المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطوات نحو تطوير الذات ...(10) التفكير الموضوعي (ب)


د. عثمان عبد الله مختار
03-Nov-2009, 06:19 AM
خطوات نحو تطوير الذات


(10) التفكير الموضوعي (ب)


(صور ومواقف تنافي الموضوعية)


بعد الحديث في الحلقة السابقة (9) عن الخلفية التأريخية، ووسائل بناء المجال النظري للتفكير الموضوعي، نتناول الآن الصور والمواقف التي تنافي الموضوعية.

صور ومواقف تنافي الموضوعية:

رغم وضوح معالم التفكير الموضوعي، وإلمام الكثيرين بها، فليس من السهل تخلص أمة من الأمم من جميع صور (اللاموضوعية) بحيث تكون مواقفها الفكرية والسلوكية منسجمة مع المنطلقات العامة للموضوعية. وذلك لأن مؤثرا كبيرا يظل بالمرصاد عند التعامل مع كل حقيقة من الحقائق، وهو الهوى والمصالح الشخصية، إلى جانب ضعف الإدراك لصور التحيُّز، حيث يكون في بعض الأحيان على درجة من الدقة والخفاء يتعذر معها إلمام جميع الناس به. وهذا يعني أن الإنسان بحاجة إلى جهاد متواصل على مستوى الإرادة، وعلى مستوى القدرة حتى يظل قريبا من الإدراك الموضوعي والموقف الموضوعي. ومن ثم فإن التزام الشعوب والأفراد بالموضوعية سيظل نسبيا.

ومن الصور الخارجة عن الموضوعية ما يلي:

1- التَّعصُّـــب:

تقوم آلية التعصُّب على اعتقاد المتعصِّب أنه قبض على الحقيقة النهائية التي تدفع به إلى وجوب الالتزام الكامل برأي أو مذهب أو جماعة أو حزب أو قبيلة أو فترة تأريخية معينة، مما يجمع عادة بين الفضيلة والرذيلة والحُسن والقُبح والخطأ والصواب. ويقتضي ذلك الالتزام الدفاعَ الصلب عنه في وجه كل ما يخدش مضمون ذلك المعتقد. والفرق بين التعصُّب والالتزام هو أن الأخير انحياز إلى قطعيات لا تقبل الجدل، أو مبادئ عامة وقع الإجماع عليها، بينما يكون التعصُّب عادة فيما يقبل النظر والتأمل، وتختلف فيه وجهات النظر.

2- المبالغــة:

تتمثل المبالغة في تصوير خصائص شخص أو جماعة أو غيرها لدرجة إضفاء القداسة عليهما، كما تدفع إلى التعصُّب لهما. والدوافع للمبالغة كثيرة: منها التعصب لمن يبالَغ في مدحه، أو ضد من يبالَغ في ذمه والتحامل عليه. ويقف وراء المبالغات اليوم هيئات ومؤسسات كبرى تجيد فن التهويل والتفخيم، كما تجيد فن الاختزال والتهوين، ويظهر كل ذلك في شكل مجلات وإحصاءات ومواد دعائية، وقد تأتي – أحيانا - في صورة بحوث أو دراسات! بحيث أصبحت المبالغة اليوم أشد فتكا وأكثر تنظيما بسبب توفر الحوافز وغياب الرادع، وتطور وسائل النشر والاتصال، بل والدراسات النفسية والاجتماعية المتخصصة التي يتم من خلالها إيجاد وسائل النفاذ إلى العقول المستهدَفة بما يناسب الغاية من وراء ما يتم نشره أو توجيهه لتلك العقول. وأصبح التحصُّن من الوقوع في أسر المبالغة كثيرا ما يكون عسيرا حيث تسلك مسالك الإيحاء والإشعاع، وترتكز على قواعد متسعة من المعلومات التي يجهلها كثير من الناس.

3- عقلية البعد الواحد:

المقصود بالعقلية: "مجموعة من الصور الفكرية والعادات النفسية والاعتقادات الرئيسة في الفرد"، والمقصود بالبعد الواحد: "التأكيد على عنصر واحد من ظاهرة ذات عناصر متعددة إدراكا وتعاملا وإبرازا". وينتج ذلك عن فقر البيئة الطبيعية، والفقر الثقافي، وانعدام الحوار، والتعامل مع الواقع (أو المشكلة) على أنه كتلة صلدة غير قابلة للتفكيك بغرض الفحص والوصول إلى أسباب المشكلة، وبالتالي الفشل في إيجاد حلول لها، أو تركها وتجاهلها. ومن مسببات نشوء عقلية (البعد الواحد) أيضا الميل إلى تبسيط الأمور؛ لأسباب منها إدراك جزء من الأسباب الفاعلة وغياب بقية الأسباب عن الفرد. وهذا شأن أكثر الناس؛ لأن إدراك الأسباب الموضوعية لحدث من الأحداث يحتاج إلى وعي ومتابعة واستقراء، ومن هنا فإن الناس يعبّرون عمَّا يرَونه، وغالبا ما تكون رؤيتهم محصورة في الأسباب الظاهرة. وكذلك الفقر في المفردات اللغوية مما يضطر الفرد إلى الإجمال دون التفصيل، والرغبة في السهولة في تصور الأشياء والأحداث، والتبسيط طلبا لسهولة الحفظ والتداول والانتقال (كالأمثال والحكم) .. إلخ. وعموما، فإن التعامل مع الأشياء على أنها كتلة صلدة، والميل إلى التبسيط يؤديان إلى نتيجة واحدة هي (عطالة الفكر، لأن التفكير في الحالة الأولى لا فائدة منه، وفي الحالة الثانية لا حاجة إليه!)

ومن مسببات عقلية البعد الواحد أيضا الرؤية النصفية. إن أخطر ما يشكل عقلية البعد الواحد أن يرى المرء نصف الحقيقة، ويحجب عنه النصف الآخر، وذلك لأن أكثر الأشياء والأحداث والأشخاص يمتزج فيها الخير والشر، أو تكمن فيها القابلية لهما، وحين يبصر المرء ما يراه بشكل كامل فإنه تتشكل لديه (العقلية الترجيحية)، فترى (ولو بشكل تقريبي) الحسنات والسيئات والإيجابيات والسلبيات، وحينئذ فإن أحكامه تكون موضوعية متوسطة، بعيدة عن التفاؤل المفرط، لأنه يرى الجانب السلبي، وبعيدة عن التشاؤم، لأنه يلمح الجوانب المشرقة. وذلك بعكس ما عليه الحال في عقلية البعد الواحد.

ومن مسببات عقلية البعد الواحد أيضا الانغلاق، وله أشكال كثيرة؛ منها ضرب ستار حديدي يحول دون تمازج ثقافي بين دولة ودولة أخرى، أو قد يكون انغلاقا على مستوى التخصص العلمي، وقد يكون عبارة عن شك المرء في كل ما حوله، وقد يكون على مستوى حزب سري ... إلخ.

إن من المُسَلَّم به أن الوعي بالذات كثيرا ما يتوقف على الوعي بالآخر، وأن الجهل بما عند الآخرين سوف يحرمنا قطعا من جزء من وعينا بذاتنا. إن التقدم شيء نسبي، كما أن النجاح كذلك، كما أن الإخفاق كذلك. ولن ندرك حجم ذلك إلا من خلال الانفتاح على الآخرين انفتاحا يمكننا من رؤيةٍ نافذةٍ إلى جوهر ما هم عليه، وتنبيهنا إلى ما قد يكون لدينا من قصور أو أخطاء. والانغلاق يحرمنا من ذلك. وأخطر ما في الانغلاق هو تشكيل العقل الخيالي الذي يحمل الأفكار المغلوطة عن الواقع المعاش، وعن الفكر العالمي، مما يجعله ينهار عند الاحتكاكات الجادة مع من يعيشون خارج دائرته. وذلك لأن الأحادية تصبح السمة المميزة لكل ما يتعلق بالمنغلقين، وتنعكس سلبياتها على طرق تفكيرهم انعكاسا مكبرا، مما يحرمها من التنوع والثراء ورؤية الكون على ما هو عليه.

4- الخطأ في التفسير التآمري للتأريخ:

سوف يستمر الجدل بين الحق والباطل إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، لأن ذلك من مقومات الابتلاء الذي يصاحب كل ساعة من حياة المكلفين. وعليه، فإن تعرض المسلم للتآمر ممن يخالفونه في المعتقد وممن ينازعونه ساحات البقاء أمر طبيعي ومفهوم. وهذا التآمر لا يخلو من إيجابيات؛ فالصراع يوجد روح المقاومة، والأمة التي لا تُنازل غيرها، أو لا تشعر بأن هناك صراعا محتدما تصاب بالترهل والانحلال، ويتراجع إنتاجها الحضاري بشكل عام.

إن الموقف من التآمر ينبغي أن يكون مبنيا على العلم، أو الظن الراجح، لا على الشكوك، والقياسات الفاسدة. ذلك لأن تضخيم التآمر سيكون له رد فعل خاطئ، والاستهانة به ستؤدي إلى عدم مواجهته، وكلا الأمرين ضرر وخطر. ويُخيَّل إلى أنصاف المثقفين لدينا أن في التآمر ما يصلح لتفسير كل نكساتنا التي مُنينا بها في الماضي والحاضر، والتي ستقع في المستقبل، أي اتخاذ ذلك "شمَّاعة" نعلق عليها إخفاقاتنا. وهذا خطأ واضح. (نواصل ...)

د. عثمان عبد الله مختار
03-Nov-2009, 06:26 AM
5- عدم مراعاة أن لكل قاعدة شواذ:
بعكس القوانين المتعلقة بمظاهر الطبيعة التي تميل إلى الصرامة والدقة، فإن القواعد غير صارمة على الصعيد الإنساني مهما حاولنا أن نكون دقيقين في صياغتها؛ وذلك تابع لطبيعة الظواهر الإنسانية نفسها، وهذا يعطيها الثراء والتكامل. ومن جهة أخرى فإن اللغة التي نستخدمها للتعبير عن تلك الظواهر هي الأخرى غير صارمة، بل كثيرا ما تُستخدم اللغة كأداة من أدوات التضليل عن الحقائق. ونظرا لكثرة العوامل المكونة للظواهر الإنسانية يجد الباحثون في حقولها صعوبات متزايدة؛ ومن ثم فإن القواعد في المجالات التربوية والنفسية والاجتماعية تكون معبرة عن اتجاهات ومسارات أكثر من أن تكون محددة لماهيات معينة.

وبناءً على ذلك انطلقت القاعدة المنهجية الجميلة: "لكل قاعدة شواذ". وهذه الشواذ لا تحتاج إلى استقراء وتتبع ما دمنا نعلم أن التعبير في الأساس عن القاعدة لم يكن صارما. فنحن نعلم يقينا أنه ليس كل من عاش في بيت يتشاجر فيه الأبوان سيكون في المستقبل معقَّدا أو نزَّاعا إلى الانتقام أو يائسا، وقس على ذلك. والسبب في هذا أن العوامل التي تتحكم في إبراز ظاهرة اجتماعية معيَّنة كثيرة جدا، وموزعة على مجالات مرئية وغير مرئية، بعضها بيئي، وبعضها وراثي، وبعضها أساسي، وبعضها ثانوي ... إلخ. إن كثرة العوامل المؤثرة في ظاهرة ما على نحو متشابك متداخل متفاعل سوف تُظهر لنا عددا كبيرا من الظواهر ذوات الأوساط المتغيرة تغيرا تدريجيا، وهذا يتطلب الدقة المتناهية في إطلاق الأحكام حتى لا تتضاعف الفوضى التقعيدية.

إن الإيمان بأن لكل قاعدة شواذ يملي علينا – إلى جانب الدقة والحذر في التعبير – أمرا آخر، هو دراسة كل حالة خطيرة دراسة منفردة تنطلق من الاتجاهات العامة التي تحكم تلك الحالة، لكن مع التدقيق في التفاصيل التي منحت الخصوصية لتلك الحالة.

ونحن نشاهد اليوم ميلا هائلا إلى إطلاق الأحكام العامة على كل شيء من حولنا، والإطلاقات العامة مخالفة للواقع، كما أنها مخالفة لمنهج وزن الأمور بالقسطاس المستقيم. وهي إلى جانب ذلك عنوان السذاجة عند من يطلقها. وهي بعد هذا وذاك سبب من أسباب التوتر الاجتماعي؛ لما فيها من الظلم والإجحاف، كما أنها تترك ظلالا قاتمة في تركيبنا العقلي العاجز عن التفصيل للآخرين، وإدراك تفصيلاتهم.

إن التعبير بكلمة "أكثر" أو "بعض"، أو بقولنا: "السمات العامة" أو "الاتجاه العام" لكذا هو المنهج الذي يؤيده الواقع، وأن التغافل عنه سيجرُّنا إلى مواقف غير حميدة.

6- إسقاط القاعدة بالمثال الشاذ:

وهو إلغاء القواعد عن طريق الأمثلة الشاذة. وهذا لون آخر من ألوان الخروج عن الموضوعية، وهو مغاير للون السابق في الظاهر، لكنهما – حسب المُشاهَد – يخرجان من مصدر واحد؛ فالذين يعممون أحكامهم هم – في الغالب – الذين يُسقطون القاعدة بالمثال الشاذ. وقد وضع أهل التفكير المستقيم قاعدة جميلة في هذا الباب، هي: "الشذوذ يؤكد القاعدة". وهذه القاعدة تنسجم وتتكامل مع القاعدة: "لكل قاعدة شواذ". فحين نقول: إن الحروب الطاحنة تترك وراءها فسادا أخلاقيا وخرابا اقتصاديا نظرا لسوء الظروف التي تفرزها، فإن هذا يعني أن الاتجاه العام يكون كذلك، ولكن على الصعيد الفردي فإن بعض الأشخاص يستفيدون من الحروب كتجار الأسلحة، أو المحتكرين لبعض السلع ... إلخ. هذا هو الوضع المنطقي، لكن يأتي من يقول لك: إن الحروب لا تفعل شيئا مما تقول بدليل أن فلانا من الناس خسر ماله وأهله في الحرب، لكنه صابر محتسب، وسلوكه الآن أكثر استقامة من ذي قبل!! وهذا يمثل إحدى صور "إسقاط القاعدة بالمثال الشاذ". هذا الخطأ مبني على عدم إدراك الآلية التي تمنح الخصوصية والاتجاه للظواهر الاجتماعية، وهذه الآلية تنطلق من تنوع المجتمع واشتماله على كثير من التناقضات التي تؤدي إلى تنوع إنتاجه ونماذجه. والذي يحدد اتجاهه وسماته تحديدا صحيحا هو النسب الإحصائية بين تلك التناقضات.

إن غياب اللغة الكمية عن استعمالاتنا اليومية، أو ضعفها هو الذي يسبب لنا إسقاط القاعدة بالمثال الفذ أو الشاذ، وهو الذي يدفعنا إلى التعميم، ومن ثم فإنه لم يكن غريبا ارتباط التقدم بالإحصاء الذي يعطي القاعدة مساحتها، ويعطي الشذوذات حجمها الطبيعي.

7- تقديس الفرد:

يتفاوت الناس تفاوتا كبيرا فيما بينهم في ملكاتهم وخصائصهم، وما تفيض به عليهم ظروفهم الخاصة من مُكنة وسلطان، لكن الله تعالى جعل لنا سقفا لا نستطيع أن نتجاوزه مهما كان شأننا. وهناك صفات مشتركة بين الناس تجعلهم جميعا بين عتبة وسقف محدَّدَين على اختلاف مواقعهم بينهما. والناس جميعا يخطئون ويصيبون. واحترام العلماء والفضلاء وتقديرهم أمر مطلوب، ولكن أن يُبالَغ في هذا التقدير ليصل لدرجة التقديس بحيث يُنظَر لهؤلاء كمعصومين من الأخطاء فيُؤخَذ بآرائهم وأفكارهم كحجج غير قابلة للنقاش أو التساؤل، فهو أمر يبعدنا عن الموضوعية. وفي المقابل، فإن خطأ أحد العلماء والفضلاء يجب ألا يكون دافعا لرد كل ما جاء به وتشويه صورته، لأن ذلك يبعدنا أيضا عن الموضوعية. فذلك الخطأ لا يعدو كونه قطرةً تذوب في فيض فضله ونتاجه العلمي والفكري. لاسيما إذا أدركنا أن (لكلِّ عالم هَفْوَة) و(لكلِّ جواد كَبْوَة) و(لكلِّ صارم نَبْوَة) وتعاملنا مع الناس وأفكارهم على هذا الأساس؛ بمعنى تهيئة أنفسنا بتوقع الخطأ من أي فرد مهما بلغت مكانته، أو بلغ شأوه في مجال تخصصه. وقد أحسن الإمام مالك حين قال قولته المشهورة: (كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر.) (يعني الرسول صلى الله عليه وسلم). هذا مع ملاحظة أن ليس من شرط العالِم ألا يقع في الخطأ.

8- الخلل في علاقات المتقابلات:

يتفق الناس على وجوب إعطاء كل ما يتعاملون معه من حولهم قدرا معينا من الاهتمام، كما يتفقون على أن هناك علاقات ووشائج معقدة تربط بيننا وبين ما حولنا؛ وهذه الروابط نفسها تُعدُّ في الوقت نفسه قنوات ومعابر لتبادل التأثير بين ما حولنا من متقابلات. وهناك إحساس عام مشترك بأن الخلل في العلاقة بين المتقابلات سيؤدي إلى تضخيم بعضها على حساب بعضها الآخر، بل إلغائه كما يلغي المكانُ الزمانَ والامتدادُ الاتجاه! أما تحديد المقادير الدقيقة التي ينبغي مراعاتها في عمليات الموازنة بين كل ما حولنا من متوافقات ومتقابلات، وترتيبها في سلم الأولويات فهذا يعود إلى عوامل عدة، منها: الإطار النظري لثقافة الأمة، والمقدمات المنطقية التي تلقنها البيئة التربوية لمن يعيش فيها، وطبيعة المشكلات التي تتعرض لها الأمة، ومدى وعيها بذاتها، وبما حولها. ومع القناعة بأن معظم هذه المحدِّدات ليس صارما، لكننا من خلال تفاعل الآراء حول قضية ما نحصل على عدد من الضوابط والمشخصات والأعراف الموضوعية العامة التي تُشعِر بعدم موضوعية من يخرج عليها خروجا ظاهرا. ومن أمثلة المظاهر التي تنافي الموضوعية في هذا الباب الخلل في الموازنات التالية:

- بين الكم والكيف:

الملاحظ أننا في تعاملنا الحياتي نُمجّد الكم تارة، فنجعله مقياسا للنجاح، ونُمجِّد الكيف تارة أخرى، فنزهد في الكم؛ مع أن للكم وظائفه، وللكيف وظائفه، وحين نعرف العلاقة التي تربط بينهما، والوظائف الحيوية التي يؤديها كل منهما نتمكن من إعطاء كل منهما حقه من الاهتمام والعناية. ويوقف ترجيح أحدهما على الآخر حسب الظروف التي نمر بها.

- بين الوحدة والحرية:

أحيانا نقف مواقف غير موضوعية من الوحدة والحرية، وذلك نظرا لدقة العلاقة بينهما. وهذه العلاقة تكون تارة التعاون، وتبادل التأثير الإيجابي، وتارة تكون التضاد والتدافُع. وهذا يجعل من الموضوعية ضرورة التوازن بينهما. إن مما ينافي الموضوعية أن نسعى إلى حرية تنطلق من كل القيود، حتى قيد الوحدة، كما أن مما ينافيها أن نسعى إلى وحدة كلها قيود. والوعي الدقيق بطبيعتيهما هو الذي يقيم التوازن بينهما.

- بين النظرية والتطبيق، وبين المثال والتطبيق، وبين الغايات والوسائل:

إن التناقض بين هذه الأمور خروج عن الموضوعية. ولتلافي ذلك يجب أن نستمد طاقات العمل التنفيذي من النماذج الراقية الحية، وملامح الطريق ومعالمه من الفكر البصير المستنير. وكل ذلك بما لا يصادم قيَمَنا ومعتقداتنا.

- بين الشكل والمضمون:

لكل من الشكل والمضمون أهميته. لكن الموضوعية تقتضي النفاذ إلى ما بعد الشكل للوقوف على المضمون، بمعنى عدم الحكم على الشيء من مجرد الشكل، فأحيانا تكون المظاهر خداعة؛ وذلك إما برفعها مكانة صاحب الشكل الجيد – أيا كان - رغم سوء أو ضعف مضمونه، أو الإقلال من شأن صاحب المضمون الجيد بسبب ضعف أو سوء المظهر. وأمثلة ذلك في الحياة كثيرة. (نواصل ...)

د. عثمان عبد الله مختار
03-Nov-2009, 06:29 AM
9- الكيل بمكيالين:

تتيح مرونة الفواصل بين القضايا الإنسانية، وهشاشة الحدود التي تنتهي عندها الفضائل، لتبدأ أضدادها، وكذلك استخدام (اللغة الكيفية) (وليس الكمية) في التعبير عن الظواهر الإنسانية، يتيح كل ذلك لنا أن نكيل بمكيالين – إذا نحن شئنا ذلك –؛ فإذا كنا آخذين كلنا بمكيال، وإذا كنا معطين، فللعطاء مكيال آخر. وهذا يمثل قمةً في عدم الموضوعية. ومن أمثلة ذلك استغلال عدم وضوح الحدود الفاصلة بين الإيجابيات والسلبيات في كثير من الأحيان؛ مثل الفارق بين الفصاحة والفيهقة، والإسراف والكرم، والجدية والقسوة. فإذا كان الخطيب مثلا ممن نحب قلنا عنه أنه بلغ أرقى درجات البيان، وإذا كان من فريق أو كيان آخر قلنا أنه "يتفيهق" أو "يتفلسف". ومن أوضح صور الكيل بمكيالين تطبيق معايير النقد على الآخرين واعتبار أنفسنا فوق النقد. ومن الأمثلة المعاشة أيضا تسمية الكفاح من أجل الحرية في بلد ما (نضالا وبطولة)، بينما يُوصم في بلد آخر بأنه (إرهاب وجريمة حرب)، وكل ذلك حسب الموقف المسبق لتلك الجهات من الأطراف المتنازعة. كذلك التهويل والتهوين؛ بمعنى النظر إلى عيوب الغير (بعدسة مكبرة) وإلى عيوبنا (بعدسة مصغرة)، والنظر إلى محاسن الغير (بعدسة مصغرة)، وإلى محاسننا (بعدسة مكبرة). وبذلك تتشوَّه الحقائق، وكنتيجة طبيعية تأتي الأحكام والقرارات المبنية عليها مشوهة أيضا (فلا يستقيم الظل والعود أعوج).

10- الخضوع لسلطة الجماهير:

إن تقدير الناس للمواقف والأحداث يختلف تبعا لاختلافهم في أشياء كثيرة، وحين يكون نصيب المرء من الخبرة التأريخية والثقافية العامة ضئيلا فإنه يكون ميالا إلى الانقياد نحو العاطفة والغوغائية والاستسلام لردود الأفعال، وصفات أخرى سلبية كثيرة. لكن لأن الظواهر الاجتماعية تعتمد في سيرورتها وشدتها على (الكم)، لا الكيف، فإن لمواقف عامة الناس وآرائهم سلطانا مؤثرا في البيئة الاجتماعية بصورة عامة، ولهم ضغوطهم الملموسة على الخاصة من القادة والحكام والمثقفين. وينتج عن ذلك نفاق الخاصة للعامة، ومن مظاهر ذلك عدم النقد للمظاهر السالبة، والنزول عند رغبتهم في أمور تحتاج لدراسة ومعلومات وفهم للظروف لا يتوفر للعامة، وربما كان الموقف الأصح هو عدم موافقتهم على ذلك مع توضيح الأسباب.

11- سوء التعامل مع الألفاظ:

اللغة ظاهرة اجتماعية، وكائن حي، ولذلك فإنها تخضع لكل ما تخضع له الظواهر الاجتماعية، وهي تمر في كل أطوارها بنفس المراحل التي يمر بها الكائن الحي. والكيان اللغوي كيان مبدع؛ فنحن نستخدم في كثير من الأحيان أساليب لم نُسبَق إليها، وقد يفهم عنا السامعون ما نريد، وقد لا يفهمون، وقد ننسجم فيها مع روح اللغة، وقد لا ننسجم.

وكل هذه الملابسات أوجدت فرصا كبيرة جدا للتلاعب بالألفاظ، واتخاذها وسيلة للتضليل بدل أن تكون وسيلة للإبانة والتوضيح. وأدى ذلك إلى نزاعات وخصومات ونزاعات كثيرة. ويمكن أن نستخلص من كل هذا أن اللغة تُعدُّ مرتعا خصبا للخروج عن الموضوعية من خلال تحريف الدلالة، أو تجاهل ظروف النص التي قيل فيها، ومن خلال بتر النصوص، وتحريفها، ودمج تفسير شخص ما لنص ما مع ذلك النص بما يخفي حدود ومعالم النص الأصلي ويحمله ما لم يحمل، وذلك بقصد أو دون قصد. وكذلك اقتباس نص واحد في قضية فيها نصوص كثيرة، أو أخذ قول واحد من أقوال شخص ما ثم نحكم عليه دون النظر إلى الأقوال الأخرى الواردة عنه؛ إذ إن الإنسان النامي يظل في حالة مستمرة من التعديل والتحوير لأحكامه وإطلاقاته العامة؛ ومن ثم فإن من الظلم له وللحقيقة أن يُؤخذ بقول قديم له، ويُترك ما انتهى إليه من الرأي. وقد جرى في تأريخنا المديد، وفي واقعنا المعاصر الكثير من عمليات الانتقاء للأقوال والنصوص على ما يناسب هوى المنتقِي الذي يهمه تشويه صورة الخصوم والأنداد بعرض جزءٍ من أفكارهم وآرائهم، وإسدال الستار على الباقي، وهذا مناف للموضوعية، بل ولأبسط درجات الالتزام الخلقي والعلمي!

12- اضطراب ردود الأفعال:

إن العوامل والظروف التي تشكل قناعاتنا، وتحدد اتجاهاتنا نحو كل ما يحيط بنا تختلف اختلافا كبيرا، فقد تكون عوامل وراثية، كالأمراض ونسب الذكاء وقوة الإدراك، أو مكتسبة، كما نلاحظه في تفاوت التنشئة الأسرية والاجتماعية التي يخضع لها الفرد، والتي تجعله يتأثر بقيمها وعاداتها وأعرافها ومشكلاتها، وكذلك في تفاوت الثقافة والتعلم والاكتساب ... إلخ. كل ذلك يؤثر بنسب متفاوتة، وغير ثابتة في مركبنا العقلي ومزاجنا النفسي، وهذا من جهته يجعل ردَّ أفعالنا على كل المثيرات التي نتعرض لها مختلفا في نوعه وشدته.

ولابد أن يُقال هنا: إن ظاهرة ردود الأفعال هي ظاهرة صحية، حيث يتم من خلال رد الفعل حفظ التوازن العام لحياتنا العقلية والنفسية والاجتماعية؛ وإن عدم وجودها قد يعني انهيارا كاملا لأشياء كثيرة. لكن الملاحظ أن ردود الفعل – في الغالب، وليس دائما – تكون بصورة مُبالَغٍ فيها، خصوصا في حالة التعرض لتهمة أو نقد من أحد، بحيث يغلب على رد الفعل أن يكون من باب (الهجوم خير وسيلة للدفاع)، وبذلك ينتحي رد الفعل ناحية المبالغة، بل والكذب والافتراء أحيانا. فمثلا عندما يتهم شخصٌ شخصًا آخر بالسرقة، فإن الرد – في الغالب - لا يكون بالقول: إن هذا الكلام غير صحيح، أو فيه مبالغة، أو سوء فهم – لأن هذا الرد موضع شك لضعفه – وإنما يكون باتهام المتهِم بأنه (كذاب، وأنه هو السارق، وأنه من أسرة عُرفت باللصوصية ... إلخ)، وذلك رغم عدم صحة ذلك كله. وهذا يحتم علينا أن ندرس ظروف الفكرة، والدوافع التي أنتجتها، حيث نتمكن بذلك من معرفة قدر (الفعل) وقدر رد الفعل الذي أذكاها.

وفي الغالب، وكما هو واضح من المثال السابق وما يُمكن أن يٌقاس عليه، فإن ردود الأفعال تكون خارجة عن الموضوعية، وتتجاوز حدود الإنصاف والاعتدال؛ ومن ثم فإنه يمكن أن نقول: إننا حينما نكف عن الفعل فسنقع ضحية لردود الفعل، وحين لا نقرأ محيط الفكرة وخلفيتها فإننا قد نُساق خلف تطرفها دون أن ندري! إن الناموس العام لردود الأفعال هو عدم الاتزان، وعدم الموضوعية، وإن الكسالى والعاجزين والفوضويين سيظلون باستمرار على هامش الفعل، وفي بؤرة ردود الفعل تتقاذفهم أمواجها العاتية. وذلك لأن حركتهم مربوطة بأفعال صادرة من الآخرين، وهؤلاء الآخرون ربما يتعمدون تلك الأفعال لجر الطرف المقابل إلى ردود فعل محسوبة ومخطط لها سلفا من قبل الطرف الآخر بحيث تؤدي إلى ما يرغبه ذلك الآخر، أو على الأقل لشغل الطرف المقابل بأمور تصرفه عن فعل أي شيء آخر أكثر نفعا وجدوى له.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم وعمكم عثمان

خالد الصائغ
03-Nov-2009, 07:03 AM
خالص الود و التقدير د/ عثمان

شكرا علي السياق الموضوعي

نحتاج هكذا مواضيع فكرية عميقة و دسمة حتي نرتقي بمداركنا

ما رأيك استاذي العزيز لو قمنا بمحاولة إسقاط هذه المفاهيم و مقايستها بواقع و معطيات مجتمعنا السوداني


هل نستطيع القول بأن واقعنا و طريقة تعاطينا مع الحياة تجعلنا خارج إحداثيات التفكير الموضوعي ؟؟؟

د. عثمان عبد الله مختار
04-Nov-2009, 10:04 PM
خالص الود و التقدير د/ عثمان

شكرا علي السياق الموضوعي

نحتاج هكذا مواضيع فكرية عميقة و دسمة حتي نرتقي بمداركنا

ما رأيك استاذي العزيز لو قمنا بمحاولة إسقاط هذه المفاهيم و مقايستها بواقع و معطيات مجتمعنا السوداني


هل نستطيع القول بأن واقعنا و طريقة تعاطينا مع الحياة تجعلنا خارج إحداثيات التفكير الموضوعي ؟؟؟




أخي العزيز خالد الصائغ

لك جزيل الشكر على الاطلاع والتعليق والإشادة. وفيكم الخير والبركة.
وبخصوص سؤالكم، فكغيرنا من المجتمعات، نجد صورا كثيرة لعدم الموضوعية في مجتمعنا السوداني. ولعل أبرز ما يوضح ذلك واقعنا السياسي منذ (قبل) الاستقلال. فالمعارضة تتربص بالحكومة، ولا ترى خيرا في أي عمل تقوم به. والحكومة تتوجس من المعارضة، ولا ترى أي حق فيما تطرحه من قضايا. ونجد كثيرا من عناصر عدم الموضوعية في تعامل الطرفين، بل وفي تعاملنا العادي. ورغم ذلك، فإن هذا لا يعني - بالضرورة - وقوع مجتمعنا خارج نطاق الموضوعية تماما. فهناك إشراقات هنا وهناك نسأل الله أن تزيح الغُمَّة وتوحِّد الأمَّة.

لذلك - وفي رأيي المتواضع - لا بد من إشاعة ثقافة الحوار والموضوعية ومهارات التفكير، بل وإدخالها في المناهج الدراسية. هذا إذا أردنا النهضة من كبوتنا التي ظل غبارها يزكم الأنوف ردحا من الزمن.

وأختم هذا الرد بنص من الحلقة (9) من هذه السلسلة:

(ويبدو أن فقدان الأمة للموضوعية في التعامل مع الأفكار والمواقف والأشخاص والأشياء كان من أكبر العوامل التي أدت بنا إلى التخلف والتفكك والتنازع في تاريخنا المديد. وإن فقدان تلك الفضيلة قد أدى إلى كثير من المشكلات والتعقيدات التي ألقت بظلالها الكثيفة على علاقات الدول والكيانات الإقليمية بعضها ببعض، وقادت إلى حروب وتوترات هنا وهناك قليل من سلم من آثارها المباشرة أو غير المباشرة).

تحيَّاتي وتقديري.

أخوكم عثمان

خالد الصائغ
07-Nov-2009, 03:09 PM
تعرف يا دكتور

أنا عندي رأي يمكن يكون متطرف شوية و بزعل ناس كتار

نحن عندنا بساطة و عفوية و ما داير أقول سذاجة عشان ما أجيب زعل غريبة جدا في التعامل مع تفاصيل الحياة المختلفة في الخاص و العام

اللبنة الأساسية في بناء الشعوب و تقدمها هي بناء الفرد قبل كل شئ

و للاسف دي مسألة خارج حدود أولوياتنا تماما

بناء الفرد أهم من بناء المشاريع و البنيات التحتية و توفير الطاقة و ...الخ...

و دايما عندي مثال ما بفتر من ضربو في كل مناسبة

و هي مسألة بناء الدولة الإسلامية في عهدها الراشد

الرسول صلي الله عليه و سلم بدأ قبل كل شئ ببناء صحابته رضوان الله عليهم ثم جاءت مرحلة بناء الدولة بعد ذلك

هذا هو النهج و هذا ما ينقصنا

الكردفاني
25-Nov-2010, 11:55 AM
تسلم كتير د. عثمان علي هذه الكبسولات الرائعة.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]
مودتي

د. عثمان عبد الله مختار
25-Nov-2010, 01:46 PM
تسلم كتير د. عثمان علي هذه الكبسولات الرائعة.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]
مودتي


لك الشكر الجزيل على الاطلاع والتعليق. وفيكم الخير البركة.

أطيب التحية وخالص الود والتقدير.

عثمان

turbo
25-Nov-2010, 02:07 PM
تسلم د.عثمان على هذه السلسله المتميزه
بارك الله فيك

د. عثمان عبد الله مختار
25-Nov-2010, 02:38 PM
تسلم د.عثمان على هذه السلسله المتميزه
بارك الله فيك


وبارك فيك، وأحسن إليك، وجزاك خيرا. وفيكم الخير والبركة.

تحياتي وتقديري

عثمان