سمل ود الولياب
22-Jan-2008, 03:21 PM
هجر عبودي الزراعة والنيل والنخيل في قريته النوبية الوادعة وقرر الهجرة إلى السعودية التي سبقه إليها كل قادر على العمل من أبناء بلدته0حاولت أمه أن تثنيه عن ذلك من خلال جده لكن كل محاولاتها باءت بالفشل وكان دائماً ما يرد عليهم و يردد وبالصوت العالي حتى متى أظل هكذا مثل "مساعد الياي" أرعى وأزرع الأرض لأخسر عاماً بعد آخر!؟ كل شباب البلد لاذوا بالغربة لن أظل وحيداً بين أناس يكبرونني بخمسين عاماً، أنا لست حانوتياً !! لكنني مسؤول عن أمي وأختي ولن أتخلى عنهما أينما ذهبت وحيثما حللت0 عندها أدركت والدته مسكة قوة تصميمه وذلك ما كانت تلاحظه منذ مجيء ابن عمه من السعودية العام الماضي0 اضطرت لبيع مصوغاتها التي ظلت أسرتها تتوارثها أماً عن جدة دون أن تنقص جراماً واحداً وكانت صفقة كبيرة تلقفها صائد الفرص عوض الحلبي صاحب المتجر الأوحد في قريتهم والذي اشتراها بثمن بخس0 كان عبودي موفقاً إذ حصل على عمل في مزرعة يمتلكها أحد أعيان القصيم كان يرسل لوالدته وأخته مبلغاً من المال من حين لآخر، مع وعد بأن تأتي أمه لتحج وهو ما فشل في الإيفاء به0 وبدأ يخطط للزواج بعدما انقضى عقد كامل من الأعوام على مجيئه للخليج تمكن خلاله من زيارة البلد ثلاث مرات اكتفى في آخرها بالمكوث في الخرطوم التي سبقته إليها أمه وبنتها، وفي تلك الرحلة نجح في خطف قلب إحدى الحسان من اللائي تخدعهن القشور والمظاهر، وبما إنها أول مرة يخفق فيها قلبه تجاه النواعم تقدم وبسرعة أذهلت الطرفين لخطبتها مع وعد بإتمام الزواج في فترة لاتتعدى العام 0
نجح عبودي في جمع مبلغ من المال و سارع بإرساله إلى والد عايدة لعقد قرانه وقدومها معتمرة ليلتئم شملهما في جدة عروس البحر0 بقيت عايدة إلى جانبه عاماً كاملاً وأصبحت حبلى مما عجل بعودتها إلى السودان0
عاش عبودي ضغوطاً و صراعاً نفسياً مريراً بعد سفر زوجته، وكانت تتعاظم باستلامه خطابات شديدة اللهجة من أمه وجده أولاً، ثم من نسيبه والد عايدة مؤخراً كلها تفننت في نعته بأوصاف جردته من القوامة ورمته بعدم المسؤولية0 وبدأت تصله أخبار ليست سارة عن المشاكل التي انتظمت بين أهله وأقاربه وبين آل زوجه وتطوع البعض وقاموا بتوصيل الملاسنات التي كانت تحدث بين الفينة والأخرى0 كان عبودي كثيراً ما يعزي تفاقم أوضاعه وتدهورها إلى عبارات لأمه كانت كثيراً ما تتفوه بها كلما أغضبها وهو يافع، وربما أقساها كانت : "إله لك كسب مينام" ، وعرف بين أقرانه من شباب القرية واشتهر بعبودي ششوه التي ألصقت به من جراء ترديدها وباستمرار0 وكلما أوى لفراشة داهمته تلك العبارات وغضت مضجعه وطردت النوم من عينيه، فيجلس على فراشه يقارن بينه وبين "عبودي" الذي ورد ذكره في ملحمة الاغتراب التي سطرها الرائع الذي يشع إبداعا الأستاذ إبراهيم عبده سائلاً نفسه هل أنا "عبودي" المعني إذ ثمة تشابه ــ شكلاً ومضموناً ــ بين الاثنين0 مع تدهور أوضاعه المالية الناجم عن عدم مزاولته لأي عمل قررعبودي العودة للسودان ودون استشارة أقاربه وأصحابه0 صدم هذه المرة إذ لم يقابل بذات الحفاوة التي تعودها سابقاً، حتى أولئك الذين كانوا يشجعونه على الاغتراب أصبحوا يوبخونه على تسرعه وعودته الفجائية، أصهاره لم يخفوا تبرمهم من كونه لايملك منزلاً ومن ضيق مأواهم، وهو ما استندوا إليه في مطالبتهم بالطلاق لاحقاً !! حاول العثور على أية فرصة للعمل لكنه لم يوفق في مسعاه ربما لأنه لم يكن مؤهلاً في الأصل لذلك0 يمم وجهه صوب البلد حاملاً ابنه الذي لم يبلغ سن الفطام بعدما تزوجت عايدة بمغترب آخر0 وعندما اقتربت العربة التي تقلهم من مشارف بلدتهم لاحظ تجمعاً لأهالي البلدة عند المقابر التي هي أول ما يقابل الداخل إلى قريتهم ــ ربما ليبدأ بالسلام على من قضى نحبه قبل الذين ينتظرون ــ خفق قلبه بسرعة تضاهي سرعة مكوك الفضاء خوفاً من أن يكون المتوفى والدته مِسكة، التي جاء لينال عفوها ويغنم رضاها وليعتذر عن تهوره وقراراته الخاطئة0 عجزت قدماه عن حمله عندما أقبل أهل القرية صوبه معزين، كاد أن يسقط وهو حاضن لصغيره، توقف قلبه عن الخفقان للحظات أو هكذا أحس، وعندما علم بأن جده هو الذي توفاه الله خرّ ساجداً وسط دهشة الجميع0 ثم حمل ابنه وشق الجموع متجهاً صوب بيتهم ليرتمي في أحضان أمه طويلاً دون أن يتفوه بكلمة مكتفياً بدمعه الذي فاض كالنيل في أغسطس 0 سالت مياه كثيرة تحت الجسر خلال تلك السنوات التي غاب فيها عن البلد، إذ هاجر أكثر من نصف أهلها لاجئين إلى كبريات المدن بحثاً عن ضرورات افتقدوها في بلدتهم، و حاصرت الصحراء قريتهم وزحفت الرمال لتغطي كل أرجائها باستثناء فناء منزلهم المتواضع، ولم تعد الزراعة هي الحرفة الرئيسة لساكنيها، حتى عوض الحلبي " قارون" القرية كما كانوا يطلقون عليه أغلق متجره بعدما عجز الناس عن سداد ديونهم وأصبحت القرية برمتها من الغارمين0كتب خطاباً لابن عمه بالسعودية طالباً إقراضه ليستأنف نشاطه الزراعي لكن الخطاب ضل طريقه وطال انتظاره دون تلقي إجابة إذ كان قد غادر لأمريكا باحثاً عن وضع أفضل0تفاقمت حالته بوفاة وحيده حمدي، أغلق عليه بابه بعدما شعر بأن أجله قد اقترب، طلب من أخته أن تحضر له حقيبته الصغيرة التي تحوي كل أوراقه الثبوتية من جواز للسفر وشهادة للجنسية وغيرها، بعثر محتوياتها ثم أخرج قلماً وكتب وصيته على دفتر اغترابه أو بطاقة المغترب كما كانوا يطلقون عليها وهي التي دفع عشرة دولارات ثمناً لها فضلاً عن أموال تجديدها، وأغرب ما جاء في وصيته أنه طلب أن يدفن في قلب جهاز شؤون العاملين بالخارج الذين "أكلوه لحماً وتركوه عظماً" كما جاء حرفياً في وصيته0
نجح عبودي في جمع مبلغ من المال و سارع بإرساله إلى والد عايدة لعقد قرانه وقدومها معتمرة ليلتئم شملهما في جدة عروس البحر0 بقيت عايدة إلى جانبه عاماً كاملاً وأصبحت حبلى مما عجل بعودتها إلى السودان0
عاش عبودي ضغوطاً و صراعاً نفسياً مريراً بعد سفر زوجته، وكانت تتعاظم باستلامه خطابات شديدة اللهجة من أمه وجده أولاً، ثم من نسيبه والد عايدة مؤخراً كلها تفننت في نعته بأوصاف جردته من القوامة ورمته بعدم المسؤولية0 وبدأت تصله أخبار ليست سارة عن المشاكل التي انتظمت بين أهله وأقاربه وبين آل زوجه وتطوع البعض وقاموا بتوصيل الملاسنات التي كانت تحدث بين الفينة والأخرى0 كان عبودي كثيراً ما يعزي تفاقم أوضاعه وتدهورها إلى عبارات لأمه كانت كثيراً ما تتفوه بها كلما أغضبها وهو يافع، وربما أقساها كانت : "إله لك كسب مينام" ، وعرف بين أقرانه من شباب القرية واشتهر بعبودي ششوه التي ألصقت به من جراء ترديدها وباستمرار0 وكلما أوى لفراشة داهمته تلك العبارات وغضت مضجعه وطردت النوم من عينيه، فيجلس على فراشه يقارن بينه وبين "عبودي" الذي ورد ذكره في ملحمة الاغتراب التي سطرها الرائع الذي يشع إبداعا الأستاذ إبراهيم عبده سائلاً نفسه هل أنا "عبودي" المعني إذ ثمة تشابه ــ شكلاً ومضموناً ــ بين الاثنين0 مع تدهور أوضاعه المالية الناجم عن عدم مزاولته لأي عمل قررعبودي العودة للسودان ودون استشارة أقاربه وأصحابه0 صدم هذه المرة إذ لم يقابل بذات الحفاوة التي تعودها سابقاً، حتى أولئك الذين كانوا يشجعونه على الاغتراب أصبحوا يوبخونه على تسرعه وعودته الفجائية، أصهاره لم يخفوا تبرمهم من كونه لايملك منزلاً ومن ضيق مأواهم، وهو ما استندوا إليه في مطالبتهم بالطلاق لاحقاً !! حاول العثور على أية فرصة للعمل لكنه لم يوفق في مسعاه ربما لأنه لم يكن مؤهلاً في الأصل لذلك0 يمم وجهه صوب البلد حاملاً ابنه الذي لم يبلغ سن الفطام بعدما تزوجت عايدة بمغترب آخر0 وعندما اقتربت العربة التي تقلهم من مشارف بلدتهم لاحظ تجمعاً لأهالي البلدة عند المقابر التي هي أول ما يقابل الداخل إلى قريتهم ــ ربما ليبدأ بالسلام على من قضى نحبه قبل الذين ينتظرون ــ خفق قلبه بسرعة تضاهي سرعة مكوك الفضاء خوفاً من أن يكون المتوفى والدته مِسكة، التي جاء لينال عفوها ويغنم رضاها وليعتذر عن تهوره وقراراته الخاطئة0 عجزت قدماه عن حمله عندما أقبل أهل القرية صوبه معزين، كاد أن يسقط وهو حاضن لصغيره، توقف قلبه عن الخفقان للحظات أو هكذا أحس، وعندما علم بأن جده هو الذي توفاه الله خرّ ساجداً وسط دهشة الجميع0 ثم حمل ابنه وشق الجموع متجهاً صوب بيتهم ليرتمي في أحضان أمه طويلاً دون أن يتفوه بكلمة مكتفياً بدمعه الذي فاض كالنيل في أغسطس 0 سالت مياه كثيرة تحت الجسر خلال تلك السنوات التي غاب فيها عن البلد، إذ هاجر أكثر من نصف أهلها لاجئين إلى كبريات المدن بحثاً عن ضرورات افتقدوها في بلدتهم، و حاصرت الصحراء قريتهم وزحفت الرمال لتغطي كل أرجائها باستثناء فناء منزلهم المتواضع، ولم تعد الزراعة هي الحرفة الرئيسة لساكنيها، حتى عوض الحلبي " قارون" القرية كما كانوا يطلقون عليه أغلق متجره بعدما عجز الناس عن سداد ديونهم وأصبحت القرية برمتها من الغارمين0كتب خطاباً لابن عمه بالسعودية طالباً إقراضه ليستأنف نشاطه الزراعي لكن الخطاب ضل طريقه وطال انتظاره دون تلقي إجابة إذ كان قد غادر لأمريكا باحثاً عن وضع أفضل0تفاقمت حالته بوفاة وحيده حمدي، أغلق عليه بابه بعدما شعر بأن أجله قد اقترب، طلب من أخته أن تحضر له حقيبته الصغيرة التي تحوي كل أوراقه الثبوتية من جواز للسفر وشهادة للجنسية وغيرها، بعثر محتوياتها ثم أخرج قلماً وكتب وصيته على دفتر اغترابه أو بطاقة المغترب كما كانوا يطلقون عليها وهي التي دفع عشرة دولارات ثمناً لها فضلاً عن أموال تجديدها، وأغرب ما جاء في وصيته أنه طلب أن يدفن في قلب جهاز شؤون العاملين بالخارج الذين "أكلوه لحماً وتركوه عظماً" كما جاء حرفياً في وصيته0