النَّجَش، وهو أن يزيد فى السلعة من لا يريد شراءها ليغر المشترى، ونهى عن التصرية.
سلافة
03-Sep-2009, 11:35 AM
3ـ فصل [في الإحسان بالمعاملة]
الأمر الثالث:فى الإحسان بالمعاملة، وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان، فمن الإحسان المسامحة فى البيع ، وأن لا يغبنه فى الربح بما لا يتغابن فى العادة، فأما أصل المغابنة فمأذون فيه، لأن البيع للربح، ولكن يراعى فيه التقريب، فإن بذل المشترى زيادة على الربح المعتاد لشدة رغبته وحاجته، فينبغي أن يمتنع البائع من قبول ذلك، فإن ذلك من الإحسان. ومن ذلك أنه إذا أراد استيفاء الثمن أو الدين، فيحسن تارة بالمسامحة وتارة بحط البعض، وتارة بالإنظار، وتارة بالتساهل، وتارة فى جودة النقد. ومن الإحسان: أن يقيل من يستقيله، فإنه لا يستقيل إلا متضرر بالبيع، والأحاديث تشهد بفضل هذه الأمور المذكورة، وما لصاحبها من الأجر والثواب.
4ـ فصل [في شفقة التاجر على دينه]
الأمر الرابع:فى شفقة التاجر على دينه فيما يخصه ويعم آخرته، لا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده، بل يراعى دينه، وإنما تتم شفقته على دينه بمراعاة ستة أشياء:
الأول: حسن النية فى التجارة، فلينو بها الاستعفاف عن السؤال، وكف الطمع عن الناس، والقيام بكفاية العيال، ليكون بذلك من جملة المجاهدين، ولينوا النصح للمسلمين .
الثاني: أن يقصد القيام فى صناعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات، فإن الصناعة والتجارة لو تركت بطل المعاش، إلا أن من الصناعة ما هو مهم ومنها ما يستغني عنه لكونه متعلقاً بالزينة أو طلب التنعم، فليشتغل بصناعة مهمة، ليكون فى قيامه بها كافياً عن المسلمين مهماً، وليتجنب صناعة الصياغة، والنقش، وتشييد البنيان بالجص، وجميع ما يزخرف به، فانه مكروه.
ومن المعاصي: خياطة الخياط القباء الديباج للرجل، ويكره أن يكون جزاراً، لأنه يوجب قساوة القلب، أو حجاماً، أو كناساً لما فيه مباشرة النجاسة، وفى معناه الدباغ. ولا يجوز أخذا الأجرة على تعليم القرآن، والعبادات، وفروض الكفايات.
الثالث: أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة، وسوق الآخرة المساجد، فينبغي أن يجعل أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته، فيواظب على الأوراد، وقد كان صالحو السلف من التجار يجعلون أول النهار وآخره للآخرة، ووسطه للتجارة، وإذا سمع أذان الظهر والعصر، فينبغي أن يترك المعاش اشتغالاً بأداء الفرض.
الرابع: أن يلازم ذكر الله تعالى فى السوق، ويشتغل بالتسبيح والتهليل.
الخامس: أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة، فلا يكون أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها.
السادس: أن لا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتوقى مواقع الشبه ومواضع الريب، ولا يقف مع الفتاوى.
5ـ بيان الحلال والحرام
اعلم: أن طلب الحلال فرض على كل مسلم ، وقد ادعى كثير من الجهال عدم الحلال، وقالوا: لم يبق منه إلا الماء الفرات، والحشيش النبات، وماعدا ذلك فقد أفسدته المعاملات الفاسدة، فلما وقع لهم هذا، وعلموا أنه لا بد لهم من الأقوات توسعوا في الشبهة والحرام ، وهذا من الجهل، وقلة العلم، فإن في "الصحيحين" من حديث النعمان بن بشير رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الحلال بين ، والحرام بين ، وبينها أمور مشتبهات". ولما كانت هذه الدعوى من هؤلاء الجهال بدعة قد عم ضررها، واستطار فى الدين شررها، وجب كشف الغطاء عن فسادها بالإرشاد إلى مدرك الفرق بين الحلال والشبهة.
ونحن نوضح ذلك في أقسام:
القسم الأول : في فضيلة طلب الحلال، وذم الحرام، ودرجات الحلال والحرام. قال الله تعالى: { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً} [المؤمنون : 51]، والطيبات : الحلال، فأمر بذلك قبل العمل، وقال في ذم الحرام: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188]، إلى غير ذلك من الآيات. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً" وذكر الحديث إلى قوله: ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يارب يارب ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" رواه مسلم. وروى في ذلك غير حديث. وروى أن سعداً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تستجاب دعوته، فقال له " أطب طعمتك تستجب دعوتك" . وقد كان السلف ينظرون في الحلال ويدققون فيه ، فأكل أبو بكر الصديق رضى الله عنه شيئاً من شبهة ثم قاءه (1).
سلافة
03-Sep-2009, 11:37 AM
6ـ فصل في درجات الحلال والحرام
أعلم : أن الحلال كله طيب، ولكن بعضه أطيب من بعض، والحرام كله خبيث، ولكن بعضه أخبث من بعض، كما أن الطيب يحكم على كل حلو بالحرارة،ولكنه يقول: هذا حار في الدرجة الأولى، وهذا في الدرجة الثانية، وهذا في الثالثة، وهذا في الرابعة. مثال ذلك في الحرام المأخوذ بعقد فاسد، حرام ولكنه ليس في درجة المغصوب على سبيل القهر، بل المغصوب أغلظ، إذ فيه إيذاء الغير، وترك طريق الشرع في الاكتساب، وليس في العقود الفاسدة إلى ترك طريق التعبد فقط، وكذلك المأخوذ ظلما من فقير أو صالح أو يتيم، أخبث وأغلظ من المأخوذ من قوى أو غنى أو فاسق.
7ـ فصل [في درجات الورع]
والورع له درجات أربع:
الدرجة الأولى: وهى درجة العدول عن كل ما تقتضي الفتوى تحريمه، وهذا لا يحتاج إلى أمثلة.
الدرجة الثانية : الورع عن كل شبة لا يجب اجتنابها، ولكن يستحب، كما يأتى في قسم الشبهات. ومن هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ".
الدرجة الثالثة: الورع عن بعض الحلال مخافة الوقوع في الحرام.
الدرجة الرابعة:الورع عن كل ما ليس لله تعالى،وهو ورع الصديقين ، مثال ذلك ما روى عن يحيى بن يحيى النيسابوري رحمة الله عليه أنه شرب دواءً، فقالت له امرأته: لو مشيت في الدار قليلاً حتى يعمل الدواء، فقال: هذه مشية لا أعرفها، وأنا أحاسب نفسي منذ ثلاثين سنة.
فهذا رجل لم تحضره نية في هذه المشية تتعلق في الدين، فلم يقدم عليها، فهذا من دقائق الورع.
والتحقيق فيه أن الورع له أول وغاية، وبينهما درجات في الاحتياط، فكلما كان الإنسان أشد تشديداً ، كان أسرع جوازاً على الصراط، وأخف ظهراً، وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع، كما تتفاوت دركات النار في حق الظلمة بحسب درجات الحرام، فإن شئت فزد في الاحتياط، وإن شئت فترخص، فلنفسك تحتاط وعليها تترخص.
القسم الثاني: في مراتب الشبهات وتمييزها عن الحلال والحرام، وحديث النعمان بن بشير رضى الله عنه نص في هذه الأقسام الثلاثة، وهى الحلال والحرام وما بينهما، والمشكل فيها هو المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس، وهو الشبة. ونحن نكشف الغطاء عنها فنقول : الحلال المطلق الذي لا يتعلق بذاته صفة توجب تحريماً لعينه، ولا يتعلق بأسبابه ما يطرق إليه تحريماً أو كراهية. مثال ذلك الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد. الحرام المحض : ما فيه صفة محرمة ، كالشدة في الخمر ، والنجاسة في البول، أو حصل بسبب منهي عنه، كالمتحصل بالظلم والربا، فهذان الطرفان ظاهران، ويلتحق بهما ما تحقق أمره ، ولكن يحتمل تغيره، ولم يكن لذلك الاحتمال سبب ظاهر يدل عليه، فإن صيد البر والبحر حلال، إلا أنه من صاد ظبية أو سمكة، فإنه يحتمل أن يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت، وهذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر المختطف من الهواء، فمساكنة ذلك الاحتمال في الصيد ورع الموسوسين، لأنه وهم مجرد لا دلالة عليه، فلو دل عليه دليل، مثل أن يجد الظبية جرحا لا يقدر عليه، إلا بعد الضبط، كالكى، ويحتمل أن يكون غيره، فهذا موضع الورع. وحد الشبهة ما تعارض فيه اعتقادان صدرا عن شيئين مقتضيين لاعتقادين. ومثالات الشبهة كثيرة، والمهم منها مثالان:
المثال الأول: الشك في السبب المحلل أو المحرم، وينقسم إلى أربعة أنواع:
النوع الأول: أن يكون الحلُّ معلوماً من قبل، ثم يقع الشك في المحلل، فهذه شبهة يجب اجتنابها، ويحرم الإقدام عليها، مثاله أن يرى صيداً فيجرحه فيقع في الماء فيصادفه ميتاً، ولا يدرى هل مات بالغرق أو بالجرح؟ فهذا حرام، لأن الأصل التحريم.
النوع الثاني: أن يعرف الحل ويشك في المحرم، فيكون الأصل الحل، والحكم له، كما لو طار طائر، فقال رجل: إن كان هذا غراباً فامرأته طالق، وقال آخر : وإن لم يكن غراباً، فامرأته طالق، تم التبس الأمر، فإنا لا نقضي بالتحريم في واحد منها، ولكن الورع اجتنابهما وتطليقهما.
النوع الثالث: أن يكون الأصل التحريم، ولكن طرأ ما يوجب التحليل بظن غالب فهو مشكوك فيه، والغالب حِلُه، مثاله أن يرمى إلى صيد فيغيب عنه ثم يدركه ميتاً وليس عليه أثر سوى سهمه، فهذا الظاهر فيه الحل، لأن الاحتمال إذا لم يستند إلى دليل التحق بالوسوسة، فأما إن ظهر عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى التحق بالنوع الأول.
النوع الرابع: أن يكون الحل معلوماً، ولكن يغلب على الظن طريان المحرم بسبب معتبر في غلبة الظن شرعاً، مثاله أن يؤدى اجتهاده إلى نجاسة أحد الإناءين بالاعتماد على علامة معينة توجب عليه الظن، فتوجب تحريم شربه، كما أوجب منع الوضوء به.
المثال الثاني: أن يختلط الحرام بالحلال، ويشتبه الأمر فيه. وذلك على أضرب:
أحدها: إذااختلطت ميتة بُمذكّاة، أو بعشرة من المذكيات، ونحو ذلك من العدد المحصور، ومثله أن تشتبه أخته بأجنبيات، فهذه شبهة يجب اجتنابها.
الثاني: أن يختلط حرام محصور بحلال غير محصور، كما لو اشتبهت أخته أو عشر رضائع بنسوة بلد كبير، فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح أهل البلد، بل له أن ينكح من شاء منهن، لأن في تحريمهن حرجا كبيراً، وكذلك من علم أن مال الدنيا خالطه حرام قطعاً، لم يلزمه ترك الشراء والأكل، لأن في ذلك حرجاً ، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أن في الناس من يرابى، وما تركو الدراهم بالكلية، وأن مِجَنَّاً سُرِقَ في زمانه، وما تركوا شراء مجن، فاجتناب هذا من ورع الوسوسة.
سلافة
03-Sep-2009, 11:42 AM
الثالث: أن يختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر، كحكم الأموال في زماننا هذا، فلا يحرم بهذا الاختلاط تناول شئ بعينه، إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه من الحرام نحو أن يأخذه من يد سلطان ظالم، فإن لم يكن له علامة، فتركه ورع، ولا يحرم ذلك ، لأنه قد علم في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء بعده أن أثمان الخمور ودراهم الربا وغلول الغنيمة اختلطت بالأموال، وقد أدركت الصحابة نهب المدينة وتصرف الظلمة ولم يمنعوا من الشراء بالسوق، ولولا صحة ذلك لانسد باب جميع التصرفات فإن الفسق يغلب على الناس، لكن الأصل في الأموال الحل ، وإذا تعارض اصل وغالب، ولا أمارة على الغالب، حكم بالأصل، كما قلنا في طين الشوارع وأواني المشركين، فقد توضأ عمر رضى الله عنه من جرة نصرانية، مع أن مشربهم الخمر ومطعمهم الخنزير ولا يحترزون من نجاسة، وكانت الصحابة تلبس الفراء المدبوغة والثياب المصبوغة.ومن تأمل أحوال الدباغين والصباغين، علم غلبة النجاسة عليهم، فيدل ذلك على أنهم لم يكون يحترزون إلا من نجاسة مشاهدة، أو يكون عليها علامة، فأما الظن الذي يستفاد من رد الوهم إلى مجارى الأحوال، فلم يعتبروه، فان قيل قد كانوا يتوسعون في أمورالطهارة قلنا: إن أردت أنهم كان يصلون مع النجاسة فباطل، وإن أردت انهم احترزوا من كل نجاسة وجب اجتنابها فصحيح، وأما تورعهم عن الشبه، فكان بطريق كف النفس عما ليس به بأس مخافة ما به بأس، والنفس تميل إلى الأموال كيف كانت بخلاف الأنجاس، وقد كانوا يمتنعون مما يشغل قلوبهم من الحلال، والله أعلم.
القسم الثالث: من الكتاب: فى الحلال والحرام والبحث، والسؤال، والهجوم، والإهمال ومظانها.
اعلم: أنه لو قدم لك الطعام أو أُهديت لك هدية، أو أردت أن تشترى شيئاً من شخص فليس لك أن تقول : هذا مما لا أتحقق حله، فأريد أن أفتش عنه وليس لك أن تترك البحث مطلقاً، بل السؤال واجب مرة، ومندوب مرة، ومكروه مرة.
والقول الشافي فيه: أن مظنة السؤال الريبة، وهى تحصل إما من أمر يتعلق بالمال أو بصاحب المال، أما ما يتعلق بصاحب المال، فنحو أن يكون مجهولاً ، وهو الذي ليس عليه قرينة تدل على ظلمة، كزِيَّ الأجناد، ولا على صلاحه. كثياب أهل العلم والزهد، فها هنا لا يجب السؤال ولا يجوز، لأن فيه هتك المسلم، وإيذاءه، ولا يقال لهذا: إنه مشكوك فيه، لأن المشكوك فيه هو الذي تحصل فيه الريبة بدلالة، مثل أن يكون على خِلقة الأتراك، وأهل البوادي المعروفين بالظلم، وقطع الطريق، فهذا يجوز معاملته، لأن اليد تدل على الملك، وهذه الدلالات ضعاف، إلا أن الترك من الورع. وأما ما يتعلق بالمال. فنحو أن يختلط الحرام بالحلال، كما إذا طرح فى السوق أحمال من طعام مغصوب فاشتراها أهل السوق، فإنه لا يجب على من يشترى فى تلك البلدة من السوق أن يسأل عما يشتريه، إلا أن يظهر أن أكثر ما في أيديهم حرام، فعند ذلك يجب السؤال، فإن لم يكن الأكثر حراماً كان التفتيش ورعاً غير واجب. وكذلك نقول في رجل له مال حلال خالطه حرام، مثل أن يكون تاجراً يعامل معاملات صحيحة وُيرابي، فهذا إن كان الأكثر من ماله حراماً، لم تجز قبول ضيافته ولا هديته إلا بعد التفتيش، فإن ظهر أن المأخوذ من وجه حلال جاز، وإلا ترك ، وإن كان الحرام أقل، فالمأخوذ شبهة، والورع تركه.
واعلم: أن السؤال إنما يقع لأجل الريبة، فلا ينقطع إلا من حيث تنقطع الريبة المفضية له، بأن لا يكون المسؤول متهماً، فإن كان متهماً وعلمت أن له غرضاً في حضورك أو قبول هديته، فلا ثقة بقوله، وينبغى أن يسأل غيره.
القسم الرابع: في باب الحلال والحرام، وكيفيه خروج التائب عن المظالم المالية.
اعلم: أن من تاب وفى يده مال مختلط، فعليه تمييز الحرام وإخراجه، فإن كان معلوم العين ، فأمره سهل، وإن كان ملتبساً مختلطاً، فإن كان من ذوات الأمثال، كالحبوب والنقود والأدهان، وكان معلوم القدر، ميز ذلك القدر، فإن أشكل فله طريقان:
أحدهما: الأخذ بغالب الظن.
والثاني: الأخذ باليقين، وهو الورع.
فإذا أخرج المال، فإن كان له مالك معين، وجب صرفه إليه أو إلى وارثه، وإن كان لذلك المال زيادة ومنفعة، جمع ذلك كله وصرفه إليه، وإن يئس من معرفة المالك ولم يدر أمات عن وارث أم لا؟ فليتصدق به، وإن كان ذلك من مال الفيء والأموال المرصدة لمصالح المسلمين، صرف ذلك إلى القناطر والمساجد ومصالح طريق مكة وما ينتفع به كل من يمر من المسلمين
سلافة
03-Sep-2009, 11:42 AM
مسألة: إذا كان في يده مال حلال وشبهة، فليخص نفسه بالحلال، وليقدم قوته وكسوته على أجرة الحجَّام والزيت وإسجار التنور، وأصل هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم فى كسب الحجام: "اعلِفْهُ ناضِحَك". ولو كان في يد أبويه حرام ، فليمتنع من مؤاكلتهما، فإن كان شبهة داراهما، فإن لم يقبلا تناول اليسير. وقد روى أن أم بشر الحافي ناولته تمرة فأكلها، ثم صعد الغرفة فقاءها.
القسم الخامس : في إدرار السلاطين وصلاتهم، وما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة، ونحو ذلك.
اعلم: أن من أخذ مالاً من السلطان فلا بد أن ينظر في مدخل ذلك إلى السلطان من أين هو، وفى صفته التي يستحق بها الأخذ، وفى المقدار الذي يأخذه، هل يستحقه؟ وقد تورع جماعة عن ذلك، وكان فيهم من يأخذه فيتصدق به. وأما في هذا الزمان، فالاحتراز عنه أولى، لأنه قد علم طريق الأخذ، ثم لا ينال إلا بالذل والسؤال والسكوت على الإنكار. وقد كان بعض السلف لا يأخذ، ويعلل بأن باقي المستحقين لم يأخذوا، وهذا ليس بشيء، لأنه يأخذ حقه ويبقى أولئك في مقام مظلوم، وليس المال مشتركاً.
8ـ فصل [في أحوال من يخالط الأمراء والعمال والظلمة]
اعلم: أن لك مع الأمراء والعمال والظلمة ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن تدخل عليهم وهى شرُّها: فقد روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من أتى أبواب السلاطين افتتن" "وما ازداد عبد من السلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً" .
وقال حذيفة: إياكم ومواقف الفتن، فقيل: وما مواقف الفتن؟ قال : أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه. وقال بعض الأمراء لبعض الزهاد: ألا تأتينا؟ فقال: أخاف إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتنا حرمتني، وليس في يدك ما أريده، ولا في صدى ما أخافك عليه، وإنما أتاك من أتاك ليستغني بك عمن سواك، وقد استغنيت عنك بمن أغناك غنى.
فهذه الآثار تبين كراهية مخالطة السلاطين.وأيضاً فان الداخل على السلطان معرض لأن يعصى الله عز وجل، إما بفعله أو قوله أو سكوته.
أما الفعل: فإن الدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى أماكن مغصوبة، ولو فرض أنه في موضع غير مغصوب، ففى الغالب يكون ما تحته أو ما يظله من خيمة أو نحوها من ماله الحرام، والانتفاع بذلك حرام ، ولو فرض ذلك حلالاً، فربما يقع في غيره من المحذورات، إما أن يسجد له، أو يتمثل له قائماً، ويخدمه، ويتواضع له بسبب ولايته التي هي آلة ظلمه.
والتواضع للظالم معصية، بل من تواضع لغنى لأجل غناه لا لمعنى آخر يقتضي التواضع، ذهب ثلثا دينه، فكيف إذا تواضع للظالم ؟! وتقبيل اليد له معصية، إلا أن يكون عند خوف، أو لإمام عادل، أو عالم يستحق ذلك، فأما غير ما ذكرنا، فلا يباح في حقهم إلا مجرد السلام.
وأما القول: فهو أن يدعو للظالم، أو يثنى عليه، أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله، أو بتحريك رأسه، أو باستبشار في وجهه، أو يظهر له الحب والموالاة والاشتياق إلى لقائه، والحرص على طول بقائه، فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام، بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذه الأقسام. وقد جاء في الأثر: "من دعا لظالم بطول البقاء، فقد أحب أن يعصى الَّله". ولا يجوز دعاؤه له إلا أن يقول: أصلحك الَّله، أو وفقك الله، أو نحو ذلك.
وأما السكوت: فهو أن يرى في مجالسهم في الفرش الحرير، وأوانى الفضة، والملبوس المحرم على غلمانهم من الحرير، ونحو ذلك، فيسكت. وكل من رأى شيئاً من ذلك وسكت فهو شريك فيه، وكذا إذا سمع من كلامهم ما هو فحش وكذب وشتم وإيذاء، فإن السكوت عن ذلك كله حرام، لأنه يجب عليه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
فإن قلت: إنه يخاف على نفسه، فهو معذور في السكوت.
قلنا: صدقت، إلا أنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب ما لا يباح إلا بعذر، لأنه لو لم يدخل ويشاهد، لم يجب عليه الأمر والنهى، وكل من علم بفساد فى مكان، وعلم أنه إذا حضر لم يقدر على إزالته، لم يجز له أن يحضر.
9ـ فصل [في الدخول على الأمراء الظلمة بعذر]
فإن سلم مما ذكرنا، وهيهات، لم يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه، لما يرى من توسعهم في التنعم، فيزدرى نعمة الَّله عليه ، ثم يقتدي به غيره في الدخول، ويكون مكثراً لسواد الظلمة.
وروى أن سعيد بن المسيب دعي إلى البيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك، فقال: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار. فقالوا: ادخل من هذا الباب واخرج من الآخر، قال: لا والله لا يقتدي بى أحد من الناس، فجلد مائه وأُلْبِسَ الُمسُوح. فعلى ما بينا لا يجوز الدخول على الأمراء الظلمة إلا بعذرين:
أحدهما: إلزامُ من جهتهم يُخاف من الخلاف فيه الأذى.
والثاني: أن يدخل عليه السلطان زائراً، فجواب السلام لا بد منه.
وأما القيام والإكرام، فلا يحرم مقابلةً له على إكرامه، فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للحمد، كما أنه بالظلم مستحق للذم. فإن دخل عليه وحده، وقد رأى أن يقوم إعزازاً للدين فهو أولى وأمثل. ولا بأس بالقيام على هذه النية. إن علم أن ذلك لا يورث فساداً في الرعية ولا يناله أذى من غضبه، فترك الإكرام بالقيام أولي، ثم يجب عليه أن ينصحه، ويُعّرفه تحريم ما يفعله مما لا يدرى أنه محرم. فأما إعلامه بتحريم الظلم وشرب الخمر، فلا فائدة فيه، بل عليه أن يخوفه من ركوب المعاصي مهما ظن أن التخويف يؤثر في قلبه، وعليه أن يرشده إلى المصالح. ومتى عرف طريقاً للشرع يحصل به غرض الظالم عرفه إياه.
الحال الثالث: أن يعتزل عنهم فلا يراهم ولا يرونه، والسلامة في ذلك، ثم ينبغي أن يعتقد بغضهم على ظلمهم، فلا يُحبّ لقاءهم، ولا يثنى عليهم، ولا يستخبرعن أحوالهم، ولا يقترب إلى المتصلين بهم، ولا يتأسف على ما يفوته بسبب مفارقتهم، كما قال بعضهم:: إنما بيني وبين الملوك يوم واحد، إما يوم مضى فلا يجدون لذته، وأنا وإياهم في غدٍ على وجلٍ، وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون في اليوم؟!
مسألة: إذا بعث إليك سلطان مالاً لتفرقه على الفقراء، وكان له مالك معين، لم يحل أخذه، وإن لم يكن له ، كان حكمه أن يتصدق به كما سبق بيانه، ويتولى تفرقته على الفقراء.
ومن العلماء من امتنع من أخذه، وإذا كان اكثر أموالهم الحرام، حرمت معاملتهم وما بنته الظلمة من القناطر والمساجد والسقايات، ينبغي أن ينظر فيه، فإن كانت تلك الأعيان التي بنيت بها لمالك معين، لم يجز العبور عليها إلا للضرورة، وإن لم يعرف مالكها جاز العبور عليها، والورع الامتناع، والله أعلم.
سلافة
03-Sep-2009, 11:53 AM
الربع الثانى : ربع العادات
كتاب آداب الصحبة والخوة ومعاشرة الخلق
اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق، لأن حسن الخلق يوجب التحابب والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتدابر، ولا يخفى ما فى حسن الخلق من الفضل، والأحاديث دالة على ذلك. فقد روى من حديث أبى الدرداء رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " ما من شىء أثقل فى
ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن" رواه الترمذى وصححه. وفى حديث آخر: "إن أحبكم إلى
وأقربكم منى مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً وإن أبغضكم إلىَّ وأبعدكم منى
مجلساً يوم القيامة مساويكم أخلاقاً". وسئل النبى صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنه؟ فقال: " تقوى اللَّه وحسن الخلق".
وأما المحبة فى الله تعالى، ففى " الصحيحين" من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " سبعة يظلهم الله
فى ظله يوم لا ظل إلا ظله" فذكر منهم: " ورجلان تحابا فى الله اجتمعا على ذلك
وتفرقا عليه". وفى حديث آخر يقول الله عز وجل: " حقت محبتى للمتحابين فًّى، وحقت محبتى
للمتباذلين فى، وحققت محبتى للمتزاورين فًّى"
وفى حديث آخر: " أوثق عرى الايمان، أن تحب فى الله وتبغض فى
الله"، والأحاديث فى ذلك كثيرة.
واعلم: أن يحب فى الله ويبغض فى الله، فإنك إذا أحببت إنسانا لكونه مطيعاً للَّه، فإذا عصى الله أبغضته فى الله، لأن من أحب لسبب أبغض لوجود ضدده، ومن اجتمعت فيه خصال محمودة ومكروهة، فإنك تحبه من وجه وتبغضه من وجه.
فينبغى أن تحب المسلم لأسلامه، وتبغضه لمعصيته، فتكون معه على حالة متوسطة بين الانقباض والاسترسال، فأما ما يجرى منه مجرى الهفوة التى يعلم أنه نادم عليها، فالأولى حينئذ الإغماض والستر، فإذا أصر على المعصية، فلا بد من إظهار أثر البغض بالإعراض عنه والتباعد، وتغليظ القول له على حسب غلظ المعصية وخفتها.
واعلم: أن المخالف لأمر الله تعالى على أقسام:
أحدهما: أن يكون كافراً، فإن كان حربياً فهو مستحق للقتل والإرقاق، وليس بعد هذين إهانة، وإن كان ذمياً فلا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه، والتحقير له بالاضطرار له إلى أضيق الطريق، وترك البداءة بالسلام. فإن سلم قيل له: وعليك. والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته، ومن المكروه الاسترسال إليه والانبساط كما يفعل بالأصدقاء.
القسم الثانى: المبتدع، فان كان ممن يدعو إلى بدعة، وكانت البدعة بحيث يكفر بها، فأمره أشد من الذمي، لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة، وإن كان ممن لا يكفر بها، فأمر اشد من الذمى، لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة، وإن كان ممن لا يكفر بها. فأمره بينه وبين الله تعالى أخف من أمر الكافر لا محالة، ولكن الأمر فى الإنكار عليه أشد منه على الكافر، لأن شر الكافر غير متعد، لأنه لا يلتفت إلي قوله، بخلاف المبتدع الذى يدعو إلى بدعته لأنه يزعم أن ما يدعو إليه حق، فيكون سبباً لغواية الخلق، فشره متعد، فإظهار بغضه والانقطاع عنه ومعاداته وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه أشد.
فأما المبتدع العامى الذى لا يقدر أن يدعو ولا يخاف الاقتداء به، فأمره أهون، والأولى أن يتلطف به فى النصح، فإن قلوب العوام سريعة التقلب، فإن لم ينفع النصح وكان فى الإعراض عنه تقبيح لبدعته فى عينه، تأكد استحباب الإعراض عنه، وأن علم أن ذلك لا يؤثر لجمود طبعه ورسوخ اعتقاده فى قلبه، فالأعراض عنه أولى، لأن البدعة إذا لم يبالغ فى تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فسادها.
سلافة
03-Sep-2009, 11:54 AM
القسم الثالث: العاصى بفعله لا باعتقاده، فإن كانت بحيث يتأذى بها غيره، كالظلم والغضب وشهادة الزور والغيبة والنميمة ونحو ذلك، فالأولى الأعراض عنه وترك مخالطته والانقباض عن معاملته، وكذلك الحكم فيمن يدعو إلى الفساد، كالذى يجمع بين الرجال والنساء ويهئ أسباب الشرب لأهل الفساد، فهذا ينبغى إهانته ومقاطعته والإعراض عنه.
فأما الذى يفسق فى نفسه بشرب خمر أو زنا أو سرقة أو ترك واجب، فالأمر فيه أخف، ولكنه فى وقت مباشرته إن صودف، وجب منعه بما يمتنع به، فإن كان النصح يرده وكان أنفع له، نصح وإلا أغلط له.
1ـ فصل في بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته
روينا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "المرء على دين
خليله فلينظر أحدكم من يخالل". وأعلم: أنه لا يصلح للصحبة كل أحد، ولابد أن يتميز المصحوب بصفات وخصال يرغب بسببها فى صحبته، وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة، وهي إما دنيوية كالانتفاع بالمال والجاه، أو بمجرد الاستئناس بالمشاهدة والمحاورة، وليس ذلك غرضنا، وأما دينية، وتجتمع فيها أغراض مختلفة، منها الاستفادة بالعلم والعمل، ومنها الاستفادة من المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات فى طلب القوت، ومنها الاستعانة فى المهمات، فتكون عدة فى المصائب وقوة فى الأحوال، ومنها انتظار الشفاعة فى الآخرة، كما قال بعض السلف: استكثروا من الإخوان، فإن لكل مؤمن شفاعة. فهذه فوائد تستدعى كل فائدة شروطاً لا تحصل إلا بها.
وفى جملة، فينبغى أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلاً حسن الخلق غير فاسق ولا مبتدع ولا حريص على الدنيا.أما عقل، فهو رأس المال، ولا خير فى صحبة الأحمق، لأنه يريد أن ينفعك فيضرك، ونعنى بالعاقل الذى يفهم الأمور على ما هى عليه، إما بنفسه، وإما أن يكون بحيث إذا أفهم فهم.
وأما حسن الخلق، فلابد منه، إذ رب عاقل يغلبه غضب أو شهوة فيطيع هواه فلا خير فى صحبته.
وأما الفاسق، فإنه لا يخاف الله، ومن لا يخاف الله تعالى لا يؤمن غائلته ولا يوثق به.
وأما المبتدع فيخاف من صحبته بسراية بدعته. قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: عليك بإخوان الصدق تعش فى أكنافهم، فإنهم زينة فى الرخاء وعدة فى البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يقليك منه، واعتزال عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر فى أمرك الذين يخشون الله تعالى. قال يحيى بن معاذ: بئس الصديق تحتاج أن يقول له: اذكرنى فى دعائك، وأن تعيش معه بالمداراة، أو تحتاج أن تعتذر إليه. ودخل جماعة على الحسن وهو نائم، فجعل بعضهم يأكل من فاكهة فى البيت، فقال: رحمك الله، هذا والله فعل الإخوان. وقال أبو جعفر لأصحابه: أيدخل أحدكم يده فى كم أخيه فيأخذ منه ما يريد؟ قالوا: لا، قال: فلستم بإخوان كما تزعمون.
ويروى أن فتحاً الموصلي جاء إلى صديق له يقال له: عيسى التمار، فلم يجده فى المنزل، فقال للخادمة: أخرجي لى كيس أخى، فأخرجته، فأخذ منه درهمين، وجاء عيسى إلى منزله فأخبرته الجارية بذلك، فقال: إن كنت صادقة، فأنت حرة، فنظر فإذا هى قد صدقت، فعتقت.
سلافة
03-Sep-2009, 11:55 AM
2ـ فصل في بيان ما على الإنسان لأخيه من الحقوق
الحق الأول: قضاء الحاجات والقيام بها، وذلك درجات: أدناها: القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة، لكن مع البشاشة والاستبشار.
وأوسطها: القيام بالحوائج من غير سؤال.
وأعلاها: تقديم حوائجه على حوائج النفس.
وقد كان بعض السلف يتفقد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة فيقضى حوائجهم.
الحق الثانى: على اللسان بالسكوت تارة، وبالنطق
أخرى.أما السكوت، فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه فى حضوره وغيبته، وعن الرد عليه ومماراته ومناقشته، وعن السؤال عما يكره ظهوره من أحواله. ولا يسأله إذا لقيه: إلى أين؟ فربما لا يريد إعلامه بذلك، وأن يكتم سره ولو بعد القطيعة، ولا يقدح فى أحبابه وأهله، ولا يبلغه قدح غيره فيه.
الحق الثالث: وينبغى أن يسكت عن كل ما يكرهه، إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف أو نهى عن منكر ولم يجد رخصة فى السكوت، فإن مواجهته بذلك إحسان إليه فى المعنى.
واعلم: أنك إن طلبت منزهاً عن كل عيب لم تجد، ومن غلبت محاسنه على مساويه فهو الغاية.
وقال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات. وقال الفضيل: الفتوة: الصفح عن زلات الإخوان. وينبغى أن تترك إساءة الظن بأخيك، وأن تحمل فعله على الحسن مهما أمكن، وقد قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "وإياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث".
واعلم: أن سوء الظن يدعو إلى التجسس المنهى عنه، وأن ستر العيوب والتغافل عنها سيمة أهل الدين.
واعلم: أنه لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به، ولا شك أنك تنتظر من أخيك أن يستر عورتك، وأن يسكت عن مساويك، فلو ظهر لك منه ضد ذلك اشتد عليك فكيف تنتظر منه مالا تعزم عليه له؟
ومتى التمست من الأنصاف مالا تسمح به دخلت فى قول الله تعالى: {الذين إذا
اكتالوا على الناس يستوفون* وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} [سورة المطففين:2-3]. منشأ التقصير فى ستر العورة والمغرى بكشفها الحقد والحسد.
واعلم: أن من أشد الأسباب لإثارة الحقد والحسد بين الإخوان المماراة، ولا يبعث عليها إلا إظهار التميز بزيادة الفضل والعقل واحتقار المردود عليه، ومن مارى اخاه، فقد نسبه إلى الجهل والحمق، أو إلى الغفلة والسهو عن فهم الشىء على ما هو عليه. وكل ذلك استحقار، وهو يوغر الصدر ويوجب المعادة، وهو ضد الأخوة.
الحق الرابع: على اللسان بالنطق، فإن الأخوة كما تقتضى السكوت عن المكروه، تقتضى النطق بالمحبوب، بل هو أخص بالأخوة، لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور، وإنما يراد الإخوان ليستفاد منهم لا ليتخلص منهم، لأن السكوت معناه كف الأذى، فعليه أن يتودد إليه بلسانه، ويتفقده فى أحواله، ويسأل عما عرض له، ويظهر شغل قلبه بسببه، ويبدى السرور بما يسر به.
وفى الصحيح من رواية الترمذى (1) : "إذا أحب أحدكم
أخاه فليعلمه". ومن ذلك أن يدعوه بأحب أسمائه إليه، قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه:
ثلاث يصفين لك ود أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له فى المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليك. ومن ذلك أن يثنى عليه بما يعرفه من محاسن أحواله عند من يؤثر الثناء عنده، وكذلك الثناء على أولاده وأهله وأفعاله، حتى فى خلقه وعقله وهيئته وخطه وتصنيفه وجميع ما يفرح به من غير إفراط ولا كذب. وكذلك أن تشكره على صنيعه فى حقك، وأن تذب عنه فى غيبته إذا قصد بسوء، فحق الأخوة التشمير فى الحماية والنصرة. وفى الحديث الصحيح: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه”، ومتى أهمل الذب عن عرضه يكون قد أسلمه، ولك فى ذلك معياران:
أحدهما: أن تقدر أن الذى قيل فيه، قد قيل فيك وهو حاضر، فتقول ما تحب أن يقوله.
الثانى: أن تقدر أنه حاضر وراء جدار يتسمع عليك، فما تحرك فى قلبك من نصرته فى حضوره ينبغى أن يتحرك فى غيبته. ومن لم يكن مخلصاً فى إخائه فهو منافق. ومن ذلك التعليم والنصيحة، فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال، وإذا كنت غنياً بالعلم فواسه وأرشده.
سلافة
03-Sep-2009, 12:09 PM
وينبغى أن يكون نصحك إياه سراً، والفرق بين التوضيح والنصيحة الإعلان والإسرار، كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الأعضاء، فإن أغضيت لسلامة دينك ولما ترى فيه إصلاح أخيك بالإعضاء، فأنت مدار، وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن.ومن ذلك: العفو عن الزلات، فإن كانت زلته فى دينه فتلطف فى نصحه مهما أمكن، ولا تترك زجره ووعظه، فإن أبى فالمصارحة:
الحق الخامس: الدعاء للأخ فى حياته وبعد موته بكل ما تدعو به
لنفسك.
وفى أفراد مسلم من حديث أبى الدرداء، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما
دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل". وكان أبو الدرداء رضى الله عنه يدعو لخلق كثير من إخوانه يسميهم بأسمائهم. وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يدعو فى السحر لستة نفر.
وأما الدعاء بعد الموت، فقال عمرو بن حريث: إذا دعا العبد لأخيه الميت، أتى بها ملك قبره، فقال: يا صاحب القبر الغريب، هذه هدية من أخ عليك شفيق.
الحق السادس: الوفاء والإخلاص، ومعنى الوفاء: الثبات على الحب إلى الموت، وبعد موت الأخ مع أولاده وأصدقائه، وقد أكرم النبى صلى الله عليه وآله وسلم عجوزاً وقال: "إنها كانت تغشانا فى أيام خديجة، وإن حسن العهد من
الإيمان". ومن الوفاء أن لا يتغير على أخيه فى التواضع وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه.
واعلم: أن ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الدين، فقد كان الشافعى رحمه الله آخى محمد بن عبد الحكم، وكان يقربه ويقبل عليه، فلما احتضر قيل له: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومئ إليه فقال: إلى أبى يعقوب البويطى، فانكسر لها محمد، ومع أن محمدا كان قد حمل مذهبه، لكن البويطى كان أقرب إلى الزهد والورع، فنصح الشافعى رحمه الله المسلمين وترك المداهنة، فانقلب ابن الحكم عن مذهبه، وصار من أصحاب مالك. ومن الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه، ولا يصادق عدو صديقه.
الحق السابع: التخفيف وترك التكليف [والتكليف] ، وذلك أن لا يكلف أخاه ما يشق عليه، بل يروح سره عن مهماته وحاجاته، ولا يستمد من جاهه ولا ماله، ولا يكلفه التفقد لأحواله والقيام بحقوقه والتواضع له، ويكون قصده بمحبته الله وحده، والتبرك بدعائه، والاستئناس بلقائه، والاستعانة على دينه، والتقرب إلى الله تعالى بالقيام بحقوقه، وتمام التخفيف طى بساط الاحتشام حتى لا يستحى منه فيما لا يستحى فيه من نفسه. قال جعفر بن محمد: أثقل إخوانى على من يتكلف لى وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبى من أكون معه كما أكون وحدى.
وقال بعض الحكماء: من سقطت كلفته دامت ألفته، ومن تمام هذا الأمر أن ترى الفضل من أكون معهم منزلة الخادم.
3ـ فصل [جملة من آداب المعاشرة للخلق]
ولنذكر فى آخر هذا الباب جملة من آداب المعاشرة للخلق:
فمن حسن المعاشرة أن تتوفر من غير ذل لهم ولا خوف منهم، وتتحفظ فى مجالسك من تشبيك أصابعك، وإدخال إصبعك فى أنفك، وكثرة بصاقك، والتثاؤب. أصغ إلى محدثك، ولا تسأله الإعادة، ولا تحدث بإعجابك بولدك وجاريتك، ولا تتصنع تصنع المرأة فى التزيين، ولا تتبذل تبذل العبد. وخوف أهلك فى غير عنف، ولن لهم من غير ضعف.
ولا تهازل أمتك وعبدك، فيسقط وقارك، ولا تكثر الالتفات إلي ورائك. ولا تجالس السلطان، فإن فعلت فاحذر الذنوب والغيبة، وصن سره، واحذر المداعبة عنده، وتحفظ من الجشاء بحضرته والتخلل، وإن قربك فكن منه على حذر، وإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك، وارفق به رفقك بالصبى، وكلمة بما يشتهيه، ولا تدخل بينه وبين أهله وحشمه. وإياك وصديق العافية.
ولا تجعل مالك أكرم من عرضك. وإذا دخلت مجلساً فأجلس فيما هو أقرب للتواضع.ولا تجلس على الطريق، فإذا جلست فغض البصر، وانصر المظلوم، وأرشد الضال.ولا تبصق فى جهة القبلة ولا عن يمينك، ولكن عن يسارك تحت قدمك اليسرى. واحذر مجالسة العوام، فإن فعلت فعليك بالتغافل عما يجرى من سوء أخلاقهم وترك الخوض فى حديثهم.واحذركثرة المزاح فإن اللبيب يحقد عليك فى المزح، والسفيه يجترئ عليك.
سلافة
03-Sep-2009, 12:20 PM
4ـ باب في حقوق المسلم والرحم والجوار والملك ونحو ذلك.
فمن حقوق المسلم: أن تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشتمه إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه، وتنصح له إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك. وجميع هذا منقول فى الآثار.
ومنها: أن لا تؤذى أحداً من المسلمين بقول ولا فعل، وأن تتواضع للمسلمين، فلا تتكبر عليهم، ولا تسمع بلاغات الناس بعضهم فى بعض، ولا تبلغ بعضهم ما تسمع من بعض.
ومنها: أن لا تزيد فى الهجرة على ثلاثة أيام لمن تعرفه، للحديث المشهور فى ذلك.
وفى حديث آخر عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاثة أيام، فإذا مرت به ثلاثة أيام
فلقيه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام، فقد اشتركا فى الأجر، وأن لم يرد عليه فقد
برئ المسلم من الهجرة".
واعلم: أن هذه الهجرة إنما هى فيما يتعلق بالدنيا، أما حق الدين، فإن هجران أهل البدع والأهواء والمعاصى ينبغى أن تدوم، ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق.
ومنها: أن يحسن إلى كل من يقدر أن يحسن إليه من المسلمين ما استطاع، وأن لا يدخل على أحد منهم إلا باذنه، ويستأذن ثلاثاً فإن لم يأذن انصرف.
ومنها: أن يخالق الناس بخلق حسن، وذلك أن يعامل كلاً منهم بحسب طريقته، فإنه متى لقى الجاهل بالعلم، واللاهى بالفقه، والغبى بالبيان، أذى وتأذى.
ومنها: أن يوقر المشايخ، ويرحم الصبيان، وأن يكون مع الخلق كافة طلق الوجه رقيقاً، وأن يفي لهم بالوعد، وينصف الناس من نفسه، ولا يأتى إليهم إلا ما يجب أن يؤتى إليه.
قال الحسن: أوحى الله إلى آدم عليه السلام أربع كلمات، وقال: فيهن جماع الأمر لك ولولدك: واحدة لى، وواحدة لك، وواحدة بينى وبينك، وواحدة بينك وبين الخلق. فأما التى لى: فتعبدنى لا تشرك بى شيئاً. وأما التى لك: فعملك أجزيك به أفقر ما تكون إليه. وأما التى بينى وبينك: فعليك الدعاء وعلى الإجابة. وأما التى بينك وبين الناس: فتصحبهم بالذى تحب أن يصحبوك به.
ومنها زيادة توقير ذوى الهيئات.
ومنها: إصلاح ذات البين، وستر عورات المسلمين.
واعلم: أنه من تأمل ستر الله تعالى على العصاة فى الدنيا اقتدى بلطفه، فإنه جعل الشهادة فى الزنى أن يشهد أربعة من العدول أنهم شهدوا ذلك كالميل فى المكحلة، وهذا لا يتفق، ومن هذا أثر كرمه فى الدنيا يرجى منه ذلك فى الآخرة.
ومنها: أن يتقى مواضع التهم، صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن به، وألسنتهم عن غيبته.
ومنها أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة، ويسعى فى قضاء حوائجهم.
ومنها: أن يبدأ بالسلام كل مسلم قبل أن يكلمه، ومن السنة المصافحة. فقد روى عن أنس رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما من
مسلمين التقيا، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، إلا كان حقاً على الله عز وجل أن يحضر
دعاءهما، وأن لا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما".
وفى حديث آخر: "إذا صافح المؤمن المؤمن نزلت عليهما مائة رحمة، تسعة وتسعون لأبشهما وأحسنهما خلقاً" ((قال الحافظ العراقى: رواه البراز فى "مسنده" والخرائطى فى "مكارم الأخلاق" والبيهقى فى "الشعب" وفى إسناده نظر)) . ولا بأس بتقبيل يد المعظم فى الدين، ولا بأس بالمعانقة. وأما الخذي بالركاب لتوقير العلماء، فقد فعل ذلك ابن عباس بزيد بن ثابت رضى الله عنهما، والقيام على سبيل الإكرام لأهل الفضل حسن، وأما الانحناء فمنهى عنه.
ومنها: أن يصون عرض أخيه المسلم ونفسه وماله عن ظلم الغير، ويناضل دونه وينصره.
ومنها: أنه إذا ابتلى بذي شر، فينبغى أن يجامله ويتقيه، لحديث عائشة رضى الله عنها.
وقال محمد بن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بداً، حتى يجعل الله عز وجل له فرجاً.
ومنها: أن يجتنب مخالطة الأغنياء، ويختلط بالمساكين، ويحسن إلى الإتيام.
ومنها: عيادة مرضاهم.
ومن آداب العائد: أن يضع يده على المريض، يسأله كيف هو، ويخفف الجلوس، ويظهر الرقة، ويدعو له بالعافية، ويغض البصر عن عورات المكان.
ويستحب للمريض أن يفعل ما أخرجه مسلم فى أفراده، من حديث عثمان بن أبى العاص رضى الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعاً يجده فى جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ضع يدك على الذى يألمك
من جسدك وقل: بسم الله ثلاثاً، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما
أجد وأحاذر".
وجملة آداب المريض: حسن الصبر، وقلة الشكوى والتضجر، والفزع إلى الدعاء، والتوكل على الله سبحانه.
ومنها: أن يشيع جنائزهم، ويزور قبورهم.والمقصود من التشييع: قضاء حق المسلمين، والاعتبار.
قال الأعمش: كنا نحضر الجنائز، فلا ندرى من نعزى لحزن القوم كلهم.والمقصود من زيارة القبور: الدعاء، والاعتبار، وترقيق القلب.
ومن آداب تشييع الجنائز: المشي، ولزوم الخشوع، وترك الحديث، وملاحظة الميت، والتفكير فى الموت، والاستعداد له.
وأما حقوق الجار: فاعلم أن الجوار يقتضى حقاً وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام فيستحق ما يستحقه كل مسلم وزيادة، وجاء فى الحديث: "إن الجيران ثلاثة: جار
له حق واحد. وجار له حقان: فالجار المسلم، له حق الإسلام، وحق الجوار. وأما
الذى له حق واحد: فالجار المشرك" .
واعلم: انه ليس حق الجوار كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى والرفق، وابتداء الخير، وأن يبدأ جاره بالسلام، ولا يطيل مهم الكلام، ويعوده فى المرض، ويعزيه فى المصيبة، ويهنئه فى الفرح، ويصفح عن زلاته، ولا يطلع إلى داره، ولا يضايقه فى وضع الخشب على جداره، ولا فى صب الماء فى ميزابه، ولا فى طرح التراب فى فنائه، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف من عوراته، ولا يتسمع عليه كلامه، ويغض طرفه عن حرمه، ويلاحظ حوائج أهله إذا غاب.
سلافة
03-Sep-2009, 12:21 PM
5ـ فصل في حقوق الأقارب والرحم
وأما حقوق الأقارب والرحم، ففى الحديث الصحيح، من رواية عائشة، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الرحم معلقة بالعرش، تقول: من
وصلنى وصله الله، ومن قطعنى قطعه الله".
وفى حديث آخر من أفراد البخارى: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن
الواصل الذى إذا قطعت رحمه وصلها". وفى حديث آخر من أفراد مسلم أن رجلاً قال: يارسول الله، إن لى قرابة أصلهم ويقطعونى، وأحسن إليهم ويسيئون إلى، وأحلم عنهم ويجهلون على، قال؛"لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولايزال معك من الله ظهير عليهم
مادمت على ذلك". والمعنى أنك منصور عليهم، وقد انقطع احتجاجهم عليه بحق القرابة، كما ينقطع كلام من سف المل، وهو الرماد الحار. والأحاديث فى ذلك كثيرة مشهورة فى صلة الرحم، وفي حقوق الوالدين، وفي تأكد حق الأم.
وأما حقوق الولد ،فاعلم أنه لما كانت الطباع تميل إلى الولد لم يحتج إلي تأكيد الوصية به، إلا إنه قد يغلب هوى الوالد للولد، فيترك تعليمه وتأديبه. وقد قال الله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً}[التحريم :6].قال المفسرون: معناه: علموهم وأدبوهم.وينبغى للوالد أن يحسن اسم ابنه، ويعق عنه (2) ، فإذا بلغ سبع سنين أمره بالصلاة وختنه، فإذا بلغ زوجه.
وأما حقوق المملوك، فأن يطعمه ، ويكسوه ، ولا يكلفه ما لا يطيق، ولا ينظر إليه بعين الازدراء، وأن يعفو عن زلله ، وليتذكر الله عند زلل نفسه، فيعفو رجاء أن يعفو الله تعالى عنه.
سلافة
06-Sep-2009, 01:47 PM
باب العزلة
اختلف الناس في العزلة والمخالطة، أيتهما أفضل ؟ مع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن فوائد وغوائل، وأكثر الزهاد اختاروا العزلة. وممن ذهب إلي اختيار العزلة : سفيان الثوري ، وإبراهيم بن أدهم ، وداود الطائى ، والفضيل، وبشر الحافي، في آخرين.
وممن ذهب إلى استحباب المخالطة سعيد بن المسيب، وشريح، والشعبي، وابن المبارك في آخرين.
ولكل طائفة فيما ذهبت إليه حجج، ونحن نشير إلى ذلك.
أما حجة الأولين ، فقد روى في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد قال : قيل: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: "رجل يجاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره". وفي حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟
قال: "املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك". وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : خذوا بحظكم من العزلة. وقال سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه : لوددت أن بيني وبين الناس باباً من حديد، لايكلمنى أحد ولا أكلمه حتى ألقى الله سبحانه. وقال ابن مسعود رضى الله عنه: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الليل، أحلاس البيوت (1) جدد القلوب (2) خُلقان (3) الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض. وقال أبو الدرداء رضى الله عنه: نعم صومعة المرء المسلم بيته، يكف لسانه وفرجه وبصره، وإياكم ومجالس الأسواق، فإنها تلهى وتلغى. وقال داود الطائى: فر من الناس كما تفر من الأسد. وقال أبو مهلهل: أخذ بيدي سفيان الثوري وأخرجني إلى الجبانة، فاعتزلنا ناحية، فبكى ثم قال: يا أبا مهلهل، إن استعطت أن لا تخالط في زمانك أحداً فافعل، وليكن همك مرمة ((4) جهازك.
أما حجة من اختار المخالطة، فمن ذلك قول النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم" ، واحتجوا بأشياء غير ذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة على ذلك، منها قول الله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} [آل عمران: 105]، وهذا ضعيف، لأن المراد تفرق الآراء والمذاهب فى أصل الشريعة، واحتجوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا هجرة فوق ثلاث" قالوا: والعزلة هجر بالكلية، وهذا ضعيف لأن المراد به قطع الكلام والسلام والمخالطة المعتادة.
سلافة
06-Sep-2009, 01:49 PM
1ـ فصل في ذكر فوائد العزلة وغوائلها وكشف الحق في فضلها.
اعلم: أن اختلاف الناس في هذا أيضاً هو كاختلافهم في فضيلة النكاح والعزوبة، وقد ذكرنا أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فكذلك نقول فيما نحن فيه، فلنذكر أولاً فوائد العزلة وهى ست.
الفائدة الأولى: الفراغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه، فإن ذلك يستدعى فراغاً، لا فراغ مع المخالطة ، فالعزلة وسيلة إلى ذلك خصوصاً في البداية. قيل لبعض الحكماء: إلى أي شئ أفضى بهم الزهد والخلوة؟ قال: إلى الأنس بالله. وقال أويس القرني رضى الله عنه: ما كنت أرى أن أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره.
واعلم: أن من تيسر له بدوام الذكر الأنس بالله، أو بدوام الفكر تحقيق معرفة الله، فالتجرد لذلك أفضل من كل ما يتعلق بالمخالطة.
الفائدة الثانية: التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض لها الإنسان غالباً بالمخالطة، وهى أربعة:
أحدهما: الغيبة، فإن عادة الناس التمضمض بالأعراض والتفكه بها، فإن خالطتهم ووافقتهم أثمت وتعرضت لسخط الله تعالى، وإن سكت كنت شريكاً، فإن المستمع أحد المغتابين، وإن أنكرت أبغضوك واغتابوك فازدادوا غيبة إلى الغيبة، وربما خرجوا إلى الشتم.
الثانية: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن من خالط الناس لم يخل ع مشاهدة المنكرات، فإن سكت عصى الله، وإن أنكر تعرض لأنواع من الضرر، في العزلة سلامة من هذا.
الثالثة: الرياء، وهو الداء العضال الذي يعسر الاحتراز منه، وأول ما في مخالطة الناس إظهار التشوق إليهم، ولا يخلو ذلك عن الكذب، إما في الأصل، وإما في الزيادة، وقد كان السلف يحترزون في جواب قول القائل: كيف أصبحت، وكيف أمسيت؟ كما قال بعضهم وقد قيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا.
واعلم: أنه إذا كان سؤال السائل لأخيه: كيف أصبحت؟ لا يبعثه عليه شفقة ولا محبة، كان تكلفاً أو رياء، وربما سأله وفى القلب ضغن وحقد يورث أن يعلم فساد حاله، وفى العزلة الخلاص عن هذا، لأنه من لقي الخلق ولم يخالقهم بأخلاقهم، مقتوه واستثقلوه واغتابوه، ويذهب دينهم فيه، ويذهب دينه ودنياه في الانتقام منهم.
الرابعة: مسارقة الطبع من أخلاقهم الرديئة، وهو داء دفين قلما ينتبه له العقلاء فضلاً عن الغافلين، وذلك أنه قل أن يجالس الإنسان فاسقاً مدة، مع كونه منكراً عليه في باطنه، إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لوجد فارقاً في النفور عن الفساد، لأن الفساد يصير بكثرة المباشرة هيناً على الطبع، ويسقط وقعه واستعظامه، ومهما طالت مشاهدة الإنسان الكبائر من غيره، احتقر الصغائر من نفسه، كما أن الإنسان إذا لاحظ أحوال السلف في الزهد والتعبد، احتقر نفسه، واستصغر عبادته، فيكون ذلك داعية إلى الاجتهاد، وبهذه الدقيقة يعرف سر قول القائل: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. ومما يدل على سقوط وقع الشيء بسبب تكرره ومشاهدته، أن أكثر الناس إذا رأوا مسلماً قد أفطر في رمضان، استعظموا ذلك، حتى يكاد يفضي إلى اعتقادهم فيه الكفر، وقد يشاهدون من يؤخر الصلاة عن أوقاتها، فلا ينفرون عنه نفورهم عن تأخير الصوم، مع أن ترك صلاة واحدة تخرج إلى الكفر، ولا سبب لذلك إلا أن الصلاة تتكرر، والتساهل فيها يكثر، وكذلك لو لبس الفقيه ثوباً حرير، أو خاتماً من ذهب، لاشتد إنكار الناس لذلك، وقد يشاهدونه يغتاب، فلا يستعظمون ذلك، ولا غيبة أشد من لبس الحرير، ولكن لكثرة سماعها، ومشاهدة المغتابين، سقط عن القلوب وقعها، فافطن لهذه الدقائق واحذر مجالسة الناس، فانك لا تكاد ترى منهم إلا ما يزيد في حرصك على الدنيا، وفى غفلتك عن الآخرة، وتهون عليك المعصية، وتضعف رغبتك في الطاعات، فإن وجدت مجلساً يذكر الله فيه، فلا تفارقه فإنه غنيمة المؤمن.
الفائدة الثالثة: الخلاص من الفتن والخصومات،وصيانة الدين عن الخوض فيها، فإنه قلما تخلو البلاد من العصبية والخصومات، والمعتزل عنهم سليم.
وقد روى ابن عمر رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الفتن، ووصفها وقال: " إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم (5) " ، وخفت أماناتهم، فكانوا هكذا" وشبك بين أصابعه، فقلت: ما تأمرني؟ فقال: "الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ما تنكر، وعليك بأمر الخاصة، ودع أمر العامة". وقد روى غير ذلك من الأحاديث في معناه.
الفائدة الرابعة: الخلاص من شر الناس، فإنهم يؤذونك مرة بالغيبة، ومرة بالنميمة، ومرة بسوء الظن، ومرة بالتهمة، ومرة بالأطماع الكاذبة، ومن خالط الناس لم ينفك من حاسد وعدو، وغير ذلك من أنواع الشر التي يلقاها الإنسان من معارفه، وفى العزلة خلاص من ذلك، كما قال بعضهم:
عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب
وقال عمر رضى الله عنه: في العزلة راحة من خلطاء السوء. وقال إبراهيم بن أدهم: لا تتعرف إلى من لا تعرف، وأنكر من تعرف.وقال رجل لأخيه: أصحبك إلى الحج؟ فقال: دعنا نعش فى ستر الله، فإنا نخاف أن يرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. وهذه فائدة أخرى في العزلة، وهى بقاء الستر على الدين والمروءة وسائر العورات.
الفائدة الخامسة: أن ينقطع طمع الناس عنك، وطمعك عنهم. أما طمعهم، فإن رضاهم غاية لا تدرك، فالمنقطع عنهم قاطع لطمعهم في حضور ولائمهم وإملاكاتهم (6) ، وغير ذلك. وقد قيل: من عم الناس بالحرمان رضوا عنه كلهم.
وأما انقطاع طمعك، فإن من نظر إلى زهرة الدنيا تحرك حرصه، وانبعث بقوة الحرص طمعه، ولا يرى إلا الخيبة في أكثر المطامع فيتأذى. وفى الحديث: "انظروا إلى من دونكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم". وقال الله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا} [طه:131].
الفائدة السادسة: الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى، ومقاساة أخلاقهم، وإذا تأذى الإنسان بالثقلاء، لم يلبث،، أن يغتابهم، فإن آذوه بالقدح فيه كافأهم، فانجر الأمر إلى فساد الدين، وفى العزلة سلامة من ذلك.
سلافة
06-Sep-2009, 01:52 PM
2ـ فصل في آفات العزلة
اعلم: أن من المقاصد الدينية والدنيوية ما يستفاد من الاستعانة بالغير، ولا يحصل ذلك إلا بالمخالطة.
ومن فوائد المخالطة: التعلم والتعليم، والنفع والانتفاع، والتأديب والتأدب، والاستئناس والإيناس، ونيل الثواب في القيام بالحقوق، واعتياد التواضع، واستفادة التجارب من مشاهدة هذه الأحوال، والأحوال، والاعتبار بها، فهذه فوائد الخلطة، ولنفصلها:
الفائدة الأولى: التعلم والتعليم، وقد ذكرنا فضلهما في كتاب العلم، فأما من تعلم الفرض ورأى أنه لا يتأتى منه الخوض في العلوم، ورأى الاشتغال بالعبادة، فليعتزل، وإن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران.ولهذا قال الربيع بن خثيم: تفقه ثم اعتزل، والعلم أصل الدين، ولا خير في عزلة العوام. سئل بعض العلماء: ما تقول في عزلة الجاهل؟ فقال: خبال ووبال، فقيل له: فالعالم؟ فقال: مالك ولها، دعها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها (7).
وأما التعليم، ففيه ثواب عظيم إذا صحت النية فيه، ومتى كان القصد إقامة الجاه والاستكثار من الأتباع، فهو هلاك الدين، وقد سبق ذلك في كتاب العلم، والغالب في هذا الزمان سوء القصد من المتعلمين، فيقتضي الدين الاعتزال عنه، ولا يحل كتمان العلم، ولا ينبغي أن يغتر بقول من قال: تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، فإنه أشار بهذه إلى علوم القرآن والحديث ومعرفة سير الأنبياء والصحابة، وذلك يتضمن التخويف والتحذير، وهو سبب لإثارة الخوف من الله سبحانه، فإن لم يؤثر في الحال أثر في المال، فأما علم الكلام وعلم الخلاف، فإنه لا يرد الراغب في الدنيا إلى الله تعالى، بل لا يزال صاحبة متمادياً في حرصه إلى آخر عمره.
الفائدة الثانية: النفع والانتفاع، أما الانتفاع بالناس، فبالكسب والمعاملة، والمحتاج إلى ذلك مضطر إلى ترك العزلة، وأما إن كان معه ما يقنعه، فالعزلة أفضل، إلا أن يقصد التصديق بكسبه، فذلك أفضل من العزلة، إلا أن تكون العزلة مفيدة له معرفة الله تعالى والأنس به، عن كشف وبصيرة، لا عن أوهام وخيالات فاسدة.
وأما النفع: فهو أن ينفع الناس، إما بماله أو ببدنه لقضاء حوائجهم، ومن قدر على ذلك مع القيام بحدود الشرع، فهو أفضل من العزلة إن كان لا يشتغل في عزلته إلا بنوافل الصلوات والأعمال البدنية، وإن كان ممن انفتح له طريق العمل بالقلب بدوام ذكر أو فكر، فذاك الذي لا يعدل به البتة.
الفائدة الثالثة: التأديب والتأدب، ونعنى به الارتياض بمقاساة الناس،والمجاهدة في تحمل أذاهم، وكسر النفس، وقهر الشهوة، وذلك أفضل من العزلة في حق من لم تتهذب أخلاقه.
وينبغى أن يفهم أن الرياضة لا تراد لنفسها كما لا يراد ذلك من رياضة الدابة، بل المراد منها أن تتخذ مركباً تقطع عليه المراحل، والبدن مطيه يسلك بها طريق الآخرة، وفيها شهوات إن لم تكسر جمحت براكبها في الطريق، فمن اشتغل طول عمره بالرياضة كان كمن اشتغل طول عمره برياضة الدابة ولم يركبها، ولا يستفيد إلا الخلاص من عضها ورفسها، وهى لعمري فائدة، ولكن ليست معظم المقصود، قيل لراهب: يا راهب، فقال: لست براهب، إنما أنا كلب عقور، حبست نفسي حتى لا أعقر الناس، وهذا حسن بالإضافة إلى من يعقر، من يعقر، لكن لا ينبغي أن يقتصر عليه.
وأما التأديب: فهو أن يؤدب غيره، ويتطرق إليه من دقائق الآفات ما يتطرق إلى نشر العلم على ما ذكره.
الفائدة الرابعة: الاستئناس والإيناس، وقد يكون مستحباً كالاستئناس بأهل التقوى وقد يقصد به ترويح القلوب من كرب الوحدة، فينبغي أن يكون الاستئناس في بعض الساعات بمن لا يفسد بقيتها، وليحصل أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين.
الفائدة الخامسة: في نيل الثواب وإنالته.
أما الأول فبحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وحضور الإملاكات، والدعوات، ففيها ثواب من جهة إدخال السرور على المؤمن.
وأما الثاني: فهو أن يفتح بابه للناس ليعزوه أو يهنوه أو يعودوه، فإنهم ينالون بذلك ثواباً، وكذلك إن كان من العلماء فأذن لهم في زيارته.
ولكن ينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها، فيرجح العزلة أو المخالطة، وقد كان أكثر السلف يؤثرون العزلة عليها.
الفائدة السادسة: التواضع، ولا يقدر على ذلك في الوحدة، فقد يكون الكبر سبباً في اختياره العزلة، ويمنعه في المحافل التقصير في إكرامه وتقديمه، وربما ترفع عن مخالطتهم لارتفاع محله عند نفسه، أو نحو ذلك.وعلامة من هذه صفته أن يحب أن يزار ولا يحب أن يزور، ويفرح بتقرب السلاطين والعوام إليه واجتماعهم على بابه، وتقبيل يده، فالعزلة بهذا السبب جهل، لأن التواضع لا يغض من منصب الكبير. فإذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقاً بالتفضيل نفياً وإثباتاً خطأ، بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله، وإلى الخليط وحاله، وإلى الباعث على مخالطته، وإلى الفائت بسبب مخالطته من الفوائد، ويقاس الفائت بالحاصل، فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل. فقد قال الشافعي رحمه الله: الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة للسوء، فكن بين القبض والبسط، ومن ذكر سوى هذا فهو قاصر، وإنما هو إخبار عن حاله، فلا يجوز أن يحكم بها على غيره المخالف له في الحال.
mohammedmahi
06-Sep-2009, 04:24 PM
شكرا سلافة علي هذا الموضوع المميز والقيم وشكرا لكي وانت تعطر ايام رمضان بزكر الله ورسوله واتمني لك صياما مقبولا وزنبا مغفورا ورزقا حلالا وكل سنة وانت طيبة
محمد مبارك
سلافة
07-Sep-2009, 11:36 AM
شكرا سلافة علي هذا الموضوع المميز والقيم وشكرا لكي وانت تعطر ايام رمضان بزكر الله ورسوله واتمني لك صياما مقبولا وزنبا مغفورا ورزقا حلالا وكل سنة وانت طيبة
محمد مبارك
اللهم أميييين
التحية لك اخي الكريم وعلي مرورك الطيب
تحياتي
سلافة
10-Sep-2009, 12:52 PM
آداب العزلة
فإن قيل: فما آداب العزلة؟
قلنا: ينبغي للمعتزل أن ينوى بعزلته كف شره عن الناس، ثم طلب السلامة من شر الأشرار، ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين، ثم تجريد الهمة لعبادة الله تعالى أبداً، فهذه آداب بينة. ثم ليكن في خلواته مواظباً على العلم والعمل، والذكر والفكر، فيجتنى ثمرة العزلة وليمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته ليصفو وقته، وليكف عن السؤال عن أخبارهم، وعن الإصغاء إلى أراجيف البلد وما الناس مشغولون به، فإن جميع ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث في أثناء الصلاة، فوقع الأخبار في السمع كوقوع البذر في الأرض، وليقنع باليسير من المعيشة، وإلا اضطره التوسع إلى مخالطة الناس. وليكن صبوراً على ما يلقاه من أذى الناس، ولا يصغي إلى الثناء عليه بالعزلة، ولا القدح فيه بترك الخلطة، فإن ذلك يؤثر في القلب فيقف عن السير في طريق الآخرة. وليكن له جليس صالح يستريح إليه ساعة عن كد المواظبة، ففى ذلك عون على بقية الساعات، ولا يتم الصبر في العزلة إلا بقطع عن الدنيا، ولا ينقطع طمعه إلا بقصر أمله، فيقدر أنه إذا أصبح لا يمسي، وإذا أمسى لا يصبح، فيسهل عليه صبر يوم.
وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر متى ضاق عليه قلبه من الوحدة، وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به، لم يطق وحشة الوحدة بعد الموت، وأن من انس بذكر الله ومعرفته لم يزل الموت أنسه، لأن الموت لا يهدم محل الأنس والمعرفة، كما قال الله تعالى في حق الشهداء: {بل أحياء عند ربهم يرزقون} [سورة آل عمران: 169] وكل متجرد لله في جهاد نفسه، فهو شهيد، كما ورد عن بعض الصحابة أنه قال: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.
سلافة
10-Sep-2009, 12:53 PM
كتاب آداب السفر
السفر وسيلة إلى الخلاص من مهروب عنه، أو الوصول إلى مرغوب إليه.
والسفر سفران: سفر بظاهر البدن عن الوطن، وسفر بسير القلب عن أسفل سافلين إلى ملكوت السماوات، وهذا أشرف السفرين، فإن الواقف على الحالة التى نشأ عليها عقيب الولادة، الجامد على ما تلقفه بالتقليد من الآباء، لازم درجة القصور، قانع برتبة النقص، ومستبدل بمتسع عرضه السماوات والأرض ظلمة السجن وضيق الحبس.
ولم أر فى عيوب الناس شيئاً كنقص القادرين على التمام
إلا أن هذا السفر لما كان مقتحمه فى خطر خطير، اندرست مسالكه.
فأما سفر البدن: فهو أقسام، وله فوائد وآفات عظيمة، فإنه يضاهي النظر فى العزلة والمخالطة، وقد ذكرنا منهاج ذلك. فالفوائد الباعثة عليه لا تخلو من هرب أو طلب، فالهرب إما من أمر له نكاية فى الأمور الدنيوية، كالطاعون إذا ظهر ببلد، أو كخوف فتنة وخصومة، أو غلاء سعر.
وإما أمر له نكاية فى الدين، كمن ابتلى فى بلده بجاه أو مال أو اتساع أسباب، فصده عن التجرد لله تعالى، فيؤثر الغربة والخمول ويجتنب السعة والجاه، وكمن يُدعى إلى بدعة أو إلى ولاية عمل لا تحل مباشرته، فيطلب الفرار منه.
وأما المطلوب، فهو إما دنيوى كالمال والجاه، أو دينى كالعلم بأمور دينه، أو بأخلاقه فى نفسه، أو بآيات الله فى أرضه، وقلّ مذكور بالعلم محصل من زمان الصحابة رضى الله عنهم إلى زمانناً إلا وحصل العلم بالسفر وسافر لأجله.
وأما علمه بنفسه وأخلاقه، فذلك أيضاً مهم، فإن سلوك الآخرة لا يمكن إلا بتحسين الخلق وتهذيبه، وإنما سمى السفر سفراً، أنه يسفر عن الأخلاق. وفى الجملة فالنفس فى الوطن لا تظهر خبائث أخلاقهم لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة، فإذا حملت وعثاء السفر، وصرفت عن مألوفاتها المعتادة، ولامتحنت بمشاق الغربة، انكشفت غوائلها، ووقع الوقوف على عيوبها.وأم آيات الله فى أرضه، ففى مشاهدتها فوائد للمستبصر:
ففيها قطع متجاورات، وفيها الجبال والبرارى والقفار والبحار، وأنواع الحيوان والنبات، وما من شئ إلا وهو شاهد لله بالوحدانية، ومسبح بلسان ذلق لا يدركه إلا من ألقى السمع وهو شهيد.
وإنما نعنى بالسمع: سمع الباطن، فبه يدرك نطق لسان الحال، وما من ذرة فى السماوات والأرض إلا ولها أنواع شاهدات لله سبحانه بالوحدانية. وقد ذكرنا أن فوائد السفر الهرب من الولاية والجاه وكثرة العلائق، لأن الدين لا يتم إلا بقلب فارغ عن غير الله، ولا يتصور فراغ القلب فى الدنيا عن مهمات الدنيا والحاجات الضرورية، ولكن يتصور تخفيفها وتقليلها، وقد نجا المخفون وهلك المثقلون، والمخف الذى ليست الدنيا أكبر همه.
سلافة
10-Sep-2009, 12:54 PM
1ـ فصل [في السفر المباح]
ومن أقسام السفر أن يكون مباحاً، كسفر التفرج والتنزه، فأما السياحة فى الأرض لا لمقصود، ولا إلى مكان معروف، فإنه منهى عنه. فقد روينا من حديث طاووس أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا رهبانية، ولا تبتل، ولا سياحة فى الإسلام" . وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما السياحة من الإسلام فى شئ ولا من فعل النبيين ولا الصالحين. ولأن السفر يشتت القلب، فلا ينبغى للمريد أن يسافر إلا فى طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدى به فى سيرته.
وللسفر آداب معروفة مذكورة فى مناسك الحج وغيرها.
من ذلك أن يبدأ برد المظالم ، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته، ورد الودائع.
ومنها: أن يختار رفيقاً صالحاً، ويودع الأهل والأصدقاء.
ومنها: أن يصلى صلاة الاستخارة، وأن يكون يوم الخميس بكرة.
ومنها: أن لا يمشى منفرداً، وأن يكون أكثر سيره بالليل، ولا يهمل الأذكار والدعية إذا وصل منزلاً أو علا نشزاً أو هبط وادياً.
ومنها: أن يستصحب معه ما فيه مصلحته، كالسواك، والمشط، والمرآة، والمكحلة، ونحو ذلك.
2ـ فصل فيما لابد للمسافر منه
ينبغى له أن يتزود للدنيا والآخرة، أما زاد الدنيا، فالمطعم والمشرب وما يحتاج إليه.
ولا ينبغى أن يقول: أخرج متوكلاً فلا أحمل زاداً، فهذا جهل، فإن حمل الزاد لا يناقض التوكل.
وأما زاد الآخرة، فهو العلم الذى يحتاج إليه فى طهارته وصلاته وعبادته، وتعلم رخص السفر، كالقصر والجمع والفطر، ومدة مسح السفر على الخفين والتيمم، والتنفل للماشى، وكل ذلك مذكور فى كتب الفقه بشروط.
ولابد للمسافر من معرفة ما يتجدد بسب السفر، وهو علم القبلة والأوقات، فمعرفة ذلك فى السفر آكد من الحضر. ويستدل على القبلة بالنجوم والشمس والقمر والرياح والمياه والجبال والمجرة على ما هو مبين فى موضعه، ويعتبر الجبال بأن وجودها جميعها مستقبلة البيت.
وأما المجرَّة فتكون أول الليل ممتدة على كتف المصلى اليسرى إلى القبلة، ثم يلتوى رأسها حتى تصير فى آخر الليل على كتفى اليمنى، وتسمى المجرة: سُرُج السماء.
وأما معرفة أوقات الصلوات، فلابد منها، ووقت الظهر يدخل بزوال الشمس، فلينصب المسافر عوداً مستقيماً، وليعلِّم علامات على رأس الظل، ولينظر، فإن رآه فى النقصان علم انه لم يدخل وقت الظهر، فإذا أخذ فى الزيادة علم أنه قد زالت الشمس ودخل الوقت، وهو أول وقت الظهر، وآخره إذا سرى ظل كل شئ مثله، ثم يدخل أول وقت على العصر، وآخره إلى أن يصير ظل كل شئ مثله. وعن الإمام أحمد: أن آخره ما لم تصفر الشمس، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى غروب الشمس، وباقى الأوقات معروفة.
سلافة
10-Sep-2009, 12:58 PM
كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
أعلم: أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو القطب العظم في الدين، وهو المهم الذي بعث الله به النبيين، ولو طوى بساطه، لاضمحلت الديانة، وظهر الفساد، وخربت البلاد. قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}. [آل عمران: 104]، وفى هذه الآية بيانٌ أنه فرض على الكفاية لا فرض عين، لأنه قال: {ولتكن منكم أمة}، ولم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف، فإذا قام به من يكفى سقط عن الباقين، واختص الفلاح بالقائمين المباشرين له. وفى القرآن العظيم آيات كثيرة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وعن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها مثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو خرقنا في نصينا خرقاً فاستقينا منه، ولم نؤذى من فوقنا، فإن تركوها وأمرهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً".
سلافة
10-Sep-2009, 12:59 PM
1ـ فصل في مراتب الإنكار وبعض ما ورد فيه
فقد جاء في الحديث المشهور من رواية مسلم، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
وفى حديث آخر: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". وفى حديث آخر: "إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت ظالم، فقد تُودِّع منهم". وقام أبو بكر رضى الله عنه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105]، وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروا أوشك أن يعمهم الله بعذاب. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم".
سلافة
10-Sep-2009, 01:00 PM
2ـ فصل في أركانه وشروطه ودرجاته وآدابه ونحو ذلك
اعلم: أن أركان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أربعة:
أحدها: أن يكون المنكر مكلفاً مسلماً قادراً، وهذا شرط لوجوب الإنكار.فإن الصبي المميز، له إنكار المنكر، ويثاب على ذلك، لكن لا يجب عليه.
وأما عدالة المنكر، فاعتبرها قوم وقالوا: ليس للفساق أن يحتسب ، وإنما استدلوا بقوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] وليس لهم في ذلك حجة.
واشترط قوم كون المنكر مأذوناً فيه من جهة الإمام أو الوالي، ولم يجيزوا لآحاد الرعية الحسبة، وهذا فاسد، لأن الآيات والأخبار عامة تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عنه عصى، فالتخصيص بإذن الإمام تحكم. ومن العجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا: لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم يخرج الإمام المعصوم، وهؤلاء أخس رتبة من أن يتكلموا، لكن جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القاضي طالبين حقوقهم: نصرتكم أمر بالمعروف، واستخراج حقوقكم من يد من ظلمكم نهى عن المنكر، ولم يجئ زمان ذلك لأن الإمام لم يخرج بعد.
فإن قيل: بى الأمر بالمعروف إثبات سلطنة وولاية على المحكوم عليه، ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم، مع كونه حقاً، فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من السلطان.
قلنا: أما الكافر فممنوع من ذلك لما فيه من السلطة والعز، وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة.
سلافة
10-Sep-2009, 01:03 PM
3ـ مراتب الحسبة
واعلم أن الحسبة لها خمس مراتب:
1ـ التعريف:
2ـ والوعظ بالكلام اللطيف.
الثالثة: السب والتعنيف، ولسنا نعنى بالسب الفاحشة، بل نقول له: يا جاهل يا أحمق، ألا تخاف من الله تعالى! ونحو ذلك.
والرابعة: المنع بالقهر، ككسر الملاهي وإراقة الخمر.
والخامسة: التخويف والتهديد بالضرب، أو مباشرة الضرب له حتى يمتنع عما هو عليه، فهذه المرتبة تحتاج إلى الإمام دون ما قبلها، لأنه ربما جر إلى فتنة.
واستمرار عادات السلف على الحسبة للولد على الوالد، والعبد على السيد، والزوجة على الزوج، والرعية على الوالي؟.
قلنا: أصل الولاية ثابت للكل، وقد رتبنا للحسبة خمس مراتب. فللولد من ذلك الحسبة بالتعريف، ثم بالوعظ والنصح باللطف. وله من الرتبة الخامسة: أن يكسر العود، ويريق الخمر، ونحو ذلك، وهذا الترتيب ينبغي أن يجرى في العبد والزوجة.
وأما الرعية مع السلطان، فالأمر فيه أشد من الولد، فليس معه إلا التعريف والنصح. ويشترط كون المنكر قادراً على الإنكار، فأما العاجز، فليس عليه إنكار إلا بقلبه، ولا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي، بل يلتحق به خوف مكروه يناله، فذلك في معنى العجز. وكذلك إذا علم أن إنكاره لا ينفع، فيقسم إلى أربعة أحوال:
أحدها: أن يعلم أن المنكر يزول بقوله أو فعله من غير مكروه يلحقه، فيجب عليه الإنكار
الحالة الثانية: أن يعلم أن كلامه لا ينفع وأنه إن تكلم ضرب، فيرتفع الوجوب عنه.
الحالة الثالثة: أن يعلم إن إنكاره لا يفيد، لكنه لا يخاف مكروهاً، فلا يجب عليه الأمر لعدم الفائدة، لكن يستحب لإظهار شعائر الإسلام والتذكير بالدين.
الحالة الرابعة: أن يعلم أنه يصاب بمكروه، ولكن يبطل المنكر بفعله، مثل أن يكسر العود، ويريق الخمر، ويعلم أنه يضرب عقيب ذلك، فيرتفع الوجوب عنه، ويبقى مستحباً لقوله في الحديث: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". ولا خلاف أنه يجوز للمسلم الواحد أن يهجم على صفوف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يقتل، لكن إن علم أنه لا نكاية له في الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف، حرم ذلك، وكذلك لو رأى فاسقاً وحده وعنده قدح خمر وبيده سيف، وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب الخمر لضرب عنقه، لم يجز له الإقدام على ذلك، لأن هذا لا يؤثر في الدين أثراً يفديه بنفسه، وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر، وظهر لفعله فائدة، كمن يحمل في صف الكفار ونحوه. وإن علم المنكر أنه يضرب معه غيره من أصحابه، لم تجزله الحسبة، لأنه عجز عن دفع المنكر إلا بإفضائه إلى منكر آخر، ليس ذلك من القدرة في شىء. ولسنا نعنى بالعلم في هذه المواضيع إلا غلبة الظن، فمن غلب على ظنه أنه يصيبه مكروه، لم يجب عليه الإنكار، وإن غلب على ظنه أنه لا يصيبه وجب، ولا اعتبار بحالة الجبان، ولا الشجاع المتهور، بل الاعتبار بالمعتدل الطبع، السليم المزاج. ونعنى بالمكروه: الضرب أو القتل، وكذلك نهب المال، والإشهار في البلد مع تسويد الوجه، فأما السب والشتم، فليس بعذر في السكوت، لأن الآمر بالمعروف يلقى ذلك في الغالب.
سلافة
10-Sep-2009, 01:03 PM
الركن الثانى: أن يكون ما فيه الحسبة منكراً موجوداً في الحال ظاهراً، فمعنى كونه منكراً أن يكون محذور الوقوع في الشرع، والمنكر أعم من المعصية، إذ من رأى صبياً أو مجنوناً يزنى بمجنونة أو بهيمة، فعليه أن يمنعه.
وقولنا: موجوداً في الحال، احتراز ممن شرب الخمر وفرغ من شربها، ونحو
ذلك ، فإن ذلك ليس إلى الآحاد، وفيه أيضاً احتراز عما سيوجد في ثاني الحال، كمن يعلم بقرينه حاله أنه عازم على الشرب الليلة، فلا حسبة عليه إلا بالوعظ.
وقولنا: ظاهراً، احتراز ممن تستر بالمعصية في داره وأغلق بابه، فإنه لا يجوز أن يتجسس عليه، إلا أن يظهر ما يعرفه من هو خارج الدار، كأصوات المزامير والعيدان، فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي، فإن فاحت رائحة الخمر، فالأظهر جواز الإنكار.
ويشترط في إنكار المنكر أن يكون معلوماً كونه منكراً بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد، فلا حسبة فيه، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله متروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه يسير النبيذ الذي ليس بمسكر.
الركن الثالث: في المنكر عليه، ويكفى في صفته أن يكون إنساناً، ولا يشترط كونه مكلفاً كما بينا قبله من أنه ينكر على الصبي والمجنون.
الركن الرابع: نفس الاحتساب، وله درجات وآداب.
الدرجة الأولى: أن يعرف المنكر، فلا ينبغي له أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الأوتار، ولا يتعرض للشم ليدرك رائحة الخمر، ولا أن يمس ما قد ستر بثوب ليعرف شكل المزمار، ولا أن يستخبر جيرانه بما يجرى، بل لو أخبره عدلان ابتداءً أن فلاناً يشرب الخمر، فله إذ ذاك أن يدخل وينكر.
الدرجة الثانية: التعريف، فإن الجاهل يقدم على الشيء لا يظنه منكراً، فإذا عرف أقلع عنه، فيجب تعريفه باللطف، فيقال له: إن الإنسان لا يولد عالماً، ولقد كنا جاهلين بأمور الشرع حتى علمنا العلماء، فلعل قريتك خالية من أهل العلم.
فكهذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء. ومن اجتنب محذور السكوت عن المنكر، واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه، فقد غسل الدم بالبول.
الدرجة الثالثة: النهى بالوعظ والنصح والتخويف بالله، ويورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد، ويحكي له سيرة السلف، ويكون ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب، وها هنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها، وهو أن العالم يرى عند التعريف عز نفسه بالعلم، وذل غيره بالجهل.
ومثال ذلك مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو غاية الجهل، ومذلة عظيمة، وغرور من الشيطان، ولذلك محك ومعيار، فينبغي أن يمتحن به المحتسب نفسه، أو باحتساب غيره عليه، أحب إليه من امتناعه باحتسابه، فإن كانت الحسبة شاقة عليه، ثقيلة على نفسه، وهو يود أن يكفى بغيره، فليحتسب، فإن باعثه هو الدين، وإن كان الأمر بالعكس، فهو متبع هوى نفسه، متوسل إلى إظهار جاهه بواسطة انكاره، فليتق الله وليحتسب أولاً على نفسه.
وقيل لداود الطائى: أرأيت رجلاً دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر؟ قال: أخاف عليه السوط. قيل: هو يقوى على ذلك، قال أخاف عليه السيف، قيل: هو يقوى على ذلك، قال أخاف عليه الداء الدفين: العجب.
الدرجة الرابعة : السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن، وإنما يعدل إلى هذا عند العجز عن المنع باللطف ، وظهور مبادئ الإصرار، والاستهزاء بالوعظ والنصح، ولسنا نعنى بالسب: الفحش والكذب، بل نقول له: يا فاسق، يا أحمق، يا جاهل، ألا تخاف الله، قال الله تعالى حاكية عن إبراهيم عليه السلام: { أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} [الأنبياء :67].
الدرجة الخامسة: التغيير باليد، ككسر الملاهى، وإراقة الخمر ، وإخراجه من الدار المغصوبة، وفي الدرجة أدبان:
أحدهما: أن لا يباشر التغيير ما لم يعجز عن تكليف المنكر علي ذلك، فإذا أمكنه أن يكلفه الخروج عن الأرض المغصوبة، فلا ينبغي أن يجره ولا يدفعه.
والثاني: أن يكسر الملاهي كسراً يبطل صلاحيتها للفساد، ولا يزيد على ذلك ويتوقى في إراقة الخمور كسر الأواني إن وجد إليه سبيلاً، وإن لم يقدر إلا بأن يرمى ظروفها بحجر أو نحوه، فله ذلك، وتسقط قيمة الظرف، ولو ستر الخمر بيديه، فإنه يقصد بيديه بالضرب ليتوصل إلى إراقة الخمر، ولو كانت الخمر في قوارير ضيقة الرؤوس، بحيث أنه إذا اشتغل بإراقتها طال الزمان وأدركه الفساق فمنعوه ، فله كسرها، لأن هذا عذر وكذلك إن كان يضيع الزمان في صبها، وتتعطل أشغاله، فله كسرها ولو لم يحذر من الفساق.
فإن قيل: فهلا يجوز الكسر زجراً، وكذلك الجر بالرجل في الإخراج من الدار المغصوبة زجراً ؟
قلنا: إنما يجوز مثل ذلك للولاة ، ولا يجوز لآحاد الرعية، لخفاء وجه الاجتهاد فيه.
الدرجة السادسة: التهديد والتخويف كقوله: دع عنك هذا وإلا فعلت بك كذا وكذا، وينبغى أن يقدم هذا على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه. والأدب بى هذه الرتبة أن لا يهدد بوعيد لا يجوز تحقيقه، كقوله: لأنهبن دارك، ولأسبين زوجتك، لأنه إن قال ذلك عن عزم، فهو حرام، وإن قاله عن غير عزم ، فهو كذب.
الدرجة السابعة: مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه إشهار سلاح، وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة، فإذا اندفع المنكر فينبغي أن يكف.
الدرجة الثامنة: أن لا يقدر على الإنكار بنفسه ويحتاج إلى أعوان يشهرون السلاح، فإنه ربما يستمد الفاسق أيضاً بأعوانه ويؤدى إلى القتال، فالصحيح أن ذلك يحتاج إلى إذن الإمام، لأنه يؤدى إلى الفتن وهيجان الفساد.
وقيل : لا يشترط في ذلك إذن الإمام.
سلافة
10-Sep-2009, 01:04 PM
4ـ فصل [في صفات المحتسب]
وقد ذكرنا آداب المحتسب مفصلة، وجملتها ثلاث صفات في المحتسب.
العلم بمواقع الحسبة وحدودها ومواقعها، ليقتصر على حد الشرع.
والثاني : الورع، فانه قد يعلم شيئاً ولا يعمل به لغرض من الأغراض.
والثالث: حسن الخلق، وهو أصل ليتمكن من الكف، فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع خلق حسن. قال بعض السلف: لا يأمر بالمعروف إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به ، فقيه فيما ينهى عنه .
ومن الآداب: تقليل العلائق، وقطع الطمع عن الخلق لتزول المداهنة، فقد حكى عن بعض السلف أنه كان له سنور، وكان يأخذ لسنوره في كل يوم من قصاب في جواره شيئاً من الغدد. فرأى على القصاب منكراً ، فدخل الدار فأخرج السنور، ثم جاءه فأنكر على القصاب، فقال: لا أعطيك بعد هذا شيئاً لسنورك، فقال: ما أنكرت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك، وهذا صحيح، فإن لم يقطع الطمع من الناس من شيئين لم يقدر على الإنكار عليهم.
أحدهما : من لطف ينالونه به .
والثاني : من رضاهم عنه وثنائهم عليه.
وأما الرفق في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فمتعين ، قال الله تعالى: {فقولا له قولاً ليناً} [طه : 44]. وروى أن أبا الدرداء رضى الله عنه مر على رجل قد أصاب ذنبا والناس يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم ، واحمدوا الله الذي عافكم، فقالوا: أفلا تبغضه؟ فقال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه، فهو أخي.
ومر فتى يجر ثوبه، فهم أصحاب صلة بن أشيم أن يأخذوه بألسنتهم أخذاً شديداً، فقال صلة: دعوني أكفكم أمره، ثم قال: يا ابن أخي، إن لى إليك حاجة. قال ما هي؟ قال: أحب أن ترفع إزارك، قال نعم ونعمى عين فرفع إزاره، فقال صلة، لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم ، فإنكم لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم.
وُدعي الحسن إلى عرس، فجئ بجام من فضة فيه خبيص ، فتناوله وقلبه على رغيف، فأصاب منه، فقال رجل : هذا نهى في سكون.
سلافة
10-Sep-2009, 01:05 PM
باب المنكرات المألوفة في العادات
وفى الإنكار على الأمراء والسلاطين ، وأمرهم بالمعروف
ولنذكر في ذلك فصلين:
الفصل الأول:
اعلم: أن المنكرات المألوفة في العادات لا يمكن حصرها، لكنا نشير إلى جمل يستدل بها على أمثالها، فمن ذلك:
منكرات المساجد:
مما يشاهد كثيراً فى المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة فى الركوع والسجود وكذلك كل ما يقدح فى صحة الصلاة، من نجاسة على ثوب المصلى لايراها، أو انحراف عن القبلة بسبب عمى أو ظلام. ومن ذلك اللحن فى القراءة.واشتغال المعتكف بإنكار هذه الأشياء وتعريفها أفضل له من نافلة يقتصر عليها. ومن ذلك : تراسيل (1) المؤذنين وتطويلهم مد كلماته.
ومن ذلك: أن يكون على الخطيب ثوب حرير، أو بيده سيف مذهب.
ومن ذلك : ما يجرى من القصاص فى المساجد من الكذب، والأشياء المنهى عنها، كالخوض فى الكلام الموجب للفتن، ونحو ذلك.
ومن ذلك أن يكون الرجال مختلطين بالنساء، فينبغى إنكار ذلك عليهم.
ومنها : الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة، والتعويذات ، وقيام السؤال، وإنشادهم الأشعار، ونحو ذلك. فهذه منها ما هو حرام، ومنها ما هو مكروه.
منكرات الأسواق:
ومن ذلك : الكذب فى المرابحة: وإخفاء العيب، فمن قال: اشتريت هذه السلعة بعشرة، ورابح درهاً، وكان كاذباً ، فهو فاسق .ويجب على من عرف ذلك أن يخبر المشترى بكذبه، فإن سكت مراعاة للبائع، كان شريكاً له فى الخيانة. وكذلك إذا علم العيب، لزمه أن يبينه للمشترى، وكذلك التفاوت فى الميزان والذراع، يجب على كل من عرفه تغييره، إما بنفسه، أو برفعه إلى الوالى حتى يغيره.
ومنها : الشروط الفاسدة، واستعمال الربا، وبيع الملاهى ، والصور المجسمة، ونحو ذلك.
منكرات الشوراع:
ومن ذلك بناء دكان متصلة بالأبنية المملوكة، وإخراج الأجنحة ، وغرس الأشجار إذا كان ذلك يؤدى إلى تضييق الطريق والإضرار بالمارة، فأما وضع الحطب والطعام فى الطريق بمقدار ما ينقل إلى البيوت فجائز، فإن ذلك يشترك الكافة فى الحاجة إليه.
ومن المنكرات : ربط الدواب على الطريق بحيث تضيق وتؤذى الناس ، فيجب المنع من ذلك ، إلا إذا كان بمقدار الحاجة للنزول والركوب.
ومن ذلك : تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيق، وكذلك طرح الكناسة على جواد الطريق، وتبديد قشور البطيخ، أو رش الماء بحيث يخشى منه الزلق، والماء الذى يجتمع فى ميزاب معين . فأما إن كان من المطر، فذلك على الولاة، وليس للآحاد فى ذلك إلا الوعظ.
منكرات الحمامات:
من ذلك: صور الحيوانات على باب الحمام أو داخله، ويكفى فى زوال ذلك أن تشوه وجوه الصور، بحيث يبطل تصويرها. ومن لم يقدر على الإنكار،لم يجزله الدخول إلا لضرورة، وليعدل إلى حمام آخر.
ومن ذلك : كشف العورات، والنظر إليها، وكشف المدلك عن الفخذ،وما تحت السرة، لتنحيه الوسخ أو مس العورة.
ومنها : غمس اليد والأوانى النجسة فى المياه القليلة، فإن فعل ذلك مالكى، لم ينكر عليه، بل يتلطف به، ويقول له : يمكنك أن لا تؤذينى بتفويت الطهارة على.
منكرات الضيافة:
من ذلك : فرش الحرير للرجال، والبخور فى مجمررة فضة أو ذهب، والشرب فيهما، استعمال ماء الورد منهما، وكذلك تعليق الستور وفيها الصور، وسماع القينات والأوتار، واطلاع النساء على الشباب الذين تخاف فتنتهم ، فكل ذلك منكر يجب تغييره، ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج. وأما الصور على النمارق والبسط ، فليس بمنكر، وكذلك الفرش والحرير، والذهب للنساء، فانه جائز، ولا رخصة فى تثقيب آذان الصبية لأجل تعليق حلق الذهب ، فإن ذلك جرح مؤلم لا يجوز، وفى المخانق والأسورة كفاية عن ذلك والاستئجار على ذلك غير صحيح، والأجرة المأخوذة عليه حرام. ومن ذلك أن يكون فى الضيافة مبتدع يتكلم فى بدعته، فلا يجوز الحضور معه إلا لمن يقدر على الرد عليه، وإن لم يتكلم المبتدع جاز الحضور مع إظهار الكراهة له والإعراض عنه، وإن كان هناك مضحك بالفحش والكذب، لم يجز الحضور، ويجب الإنكار، فإن كان مزحاً لا كذب فيه ولا فحش، أبيح ما لم يقل من ذلك، فأما اتخاذه صناعة وعادة فيمنع منه.
المنكرات العامة:
من تيقن أن فى السوق منكراً يجرى على الدوام ، أو فى وقت معين وهو قادر على تغييره، لم يجز له أن يسقط ذلك عنه بالقعود فى بيته، بل يلزمه الخروج، فإن قدر على تغيير البعض لزمه.
وحق عل كل مسلم أن يبدأ بنفسه، فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات ، ثم يعلم ذلك أهله وأقاربه، ثم يتعدى إلي جيرانه وأهل محلته، ثم إلي أهل بلده، ثم إلي السواد كذلك إلي أقصى العالم، فإن قام بذلك الأقرب ، سقط عن الأبعد، وإلا خرج به كل قادر عليه.
الفصل الثانى: فى أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وقد ذكرنا درجات الأمر بالمعروف ، والجائز من ذلك مع السلاطين القسمان الأولان وهما : التعريف والوعظ، فأما تخشين القول، نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها إلى الغير، لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه، فهو جائز عند جمهور العلماء، والذى أراه المنع من ذلك، لأن المقصود إزالة المنكر ، وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر أكبر من المنكر الذى قصد إزالته، وذلك أن أقرب السلاطين التعظيم، فان سمعو من آحاد الرعية: يا ظالم، يا فاسق، رأوا غاية الذل، لم يصبروا على ذلك.
قال الإمام أحمد رحمه الله: لا تتعرضن بالسلطان، فان سيفه مسلول، فأما ما جرى من السلف من التعرض لأمرائهم، فانهم كانوا يهابون العلماء، فإذا انبسطوا عليهم احتملوهم فى الأغلب.
وقد جمعت مواعظ السلف للخلفاء والأمراء فى كتاب " المصباح المضئ" وأنا أنتخب منه ها هنا حكايات.
قال سعيد بن عامر لعمر بن الخطاب رضى الله عنه : إنى موصيك بكلمات من جوامع الآلام ومعالمه: اخش الله فى الناس، ولا تخش الناس فى الله ، ولا يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه الفعل، وأحب لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك ، وخض الغمرات إلى الحق حيث علمته، ولا تخف فى الله لومة لائم . قال : ومن يستطع ذلك يا أبا سعيد؟ قال: من ركب فى عنقه مثل الذى ركب فى عنقك.
وقال قتادة: خرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه من المسجد ومعه الجارود، فإذا امرأة برزة على الطريق، فسلم عليها، فردت عليه، أو سلمت عليه، فرد عليها، فقال: هيه يا عمر، عهدتك وأنت تسمى عميراً فى سوق عكاظ تصارع الصبيان، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله فى الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشى الفوت، فبكى عمر رضى الله عنه ، فقال الجارود: هيه ، لقد تجرأت على أمير المؤمنين وأبكيتيه.
فقال عمر: دعها ، أما تعرف هذه؟ هى خولة بن حكيم التى سمع الله قولها من فوق سماواته، فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها.
ودخل شيخ من الأزد على معاوية، فقال: اتق الله يا معاوية، واعلم أنك كل يوم يخرج عنك، وفى كل ليلة تأتى عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعداً، ومن الآخرة إلا قرباً، وعلى إثرك طالب لا تفوته، وقد نصب لك علم لا تجوزه، فما أسرع ما تبلغ العلم، وما أوشك أن لحقك الطالب، وإنا وما نحن فيه وأنت زائل، والذى نحن صائرون إليه باق ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر.
سلافة
10-Sep-2009, 01:06 PM
ودخل سليمان بن عبد الملك المدينة، فأقام بها ثلاثاً، فقال: ما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدثنا؟ فقيل له : ها هنا رجل يقال له أبو حازم ، فبعث إليه فجاء. فقال سليمان: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: وأى جفاء رأيت منى؟ فقال له: أتاني وجوه المدينة كلهم ولم تأتنى ؟! فقال : ما جرى بينى وبينك معرفة آتيك عليها. قال صدق الشيخ. يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ قال : لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلو من العمران إلى الخرب. قال: صدقت يا أبا حازم، فكيف القدوم على الله تعالى؟ قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله فرحاً مسروراً ، وأما المسئ فكالآبق يقدم على مولاه خائفاً محزوناً. فبكى سليمان وقال: ليت شعرى، ما لنا عند الله يا أبا حازم، فقال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله ؟ قال: عند قوله {إن الأبرار لفى نعيم * وإن الفجار لفى جحيم} [الإنفطار 13- 14]. قال يا أبا حازم، فأين رحمة الله؟ قال: {قريب من المحسنين} [الأعراف :56] قال: يا أبا حازم، من أعقل الناس؟ قال : من تعلم الحكمة وعلمها الناس. قال :فمن أحمق الناس؟ قال: من حط نفسه فى هوى رجل وهو ظالم، فباع أخرته بدنيا غيره. قال : يا أبا حازم فما أسمع الدعاء؟ قال: دعاء المخبتين. قال : فما أزكى الصدقة؟ قال : جهد المقل. قال يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال : أعفني من هذا. قال سليمان نصيحة تلقيها. قال أبو حازم : إن ناساً أخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة المسلمين، ولا إجماع عن رأيهم، فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا، ثم ارتحلوا عنه، فليت شعرى، ما قالوا؟ وما قيل لهم؟ فقال بعض جلسائهم؟ بئس ما قلت يا شيخ، فقال أبو حازم: كذبت، إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه. قال سليمان: يا أبا حازم، أصبحنا تصيب منا ونصيب منك. قال: أعود بالله من ذلك . قال : ولم؟ قال: أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلاً، فيذيقنى ضعف الحياة، وضعف الممات . قال . فأشر على، قال : اتق الله أن يراك حيث نهاك ، أو يفقدك حيث أمرك. قال : يا أبا حازم، ادع لنا بخير. فقال: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره للخير، وإن كان غير ذلك ، فخذ إلى الخير بناصيته، فقال : يا غلام، هات مائة دينار ثم قال: خذ يا أبا حازم .قال لا حاجة لى به، لى ولغيرى فى هذا المال أسوة، فإن واسيت بيننا وإلا فلا حاجة لى فيها، إنى أخاف أن يكون لما سمعت من كلامى. فكأن سليمان أعجب بأبى حازم، فقال الزهرى: إنه لجارى منذ ثلاثين سنة، ما كلمته قط، فقال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتنى . قال الزهرى : أتشتمنى؟ قال سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على الجار حقاً؟ قال أبو حازم: إن بنى إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها منهم، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا العلم، وأتوا به الأمراء، واجتمع القوم على المعصية، فسقطوا وانتكسوا، ولو كان العلماء يصونون دينهم وعلمهم ، لم تزل الأمراء تهابهم. قال الزهرى: كأنك إياى تريد وبى تعرض؟ قال : هو ما تسمع.
وحكى أن أعرابيا دخل على سليمان بن عبد الملك ، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته. قال : قل ، قال : يا أمير المؤمنين، إنه قد أكتنفك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك فى الله ولم يخافوه فيك، خربوا الآخرة وعمروا الدنيا، فهم حرب للآخرة، سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فانهم لم يألو الأمانة تضييعاً والأمة خسفاً، وأنت مسؤول عما اجترحوا، وليسوا بمسؤولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فان أعظم الناس غبناً بائع آخرته بدنيا غيره. فقال سليمان: أما أنت فقد سللت لسانك، وهو أقطع من سيفك . فقال: أجل يا أمير المؤمنين ، لك لا عليك . قال: فهل من حاجة فى ذات نفسك؟ قال : أما خاصة دون عامة فلا، ثم قام فخرج. فقال سليمان : لله دره ما أشرف أصله ، وأجمع قلبه، وأذرب لسانه، وأصدق نيته ، وأروع نفسه، هكذا فليكن الشرف والعقل.
وقيل : قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لأبى حازم: عظنى. فقال: اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك ، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن. وقال محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، إنما الدنيا سوق من الأسواق ، منها خرج الناس بما يضرهم وما ينفعهم، وكم من قوم غرهم منها مثل الذى أصبحنا فيه، حتى أتاهم الموت فاستوعبهم فخرجوا منها ملومين لم يأخذوا منها لما أحبوا من الآخرة عدة، ولا لما كرهوا منها جنة، اقتسم ما جمعوا من لم يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم فنحن محققون يا أمير المؤمنين أن ننظر إلى تلك الأعمال التى نغبطهم بها فنخلفهم فيها، وإلى الأعمال التى نتخوف عليهم فيها فنكف عنها، فاتق الله ، وافتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد الظالم. ثلاث من كن فيه استكمل الأيمان بالله عز وجل: إذا رضى لم يدخله رضاه فى الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.ودخل عطاء بن أبى رباح على هشام ، فرحب به وقال: ما حاجتك يا أبا محمد؟ وكان عنده أشراف الناس يتحدثون، فسكتوا، فذكره عطاء بأرزاق أهل الحرمين وعطياتهم. فقال: نعم يا غلام اكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاء أرزاقهم، ثم قال : يا أبا محمد هل من حاجة غيرها؟ فقال: نعم فذكره بأهل الحجاز، وأهل نجد، وأهل الثغور، ففعل مثل ذلك، حتى ذكره بأهل الذمة أن لا يكلفوا مالا يطيقون ، فأجابه إلى ذلك، ثم قال له فى آخر ذلك: هل من حاجة غيرها؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين، اتق الله فى نفسك ، فإنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، لا والله ما معك ممن ترى أحد. قال: فأكب هشام يبكى، وقام عطاء. فلما كان عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس ما تدرى ما فيه، أدراهم أم دنانير؟ وقال: إن أمير المؤمنين قد أمر لك بهذا، فقال: {ما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين} ثم خرج ولا والله ما شرب عندهم حسوة ماء فما فوقها.
وعن محمد بن على قال: إنى لحاضر مجلس المنصور، وفيه ابن أبى ذئب، وكان والى المدينة والحسن بن زيد، فأتى الغفاريون فشكوا إلى أبى جعفر المنصور شيئاً من أمر الحسن بن زيد، فقال الحسن: يا أمير المؤمنين، سل عنهم ابن أبى ذئب. قال: فسأله عنهم ، فقال: أشهد أنهم أهل الحطم فى أعراض الناس. فقال أبو جعفر: قد سمعتم؟ فقال الغفاريون: يا أمير المؤمنين، فسله عن ا لحسن بن زيد. فسأله، فقال: أشهد أنه يحكم بغير الحق. فقال: قد سمعت يا حسن . قال يا أمير المؤمنين، سله عن نفسك. فقال: ما تقول فى؟ قال :أو يعفينى أمير المؤمنين؟ فقال والله لتخبرنى. فقال أشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه، وجعلته فى غير أهله. فوضع يده فى قفا ابن أبى ذئب، وجعل يقول له: أما والله ولا أنا لأخذت أبناء فارس والروم والدليم والترك بهذا المكان منك. فقال ابن أبى ذئب: قد ولى أبو بكر وعمر فأخذا بالحق وقسما بالسوية، وأخذا بأقفاء فارس والروم، فخلاه أبو جعفر ، وقال : والله لولا أنى أعلم أنك صادق لقتلتك ، فقال: والله يا أمير المؤمنين إنى أنصح لك من ابن المهدى.
سلافة
10-Sep-2009, 01:09 PM
وعن الأوزاعى رحمه الله قال: بعث إلى المنصور وأنا بالساحل فأتيته، فلما وصلت إليه وسلمت عليه استجلسنى، ثم قال: ما الذى أبطأ بك يا أوزاعى؟
قلت : وما الذى تريد يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم.
قلت : فانظر يا أمير المؤمنين أن تسمع شيئاً ثم لا تعمل به، فصاح بى الربيع وأهوى بيده إلى السيف، فانتهزه المنصور وقال : هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة، فطابت نفسى وانبسطت فى الكلام ، فقلت: يا أمير المؤمنين، حدثنى مكحول عن عطية بن بشر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أيما وال مات غاشاً لرعيته حرم الله عليه الجنة" يا أمير المؤمنين ، كنت فى شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم، أحمرهم ، وأسودهم ومسلمهم، وكافرهم ، وكل له عليك نصيب من العدل ، فكيف بك إذا انبعث منهم فئام وراء فئام (2) ،ليس منهم أحد إلا هو يشكو بلية أدخلتها عليه، أو ظلامة سقتها إليه.
يا أمير المؤمنين، حدثنى مكحول عن زياد بن حارثة عن حبيب بن سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا إلى القصاص نفسه فى خدش خدشه أعرابياً لم يتعمده، فأتاه جبريل فقال : يا محمد ، إن الله تعالى لم يبعثك جباراً ولا متكبراً، فدعا ? الأعرابى، فقال: " اقتص منى" ، فقال الأعرابى: قد أحللتك، بأبي أنت وأمى، وما كنت لأفعل ذلك أبداً، ولو أتيت على نفسى. فدعا له بخير. يا أمير المؤمنين، رض نفسك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربك.يا أمير المؤمنين، إن الملك لو بقى لمن قبلك لم يصل إليك، وكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك.يا أمير المؤمنين، جاء فى تأويل هذه الآية عن جدك { ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها}[الكهف:49]، قال الصغيرة: التبسم، والكبيرة الضحك، فكيف بما عملته الأيدى، وحصدته الألسن.يا أمير المؤمنين، بلغنى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة، لخشيت أن أسأل عنها، فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك؟يا أمير المؤمنين، جاء فى تأويل هذه الآية عن جدك : { يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض، فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} [ص: 26] قال: إذا قعد الخصمان بين يديك، وكان لك فى أحدهما هوى ، فلا تتمنين فى نفسك أن يكون الحق له فيفلج على صاحبه، فأمحوك من نبوتى، ثم لا تكون خليفتى، يا داود: إنما جعلت رسلى إلي عبادى رعاء كرعاء الإبل لعلمهم بالرعاية، ورفقهم بالسياسة، ليجبروا الكسر، ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء.يا أمير المؤمنين، إنك قد بليت بأمر لو عرض على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه.يا أمير المؤمنين: حدثنى يزيد بن جابر عن ثم قلت : يا أمير المؤمنين، قد سأل جدك العباس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمارة على مكة والطائف أو اليمن ، فقال له النبى صلى الله عليه وآله وسلم: " يا عم نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها" (3) نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه، وأخبره أنه لا يغنى عنه من الله شيئاً إذا أوحى إليه : {وأنذر عشريتك الأقربين}[الشعراء:214] فقال : يا عباس ، ويا صفية، ويا فاطمة، إنى لست أغنى عنكم من الله شيئاً، لى عملى ولكم عملكم، وقد قال عمر بن الخطاب : لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل، لا تأخذه فى الله لومة لائم، وذكر تمام كلامه للمنصور ، ثم قال : فهى نصيحة، والسلام عليك. ثم نهض فقال : إلى أين ؟ فقال : إلى الوطن بأذن أمير المؤمنين. فقال : أذنت لك، وشكرت لك نصيحتك، وقبلتها بقبولها، والله الموفق للخير، والمعين عليه، وبه أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبى ونعم الوكيل، فلا تخلنى من مطالعتك إياى بمثلها، فإنك المقبول القول غير المتهم فى النصيحة. قلت: أفعل إن شاء الله. فأمر له بمال يستعين به على خروجه، فلم يقبله، وقال: أنا فى غنى عنه، وما كنت لأبيع نصيحتى بعرض الدنيا كلها، وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه فى رده. ولما حج الرشيد قيل له: يا أمير المؤمنين، قد حج شيبان. قال: اطلبوه لى، فأتوه به، فقال: يا شيبان، عظنى، قال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل ألكن، لا أفصح بالعربية، فجئنى بمن يفهم كلامى حتى أكلمه. فأتى برجل يفهم كلامه، فقال له بالنبطية: قل له: يا أمير المؤمنين، إن الذى يخوفك قبل أن تبلغ المأمن، أنصح لك من الذى يؤمنك قبل أن تبلغ الخوف، قال له: أى شىء تفسير هذا؟ قال: قله: الذى يقول لك: اتق الله فإنك رجل مسؤول عن هذه الأمة، استرعاك الله عليها، وقلدك أمورها، وأنت مسؤول عنها، فاعدل فى الرعية، واقسم بالسوية، وانفذ فى السرية، واتق الله فى نفسك، هذا الذى يخوفك، فإذا بلغت المأمن أمنت، هذا أنصح لك ممن يقول: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم قرابة نبيكم وفى شفاعته، فلا يزال يؤمنك حتى إذا بلغت الخوف عطبت، قال: فبكى هارون حتى رحمه من حوله، ثم قال: زدنى، قال: حسبك.
وعن علقمة بن أبى مرثد، قال: لما قدم عمر بن هبيرة العراق، أرسل إلى الحسن وإلى الشعبى، فأمر لهما ببيت، فكانا فيه نحواً من شهر، ثم دخل عليهما وجلس معظماً لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إلى كتباً، أعرف أن فى إنقاذها الهلكة، فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله، فهل تريان فى متابعتى إياه فرجاً؟ فقال الحسن: يا أبا عمرو، أجب الأمير. فتكلم الشعبى، فانحط فى أمر ابن هبيرة، كأنه عذره، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ قال: أيها الأمير، فقد قال الشعبى ما قد سمعت. فقال: ما تقول أنت؟ قال: أقول: يا عمر بن هبيرة، ويوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ لا يعصى الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك. يا عمر بن هبيرة، إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولن يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله تعالى. يا عمر بن هبيرة، لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل فى طاعة يزيد بن عبد الملك، فيغلق به باب المغفرة دونك. يا عمر بن هبيرة، لقد أدركت ناساً من صدر هذه الأمة، كانوا عن الدنيا وهى مقبلة عليهم أشد إدباراً من إقبالكم عليها وهى مدبرة عنكم.
يا عمر بن هبيرة، إنى أخوفك مقاماً خوفكه الله تعالى فقال: {ذلك لمن خاف مقامى وخاف وعيد} [إبراهيم:14]. يا عمر بن هبيرة، إن تك مع الله فى طاعته، كفاك يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصى الله وكلك الله إليه. فبكى عمر بن هبيرة وقام بعبرته.فلما كان من الغد أرسل إليهما باذنهما وجوائزهما، وأكثر فيها للحسن، وكان فى جائزة الشعبى بعض الإقتار، فخرج الشعبى إلى المسجد، فقال: أيها الناس، من استطاع منكم أن يؤثر الله تعالى على خلقه، فليفعل، فوالذى نفسى بيده، ما علم الحسن شيئاً منه فجهلته، ولكنى أردت وجه ابن هبيرة، فأقصانى الله منه.ودخل محمد بن واسع رحمه الله على بلال بن أبى بردة فى يوم حار وبلال فى حبشة، وعنده الثلج، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف ترى بيتنا هذا؟ قال: إن بيتك لطيب، والجنة أطيب منه، وذكر النار يلهى عنه. قال: ما تقول فى القدر؟ قال: جيرانك أهل القبور، ففكر فيهم، فإن فيهم شغلاً عن القدر. قال: ادع الله لى. قال: وما نصنع بدعائى؟ وعلى بابك كذا وكذا يقولون: إنك ظلمتهم، يرفع دعاؤهم قبل دعائى، لا تظلم، ولا تحتاج لدعائى.فهذا مختصر من أخبار من وعظ الأمراء، فمن أراد الزيادة، فلينظر فى "المصباح المضيء".
وهذه كانت سير العلماء وعاداتهم فى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وقلة مبالاتهم بسطوات السلاطين إيثاراً لإقامة حق الله تعالى على تقاتهم (4) ، إلا أن السلاطين كانوا يعرفون حق العلم وفضله فيصبرون على مضض مواعظ هؤلاء.والذى أراه الآن الهرب من السلاطين، فهو الأولى، فإن قدر لقاء، أقتنع بلطف الموعظة حسب.ولذلك سببان:
أحدهما: يتعلق بالواعظ، وهو سوء قصده وميله إلى الدنيا والرياء، فلا يخلص له وعظه.
والثانى: يتعلق بالموعوظ، فإن حب الدنيا قد شغل الأكثرين عن ذكر الآخرة، وتعظيمهم الدنيا أنساهم تعظيم العلماء، وليس لمؤمن أن يذل نفسه. آخر كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وذكر المصنف قبل ذلك كتاباً فى السماع والوجد، فلنذكر شيئاً منه ها هنا مختصراً.
سلافة
10-Sep-2009, 01:10 PM
2ـ فصل في حكم السماع
اعلم: أن السماع الذى نعنى به الغناء من أكبر ما تطرق به إبليس إلى فساد القلوب، وغر به خلقاً لا يحصون من العلماء والزهاد،فضلاً عن العوام، حتى ادعوا حضور القلب مع الله عند سماع الأغانى المطربة، وظنوا أن ما أوجبه السماع من طرب القلوب وانزعاجها، وجد يتعلق بالآخرة.وإذا أردت أن تعرف الحق، فانظر فى القرن الأول، هل فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من ذلك أو أصحابه، ثم انظر إلى أقوال التابعين وتابعيهم، وفقهاء الأمة، كمالك، وأبى حنيفة، والشافعى، وأحمد رحمهم الله، فكل القوم ذموا الغناء، حتى قال مالك: إذا اشترى جارية، فوجدها مغنية، كان له ردها، وسئل عن الغناء، قال: إنما يفعله الفساق. وسئل الإمام أحمد عن رجل مات وخلف ولداً وجارية مغنية، فاحتاج الصبي إلى بيعها، فقال: تباع على أنها ساذجة لا مغنية، فقيل له: إنها تساوى ثلاثين ألفاً إذا كانت مغنية، وإذا بيعت ساذجة ربما ساوت عشرين ديناراً، فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. وقد أطبق الفقهاء على الزجر عن الغناء. ومن المتأخرين أبو الطيب الطبرى من كبار أصحاب الشافعى، وصنف كتاباً، وبالغ فى النهى عنه، وإنما تعلق بإباحته قوم مفتونون، قالوا: قد أجازه قوم من السلف. وقد سمع أحمد بن حنبل قول قوال، فقال: لا بأس بهذا، فينبغى أن يتأمل الذى أفتى بجوازه ماهو، وليس إلا الأشعار الزهدية وما يشبهها، من غير ضرب بقضيب، أو آلة تطرب، ولا ضم إلى ذلك تصفيق ولا رقص.
وعلى هذا يحمل حديث عائشة فى الجاريتين المغنيتين لما غنتا بما تقاولته الأنصار يوم بعاث فإن ذلك لا يطرب. ومعلوم أنه لم يكن للأوائل ما أحدثه الأواخر من الدف والصنج والشبابة والشعر الرقيق، فإن هذه الأشياء تثير دفائن الهوى الكامنة فى النفوس وتزعج، فيحسب الجاهل هذا الانزعاج معلقاً بالأبخرة، وهيهات. وليتهم قالوا: إن هذا مباح من اللهو فنستريح إليه، وإنما يظنونه قربة، ويسمون الطرب المخرج عن حد العقل وجداً، وربما أوجد الطرب مالا يحل، من تمزيق الثياب، والتخبط، وكل هذا بمعزل عن طريق السلف، وغير خاف أنه ضلال عن الجادة، فلا ينبغى للإنسان أن يغالط نفسه، وإنما الوجد الصحيح وجد القلب عند سماع القرآن والوعظ، فحينئذ يثور من الباطن خوف من الوعيد، وشوق من الوعد، وندم على التفريط، وجميع هذه الحركات الباطنة توجب سكون الظاهر، لا الجمز والتصفيق، ولم يضق علينا القرآن والوعظ وأشعار الزهد، حتى نحتاج فى إحضار القلوب إلى باب الله تعالى أن نذكر سلمى وسعدى، ولا ننكر أنه قد يتفق فى بعض تلك الأشعار ما يصح أن يوجد إشارة، إلا أن الأغلب منها إمالة القلوب إلى الهوى الدنيوى.ومثل من أراد أن يأخذ منها للآخرة، كمثل من قال: أنا أنظر إلى الأمرد المستحسن لأتعجب من صنعة القادر، فإنه قد أخطأ الطريق، لأن ما تستلبه الشهوة والطبع عند النظر يكدر طريق الفكر ويشغل عنه، فلذلك نمنعه ونقول: انظر إلى مالا مكدر فيه قوله تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها} [ق:6]. ومن قال: إنه لا يؤثر عندى ما يؤثر عند غيرى من انجذاب الطبع إلى الهوى، كان مدعياً ما يخالف الجبلة، فلا يلتفت إلى دعواه، وقد بالغت فى الكشف عن هذا كله فى كتابى المسمى بــ "تلبيس إبليس" فلم أر التطويل هاهنا، والله أعلم.
سلافة
10-Sep-2009, 01:14 PM
باب آداب المعيشة وأخلاق النبوة
اعلم: أن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن، وحركات الجوارح ثمرات الخواطر، والأعمال نتائج الأخلاق، والآداب رشح المعارف، وسرائر القلوب هى مغارس الأفعال ومنابعها، وأنوار السرائر هى التى تشرق على الظواهر فتزينها وتحليها. ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه، ومن لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية، لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية.
وقد أسلفنا جملة من الآداب بما يغنى عن إعادتها هاهنا، لكن نقتصر فى هذا الباب على شىء من آداب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخلاقه لنجمع مع جمع الآداب تأكيد الإيمان بمشاهدة أخلاقه الكريمة التى يشهد آحادها بأنه أكرم الخلق وأعلاهم مرتبة وأجلهم قدراً، فكيف بمجموعها؟.
سئلت عائشة رضى الله عنه الله ، عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ولما كمل الله تعالى خلقه أثنى عليه فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 5] فسبحان من أعطى ثم أثنى. وهذه جملة من محاسن أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم ، وصفته:
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحلم الناس، واسخي الناس، وأعطف الناس. وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم فى مهنة أهله. وكان أشد حياء من العذراء فى خدرها.
وكان يجيب دعوة المملوك، ويعود المرضى، ويمشى وحده، ويردف خلفه، ويقبل الهدية، ويأكلها، ويكافئ عليها، ولا يأكل الصدقة، ولا يجد من الدقل (1) ما يملأ بطنه، ولم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام تباعاً.وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع. وكان يأكل ما حضر، وما عاب طعاماً قط.وكان لا يأكل متكئاً، ويأكل مما يليه. وكان أحب الطعام إليه اللحم، ومن الشاة الكتف، ومن البقول الدباء، ومن الصبغ الخل، ومن التمر العجوة.وكان يلبس ما وجد ، مرة برد حبرة، ومرة جبة صوف.ويركب تارة بعيراً وتارة بغلة، وتارة حماراً، ويمشى مرة راجلاً حافياً.
وكان يحب الطيب، ويكره الريح الخبيثة.ويكرم أهل الفضل، ويتألف أهل الشرف.
ولا يجفو على أحد، ويقبل معذرة المعتذر إليه.يمزح ولا يقول إلا حقاً، يضحك فى غير قهقهة، لا يمضى عليه وقت فى غير عمل لله تعالى، أو فيما لابد منه من صلاح نفسه.وما لعن امرأة ولا خادماً قط.وما ضرب أحداً بيده قط، إلا أن يجاهد فى سبيل الله.وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله.وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون مأثماً أو قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس منه.وقال أنس رضى الله عنه: خدمته عشر سنين، فما قال لى: أف قط، ولا قال لشىء فعلته: لم فعلته، ولا لشىء لم أفعله: لا فعلت كذا؟ومن صفته فى التوراة: محمد رسول الله، عبدى المختار، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.وكان من خلقه أنه يبدأ بالسلام من لقيه، ومن فاره بحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف.وما أخذ أحد يده فأرسل يده حتى يرسلها الآخذ.وكان يجلس حيث ينتهى به المجلس مختلطاً بأصحابه كأنه أحدهم، فيأتى الغريب فلا يدرى أيهم هو حتى يسأل عنه:
وكان طويل السكوت، فإذا تلكم لم يسرد كلامه، بل يتثبت فيه ويكرره ليفهم. وكان يعفو مع القدرة، ولا يواجه أحداً بما يكره.وكان أصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، ومن رآه بديهة هابة، ومن خالطه معرفة أحبه، وكان أصحابه إذا تكلموا فى أمر الدنيا تحدث معهم، وكانوا يتذاكرون أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم.وكان أشجع الناس. قال بعض أصحابه: البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير، كان ربعه من القوم.وكان أزهر الله ولم يكن بالآدم.وكان رجل الشعر، ليس بالبسط ولا الجعد القطط، وكان شعره إلى شحمة أذنه.وكان واسع الجبهة، أزج الحواجب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، أقنى العرنين، سهل الخدين، كث اللحية، كأن عنقه جيد دمية، عريض الصدر، سواء البطن والصدر، رحب الراحة، طويل الزندين، كفه ألين من الحرير صلى الله عليه وآله وسلم.
سلافة
10-Sep-2009, 01:15 PM
وأما معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم:
فإن من شاهد أحواله وسمع أخباره المشتملة على أخلاقه وأفعاله وآدابه وبدائع تدبيره لمصالح الخلق ومحاسن إشارته فى تفصيل ظاهر الشرع الذى تعجز العقلاء والفصحاء عن إدراك أوائل دقائقها فى طول أعمارهم، لم يبق عنده ريب فى أن ذلك لم يكن محتسباً بحيلة وأنه لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد من تأييد سماوى وقوة إلهية، وأن ذلك لا يصح لملبس ولا كذاب، بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعة بصدقة.ومن أعظم معجزاته انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وإطعامه الخلق الكثير من الطعام اليسير، ورميه بحصيات يسيرة فوصلت إلى أعين الخلق الكثير، وحنين الجذع إليه كما يحن العشار، وإخباره بالغائبات فكانت كما قال، ورد عين قتادة بيده فكانت أحسن عينيه، وتفل فى عين على رضى الله عنه وهو أرمد فصح من وقته، إلى غير ذلك من المعجزات التى شاعت ولم يوجد سبيل إلى كتمانها، نسأل الله أن يوفقنا للاقتداء بأخلاقه وصفاته، إنه كريم مجيب، والحمد لله رب العالمين.
سلافة
10-Sep-2009, 01:42 PM
الربع الثالث
ربع المهلكات
كتاب شرح عجائب القلوب
اعلم: أن أشرف ما في الإنسان قلبه، فإنه العالم بالله، العامل له، الساعي إليه، المقرب المكاشف، بما عنده، وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد.ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، والله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته أن يمنعه من معرفته ومراقبته، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين، وأساس طريق السالكين.
1ـ فصل [في مداخل إبليس في قلب الإنسان]
اعلم: أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم، إلى أن ينفتح القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثانى اختلاساً كما قال تعالى {من شر الوسواس الخناس} [الناس:4] وهو الذي إذا ذكر الله خنس، وإذا وقعت الغفلة انبسط، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار له مع الذكر.
واعلم: أن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ويستولى عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرفها، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهى كثيرة، إلا أنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان.
فمن أبوابه العظيمة: الحسد، والحرص، فمتى كان العبد حريصاً على شئ، أعماه حرصه وأصمه، وغطى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان. وكذلك إذا كان حسوداً فيجد الشيطان حينئذ الفرصة، فيحسن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته، وإن كان منكراً أو فاحشاً.
ومن أبوابه العظيمة: الغضب، والشهوة، والحدة، فإن الغضب غول العقل، وإذا ضعف جند العقل هجم حينئذ الشيطان فلعب بالإنسان. وقد روى أن إبليس يقول: إذا كان العبد حديداً، قلبنّاه كما يقلب الصبيان الكرة.
ومن أبوابه: حب التزيين في المنزل والثياب والأثاث، فلا يزال يدعو إلى عمارة الدار وتزيين سقوفها وحيطانها، والتزين بالثياب، والأثاث، فيخسر الإنسان طول عمره في ذلك.
ومن أبوابه: الشبع، فإنه يقوى الشهوة، ويشغل الطاعة.
ومنها: الطمع في الناس، فإن من طمع في شخص، بالغ بالثناء عليه بما ليس فيه، وداهنه، ولم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر.
ومن أبوابه: العجلة، وترك التثبت، وقد قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "العجلة من الشيطان، والتأني من الله تعالى"
ومن أبوابه: حب المال، ومتى تمكن من القلب أفسده، وحمله على طلب المال من غير وجهه، وأخرجه إلى البخل، وخوفه الفقر، فمنع الحقوق اللازمة.
ومن أبوابه: حمل العوام على التعصب في المذاهب، دون العمل بمقتضاها.
ومن أبوابه أيضاً: حمل العوام على التفكير في ذات الله تعالى، وصفاته، وفى أمور لا تبلغها عقولهم حتى يشككهم في أصل الدين.
ومن أبوابه: سوء الظن بالمسلمين، فإن من حكم على مسلم بسوء ظنه، احتقره وأطلق فيه لسانه، ورأى نفسه خيراً منه، وإنما يترشح سوء الظن بخبث الظان، لأن المؤمن يطلب المعاذير للمؤمن، والمنافق يبحث عن عيوبه. وينبغى للإنسان أن يحترز عن مواقف التهم، لئلا يساء به الظن، فهذا طرف من ذكر مداخل الشيطان، وعلاج هذه الآفات سد مداخل بتطهير القلب من الصفات المذمومة، وسيأتي الكلام عن هذه الصفات، بقى للشيطان بالقلب خطرات واجتيازات من غير استقرار، فيمنعه من ذلك ذكر الله تعالى، وعمارة القلب بالتقوى. ومثل الشيطان كمثل كلب جائع يقرب منك، فإن لم يكن بين يديك لحم وخبزه، فإنه ينزجر بأن تقول له: اخسأ، وإن كان بين يديك شئ من ذلك وهو جائع، لم يندفع عنك بمجرد الكلام، فكذلك القلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه بمجرد الذكر. فأما القلب الذي غلب عليه الهوى، فإنه يرفع الذكر إلى حواشيه، فلا يتمكن الذكر من سويدائه، فيستقر الشيطان في السويداء. وإذا أردت مصداق ذلك، فتأمل هذا في صلاتك، وانظر إلى الشيطان كيف يحدث قلبك في مثل هذا الموطن، بذكر السوق، وحساب المعاملين، وتدبير أمر الدنيا.
واعلم: أنه قد عفي عن حديث النفس، ويدخل في ذلك ما هممت به، ومن ترك ذلك خوفاً من الله تعالى كتبت له حسنة وإن تركه لعائق، رجونا له المسامحة، إلا أن يكون عزماً، فإن العزم على الخطيئة خطيئة، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: ما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه”.
وكيف لا تقع المؤاخذة بالعزم، والأعمال بالنية، وهل الكبر والرياء والعجب إلا أمور باطنة؟ ولو أن إنساناً رأى على فراشه أجنبية ظنها زوجته لم يأثم بوطئها، ولو رأى زوجته وظنها أجنبية أثم بوطئها، وكل هذا متعلق بعقد القلب.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.