د. عثمان عبد الله مختار
03-Nov-2009, 06:19 AM
خطوات نحو تطوير الذات
(10) التفكير الموضوعي (ب)
(صور ومواقف تنافي الموضوعية)
بعد الحديث في الحلقة السابقة (9) عن الخلفية التأريخية، ووسائل بناء المجال النظري للتفكير الموضوعي، نتناول الآن الصور والمواقف التي تنافي الموضوعية.
صور ومواقف تنافي الموضوعية:
رغم وضوح معالم التفكير الموضوعي، وإلمام الكثيرين بها، فليس من السهل تخلص أمة من الأمم من جميع صور (اللاموضوعية) بحيث تكون مواقفها الفكرية والسلوكية منسجمة مع المنطلقات العامة للموضوعية. وذلك لأن مؤثرا كبيرا يظل بالمرصاد عند التعامل مع كل حقيقة من الحقائق، وهو الهوى والمصالح الشخصية، إلى جانب ضعف الإدراك لصور التحيُّز، حيث يكون في بعض الأحيان على درجة من الدقة والخفاء يتعذر معها إلمام جميع الناس به. وهذا يعني أن الإنسان بحاجة إلى جهاد متواصل على مستوى الإرادة، وعلى مستوى القدرة حتى يظل قريبا من الإدراك الموضوعي والموقف الموضوعي. ومن ثم فإن التزام الشعوب والأفراد بالموضوعية سيظل نسبيا.
ومن الصور الخارجة عن الموضوعية ما يلي:
1- التَّعصُّـــب:
تقوم آلية التعصُّب على اعتقاد المتعصِّب أنه قبض على الحقيقة النهائية التي تدفع به إلى وجوب الالتزام الكامل برأي أو مذهب أو جماعة أو حزب أو قبيلة أو فترة تأريخية معينة، مما يجمع عادة بين الفضيلة والرذيلة والحُسن والقُبح والخطأ والصواب. ويقتضي ذلك الالتزام الدفاعَ الصلب عنه في وجه كل ما يخدش مضمون ذلك المعتقد. والفرق بين التعصُّب والالتزام هو أن الأخير انحياز إلى قطعيات لا تقبل الجدل، أو مبادئ عامة وقع الإجماع عليها، بينما يكون التعصُّب عادة فيما يقبل النظر والتأمل، وتختلف فيه وجهات النظر.
2- المبالغــة:
تتمثل المبالغة في تصوير خصائص شخص أو جماعة أو غيرها لدرجة إضفاء القداسة عليهما، كما تدفع إلى التعصُّب لهما. والدوافع للمبالغة كثيرة: منها التعصب لمن يبالَغ في مدحه، أو ضد من يبالَغ في ذمه والتحامل عليه. ويقف وراء المبالغات اليوم هيئات ومؤسسات كبرى تجيد فن التهويل والتفخيم، كما تجيد فن الاختزال والتهوين، ويظهر كل ذلك في شكل مجلات وإحصاءات ومواد دعائية، وقد تأتي – أحيانا - في صورة بحوث أو دراسات! بحيث أصبحت المبالغة اليوم أشد فتكا وأكثر تنظيما بسبب توفر الحوافز وغياب الرادع، وتطور وسائل النشر والاتصال، بل والدراسات النفسية والاجتماعية المتخصصة التي يتم من خلالها إيجاد وسائل النفاذ إلى العقول المستهدَفة بما يناسب الغاية من وراء ما يتم نشره أو توجيهه لتلك العقول. وأصبح التحصُّن من الوقوع في أسر المبالغة كثيرا ما يكون عسيرا حيث تسلك مسالك الإيحاء والإشعاع، وترتكز على قواعد متسعة من المعلومات التي يجهلها كثير من الناس.
3- عقلية البعد الواحد:
المقصود بالعقلية: "مجموعة من الصور الفكرية والعادات النفسية والاعتقادات الرئيسة في الفرد"، والمقصود بالبعد الواحد: "التأكيد على عنصر واحد من ظاهرة ذات عناصر متعددة إدراكا وتعاملا وإبرازا". وينتج ذلك عن فقر البيئة الطبيعية، والفقر الثقافي، وانعدام الحوار، والتعامل مع الواقع (أو المشكلة) على أنه كتلة صلدة غير قابلة للتفكيك بغرض الفحص والوصول إلى أسباب المشكلة، وبالتالي الفشل في إيجاد حلول لها، أو تركها وتجاهلها. ومن مسببات نشوء عقلية (البعد الواحد) أيضا الميل إلى تبسيط الأمور؛ لأسباب منها إدراك جزء من الأسباب الفاعلة وغياب بقية الأسباب عن الفرد. وهذا شأن أكثر الناس؛ لأن إدراك الأسباب الموضوعية لحدث من الأحداث يحتاج إلى وعي ومتابعة واستقراء، ومن هنا فإن الناس يعبّرون عمَّا يرَونه، وغالبا ما تكون رؤيتهم محصورة في الأسباب الظاهرة. وكذلك الفقر في المفردات اللغوية مما يضطر الفرد إلى الإجمال دون التفصيل، والرغبة في السهولة في تصور الأشياء والأحداث، والتبسيط طلبا لسهولة الحفظ والتداول والانتقال (كالأمثال والحكم) .. إلخ. وعموما، فإن التعامل مع الأشياء على أنها كتلة صلدة، والميل إلى التبسيط يؤديان إلى نتيجة واحدة هي (عطالة الفكر، لأن التفكير في الحالة الأولى لا فائدة منه، وفي الحالة الثانية لا حاجة إليه!)
ومن مسببات عقلية البعد الواحد أيضا الرؤية النصفية. إن أخطر ما يشكل عقلية البعد الواحد أن يرى المرء نصف الحقيقة، ويحجب عنه النصف الآخر، وذلك لأن أكثر الأشياء والأحداث والأشخاص يمتزج فيها الخير والشر، أو تكمن فيها القابلية لهما، وحين يبصر المرء ما يراه بشكل كامل فإنه تتشكل لديه (العقلية الترجيحية)، فترى (ولو بشكل تقريبي) الحسنات والسيئات والإيجابيات والسلبيات، وحينئذ فإن أحكامه تكون موضوعية متوسطة، بعيدة عن التفاؤل المفرط، لأنه يرى الجانب السلبي، وبعيدة عن التشاؤم، لأنه يلمح الجوانب المشرقة. وذلك بعكس ما عليه الحال في عقلية البعد الواحد.
ومن مسببات عقلية البعد الواحد أيضا الانغلاق، وله أشكال كثيرة؛ منها ضرب ستار حديدي يحول دون تمازج ثقافي بين دولة ودولة أخرى، أو قد يكون انغلاقا على مستوى التخصص العلمي، وقد يكون عبارة عن شك المرء في كل ما حوله، وقد يكون على مستوى حزب سري ... إلخ.
إن من المُسَلَّم به أن الوعي بالذات كثيرا ما يتوقف على الوعي بالآخر، وأن الجهل بما عند الآخرين سوف يحرمنا قطعا من جزء من وعينا بذاتنا. إن التقدم شيء نسبي، كما أن النجاح كذلك، كما أن الإخفاق كذلك. ولن ندرك حجم ذلك إلا من خلال الانفتاح على الآخرين انفتاحا يمكننا من رؤيةٍ نافذةٍ إلى جوهر ما هم عليه، وتنبيهنا إلى ما قد يكون لدينا من قصور أو أخطاء. والانغلاق يحرمنا من ذلك. وأخطر ما في الانغلاق هو تشكيل العقل الخيالي الذي يحمل الأفكار المغلوطة عن الواقع المعاش، وعن الفكر العالمي، مما يجعله ينهار عند الاحتكاكات الجادة مع من يعيشون خارج دائرته. وذلك لأن الأحادية تصبح السمة المميزة لكل ما يتعلق بالمنغلقين، وتنعكس سلبياتها على طرق تفكيرهم انعكاسا مكبرا، مما يحرمها من التنوع والثراء ورؤية الكون على ما هو عليه.
4- الخطأ في التفسير التآمري للتأريخ:
سوف يستمر الجدل بين الحق والباطل إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، لأن ذلك من مقومات الابتلاء الذي يصاحب كل ساعة من حياة المكلفين. وعليه، فإن تعرض المسلم للتآمر ممن يخالفونه في المعتقد وممن ينازعونه ساحات البقاء أمر طبيعي ومفهوم. وهذا التآمر لا يخلو من إيجابيات؛ فالصراع يوجد روح المقاومة، والأمة التي لا تُنازل غيرها، أو لا تشعر بأن هناك صراعا محتدما تصاب بالترهل والانحلال، ويتراجع إنتاجها الحضاري بشكل عام.
إن الموقف من التآمر ينبغي أن يكون مبنيا على العلم، أو الظن الراجح، لا على الشكوك، والقياسات الفاسدة. ذلك لأن تضخيم التآمر سيكون له رد فعل خاطئ، والاستهانة به ستؤدي إلى عدم مواجهته، وكلا الأمرين ضرر وخطر. ويُخيَّل إلى أنصاف المثقفين لدينا أن في التآمر ما يصلح لتفسير كل نكساتنا التي مُنينا بها في الماضي والحاضر، والتي ستقع في المستقبل، أي اتخاذ ذلك "شمَّاعة" نعلق عليها إخفاقاتنا. وهذا خطأ واضح. (نواصل ...)
(10) التفكير الموضوعي (ب)
(صور ومواقف تنافي الموضوعية)
بعد الحديث في الحلقة السابقة (9) عن الخلفية التأريخية، ووسائل بناء المجال النظري للتفكير الموضوعي، نتناول الآن الصور والمواقف التي تنافي الموضوعية.
صور ومواقف تنافي الموضوعية:
رغم وضوح معالم التفكير الموضوعي، وإلمام الكثيرين بها، فليس من السهل تخلص أمة من الأمم من جميع صور (اللاموضوعية) بحيث تكون مواقفها الفكرية والسلوكية منسجمة مع المنطلقات العامة للموضوعية. وذلك لأن مؤثرا كبيرا يظل بالمرصاد عند التعامل مع كل حقيقة من الحقائق، وهو الهوى والمصالح الشخصية، إلى جانب ضعف الإدراك لصور التحيُّز، حيث يكون في بعض الأحيان على درجة من الدقة والخفاء يتعذر معها إلمام جميع الناس به. وهذا يعني أن الإنسان بحاجة إلى جهاد متواصل على مستوى الإرادة، وعلى مستوى القدرة حتى يظل قريبا من الإدراك الموضوعي والموقف الموضوعي. ومن ثم فإن التزام الشعوب والأفراد بالموضوعية سيظل نسبيا.
ومن الصور الخارجة عن الموضوعية ما يلي:
1- التَّعصُّـــب:
تقوم آلية التعصُّب على اعتقاد المتعصِّب أنه قبض على الحقيقة النهائية التي تدفع به إلى وجوب الالتزام الكامل برأي أو مذهب أو جماعة أو حزب أو قبيلة أو فترة تأريخية معينة، مما يجمع عادة بين الفضيلة والرذيلة والحُسن والقُبح والخطأ والصواب. ويقتضي ذلك الالتزام الدفاعَ الصلب عنه في وجه كل ما يخدش مضمون ذلك المعتقد. والفرق بين التعصُّب والالتزام هو أن الأخير انحياز إلى قطعيات لا تقبل الجدل، أو مبادئ عامة وقع الإجماع عليها، بينما يكون التعصُّب عادة فيما يقبل النظر والتأمل، وتختلف فيه وجهات النظر.
2- المبالغــة:
تتمثل المبالغة في تصوير خصائص شخص أو جماعة أو غيرها لدرجة إضفاء القداسة عليهما، كما تدفع إلى التعصُّب لهما. والدوافع للمبالغة كثيرة: منها التعصب لمن يبالَغ في مدحه، أو ضد من يبالَغ في ذمه والتحامل عليه. ويقف وراء المبالغات اليوم هيئات ومؤسسات كبرى تجيد فن التهويل والتفخيم، كما تجيد فن الاختزال والتهوين، ويظهر كل ذلك في شكل مجلات وإحصاءات ومواد دعائية، وقد تأتي – أحيانا - في صورة بحوث أو دراسات! بحيث أصبحت المبالغة اليوم أشد فتكا وأكثر تنظيما بسبب توفر الحوافز وغياب الرادع، وتطور وسائل النشر والاتصال، بل والدراسات النفسية والاجتماعية المتخصصة التي يتم من خلالها إيجاد وسائل النفاذ إلى العقول المستهدَفة بما يناسب الغاية من وراء ما يتم نشره أو توجيهه لتلك العقول. وأصبح التحصُّن من الوقوع في أسر المبالغة كثيرا ما يكون عسيرا حيث تسلك مسالك الإيحاء والإشعاع، وترتكز على قواعد متسعة من المعلومات التي يجهلها كثير من الناس.
3- عقلية البعد الواحد:
المقصود بالعقلية: "مجموعة من الصور الفكرية والعادات النفسية والاعتقادات الرئيسة في الفرد"، والمقصود بالبعد الواحد: "التأكيد على عنصر واحد من ظاهرة ذات عناصر متعددة إدراكا وتعاملا وإبرازا". وينتج ذلك عن فقر البيئة الطبيعية، والفقر الثقافي، وانعدام الحوار، والتعامل مع الواقع (أو المشكلة) على أنه كتلة صلدة غير قابلة للتفكيك بغرض الفحص والوصول إلى أسباب المشكلة، وبالتالي الفشل في إيجاد حلول لها، أو تركها وتجاهلها. ومن مسببات نشوء عقلية (البعد الواحد) أيضا الميل إلى تبسيط الأمور؛ لأسباب منها إدراك جزء من الأسباب الفاعلة وغياب بقية الأسباب عن الفرد. وهذا شأن أكثر الناس؛ لأن إدراك الأسباب الموضوعية لحدث من الأحداث يحتاج إلى وعي ومتابعة واستقراء، ومن هنا فإن الناس يعبّرون عمَّا يرَونه، وغالبا ما تكون رؤيتهم محصورة في الأسباب الظاهرة. وكذلك الفقر في المفردات اللغوية مما يضطر الفرد إلى الإجمال دون التفصيل، والرغبة في السهولة في تصور الأشياء والأحداث، والتبسيط طلبا لسهولة الحفظ والتداول والانتقال (كالأمثال والحكم) .. إلخ. وعموما، فإن التعامل مع الأشياء على أنها كتلة صلدة، والميل إلى التبسيط يؤديان إلى نتيجة واحدة هي (عطالة الفكر، لأن التفكير في الحالة الأولى لا فائدة منه، وفي الحالة الثانية لا حاجة إليه!)
ومن مسببات عقلية البعد الواحد أيضا الرؤية النصفية. إن أخطر ما يشكل عقلية البعد الواحد أن يرى المرء نصف الحقيقة، ويحجب عنه النصف الآخر، وذلك لأن أكثر الأشياء والأحداث والأشخاص يمتزج فيها الخير والشر، أو تكمن فيها القابلية لهما، وحين يبصر المرء ما يراه بشكل كامل فإنه تتشكل لديه (العقلية الترجيحية)، فترى (ولو بشكل تقريبي) الحسنات والسيئات والإيجابيات والسلبيات، وحينئذ فإن أحكامه تكون موضوعية متوسطة، بعيدة عن التفاؤل المفرط، لأنه يرى الجانب السلبي، وبعيدة عن التشاؤم، لأنه يلمح الجوانب المشرقة. وذلك بعكس ما عليه الحال في عقلية البعد الواحد.
ومن مسببات عقلية البعد الواحد أيضا الانغلاق، وله أشكال كثيرة؛ منها ضرب ستار حديدي يحول دون تمازج ثقافي بين دولة ودولة أخرى، أو قد يكون انغلاقا على مستوى التخصص العلمي، وقد يكون عبارة عن شك المرء في كل ما حوله، وقد يكون على مستوى حزب سري ... إلخ.
إن من المُسَلَّم به أن الوعي بالذات كثيرا ما يتوقف على الوعي بالآخر، وأن الجهل بما عند الآخرين سوف يحرمنا قطعا من جزء من وعينا بذاتنا. إن التقدم شيء نسبي، كما أن النجاح كذلك، كما أن الإخفاق كذلك. ولن ندرك حجم ذلك إلا من خلال الانفتاح على الآخرين انفتاحا يمكننا من رؤيةٍ نافذةٍ إلى جوهر ما هم عليه، وتنبيهنا إلى ما قد يكون لدينا من قصور أو أخطاء. والانغلاق يحرمنا من ذلك. وأخطر ما في الانغلاق هو تشكيل العقل الخيالي الذي يحمل الأفكار المغلوطة عن الواقع المعاش، وعن الفكر العالمي، مما يجعله ينهار عند الاحتكاكات الجادة مع من يعيشون خارج دائرته. وذلك لأن الأحادية تصبح السمة المميزة لكل ما يتعلق بالمنغلقين، وتنعكس سلبياتها على طرق تفكيرهم انعكاسا مكبرا، مما يحرمها من التنوع والثراء ورؤية الكون على ما هو عليه.
4- الخطأ في التفسير التآمري للتأريخ:
سوف يستمر الجدل بين الحق والباطل إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، لأن ذلك من مقومات الابتلاء الذي يصاحب كل ساعة من حياة المكلفين. وعليه، فإن تعرض المسلم للتآمر ممن يخالفونه في المعتقد وممن ينازعونه ساحات البقاء أمر طبيعي ومفهوم. وهذا التآمر لا يخلو من إيجابيات؛ فالصراع يوجد روح المقاومة، والأمة التي لا تُنازل غيرها، أو لا تشعر بأن هناك صراعا محتدما تصاب بالترهل والانحلال، ويتراجع إنتاجها الحضاري بشكل عام.
إن الموقف من التآمر ينبغي أن يكون مبنيا على العلم، أو الظن الراجح، لا على الشكوك، والقياسات الفاسدة. ذلك لأن تضخيم التآمر سيكون له رد فعل خاطئ، والاستهانة به ستؤدي إلى عدم مواجهته، وكلا الأمرين ضرر وخطر. ويُخيَّل إلى أنصاف المثقفين لدينا أن في التآمر ما يصلح لتفسير كل نكساتنا التي مُنينا بها في الماضي والحاضر، والتي ستقع في المستقبل، أي اتخاذ ذلك "شمَّاعة" نعلق عليها إخفاقاتنا. وهذا خطأ واضح. (نواصل ...)