المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجذور القديمة للإنسان النوبي


سمل ود الولياب
27-Jan-2008, 07:33 AM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]اختلف العلماء والكتاب المعاصرين كثيرا حول الأصول القديمة للإنسان النوبي . فعلى الرغم من كثرة الدراسات والأبحاث التي أجريت في هذا الجانب إلا انه لا يوجد حتى الآن اتفاق علمي محدد حول أصل النوبيين . وقد درج معظم هؤلاء على البحث عن المواطن الأولى للإنسان النوبي قبل ظهوره في وادي النيل ، فخرجوا علينا بالعديد من الآراء والاستنتاجات أهمها :

أن النوبيين ينتمون "كوش" أو "كاش" الذي ورد ذكره في التوراة وأيضا الإنجيل ، وهو كوش بن حام بن نوح أخو "مصرايم" جد المصريين ووالد "نوبة" الذي يعتقدون بأنه والد الأمم النوبية الحالية (1)التي هاجرت إلى أفريقيا بعد الطوفان واستقرت في أجزاء منها فسميت باسمهم . . وعليه فان أصحاب هذا الرأي يرون بوحدة الأصل النوبي والمصري القديم حيث ينتمي كلاهما - حسب رأيهم - إلى السلالة الحامية التي تندرج تحت السلالة القوقازية .
أن النوبيين جزء من السلالة المصرية القديمة نزحت جنوبا في بعض الفترات التاريخية واستقرت في تلك المناطق التي توجد بها آثارهم الآن . ولعل أصحاب هذا الرأي يرون في وجود الآثار المصرية من اهرامات ومعابد وخلافها في المناطق النوبية القديمة دليلا على ما ذهبوا إليه (2) ، لكن يرد على هذا القول بأن النوبيين اختلطوا على مر تاريخهم الطويل بمختلف التيارات الثقافية ولم يقتصر اتصالهم على المصريين وحدهم . ومن الثابت أن الرومان والإغريق والعرب - وحتى شعوب شرق آسيا والهند - قد أسهموا أيضا في تشكيل ملامح الثقافة النوبية الحالية ، كل منهم بدرجات متفاوتة . لذلك لا يمكننا في معرض البحث عن أصول المجموعات النوبية الاعتداد بوجود تلك الآثار ، إذ أن التماثل الثقافي بين المجموعات يمكن إرجاعه إلى عامل التأثير والتأثر الناتج عادة عن الاحتكاك والتواصل المستمر بين الأمم المختلفة لفترات طويلة من الزمن عبر التاريخ .
أن النوبيين هم من أصول زنجية هاجرت إلى المنطقة من كردفان ودارفور في غرب السودان عبر الصحراء الكبرى لوادي النيل ومنها للمناطق الشرقية المتاخمة (3). استدل أصحاب هذا الرأي بصور وتماثيل الملوك النوبيين التي وجدت على جدران المعابد النوبية القديمة حيث تحمل كلها السحنة الزنجية ، كما استندوا إلى تشابه اللغة النوبية مع بعض لغات جبال النوبة في بعض المفردات اللغوية . والواقع أن هذا الجانب المتعلق باللغة جذب اهتمام الكثيرين وخضع للدراسات والأبحاث المختلفة من قبل الباحثين والدارسين المتخصصين ، إلا انه لم يتم التوصل حتى الآن لأي دليل علمي يثبت وحدة الأصل أو الاتصال ما بين اللغة النوبية ولغات جبال النوبة أو غيرها من اللغات الأفريقية الأخرى على الاطلاق .
أن النوبيين ربما يكونوا قد وفدوا إليها من آسيا عبر البحر الأحمر من عهود بعيدة جدا ما قبل التاريخ ففقدوا ملامحهم الأصلية بطول البقاء وأصبحوا على ما نراهم عليه اليوم (4) .
أن النوبيين نشأوا أصلا في قارة أفريقيا ثم تشعبوا فيها إلى قبائل وبطونا استقرت كلها على امتداد وادي النيل حيث توجد آثارهم الآن . وعليه ، فإن أصحاب هذا الرأي يأخذون بأصالة النوبيين وينفون أي صلة عرقية بينهم وبين غيرهم من المجموعات السكانية التي قالت بعض الآراء بانتمائهم إليها .
أن النوبيين ينتمون أصلا لقبيلة النوبادي البدوية التي كانت تجول في الأجزاء الجنوبية من ليبيا والمغرب ، وقد وفدوا لوادي النيل عبر الصحراء الغربية واستقروا على ضفافه في فترات مبكرة من التاريخ حيث اكتسبوا مهارة الزراعة وفقدوا خصائصهم البدوية ولغتهم الأصلية بطول البقاء . يستند أصحاب هذا الرأي إلى الشبه الكبير بين لغات بعض القبائل البدوية في شمال أفريقيا واللغة النوبية ، بالإضافة إلى التشابه في التقاليد والعادات . ويعتقد أنصار هذا الرأي بأن اسم النوبة نفسه ربما يكون قد اشتق من اسم " النوبادي " أو " النوباد " .
أيا كانت الآراء في أصولهم القديمة فمما لا شك فيه أن النوبيون هم من أقدم المجموعات البشرية التي استوطنت أفريقيا حيث تدل الآثار والمخلفات الباقية في المنطقة على تواجدهم بها منذ ما يزيد على 60.000 سنة . ولا تعتبر محاولات البحث عن الجذور واختلاف الآراء حول منابتهم القديمة تشكيكا في النوبيين ، وإنما هي محاولات لقراءة التاريخ لمدى أبعد مما هو معروف لدينا فعلا ، بالرغم من أن هذه المحاولات قد تقودنا إلى حلقة مفرغة لا يمكن الوصول إلى نهاية لها على رأي الباحث السوداني الجليل د.حسن الفاتح قريب الله :
(( إن المهم عند عند هؤلاء المؤرخين وأمثالهم أن يثبتوا النزوح وعدم أصالة النوبة بأرضهم ليتفرغوا للبحث عن الأماكن التي نزحوا منها ، علما بأننا لو تأسينا بأمثال هؤلاء في مثل هذا المنحنى غير العلمي لتساءلنا عن الموطن الأصلي الذي كان يسكنه أولئك النوبة قبل أن يستقروا بليبيا أو المغرب أو جبال كردفان . وبما أن تساؤلا كهذا يؤدي إلى التسلسل ، والتسلسل باطل علميا فان ما ينبني على الباطل من افتراضات ساذجة يعتبر باطلا . ))
وبعيدا عن محاولات البحث عن الجذور فإن السودان يعتبر اليوم الوطن الأول للنوبيين حيث يتواجد بها حوالي70 % من تعدادهم البالغ 300.000 نسمة ، بينما يتوزع البقية منهم في جنوب مصر وبقية دول العالم خاصة الدول العربية .

سمل ود الولياب
27-Jan-2008, 07:34 AM
يصعب تحديد ملامح التاريخ السوداني القديم ، خاصة فيما يتعلق بفترات ما قبل التاريخ نسبة لتأخر عهد الكشف الأثري بالسودان والذي بدأ في أواسط القرن التاسع عشر عندما زار بعض الرحالة الأوربيين السودان وكتبوا عنه بشيء من التفصيل .
وبالرغم من شح المعلومات المتوافرة عن السودان في عصوره الأولى ، إلا أنه أمكن التوصل لوجود الاستيطان البشري في مناطق متعددة منه منذ عقود طويلة ما قبل التاريخ . ولعل وادي النيل والمناطق المتاخمة له كان من أكثر المناطق جذبا للعنصر البشري نسبة لتوفر مقومات الاستقرار من مياه و تربة وموقع جغرافي متميز ، مما جعله مركزا لأقدم الحضارات الأفريقية المعروفة لدينا حتى الآن .
وعموما يمكن تقسيم مسيرة الحضارة الإنسانية في السودان عموما وفي منطقة النوبة على وجه الخصوص إلى المراحل التاريخية التالية

سمل ود الولياب
27-Jan-2008, 07:34 AM
المجموعة الحضارية الأولى (3800 ق م - 3100 ق م ) :
يرجع تاريخ هذه المجموعة إلى ما قبل 10 آلاف سنة . وقد قامت هذه الحضارة في منطقة خور بهان شرقي مدينة أسوان المصرية (حيث الصحراء الآن)، وكان مركزها في مناطق القسطل ووادي العلاقي .
كان أفراد هذه المجموعة يعتمدون في حياتهم على تربية الماشية ، ولم يكن وادي النيل مأهولا بالسكان في ذلك الوقت ، إلا أن بعض المجموعات نزحت - ولأسباب غير معروفه - جنوبا وتمركزت في المناطق المجاورة للشلال الثاني حيث اكتسب أفرادها بعض المهارات الزراعية البسيطة نتيجة لاستغلالهم الجروف الطينية والقنوات الموسمية الجافة المتخلفة عن الفيضان في استنبات بعض المحاصيل البسيطة ، مما أسهم في استقرارهم هناك و من ثم قيام مجتمعات زراعية غنية وعلى مستوى عال من التنظيم فيما بعد .
وعلى عكس الاعتقاد السائد فان الدراسات التي أجريت مؤخرا على آثار هذه المجموعة في منطقة القسطل أثبتت وجود درجة عالية من التنظيم السياسي والرخاء الاقتصادي لديها ، بدا جليا من التقاليد التي كانت متبعة في دفن الموتى وثراء موجودات المدافن مما يدعو إلى الاعتقاد بوجود ممالك قوية لبس ملوكها التاج الأبيض واتخذوا صقر حورس الشهير رمزا لهم ، وذلك قبل زمن طويل من رصفائهم الفراعنة في مصر العليا . والجدير بالذكر أن التاج الأبيض وشعار حورس اتخذا فيما بعد رمزا للممالك المصرية التي نشأت في مصر لاحقا ، مما أدى إلى الاعتقاد بان هذا التقليد منشأه ممالك مصر الفرعونية ، ولكن في الواقع فإن وادي النيل الأعلى لم يكن قد عرف بعد الكيانات البشرية المتطورة في تلك الحقبة البعيدة من التاريخ عندما نشأت حضارة المجموعة الأولى في المناطق الشمالية من النوبة .
احتلت المجموعة الأولى وممالكها ، كما يبدو من آثارهم المنتشرة في المنطقة ، جزءا من وادي النيل امتد من جبل السلسلة ( في مصر العليا ) شمالا وحتى بطن الحجر عند الشلال الثاني في الجنوب . وكان قدماء المصريون يسمون النوبة آنذاك ب " تا سيتي " أي ارض الأقواس نسبة لمهارتهم في الرماية ، وربما كانت بينهم نزاعات حدودية انتهت باحتلال النوبة للأجزاء الجنوبية من مصر العليا لفترة من الوقت . وبصرف النظر عن صحة نشوء مثل هذه النزاعات فإن من الثابت وجود علاقات تواصل وتبادل تجاري جيدة بينهم استفادت منها مصر كثيرا خاصة في مجال الزراعة ، حيث ساعد انتقال الخبرات النوبية إلى مصر على استقرار المجتمعات البشرية في شمال الوادي وتطورها مما كان له الفضل في قيام الممالك المصرية القديمة لاحقا .
أهم ما يميز المجموعة الحضارية الأولى أنواع الفخار المميز ذو اللون الوردي والأواني المزركشة بالنقوش ، وقد عثر على بعض الأنواع المشابهة لهذا الفخار في مناطق متفرقة من شمال السودان حتى امدرمان . كما تميزت هذه الحقبة بطريقتها المميزة في دفن الموتى حيث كان الميت يدفن في حفرة بيضاوية الشكل على جانبه الأيمن متخذا شكل الجنين ومتجها جهة الغرب .
مع بدايات توحيد ممالك مصر العليا في مملكة واحدة متحدة واجهت النوبة قوة لا تقهر في الشمال بدأت تهدد وجودها واستقرارها . وبازدياد نفوذ وهيبة المملكة المصرية المتحدة اتجهت أطماعها جنوبا صوب النوبة ، في الوقت الذي بدأت فيه المجموعة الأولى تفقد قوتها العسكرية والاقتصادية مما جعلها عاجزة عن تأمين حدودها الشمالية التي بدأت تتقلص تدريجيا نحو الجنوب ، وقد بدا علامات الضعف والتدهور واضحة في آثار هذه الفترة مما دفع بعض العلماء إلى الاعتقاد بوجود مجموعة أخري تعرف باسم " المجموعة الحضارية الثانية " تلت المجموعة الأولى وكانت أضعف منها نسبيا .
وبحلول العام 2900 ق.م أصبحت النوبة السفلى بكاملها تحت السيطرة المصرية وخلت تماما من سكانها بعد تراجعهم جنوبا إلى منطقة النوبة العليا ليختلطوا بحضارة كرمة الوليدة ، وظلت النوبة السفلى بعد ذلك مهجورة لعقود طويلة وانقطعت أخبارها خاصة بعد تعرض آثارها ومدافنها الملوكية للحرق والتدمير من قبل جيوش المملكة المصرية . وهكذا طويت صفحة هامة من تاريخ هذا الجزء من وادي النيل في نفس الوقت الذي كانت تشهد فيه منطقة أخرى من النوبة ميلاد حضارة جديدة ظهرت بوادرها في منطقة كرمة على الضفة الشرقية للنيل جنوب الشلال الثالث .

سمل ود الولياب
27-Jan-2008, 07:35 AM
في نهايات القرن الخامس قبل الميلاد انتقلت عاصمة النوبة من نبتة إلى مروي جنوب الشلال الخامس ، ويعتقد بأن هذا الانتقال كان سببه الرغبة في تحاشي خطر الإمبراطورية المصرية التي كانت قد نجحت في الاستيلاء على النوبة السفلى آنذاك .
تمتاز مروي بخصائص كثيرة أهلتها لان تكون العاصمة الجديدة للمملكة النوبية ، أهمها الموقع الجغرافي المتميز في مفترق طرق القوافل التي تربط مصر بإثيوبيا وكافة بلاد أفريقيا ، بالإضافة إلى طبيعة المنطقة الجديدة الغنية بمواردها الطبيعية من أراضي واسعة وأمطار غزيرة .
نمت مروي سريعا وبرزت للوجود كأحد أهم المراكز التجارية في المنطقة حيث قامت فيها العديد من الصناعات المهمة كالتعدين وازدهرت فيها العلوم وأنشئت العديد من الأضرحة والمراكز الدينية الهامة مثل معبد الشمس الشهير الذي كان يؤمه الناس من كل البقاع . في هذه الفترة انتعشت المملكة النوبية وازدادت قوتها الاقتصادية نتيجة لانتعاش الصناعة والتجارة ، وقد بدت ملامح هذا الثراء واضحة في آثارها وموجودات مدافنها الملوكية الباقية إلى اليوم .
في حدود عام 30 ق.م احتل الرومان مصر بعد هزيمة ملكتها كليوباترا ، وكان أول ما فكروا فيه هو مد سلطتهم جنوبا إلى منطقة النوبة بهدف السيطرة على مناجم الذهب والحديد هناك . كانت أولى المحاولات لغزو النوبة في عهد الملكة النوبية أماني ريناس التي تمكنت من التصدي لقوات القائد الروماني بترونيوس في عام 24 ق.م وألحقت به الهزائم المتلاحقة في كل من أسوان والفنتين ، ولكن نسبة لتفوق الجيوش الرومانية لم تتمكن الملكة النوبية من الصمود طويلا فانسحبت جنوبا إلي النوبة العليا تاركة النوبة السفلى في يد الرومان . وفي عام 23 ق.م عقد الرومان معاهدة صلح مع الملكة النوبية أماني ريناس انفتحت بعده أبواب النوبة العليا أمام النوبيين الأمر الذي سهل التجارة وانتقال الثقافة والفنون النوبية لمصر ، إلا أن هذا الصلح لم طويلا إذ قامت أماني ريناس بخرقه بعد أعوام قليلة لتعود المناوشات مرة أخرى بين مصر الرومانية والنوبة التي ما انفكت تثير القلاقل على الحدود الجنوبية لمصر حتى سقوطها .

تميزت حضارة مروي بطابعها الأفريقي الذي تفردت به خلافا لبقية الثقافات التي ازدهرت في وادي النيل . وتدل الآثار المتبقية من هذا العصر على تأثر مروي بالثقافات المختلفة التي عاصرتها ، ويبدو ذلك جليا في معابدها ذات الطابع الروماني والمصري والإغريقي . كان المعبود الأول في النوبة هو الإله ابيدماك وهو مصور في آثارهم على شكل كائن براس أسد ، وقد عثر في معبد الأسد على نقوش لإله له أربعة اذرع وثلاث رؤوس مما يدل على اختلاط النوبة بالثقافة الهندية في ذلك العهد .
ضعفت مروي وتفككت في أواخر عهدها بتأثير عوامل متعددة تضافرت سويا للتعجيل بسقوطها . من أهم هذه العوامل تدهور البيئة الطبيعة نتيجة تراكم النفايات الصناعية المتخلفة من صناعة الحديد مما أدى إلى توقف النشاط الزراعي كلية . كما أدى ازدياد قوة القبائل البدوية في الصحراء وسيطرتها على طرق القوافل التجارية إلى حرمان مروي مصدر آخر كان يعد من أهم موردها الاقتصادية وهو التجارة . أخيرا أدى ظهور مملكة اكسوم الحبشية كمنافس قوى لها إلى حرمان مروي من أهم مصادر قوتها ، وهو السيطرة على ممرات التجارة الأفريقية عبر شرق أفريقيا والبحر الأحمر . وأخيرا ، وفي خضم هذا الضعف والتردي جاءها عيزانا في عام 350 م فدمر ما تبقى منها لتنطوي صفحة هامة من تاريخ النوبة .

سمل ود الولياب
28-Jan-2008, 01:15 PM
الكثير من الأجيال المعاصرة لا تعرف عن النوبة سوي

الأسم فقط ، لعدم رؤية النوبة القديمة خلف السد

ومعرفة كل ظواهره وخصوصيته وعاداته وتقاليده المتوارثة

منذ زمان الأســـلاف .


كان مناخ النوبة قديماً صحي جداً برغم قسوة الطبيعة والمكان

وشدة الحرارة في فصل الصيف لاسيماً في البقاع الصحروية الضيقة

، ولعل السر في ذلك جفاف الهواء والصحراء الشاسعة والجبال

الممتدة بقرب نهر النيل ، وكان أخطر الأمراض التي مرت بالنوبة

مرض الجدري ذلك المرض الفتاك الذي فتك بالناس من الشمال للجنوب

وفي كل أرجاءها بسبب قلة التطعيم في النوبة والعزلة التي تعيش

فيها من أغلاق وحرص من دخول الغرباء اليها .


طبيعة الرجال في النوبة عموماً ذو أجسام قوية وتقاطيع وسيمة

وهم أقصر قليلاً من المصريين ، لا شوارب لهم ولحاهم صغيرة

ولا تتجاوزأسفل الذقن ، وكل ما كان الوادي كبير للزراعة

وميسور الأهالي علي سعة من الرزق تجد أطول قامات وأضخم

أبداناً بعكس البقاع الصخرية والتي لا تتجاوز عرض الوادي

فيها عن عشرين يارة أو ثلاثين ويكاد بعض الرجال في القري

الضيقة هيكـلاً وهزيـلاً .

أما النســـاء فقد ذكر ( الرحالة بوركهارت )أنهن قامات بديعة

ووجوه طلقة وأن لم تكن جميلة في الشكل تجدها لطيفة في غاية اللطف ،

بل أنني رأيت بينهن نساءاً بارعات الجمال ولست أشك أن الجمال سمة

موجودة بينهن وأذا قل نسبة الجمال فذلك يعود للعمل الشاق الذي

يقمن به منذ الطفولة فشئون البيت كلها موكولة إليهن ، أما

الرجال في الزراعة والنساء في جلب المحاصيل والتربية والنظافة

ورعي الماشية والمشاركة في موسم الحصاد وبذر البذور ، لذا وجدت

نساء النوبة أعف نساء الشرق قاطبة وعفهن أجدر بالأشارة ، لما

كان ينتظر تأثرهن بالمجتمعات الأخري الذي يشتد فيها الرزيلة

والبغاء ، وفي أثناء مكثي في أسنا في ما بين 1798 إلي 1801 م

كان الفتيات يأتين إلي مسكني كل صباح لبيع اللبن وكانت المصريات

منهن يقتحمن فناء الدار في جراة ويسفرن عن وجوههن وهو مسلك

يفهم منه عرض أنفسهن للرزيلة ، أما النوبيات والكثير منهن يقمن

مع أسرهن في أسنا ويقفن علي أعتاب البيت متأدبات ولا يتجاوزنها

بحال من الأحوال ويأخذون ثمن اللبن وهن مقنعات .

ومن الأمور الجميلة أن يدفع الكنزي عادة أثني عشر محبوباً ثمناً

لعروسه وهو ما يعادل 36 قرش ، ويقل ذلك المبلغ في المناطق

النوبية الأخري وقد تزوج العبابدة الكثير في بلاد النوبة وكان

مهر العروسة 6 أبل تعطي لأبيها ثلاثة أبل وتأخذ هي الثلاثة

الباقية مع زوجها وأذا طلقت أخذ الزوج ثمن نصفها وأذا أصرت

المرأة علي الطلاق يستولي الزوج علي كل جهازها وتحلق المرأة

رأسها ، مع أن الطلاق كان نادر الحدوث في ذلك الزمان .

تقوم النساء في النوبة بعمل الأنوال الصغيرة لغزل العباءات

من الصوف الخشن والقماش القطني يصنعون منه القمصان وكذلك

يصنعون من سعف النخيل الحصير ( البرش ) والأطباق التي توضع

غطاءللخبز والصواني والسلات التي يوضع فيها البلح والفشار

والحلويات وسلات كبيرة لحمل الأشياء فيها والتخزين ، ويصنعون

من بواقي الأقمشة سجاد للصلاة والفرش للجلوس عليها وتزين

الغرف الداخلية للبيت النوبي .

النوبيين يتصفون بالرقة واللطف والعزوف عن السرقة وهي رزيلة

معروفة في باقي المجتمعات المصرية وخصوصاً الأقاليم الواقعة شمال

أسيوط ، وتكون معدومة لان حكمها في بلاد النوبة النبذ والطرد

النهائي بدون رجعة من القرية وكل البلاد الأخري بالأجماع .

أما الكرم وحسن الضيافة سمة معروفة في كل البلاد النوبية

أما الكنوز والسكوت لهم طباع الفضول في سؤال الغريب القادم

اليهم بوابل من الأسئلة والأستفسار والمهمة التي جاءوا من أجلها .

يمتاز النوبيين بالجراة وحب الأستقلال وشدة التعلق بالأرض والحفاظ

علي التراث والهوية واللغة ، ومنهم مما يدرك اللغة العربية يحافظ

علي الصلوات كل يوم وأما من يجهل الحديث بالعربية يصلي ولكن

لا يعرف غير التهليل والتكبير ، وقد حج الكثير منهم عبر طريق

سواكن مكة .

كان سكان النوبة من أسوان إلي حدود المحس الجنوبية عبر أقليم

طوله 500 ميل ومتوسط عرضه نصف ميل وبعد سكان يتجاوز

المائة وخمسين ألف شخص في ذلك الزمان .


عندما يشب الطفل في النوبة يعدو لهمـه الأول بشراء مدية معقوفة

صغيرة يلبسها الرجال مشدودة إلي المرفق الأيسر تحت الثياب وعند

أنتقال النوبي من قرية إلي أخري يحمل معه العصا المكسو طرفها

بالحديد ( نبوت ) أو رمح ودقته وطول الرمح خمس أقدام بما فيه

سنه الحديدي ، أما الدرق فتتفاوت أحجامه فمنها المستدير

ذو السرة في وسطه ومنها ما يشبه الدروع المقدونية القديمة بطول

أربعة أقدام وله طرفان مقوسان يكادان تغطيه البدنة كله ،

وتصنع الدرقات التي يبعها عرب الشاقية من جلود فرس البحر

ولا تؤثر فيها رمية رمح أو ضربة سيف ، وكذلك يعتني منهم

القادر مادياً علي شراء السيوف وهي شبيه بسيوف الفرسان

في القرون الوسطي لها نصل طويل ومستقيم عرضه بوصتان والمقبض

علي شكل الصليب وقرابها من الطراز بعرض أسفاه ويدق رأسه

وهي صناعة ألمانية كان يبعها التجار المصريين للنوبيين بأسعار

تترواح ما بين أربعة إلي ثمانية ريال للسيف أثناء قدومهم إلي

بلاد النوبة للتجارة بين مصر والسودان .