المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدراما الاذاعية


محمد بخيت
21-Dec-2009, 01:27 PM
في هذا العالم الصغير المتحرك, النابض بالأفعال وردود الأفعال ... هناك مشكلات تواجه الإنسان ... وتقف عثرة أمام مسيرته من أجل البقاء والإعمار والوصول به إلى المستوى الذي يريد. وقد سخر الإنسان كل ما يملك من طاقات علمية وعملية في سبيل إنجاز هذا الهدف..وحقق الكثير لخير الإنسانية.. فصارع المرض والفقر والجهل والشقاء بكل أشكاله, إلا أنه لم يجد الحلول لكل المتغيرات السلبية التي قد تنغص على الكائن البشري حياته .. فأجمع الناس من خلال إحساسهم الوجداني .. إنه كلما زادت رفاهية الانسان, ازداد تعبه وتكاثرت همومه .. إلا أن القافلة ينبغي أن تستمر في مسيرتها .. ويظل الإنسان عاملاً على جعل هذا الكوكب الأرضي واحة للأمن والأمان والسعادة والسرور..ويظل العلماء عاكفين على اختراع واكتشاف كل ما من شأنه أن يقدم الخير للبشرية في كل مجال من المجالات .. ولعل من هؤلاء العلماء أو في مقدمتهم ذلك العالم الفيزيائي الإيطالي ماركوني 1874-1937, الذي حصل عام 1909 على جائزة نوبل في الفيزياء بالمشاركة. وقد استطاع هذا العالم الايطالي الشهير أن ينقل إشارات الموجة الطويلة عبر المحيط الأطلسي سنة ,1895 ثم تمكن من ذلك على نحو أفضل سنة1901، فكانت البداية لانطلاقة الإرسال اللاسلكي عبر المحيطات وعبر العالم بأسره .. وكانت البداية لأبحاث جادة وصولاً إلى عملية البث الإذاعي من خلال إذاعة منظمة سنة .1920 وفي عام 1926 حيث تم إنشاء أول شبكة إذاعية متكاملة في أمريكا. أما في مصر فبدأ الإرسال الاذاعي الرسمي المنتظم في 31 مايو سنة 1934,. وبإنشاء الإذاعات أصبح العالم على اتصال دائم, وانعدمت الحواجز الزمانية والمكانية ... .

ومن هذه اللمحة القصيرة للإذاعة ونشأتها أخلص إلى دور الإذاعة وأهميتها في إثراء حياة الانسان بالمتعة والفائدة والخبر والتواصل مع مصادر الفنون التي تعتمد على الصوت والمؤثرات الصوتية .. وانسجاماً مع أهداف هذا البث فسوف تكون الدراما الإذاعية هي محور الموضوع وصولاً إلى المشكلات التي تواجهها في عصرنا الحاضر. فالدراما عموماً كما يقول الدكتور ابراهيم سكر في كتابه "الدراما الإغريقية": إن كلمة دراما مشتقة من الفعل اليوناني القديم -دراؤ- بمعنى أعمل فهي تعني اذن أي عمل أو حدث سواء في الحياة أو على خشبة المسرح".

كما ويجمع الكتاب والباحثون في الدراما الاذاعية على أن بدايتها الأولى كانت وليدة المسرح. فهي إذن والحالة هذه الابنة الشرعية له دون منازع .. فالمسرح هو أبو الفنون وحتى جدها الأكبر. فليس من الغريب أن ينجب لنا ذلك الفن الاذاعي الرشيق المعروف بالدراما الاذاعية .. فالمسرح موغل في الزمان والمكان .. وقديم قدم التاريخ فهناك "مدونة مسرحية دينية مصرية كتبت عام 2000 قبل الميلاد موضوعها "موت الاله اوزوريوس وبعثه", وقد استعمل المسرح اليوناني الذي بلغ أوج مجده في اثينا في القرن الخامس قبل الميلاد أساطير قديمة ومجموعة منشدين كورس, تعلق على الموضوع وتقوم بحركات تمثيلية مأثورة. وكان المسرح مفتوحاً للهواء الطلق, والمقاعد في صفوف أفقية ممتدة على جوانب التلال كما هو الحال في الاستاد الحديث.

ولا أريد الإسهاب في نشأة المسرح في الشرق .. ولا الحديث عن المسرحيات الهندوسية الاورستقراطية, والمسرحيات الصينية الشعبية التي ترجع تواريخها إلى عصر الامبراطور منج هوانج سنة 700م .. أو المسرح الياباني وصولاً الى مسرح شكسبير الانجليزي في مآسيه الشهيرة .. أو هنريك ابسن النرويجي في مسرحية بيت الدمية .. أو توفيق الحكيم المصري ومسرحيته أهل الكهف التي كتبها سنة 1933 .. ولكنني أريد الوصول إلى الدراما الإذاعية التي بدأت بالمسرح, واستمدت وجودها الأصلي منه ..

فكانت الإذاعة تقوم بنقل المسرحية عن خشبة المسرح إلى المستمعين والمذيع يرشدهم إلى الصورة المسرحية .. بمعنى أن المذيع كان يغطي الفترة التي تمتد فيها المسرحية على الحركة أو الإيماءة .. ويمهد للصوت شارحاً كل ما تقع عليه عيناه .. من شكل خشبة المسرح .. وألوان الملابس والديكورات وحتى تلك الانفعالات المرسومة على وجوه الممثلين .. هكذا بدأت الدراما الإذاعية رغم ما فيها من مشقة .. وقصور في توصيل الصورة الدرامية إلى المستمع الذي يعتمد على الصوت وحده .. ومن هنا نبعت فكرة تأليف تمثيليات خاصة تختلف عن النصوص المسرحية, وتواكب الحاجة إلى الاستماع عند قطاعات كبيرة من المستمعين الذين اصبح الراديو وسيلتهم الهامة الى التواصل مع العالم والاستماع إلى الاغاني والى ذلك الفن الجديد الذي يحمله اليهم المسرح وهو فن الدراما الاذاعية.. فالناس لا يستطيعون كلهم أن يذهبوا الى المسرح أو السينما ... ولكن جهاز الراديو متوافر وبالامكان اقتناؤه إلى حد ما .. فكانت التمثيلية الإذاعية, ثم المسلسل الاذاعي الذي يعمل على ربط المستمع باذاعته الى مدة قد تصل إلى شهر كامل ... فنشأت بذلك الدراما الإذاعية وترسخت: "كشكل جديد في ميدان الفنون الدرامية. وينتهي هذا الشكل إلى الأسرة الدرامية المعروفة بقوانينها وأصولها الفنية المتعارف عليها. ولكنه سرعان ما كون ملامحه الذاتية بنفسه من خلال الظروف التي وجد فيها. حيث أن طبيعة هذه الظروف جعلته يغير من بعض الأسس والقواعد الثابتة التي تعارفت عليها الأسرة الدرامية, مثل وحدتي الزمان والمكان مثلاً.

إن الدراما الإذاعية إذن هي وليدة المسرح, وهي نابعة من الحاجة إلى تعميم المشاركة الشعبية بالفوائد والمتع المتوخاة من جودة النص وأداء الممثل, وانسجام المؤثرات الصوتية مع المضمون .. ولعل من أهم مزايا الدراما الإذاعية أنها تقدم وجباتها الحسية خالية من أية عوائق أو عوامل طاردة للوعي. فالمستمع قد يغمض عينيه ويستمع ويخيل بالطريقة التي يراها مناسبة لاستكمال متعته الروحية .. فالصورة التلفزيونية تأخذ حرية التخيل هذه, وتفرض عليه شكل الممثل أو الممثلة .. وألوان ثيابهما وتعابير وجهيهما .. ولكن في مجال الإذاعة أو الدراما الإذاعية تحديداً, فإن للمستمع قنواته الذهنية الخاصة به .. فهو يتصور الزمان الذي يريد .. والمكان الذي يريد .. وللذهن قدرة على التحليق لا تصل إليها الكاميرات التلفزيونية أو السينمائية .. وعليه فإن الاصغاء يكون كاملاً .. والوعي مكثفاً .. والموضوع المطروح يتشكل تبعاً لحاجة ذلك الوعي. ورغم كل هذا فإن هناك مشكلات كثيرة قد أصبحت تعترض سبيل الفن الإبداعي الفطري الشفاف وتقف حائلاً في طريقه .. وتحاول دون رحمة سحب البساط من تحت قدميه عقوقاً له .. وإغفالاً لدوره في تشكيل معالم الدراما الحديثة المصورة .. وقبل العبور إلى بيان تلك المشكلات ... لا بد من الاشارة إلى لمحة تاريخية قريبة عن بدايات ظهور فكرة الدراما الإذاعية كمسلسل في حلقات .. ثم انطلاقتها بعد ذلك من مصر, إلى جميع إذاعات العالم العربي.

يعتبر المرحوم كامل يوسف المخرج الإذاعي القديم هو أول من ادخل فكرة المسلسل الإذاعي في مصر. فبعد أن كانت التمثيلية الإذاعية تقدم في حلقة واحدة. بدأ كامل يوسف في تقديم المسلسل الدرامي في 30 حلقة على مدار شهر كامل, ليربط المستمع بالراديو متابعاِ تطورات أحداث المسلسل. وقد نقل هذا الشكل عن هيئة الإذاعة البريطانية, حيث أرسل كامل يوسف إلى انجلترا في بعثته لدراسة الدراما الإذاعية. وقد قام بعد عودته من انجلترا بإخراج أول مسلسل درامي حيث قدم في إذاعة الاسكندرية المحلية فلاقى هذا المسلسل نجاحاً كبيراً. وبعد ذلك قدمت إذاعة البرنامج العام أول مسلسل إذاعي بعنوان -حب وإعدام- في اغسطس عام 1954 من تأليف محمد كامل حسن المحامي ومن اخراج كامل يوسف. وفي شهر سبتمبر من نفس العام قدمت إذاعة البرنامج العام مسلسلها الثاني بعنوان "العقد اللولي" من تأليف زكريا الحجاوي وإخراج كامل يوسف. وفي اكتوبر من عام 1954 قدمت مسلسل "تاربايت" من تأليف إبراهيم حسين العقاد وإخراج السيد بدير. واستمرت إذاعة البرنامج العام تقدم مسلسلاً شهرياً من ذلك التاريخ وحتى اليوم.

كانت تلك لمحة لا بد منها, تبين نشأة الدراما الاذاعية وتطورها منذ سبعين عاماً تقريباً في الوطن العربي .. ومنذ مائة عام تقريباً في العالم من حولنا . وكيف استطاع الرعيل الأول من صناع هذا الفن أن يرتقوا به, ويمهدوا الطريق أمامه للوصول إلى قلوب المستمعين بسهولة ويسر, ويجعلوا منه فناً متطوراً قائماً بذاته. له جمهوره وله نجومه من كتاب ومخرجين وممثلين .. وظل هذا حاله من العهود والرسوخ في وجدان المستمعين حتى ظهر التلفزيون حاملاً معه شكلاً جديداً من أشكال الدراما المصورة التي لم تكن معروفة إلا في دور السينما .. فبات هذا الأمر عقبة أو مشكلة أمام الدراما الإذاعية تدفع بها إلى الهبوط عن عرشها, وتشد البساط من تحت قدميها .. ولكنها ليست المشكلة الأولى والاخيرة بكل تأكيد.

محمد بخيت
21-Dec-2009, 01:30 PM
مشكلات تواجه الدراما الإذاعية:

إن المشكلات التي تواجه الدراما الإذاعية كثيرة, إلا أننا نستطيع أن نرصد من بينها المشكلات الخمس التالية:

1- مشكلة القصة والنص الإذاعي المتميز

2- مشكلة المتلقي "المستمع"

3- مشكلة المردود المادي المتواضع

4- مشكلة اشتراك النجم في الدراما الإذاعية

5- مشكلة الحيرة بين العامية والفصحى



1-مشكلة القصة والنص الاذاعي المتميز:

تقوم هذه المشكلة بداية على ندرة النص المتميز القابل للمعالجة إذاعياً كعمل درامي ناجح. والسبب هو أن الإذاعة تشكل حالة استهلاكية إذاعية غير محدودة. ويمكن القول إنها قد أتت على معظم أو كل النصوص المكتوبة بداية كقصة أو رواية. وإذا ما عرفنا أن مثل هذه النصوص المكتوبة هي نادرة أصلاً .. فإننا نستطيع إدراك حجم هذه المشكلة المتعلقة بالنص الإذاعي الدرامي. ذلك أن النص هو الذي يشكل عامل النجاح أو الفشل للمسلسل أو التمثيلية الإذاعية بنسب قد تصل أو تتجاوز ال 70% . فالنص الجيد, وأعني الحوار والفكرة والمضمون هي وحدها التي تذهب إلى أذن المستمع وتؤثر فيه سلباً أوايجاباً, فالحوار الدرامي المحبوك بوعي وأناقة ومصداقية هو الذي يشده ... والمضمون النابع من الواقع هو الذي يأسره ... وتقنية التحويل الدرامي المتعلقة بالصوت والاخراج والمؤثرات هي التي تكمل معادلة الامتاع والفائدة التي يسعى كل مستمع الى تحقيقها, فتجعل المستمع صديقاً للراديو والمسلسل وقد يدفع به إلى التحدث فيما سمع الى أصدقائه ومعارفه, فتتسع دائرة الاستمتاع ويتزايد جمهور المسلسل ومن ثم الراديو بشكل عام.

ومن هنا يمكن القول إن المسلسل الإذاعي هو في معظمه كاتب جيد, والكاتب الجيد يعني أنه قد قدم نصاً جديداً وجيداً? والمشكلة تكمن في هذا الجديد. صحيح أن الحرفة المهنية تصقل مع كثرة الممارسة والعمل والإعداد, إلا أن النص الجيد, الذي يحمل مضموناً جديداً مشوقاً هو الذي يكاد يكون نادراً أو مفقوداً في هذه الأيام. والسبب يعود إلى أن معظم الأعمال الموضوعة والمترجمة والقابلة للتحويل إلى دراما إذاعية قد نفدت بسبب الحالة الإذاعية الاستهلاكية غير المحدودة التي أشرت إليها آنفاً . وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن كل عمل أدبي جيد لا يصلح بالضرورة للتحويل الدرامي أدركنا مأزق العثور على عمل أدبي يفي بهذا الغرض, ويسد الحاجة المتزايدة للاستهلاك الإذاعي من مادة الدراما.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أيضاً طبيعة العصر من حيث شكل ومضامين القصص والروايات التي يكتبها الادباء والادباء الشباب بخاصة .. والمتكئة في معظمها إلى الرمزية والضبابية .. والتي يكاد يستعصي فهمها حتى على القارىء الحصيف .. فمابالك بإمكانية تحويلها إلى دراما تصل دون عناء إلى المستمع .. إذا أخذنا بعين الاعتبار ذلك نكون قد وضعنا يدنا على جانب آخر من جوانب المشكلة المتعلقة بالنص, فالقصة القصيرة التي هي مادة جيدة للتمثيلية الإذاعية والرواية التي هي مادة جيدة للمسلسل الإذاعي قد اغتربت في معظمها عن وعي القارىء واغتربت عن الدراما أيضاً. وعليه فإن الأعمال التي ظلت بين أيدينا وغفل عنها المعدون الإذاعيون تكاد تكون قليلة أو معدومة, ومن هنا راح الكثيرون من معدي الدراما الإذاعية, يبحثون عن القصص المسطحة ذات المضمون المستهلك, فيحطّون عليها ويحولونها إلى دراما إذاعية .. وراح آخرون يفبركون الأفكار الإذاعية وهم يجلسون معاً حول فنجان من القهوة .. فتلد الفكرة .. ثم سرعان ما تكبر وتتحول إلى دراما إذاعية دون أن تختصر, أو تمر في مرحلة الإعداد القصصي أو الروائي, أولاً, والنتيجة هي: "أي كلام يا عبد السلام" كما يقول اخواننا المصريون, أو الجمهور عاوز كده. فيتراجع الفن الدرامي الإذاعي مضموناً .. وإن بقي على حاله شكلاً. ويضيع في زحمة الحالة الاستهلاكية ويتوارى اهتمام الجمهور بالراديو .. وينصرفون إلى غيره, وغيره كثير.

وفي معرض الحديث عن مشكلة النص ... لا بد من الحديث على الجانب المادي المتعلق بالأجر الذي يتقاضاه الكاتب أو المعد للدراما الإذاعية .. فالكاتب لا يحصل على أجر مماثل لكاتب التلفزيون ولا قريباً منه .. فإذا عرفنا أن الدقيقة التلفزيونية إعداداً تشترى من الكاتب بما لا يقل عن عشرة دولارات .. فإنها لا تزيد على ثلاثة في المسلسل الإذاعي .. رغم أنه يبذل جهداً فائقاً في عمله قد يفوق أحياناً ذلك الجهد الذي يبذله كتاب السينما, والتلفزيون. وفي هذا يقول الأستاذ عادل النادي في كتابه مدخل إلى فن الدراما: "والمؤلف الإذاعي عليه أن يتعرف جيداً على شخصياته بعد أن يرسمها جيداً, وأن يكون مدركاً تمام الإدراك لابعاد كل شخصية على حدة .. ثم تكون المهمة التالية للمؤلف هي كيف ستتحدث هذه الشخصية? لأن الشخصيات لن يفهمها المستمع, ولن يفهم ابعادها كذلك, إلا من خلال الحوار الذي تلقيه. فيجب أن يكون المؤلف واعياً لذلك من أجل أن تكون شخصياته ناضجة, وحواره مؤكداً لأبعادها, حتى لا يتضح للمستمع أنها شخصيات مسطحة غير معبرة, لا يوجد لها أي بعد إنساني, ولذا يجب على المؤلف العناية بشخصياته عناية مركزة, وأن يجعلها واضحة للمستمعين. وقد يلجأ الكاتب الإذاعي إلى أن يكتب وصف حال الشخصية. تتحدث بنفسها عن نفسها, أو أن يجعل شخصيات التمثيلية تتحدث إلى بعضها, ومن خلال هذا الحديث يتم الكشف عن شخصيات جديدة بصفاتها وابعادها, كما أن طريقة حديث الشخصية هام جداً في الكشف عنها ...".

ومن هنا نلاحظ الخطوط الحمراء المثيرة التي ينبغي على كاتب الدراما الإذاعية التعامل معها .. كما نلاحظ المواصفات العديدة التي يترتب عليه أن يرسمها بدقة, ويحركها بعناية كي يصل إلى ما يريد فإذا لم يتناسب هذا الجهد مع الاجر, فإن الكاتب قد ينصرف عن الكتابة الدرامية الإذاعية إلى غيرها, وهذا بحد ذاته مؤشر على جانب هام من جوانب المشكلة التي تواجه الدراما الإذاعية.



2-مشكلة المتلقي "المستمع"

هذه المشكلة نبعت في أصل وجودها من عوامل الجذب إلى سحر الصورة في التلفزيون والفضائيات. فالمتلقي العصري هو الطفل المدلل الذي تسعى إليه مختلف الوسائل الإعلامية والترفيهية من أجل جذبه إليها .. فهو جمهورها, وعنوان نجاحها.. وسر صمودها وبقائها. ولا شك أن تلك الوسائل لا تترك وسيلة إلا وسعت من خلالها إلى المشاهدة ومنها البرامج المسلية.. التمثيليات والأفلام المشوقة.. الاتصالات المباشرة الجوائز والهدايا الثمينة.. الاخبار الساخنة ذات الابعاد الخلافية المثيرة. لقد اصبح العالم قرية صغيرة في عصر العولمة .. وملأت سماءه الاقمار الصناعية التي تحمل إلى المتلقي كل ما يريد من وسائل المتعة المباحة وغير المباحة .. وتحمل إليه الأخبار مصورة في زمانها ومكانها طازجة لم تسمها أذن ولم ترها عين. وتحمل إليه التحليل والتعليقات والأفلام والسهرات والمباريات الرياضية, وأنباء المال والأعمال .. وتحمل إليه الكثير من البرامج المنوعة ولا يهم أن تكون جادة أو مفيدة, أو عميقة .. والمهم أنها تخاطب مشاهدها بلغة عصره .. هذا العصر الراقص على أنغام كل شيء, والمتطلع إلى الشطيرة و"الساندويش" في كل شيء: الطعام, الأغنية, الخبر, القراءة .. فإنسان هذا العصر مشغول مشغول مشغول .. لا تجد أحداً إلا راكضاً ساعياً لاهثاً كأم العروس. وإذا استوقفته فإنه يشكو إليك ضيق وقته وكثرة مشاغله .. وإذا عاتبته فسرعان ما يجد العذر ثم يدعوك إلى تقديم عذرك فلا تجده أيضاً. الكل يركض. الكل يلهث. الكل يسعى إلى اقتناء أحدث مبتكرات المصانع الإعلامية أو الغذائية, أو في مجال التكنولوجيا الاتصالات .. والملابس والسيارات والفضائيات. وإذا ما تخلف أحدهم عن المتابعة فإنه سرعان ما يشعر أن الآخرين قد سبقوه .. فيهرول محاولاً اللحاق بالركب .. ويكون اللهاث الذي لا حدود له يقف عندها .. ففي عالم اليوم تلاشى الصبر, وغابت القدرة على الاستماع الطويل, وانعدمت ملكة التأمل والتحليل واستنباط المعاني والقيم. ازدادت غربة الانسان عن أهله واقاربه واخوته وأصدقائه رغم وجوده مكانياً بينهم أو على مقربة منهم .. وأضحى كل شيء في حياتهم آلياً. فهم لا يتحركون إلى مكان وجود التلفزيون لفتحه, وتغيير قنواته .. فهناك الريموت. ولا يذهبون للرد على الهاتف حينما يقرع فهناك الهاتف اللاسلكي. ولا يتجشمون أي عناء في الاتصال مع من يريدون فهناك الأجهزة الخلوية المربوطة على أحزمتهم كالمسدسات. وهم غير ملزمين بقراءة الكتب والبحث عنها فهناك "الدسكات" والانترنت, ولا يذهبون إلى البريد لارسال الرسائل فهناك الرسائل الألكترونية. وحتى في مجال الطعام, فقد قلت أو تلاشت الوجبات التي كانت تصنعها أمهاتنا وجداتنا, وحلت مكانها الوجبات السريعة ذات الأسماء الاجنبية الغريبة.

العالم في زحمة الحضارة مخنوق حتى لو ملأت المكيفات غرف نومه, وهو متعب رغم وسائل الراحة .. وهو عطشان رغم المياه الغازية والمعدنية والمقطرة. وهو جائع رغم أصناف الطعام الكثيرة ووسائل صنعها التي تتبارى وتتباهى في عرضها التلفزيونات والمجلات.. وهنا لا أملك إلا الاعتذار ربما لخروجي عن النص ورسم هذه الصورة المرعبة لإنسان اليوم .. مستمع اليوم .. متلقي اليوم .. ولكنني اريد أن أصل من خلال هذا العرض إلى المهمة الماثلة أمام الاذاعة والدراما الإذاعية تحديداً في الاحتفاظ بمستمعيها. هذه الاذاعات التي كانت هي الماضي فهل تبقى هي المستقبل? كم أتمنى أن تعود هي المستقبل .. وأن تصمد وترقب عودة مستمعيها إليها تائبين نادمين .. إلا أن المستمعين معذورون أيضاً .. فإن عوامل الطرد عن الإذاعة .. والجذب إلى الصورة والصوت كثيرة .. ولكن الأمل يظل معقوداً على الدراما الاذاعية في أن تتجاوز هذه المشكلة .. وتشكل وسيلة جذب مضاد الى الاذاعة وبرامجها ومسلسلاتها .. وعلى اعتبار أن الدراما الاذاعية كما يقول الدكتور عبد المجيد شكري في كتابه "فنون الراديو" .. "هي من أشد الاشكال البرامجية جذباً بالنسبة لجماهير مستمعي الراديو, والدراما في الراديو هي غير الدراما على خشبة المسرح, إذ يجب أن يكتب النص الاذاعي طبقاً للقواعد التي يعرضها الفن الاذاعي .. فإذا كان الفن المسرحي قد عرف التراجيديا والكوميديا بأنواعها .. وعرف الفارس والودفيل وعرف المسرح الايدولوجي, والمسرح السياسي, ومسرح الغرفة, ومسرح الشارع, والمسرح اللحمي وغير ذلك. فإن الدراما الاذاعية لها ايضاً تناولها الخاص للمأساة والكوميديا, وللموضوعات السياسية والتحريضية والاجتماعية والأدبية ... الخ.

فالمستمعون اذن هم العنصر الذي يحدد مشكلة الدراما الاذاعية .. لأنهم هم وحدهم القادرون على تحدي عوامل الجذب الى أو الطرد عن .. إذا ما ظلوا صامدين الى جوار المذياع: حتى يعود اليه سحره وتعود أمجاده القديمة.

معروف اوشي
25-Dec-2009, 08:12 PM
الدراما الاذاعية كما ذكرت انت هي احد اقدم الانماط
الدرامية بعد المسرح بالطبع و هو ابو الفنون ..

رغم ظهور انماط درامية جديدة اكثر جاذبية و اثارة للمتلقي كالسينما
و التلفزيون بفارق الابهار البصري في الاثنين عن الدراما الاذاعية الا
انها ما تزال لها بريقها و متابعيها من الجمهور ..
فكبار نجوم السينما و التلفزيون العرب يعملون في الدراما الاذاعية خاصة
في رمضان حيث ان لها موسما" تماما" كموسم المسلسلات التلفزيونية
الرمضانية و ان كانت اقل ظهورا" لهيمنة القنوات الفضائية ..

اما عندنا في السودان فالدراما الاذاعية هي الاقوى و الاكثر جودة و استمرارا" ... !!
و هنالك مسلسلات اذاعية شهيرة و خالدة في وجدان المتلقي رغم مرور السنوات
منها ( الخمجان ) ..
و برامج درامية اذاعية اخذت حيزا" كبيرا" من الشهرة و الانتشار مثل ( الحاج
مذكر ) ( حلم في حلم ) .. و غيرها ...

تحياتي الخالصة ... :smile:

محمد بخيت
26-Dec-2009, 11:25 AM
وانت ايضا في غاية الامتنان والسرور لمرورك الراقي اخي معروف سنحاول العودة للنقاش في قادم المواعيد...تحياتي

محمد بخيت
13-May-2010, 09:21 PM
نرجو الانتباه سادتي الدراما الاذاعية بحوجة الى ما هو جديد حتى نخرج من النمطية المتكررة والمملة والتي اصبحت لا تتناسب مع متطلبات الحاضر ام ان هناك راي آخر نرجو المشاركة !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

sir.joe
29-May-2010, 05:45 AM
سؤال قبل الرد اخي العزيز .. هل نحن قادرين علي فعل ما يغير ؟؟؟؟

محمد بخيت
03-Jul-2010, 09:34 PM
سؤال قبل الرد اخي العزيز .. هل نحن قادرين علي فعل ما يغير ؟؟؟؟

قد تاتي الرغبة للتغيير عندما تمل النفس متابعة الاشياء بنفس الشكل والترتيب فيكون التغيير هنا ضرورة ملحة لازاحة الطابع القديم الذي اتسم بالرتابة وهنا تكمن القضية يا عزيزي امجد سررت للسير بخطوات واثقة نحو الحقيقة والامل يحدونا في مجابهة الصعاب التي ارجو ان لا تتحول الى استحالة ...سلامي

عادل خليفه
03-Jul-2010, 11:00 PM
مشكور اخونا محمد بخيت شرح وافي ومعلومات دقيقة وهامة وجهد كبير تشكر عليه
وانا اخي من عشاق الدرامةالازاعيه لانها تفردت بأعمال خالدة ستظل محفورة في الوجدان من ينسي عم الزين ومن ينسي الدهبايا وبدران ومريود و غير الاشياء الخفيفة زوجتي الغزبزة تحية واحتراما الدنيا الجديدة حلم في حلم والحاج مذكر

محمد بخيت
01-Aug-2010, 08:41 PM
العزيز كعبور النواسي مررت لاني على يقين اني الامس اليقين عبر خطواتك المسكونة بالشجن ...تحية