المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر الصادق الرضي


سمل ود الولياب
16-Feb-2008, 10:41 PM
لقد قارب شعراؤنا موضوع الحداثة الشعرية
بالخروج من العمود الشعري المعروف إلى افق التفعيلة
يعتبر الصادق الرضي من الاصوات الشعرية التي اسست لنفسها مكانا في خارطة الشعر السودني علي كافة مستويات تعاطي الشعر سواء كان ذلك بالنشر او من خلال القراءات الشعرية في منابر الشعر وظل منذ بروزه في مجال الكتابة الشعرية يقبض علي جمر الشعر كتابة وتجريبا مستمرا صدرت له ثلاثة مجموعات شعرية هي (غناء العزلة من اجل العزلة) و(متاهة السلطان) واخيرا (اقاصي شاشات الاصغاء) وهو لم يكتفي بالمشاركة في المنابر داخل السودان بل قدم مشاركات خارج السودان اخرها كانت في لندن ضمن برنامج جولة الشعراء (الصحافة) التقت الصادق الرضي واجرت معه الحوار التالي والذي تحدث فيه حول جانبا من تجربته الشعرية وبعض هموم الشعر بالاضافة الي مشاركاته في الفعاليات الشعرية خارج الوطن فكان الحوار التالي:
حوار احمد عوض
المشاركات \ الفعاليات الشعرية خارج السودان هي احدي وسائل ايصال صوتنا لجمهور الشعر العربي

دعنا نبدا من آخر محطة توقف فيها الصادق الرضي وهي ديوان أقاصي شاشة الاصغاء كيف انبثق سؤال الشعر في قصائد هذا الديوان ، هل يمكن الحديث عن مصادر ومرجعيات محفزة لهذه القصائد ؟!
لم ينبثق سؤال الشعر في نصوص اقاصي شاشة الاصغاء منفصلا عنه فيما سبق من نصوص غناء العزلة كتابي الشعري الاول ومتاهة السلطان كتابي الشعري الثاني ، وانما كان متصلا بكل ما سبق ، لكن يمكنني أن أقول أن كتابة نصوص اقاصي شاشة الاصغاء صاحبها نوع من النضج وامتلاك نسبي للادوات ، كأنما عملي السابق مكّن من ذلك فلم أعد أعاني هنا من صعوبات كنت أعانيها هناك وصارت الكتابة تجود بمتعة اكتشاف مناطق ثرة كان ارتيادها حلما .
لا يمكن الحديث عن مصادر ومرجعيات محفزة ونحن في حضرة الشعر سوى الحياة بكل تناقضاتها وما تمور به من صعود وهبوط على مستوى الفكر والوجدان ، على المستوى المعرفي تشكل كل قراءة مصدرا ومرجعا كما تشكل كل مشاهدة لعرض مسرحي جيد أو لوحة تشكيلية محكمة البناء او انصات لقطعة موسيقية بعمق انصاتك لاصوات الداخل وكهوفه المتشابكة ، مصدرا ومرجعا جماليا ومعرفيا بصورة أو بأخرى .
وأنت تؤسس لمشروعك الشعري ، حتى محطة ديوانك الاخير هل خطر لك ان الشعر اصبح _ قطارا يسير بالبخار خاصة ونحن في موجة قرن ثورة الاتصالات العارمة _ بينما هنالك وسائط تعبيرية توجز العالم في صورة فنحن الان نعيش عصر الصورة لدرجة ان الناقد والروائي الايطالي امبيرتو غيكو قال ان رسائل(اس ام اس) هي قصائد هذا العالم؟
الشعر كائن جوهري في العالم لا يمكن ان تنتفي الحاجة اليه نتاجا وتدوالا ، يبقى الشعر ما بقى الانسان ، وللشعر وشائج عميقة تربطه بمختلف ضروب المعرفة والعلوم الانسانية وحقول الابداع الاخرى والصورة كما تعلم ليست ما يعوز الشعر ؛ نعم حدث تطور عظيم وأصبح العالم قرية الكترونية صغيرة ، خصوصا على مستوى " الميديا" لكن ذلك لم يجرد الانسان من حاجته للحب لم يجرده من الاحساس بالغربة إن لم يفاقم من الاحساس بها ، لم يجرده من الرغبة الدائمة في اكتشاف الذات ومعرفتها وبالتالي السعي لاكتشاف الاخر نحو معرفته ، كل ذلك يعني ان الشعر لا يزال متجذرا في الوجود ، كما لا يمكن تجاهل أن الشعر نفسه في حال تطور وتغير ككائن حي باستمرار .
الا تتفق معي ان قصيدتك غناء العزلة ضد العزلة هي جوهر تجربتك الشعرية وهي أكثر ما عبر عنك وعن جيلك بل هي التي انتقلت بك الى مرحلة جديدة في كتابة النص الشعري اخذت فيها تعتني بالشكل اكثر من المضمون ، خاصة ديوانك متاهة السلطان؟!
ماتقول به هو عبارة نقدية ، ويمكن للنقد أن يقرأ أعمالي المطروحة في الساحة من وجهات نظر ليس بالضرورة أن تتفق مع ما أراه وفي ذلك ما يثري معرفتي بما اقدم للناس وما يدفع بي نحو التطور المنشود ، نعم قصيدة غناء العزلة ضد العزلة كانت علامة مهمة في تجربتي الشعرية وقدمتني الى الساحة الشعرية بجانب نصوص اخرى تضمنها كتابي الاول ولا يزال جمهور الشعر يحاصرني بها وربما اكون قد استصحبت بصورة تلقائية بعض ملامح صوتي هناك الى تجاربي اللاحقة ؛ حقا لا اقدر على قياس المسافة بين نص كتبته قبل خمسة عشرة عاما وآخر كتبته قبل يومين كما يقدر على ذلك ناقد حصيف .
هل اللغة جدار كما يقول كثير من الشعراء بمعنى أثناء إنجازك لقصيدة هل تعي بنفسك للشحنات والتراكيب اللغوية التي تعطيها للنص ، وهل يؤثر ذلك على عفوية وتلقائية النص .. ؟!
العفوية والتلقائية تصبح بلا قيمة إن قصدت لذاتها ،أي إن لم تتضمن معرفة بالكتابة والكتابة الابداعية تقتضي معرفة خاصة بطبيعة العمل الابداعي وأدواته ، الشاعر لا يتعامل مع اللغة كأداة من أدواته بهذا التجريد ان جازت العبارة فاللغة كائن حي يقتضي التعامل معه الكثير من الاحابيل والعلاقة في مجملها بين الشاعر واللغة هي صراع دائم ؛ بين ان يخلق الشاعر اللغة التي يريد ليتحقق فيها وبين أن تتمنع اللغة وتتفلت يتجلى الصراع ويكمن الاختلاف بين شاعر وآخر.
الشعر العربي في السودان ظل ومنذ أمد بعيد يعبر عن كثير من الموضوعات في الحياة السودانية ، سواء كان ذلك على المستوى الفكري او الجمالي على سبيل المثال ، انشغل لفترة طويلة بقضية الهوية وبرزت كثير من التيارات على سبيل المثال انشغل الشاعر الكبير الفيتوري بقضايا افريقيا و" الزنوجة حتى انه اصدر ثلاث دواوين حول هذا الموضوع ، صلاح احمد ابراهيم صدر له غابة الابنوس وتدور قصائد الديوان حول الافريقانية ، تجد ايضا لهذا الاتجاه لدي النور عثمان أبكر في ديوانه " صحو الكلمات المنسية " هنالك تيار شعري هائل ، سمى نفسه الغابة والصحراء ، قاده الراحل محمد عبد الحي كيف تنظر الى هذه الاشتغالات للشعر ، بماذا ينشغل الشعر الحديث وماهي قضايا الشعر حاليا ... ؟!
كل التجارب التي تفضلت بذكرها في سؤالك تندرج في سياق الحداثة الشعرية في السودان وغني عن القول ان الاسماء التي جرى ذكرها هي من رموز الشعر الحديث عندنا وهي أسماء لا تزال مساهماتها ساطعة بساحة الشعر وأثرها ماثل لاستكناه النقد ومنفتح على اسئلته ، وقد قارب رموزنا الشعريين مسألة الحداثة من منطلق الخروج عن العمود الشعري المعروف الى افق التفعيلة على مستوى شكل القصيدة مما استوجب ضرورة الاشتغال على موضوعات اخرى مختلفة عن تلك التي يشتغل عليها رواد الشعر التقليدي وقد التصق رواد الحداثة عندنا بقضايا العصر المختلفة وهو أمر طبيعي من واقع أن الفصل بين الموضوع والشكل في المسألة الابداعية غير موضوعي والفكرة الجديدة تقتضي شكلا جديدا ، كما هو معروف الا أن مياها كثيرة جرت تحت الجسر ولا نستطيع أن نتجاهل ان العالم تغير كثيرا إثر الثورة التكنولجية التي شملت كل المجالات بلا استثناء ولم يعد أثر ما هو آيدلوجي على الانتاج المعرفي بمستوى قيمته في السابق ،نحن نعيش عصر الـ لا آيدلوجيا والشعر يهجس بعصره وقضاياه .
نجد أن الشعر في كل مرحلة من مراحل تطور شكله يتخذ صورة من صور الصراع بين ماهو قديم وحديث على سبيل المثال ، دار جدل وصراع عنيف عندما انبثق شعر التفعيلة بين رواد هذا الشعر ورواد الشعر التقليدي ولدينا هنا بداخل السودان صراع خفي بين الشعر العامي والفصيح ومنذ نهاية هذا القرن انشغل المشهد الشعري بما يسمى قصيدة النثر وهل هي شعر ام غير ذلك وبرز مناصرين ومعارضين ، كيف تنظر لكل ذلك في سياق تطور الشكل الشعري على كافة أشكاله التعبيرية ؟
الصراع بين ماهو قديم وماهو حديث صراع قديم متجدد على كافة المستويات ، ولم يخل منه عصر من العصور الماضية ، على حد علمي . وساحتنا الشعرية شهدت طرفا من هذا الصراع ولا يزال الصراع مستمرا بما اننا لن نخلص الى تعريف محدد لما هو شعر ولما هو غير ذلك أبدا ، لن تحدث طمأنينة في هذا الخصوص لأن ذلك يتنافى مع طبيعة ماهو ابداع اصلا وليتواصل الصراع وعلى مقربة منه ليتواصل الحوار حول كيف يمكن ان يكون هناك انتاج شعري يضج بالمعرفة وينضح بالاسئلة وهناك أسئلة مجاورة لا يمكن تجاهلها باي حال من الاحوال لصلتها الحاسمة بالشكل الشعري وتطوره اسئلة ربما اعاقت الحركة الابداعية عندنا وكثيرا عن الالتحاق بما يدور في ساحات اقليمية وعالمية من اسئلة وانتاج .
ولنذكر منها سؤال النشر - المنبر ، على سبيل المثال ، لنذكر سؤال النقد وغيابه المريب أيضا ؛ لدينا اشكالات تتعلق بالبنية التحتية اللازمة لحركة ثقافية وادبية جادة نحو أن تكون صراعاتها بمستوى ان نتقدم خطوة للأمام لا أن تظل هي هي على مر العصور والاجيال .
من خلال مشاركتك السابقة في المجمع الثقافي بابوظبي ثم اخيرا ببريطانيا هل تعتقد ان هذه المشاركات يمكن لها ان تلعب دورا في ايصال الشعر السوداني للجمهور العربي ؟!
هذه المشاركات إحدى الطرق التي يمكن ان يصل بها الشعر السوداني الى جمهور الشعر في الوطن العربي وفي افريقيا واوربا .. الخ ؛ هذه المشاركات على اختلافها فرصة لأن تضئ جانبا من تجربتك وتجربة جيلك وأكثر من ذلك أن تقدم ساحتك الثقافية من خلال عطاءك في المنابر الجماهيرية بلا وسيط ومن خلال المقابلات الصحافية والاذاعية والتلفزيونية وايضا من خلال المناقشات التي تدور على هامش الفعاليات مع مبدعين واعلاميين واصحاب منابر ودور نشر .. الخ
مشاركتي في فعاليات معرض ابوظبي الدولي للكتاب في العام الماضي كانت فرصة جيدة لتقديم صوت سوداني جديد لساحة توقفت معرفتها بالادب السوداني عند الطيب صالح والفيتوري على الرغم من انني وجدت بعض الشعراء من اقطار عربية مختلفة على معرفة ببعض الاسماء والتجارب الجديدة من واقع اهتمامات واجتهادات شخصية وايضا وجدت سودانيين عاملين ببعض المؤسسات الثقافية والاعلامية هناك حادبين على ان يصل الشعر السوداني الى الساحات التي يعملون فيها اسست اجتهاداتهم لأن تكون مشاركتي فاعلة وكانت الشاعرة نجلاء عثمان التوم قد سبقتني الى هناك وقدمت وجها مشرقا للشعر السوداني الجديد من خلال مشاركتها في دورة سابقة للمعرض.
أما مشاركتي في جولة الشعراء ببريطانيا فقد ادهشني ان اكون اول شاعر سوداني يدعى من قبل مؤسسة ثقافية رسمية ليقرأ شعرا هناك ، وقد اتاحت مشاركتي وترجمة نصوصي من قبل مركز ترجمة الشعر بمدرسة الدراسات الشرقية والافريقية جامعة لندن ، مساحة جيدة للتعريف بالشعر السوداني المكتوب باللغة العربية والبيئة الثقافية التي تأسس فيها وقد كان اثر ذلك ايجابيا لحد بعيد .
تم تصنيفكم في العشر سنوات الاخيرة ( التسعينات ) ضمن عدد من الشعراء من بينهم الشاعر المهاجر عاطف خيري والشاعر بابكر الوسيلة ، بأنكم شعراء حداثويين فكيف تنظر الى مثل هذه التصنيفات هل يمكن القول بوجود جيل شعري حديث ..؟
لا اقول بوجود جيل شعري حديث ، اقول بوجود أجيال شعرية حديثة ذلك لأن قدوم الشعراء الى الساحة الشعرية لم يتوقف عند الاسماء التي تفضلت بذكرها وهي اسماء ( عاطف خيري - بابكر الوسيلة ) ويمكن ان اضيف ( حافظ خير وآخرين كثر ) لها اسهامها المقدر ، أدلت بدلوها ولا تزال
وقد سبقت قدومي - قدومنا الى الساحة مشاريع شعرية وأسماء ذات اضافات باذخة واندرجت كل هذه الاسماء والمشاريع في إطار الحداثة .
لكن صاحب كل ذلك غياب تام للنقد والذي اعتقد انه شوش كثيرا من المفاهيم والمصطلحات التي حاصرت هذه المشاريع والتجارب ، لا يمكن أن تتأسس حركة ابداعية بغياب فعالية مهمة كالنقد وهو أمر عانت منه كل هذه الاجيال وبالتالي انسحب ذلك على الساحة بصورة عامة .

سمل ود الولياب
16-Feb-2008, 10:47 PM
الشاعر الصادق الرضي المولود في أم درمان في عام 1969 نال جائزة الشعر الأولي للشعراء الشباب عام 1986. وفي العام ذاته نال عضوية اتحاد الكتاب السودانيين. نشر أعماله في الصحف والمجلات وله مساهمات في المنابر الأدبية المختلفة. صدر له غناء العزلة 1996 في ثلاث طبعات و متاهة السلطان و أقاصي شاشة الصفاء . ويعمل حاليا مسؤولا عن الصفحات الثقافية في صحيفة الأيام . يرتبط شعره باليومي والأسطوري في آن واحد يطمح إلي ملامسة الواقع من خلال شفافيته الشعرية سمعت عن هذا الشاعر الشاب الكثير من الأصدقاء السودانيين فذهبت لزيارته بصحبة الكاتب والقاص أحمد ضحية في مقر صحيفة الأيام وهناك أجرينا هذا الحوار:

ما هو رأيك بقصيدة النثر في السودان أو بالأحرى كيف تنظر إليها باعتبارك شاعرا شابا؟

توجد بدايات وعمرها طويل نوعا ما. منذ بداية السبعينات ظهرت محاولات شعراء أرادوا ينقلوا طموح القصيدة الشعرية السودانية باتجاه قصيدة النثر. بدأت تجارب لها طموح في كتابة قصيدة النثر لأن الساحة الثقافية في السودان عموما تعاني من إشكاليات كثيرة منها أن هذه الحركة كانت في غالبها حركة شفهية إضافة إلي إشكاليات النشر في السودان مما جعلت الشعر السوداني الحديث يرتبط بالتقنيات الشفهية أو التقنيات المنبرية أو الأداء المنبري. لذلك نجد أن أكثر الرموز الشعرية في الحداثة منبريين حتي في دواوينهم الشعرية. وهناك نماذج شعراء لها أصوات مميزة وهي رموز قليلة خرجوا من هذا الإطار نجد عندهم القصيدة مكتوبة بتقنية كتابية عالية جدا أبرز نموذج ساطع لذلك الدكتور محمد عبد الحي صدرت أعماله الكاملة عن مركز الدراسات السودانية مؤخرا. وحتى في تجربته نجد نماذج من خروجات علي قصيدة التفعيلة أي نجد عنده بداية لقصيدة النثر وخصوصا في ديوانه الأخير حديقة الوردة الأخيرة منها قصيدة أسمها موت وحياة الشيخ إسماعيل صاحب الربابة وتضمن ديوانه نماذج شعرية متطورة جدا باتجاه النثر. وظهر الشاعر التيجاني سعيد في السبعينات وهو شاعر غنائي معروف في السودان يكتب الشعر العامي لكن عنده تجربة متطورة تجاه القصيدة النثرية وله ديوان اسمه قصائد برمائية يتمتع بتجربة فنية عالية. الأشكال الوحيد أن هذا الشاعر لم يواصل تجربته بل توقف عند هذا الكتاب. وهناك شاب آخر يعيش حاليا في لندن ويعتبر من الشعراء المغمورين ظهر في نهاية السبعينات وهو سيد أحمد البلال له ديوان أصدره أيام دراسته في رومانيا اسمه نداءات أثناء سجود السهل طبع لمرة واحدة علي الرونيو لكن تجربته تسير باتجاه قصيدة النثر. ولكنه لم يتواصل مع هذه التجربة. وهو يعمل حاليا في مجال الترجمة. صدرت له ترجمة لكازانتزاكي. هناك بذور وملامح لقصيدة النثر في تاريخ الشعر السوداني ذكرت منها تلك النماذج. ولا تخلو الساحة الشعرية من طموحات نحو قصيدة النثر لكن هناك معوقات حتي الشباب الذين ظهروا مؤخرا في السودان يكتبون الشعر. هناك مجموعة كبيرة منهم تحاول أن تكتب قصيدة النثر ولكن قصيدة النثر كتقنية كتابية أكثر بعدا عن الميكرفون والأداء المنبري بل هي تحتاج إلي منبر كتابي مجلة أدبية وللأسف الشديد لا توجد مجلة أدبية في السودان حتي تمكن من هذا الجنس الأدبي أي قصيدة النثر من التطور إلي الأمام حتي أن حركة إصدار المجموعات الشعرية والدواوين المستقلة للشعراء تواجه صعوبات جمة تحول دون أن يكون لقصيدة النثر من فاعلية وحركة وإن ظهر مؤخرا مجموعة من الشعراء أصدروا مجموعاتهم الشعرية. كما يطمح الشباب في إصدار مجلة في شكل كتاب أدبي غير دوري في محاولة للتغلب علي التركة الثقيلة للأداء المنبري.

إذن تبدو قصيدة النثر في السودان عارية عن المرجعيات الضرورية لتطورها كما أفهم أو أن الأرضية ليست مهيأة لظهورها؟

ملامح هذه القصيدة موجودة لكن ليس هناك تراكم علي مستوي الإنتاج وإن كانت الحركة الشعرية في السودان لا تعتمد فقط علي الإنتاج المحلي كمرجعيات في إنتاج تجاربها. يعني أن كل ما يصل من الأدب العربي ويؤثر علي الشعر السوداني المكتوب باللغة العربية يأتي من المراكز الثقافية مثل بيروت و بغداد والقاهرة. وهي المرتكزات التي يعتمد عليها إنتاجنا.

و هل للترجمات تأثير علي مجمل العملية الإبداعية الأدبية في السودان؟

جل الترجمات تأتي عن اللغات الإنكليزية والفرنسية والأقطار الأفريقية المختلفة. ولهذه الترجمات مؤشرات في التأثير علي الإنتاج الشعري السوداني الحداثوي يمكن لقصيدة النثر أن تعتمد عليها. إضافة إلي الإنتاج غير الموثق وهو الإنتاج التراثي والفلكلور التاريخي الذي تعتمد عليه القصيدة النثرية في تطورها أي من غير الاعتماد علي الشعر فقط.

بالرغم من قراءتكم للإنتاج العربي لا يوجد تواصل بين الإبداع السوداني من جهة والإبداع العربي من جهة أخري أي تكاد تكون هناك ثمة قطيعة ما هو رأيك؟

لا يعاني السودان لوحده من هذه الأزمة وإنما جوهر الأزمة هي أزمة الثقافة في الأقطار العربية كافة تقريبا. لسنوات طويلة كان الإنتاج الثقافي يعاني من ضيق أفق وأزمات كثيرة والدليل الماثل للعيان عن هذه المسألة هو أن أغلب الإنتاج علي مستوي الثقافة العربية انتقل بثقله ومؤسساته وانعكس ذلك علي الثقافة في السودان. علي سبيل المثال وأنت حاضر بيننا الآن في السودان يمكنك أن تلحظ بأن أغلب رموز الثقافة السودانية يعيشون خارج السودان في مناف ومهاجر عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا في أقطار الخليج والبلدان الأخرى. يمكن أن تسمي جيلنا بأنه بلا آباء. وهناك مشاريع عديدة تركت دون أن تكتمل ملامحها الأساسية. شعراء وكتاب بدأوا يعملون مشاريع في السودان منذ منتصف الثمانينات والتسعينات قبل أن تتضح الملامح الأساسية لمشاريعهم الإبداعية لأنهم غابوا وبقي السؤال: هل أن هذه المشاريع اكتملت بغياب رموزها؟ هل تحاول هذه المشاريع أن تكمل تخطيطها الإبداعي في الخارج؟ هناك غياب وانقطاع حتي بالنسبة للمبدعين السودانيين في أقطار عديدة ناهيك عن الغياب الحاصل بالنسبة للمبدعين السودانيين في العراق وسورية ومناطق عديدة. لدينا شعراء شباب يذهبون إلي العراق وليبيا وغيرهما من أجل التعريف بإنتاجهم الأدبي. الانغلاق الذي نعاني منه يعاني منه كثير من الأدباء في العراق وليبيا علي سبيل المثال.

هل يمكن أن تحدد لنا ملامح الحداثة في خريطة الشعر السوداني حاليا وعلي الخصوص في جيل التسعينات وما هي هموم هذا الجيل في الكتابة؟

في السنوات الماضية أي منذ منتصف الثمانينات كانت القصيدة الشعرية الشابة في السودان مهمومة بأشياء كثيرة يتقدمها الهم السياسي الاجتماعي الطاغي علي القصيدة حيث التقنية الفنية الغالبة هي التفعيلة والغنائية أي الجرس الموسيقي العالي. عندما تطلع علي القصيدة وهي مكتوبة في ديوان أو في صحيفة تجد صوت الميكروفون كأنها أشبه بالقصيدة الشعرية الغنائية الدرامية التي من الممكن العثور علي نماذجها عند محمود درويش وأمل دنقل وغيرهما. ويعبر عن ذلك من خلال طرح سؤال كان يشغل أغلب الأصوات الشعرية هو سؤال الحبيبة الوطن ... هذا ما كان يدور في منتصف الثمانينات والغالب في الساحة هو العطاء من خلال الميكروفون فيما نجد القليل المنشور في الملاحق الصحافية والمجلات. لكن التسعينات شهدت نضجا أكثر لأن الشعر بدأ يفكر أكثر باتجاه مغادر المناطق الشفاهية. وظهر صوت في الثقافة السودانية ينبه إلي القول بضرورة الكتابة والخروج من نطاق الشفاهية والإنتاج من خلال الصوت. وجاءت دعوات عديدة ساعدت علي ذلك. في منتصف الثمانينات كانت مجلة الكرمل تأتي بانتظام تعرف من خلالها جمهور القراء والمبدعين في السودان علي نماذج متقدمة في الكتابة الشعرية والتفكير الشعري وتم الالتحاق بشكل أو بآخر بحركة الكتابة هذه والتعرف علي مشروع الكتابة الإبداعية كجنس إبداعي مستقل عن الشعر والقصة والرواية. كان لدينا كتاب متميزون يكتبون الشعر والنقد أمثال عبد اللطيف علي الفكي ومجموعته الشعرية مداد الصمت وأسامة الخلاط. هؤلاء الكتاب ارسوا اتجاه مكن الشعراء في التسعينات أن يتوجهوا أكثر تجاه الكتابة وإن كانوا يشاركون في المنتديات المنبرية الشعرية وأصبحت الكتابة يتلخص في الابتعاد عن الصوت العالي والتركيز علي الطباعة. وحصل تحول كبير في المجموعات الشعرية التي صدرت في السنوات الأخيرة منتصف التسعينات. ولو قرأت الدواوين الشعرية الحديثة تجد حتي شكل الصفحة الشعرية مختلفا تماما عن الدواوين الشعرية التي كانت تصدر في الثمانينات وما قبلها. كان شعر محمد عبد الحي متقدما علي جيله وهو من جيل الستينات لكن أغلب التجارب التسعينية تعتبر محمد عبد الحي أشبه بالأب الروحي لأنه اهتم مبكرا بالكتابة الشعرية البعيدة عن المنبرية وبأدوات الكتابة وبشكل الصفحة الشعرية التي نسميها بـ بيوغرافيا الصفحة . لكن ملامح هذه الكتابة لم تتضح عند مجموعة من الشعراء الذين اتبعوا الكتابة النثرية. والمتابع لهذه الحركة في الدواوين الشعرية المتوفرة في المكتبات حاليا أو في شكل القصائد التي تنشر في الملاحق الأدبية في صحافتنا يلمس تحولا كبيرا باتجاه قصيدة النثر.

إذن يعاني الجيل الشاب من افتقاره للآباء وهذا يعني انقطاع التواصل ولا توجد جسور بين ما تكتبون وما هو موجود قبلكم؟

التواصل موجود علي مستوي ضيق باعتبار أن الحركة الشعرية في السودان كما ذكرت آنفا تتعلق بالنشر والتوثيق. فإذا كان الحضور الشخصي للشاعر ليس أساسيا فان حضور شعره مهم. أغلب الشعراء الذين كانوا يكتبون منذ منتصف السبعينات والثمانينات غير موجودين لعوامل كثيرة قد يتوفي الشاعر أو قد يهاجر أو قد ينشغل بأمور تبعده عن الحركة الثقافية لكن توفر أعماله يوفر شكلا من أشكال التواصل والحوار. وما يتوفر من دواوين الشعراء قليل جدا قياسا بعدد غير المنشورين. حدث رد فعل آخر وهو ما يعرف في السودان بـ الهامش لأن الناس ابتكرت وسائل أخري للتواصل غير الدواوين الشعرية و المجلات والملاحق الثقافية أي توفر نوع من التواصل السري بين المشاريع التي لم تكتمل لغياب رموزها وبين المشاريع الموجودة حتي علي مستوي الرسائل الشخصية. إذا توفر شخص واحد من الجيل السابق وهو موجود في الخرطوم تجد أغلب الرموز يتراسلون معه ويحاورونه وهو يقوم بإيصال ذلك إلي الآخرين.

كيف تقول بأنكم بلا آباء في الوقت الذي قال فيه مصطفي سند بأنه هو الذي شكل هذا الجيل؟

الأستاذ مصطفي سند واحد من مجموعة من الشعراء الذين ظهروا في الستينات وأحد رموز الشعر السوداني هو ومعه محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم ومحي الدين فارس وجيلي عبد الرحمن وتاج السر الحسن. هؤلاء هم رواد الشعر الحديث بجانب محمد الفيتو ري. نعم للقصيدة الحديثة في السودان رواد كثر وآباء كثر. الأستاذ مصطفي سند هو واحد من الجيل الذي جاء بعد صلاح أحمد إبراهيم. قصيدته في ديوانه البحر القديم تميزت بجرس موسيقي عال لبي طموحات معينة في تلك الفترة لدي جمهور القراء والنقاد. ووجد رواجا وسيطرت مناخاته علي جيل أتي في فترة السبعينات ولم يعد مصطفي سند الآن واحدا من الينابيع الشعرية الموحية في السودان قياسا بتجربة الشاعر محمد عبد الحي. توقف الأستاذ مصطفي سند في ديوانه القديم من حيث بدأ.
وأغلب دواوينه التي صدرت بعد البحر القديم هي تنويعات علي المناخات الشعرية التي كتبها في ديوانه الأول. لا أتصور أن تجربة واحدة يمكن أن تلقي بظلالها علي المشهد الشعري بكامله.

هل تشعرون بنوع من المركزية الثقافية المحصورة في منطقة معينة في العاصمة علي سبيل المثال؟

نعم هذا موجود. ولكنه غير ملحوظ لطبيعة السودان نفسها لأن أغلب الناس الموجودين في العاصمة هم من الأطراف ولأن السودان بلد كبير ومتنوع الثقافة. تجد باستمرار ممثلا لثقافة الأطراف باعتبار أن الحركة الثقافية في المركز نفسها هي عبارة عن بانوراما لكل الثقافات المتعددة الموجودة في السودان علي الرغم من وجود مركز آخر وهو مركزية الثقافة العربية المسيطرة. كما يوجد نوع من التكتلات و الصراعات داخل الثقافة السودانية وفي كل الساحات الإبداعية وكل الأجهزة الإعلامية. بعض الأسماء هي المسيطرة في الذيوع علي حساب مجموعة كبيرة من الأسماء الأخرى مما سمح بخلق مساحة ثانية هي الهامش. توجد حركة ثقافية متمركزة في أجهزة الإعلام الرسمية أو شبه الرسمية وتجد إنتاجها قليلا وأسماءها قليلة وتعاني من فقر في التواصل الجماهيري. إنها ممارسة صفوية بطبيعتها. وتوجد حركة ثقافية أخري بعيدا عن الأجهزة الرسمية أو شبه الرسمية تتحرك في المجال الواسع في الجامعات والمعاهد العليا تمكنت من خلق مساحة جمهور واسع تعمل بمحبة واسعة ويدعمها جمهور عريض معنويا وهي تنتج بعيدا عن كل ما هو رسمي.

هل هناك نوع من الصراع بين الشعراء الشباب وبين الشعراء القدماء أو لنقل المكرسين؟

بطبيعة الحال الصراع هذا موجود ولكن لأسباب غير مفهومة فقط الإشكالية تختلف ربما للطبيعة التكوينية للثقافة السودانية. السودان يعاني من وضعية ثقافية تختلف عن كثير عن البلدان الأخرى وعلي الخصوص الثقافة في مستواها المعاصر المطروح. في ندوة أقيمت في جامعة الخرطوم استضيف الناقد مجذوب عطروس وهو أحد النقاد الهامين، احد رموزها والمساهمين بعمق في الثقافة السودانية طرح عليه السؤال ذاته الذي تطرحه علي الآن فأجاب في شكل اتهام: أنتم تهمشون الشعراء الشباب وتهمشون قيمة الإبداع نفسه النقاد والقصاصين الشباب. وفي الحقيقة ليس هناك مركز وليس هناك هامش وإنما هناك مشكلة واحدة يعاني منها عموم المثقفين في السودان هو تهميش الدولة أو النظام للثقافة عموما أي أننا جميعا في الهامش. وهذه هي الحقيقة تجعل شكل الصراع في النصوص غير واضح. ومشكلة النشر ترجعنا إلي البنية التحتية للعمل الثقافي. عندما تكون الحركة الثقافية ميتة لا يمكن أن نري طبيعة هذا الصراع لأسباب كثيرة أي إذا كانت أعمال الشباب تحتوي علي قيم جمالية لا نجدها في نصوص الشعراء الكبار إذا كان هذا العمل لا يمكن نشره إلا بعد مرور عشرين عاما بالتأكيد يكون إيقاعه أبطأ وباهتا. نحن نفرح في السودان إذا ظهر شاعر كبير ويكتب أعمالا كلاسيكية كما أن مجرد صدور كتاب شعري هو حدث بحد ذاته. ولهذا السبب أسئلة الصراع غير واضحة إلا في أذهان من يعمل وفي ذهنه مشروع.

هل لهذا السبب إن الشهرة تقتصر علي بضعة شعراء فقط؟

بالتأكيد أن انتشار الأسماء مسألة تتعلق بأجهزة إعلام وقنوات نشر وأدوات مؤسسية للعمل الثقافي. وكلما كان وصول الأصوات صعبا كلما كانت المحصلة ضعيفة علي الرغم من الأصوات الأدبية السودانية المنتشرة في البلدان العربية والغربية التي تحاول أن تعبر عن جوهر الثقافة السودانية.

كيف تكون القصيدة حداثية في السودان؟

لزمن طويل ظل سؤال الحداثة يتركز في ارتباط الشعر السوداني وفي مختلف البلدان العربية بالموسيقي يعني تجد التصنيفات في غالبها علي مستوي سطحي علي مستوي الموسيقي الخارجية. هناك القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة والقصيدة المدورة وقصيدة النثر. أغلب التصنيفات لا تتم علي مستوي اللغة إذ لم تجد المسألة اللغوية ومسألة الصيغة الشعرية حظها في التقييم وفي الجدل حول مسألة الحداثة.
أنني أنظر إلي مسألة الحداثة خارج هذه المعطيات وخارج المسألة التي تتعلق بالتصنيف الأسلوبي الفني الموسيقي الخارجي. أصبحت الكتابة منذ زمن طويل مسألة تتعلق بالدم وبالفكر وبالحضارة. بالتالي أنا لا أتصور أن العمل الشعري ممكن أن يكون ذات صلة بما يسمي حداثة وهو عمل لا ينظر إلي مسألة البناء. أعتقد أن مسألة البناء الشعري هو السؤال الأساسي الذي يخص الحداثة. أعني بالبناء هو أن النص الشعري لا يمكن أن يبني علي مستوي واحد من اللغة والفهم. هل يمكن أن يكون هذا النص حداثيا؟ الحداثة في تصوري تعني فهما مركبا للحياة ولكل معطياتها ومفاهيمها.
وبالتالي حينما يتحول هذا التركيب للبناء الشعري يصبح آنذاك ذا علاقة لحم ودم بالحداثة والعصر لا الذي أنتج فيه. أتصور بأن الحداثة هي إنتاج النص علي أكثر من مستوي. وهذا ما افهمه عن الحداثة. لا أتصور أن المسألة الخارجية هي التي تحسم الأمر. يمكن أن تجد نصا يعتمد الموسيقي الشعرية التقليدية لمجرد أن الشاعر بني هذا النص علي أكثر من مستوي فلسفي وفكري ويومي تضافرت مستويات كثيرة بوعي إبداعي وبمستوي من الهارموني الفني لكي يصبح نصا حداثويا. وإذا كانت القصيدة نثرية ومبنية علي مستوي واحد بالتأكيد يصبح استيعابها داخل فهم الحياة الحديثة والمعاصرة أمرا لا يخلو من المجاملة. هذا مفهوم الحداثة الذي أتصوره في نصوص مجموعة من الشعراء الشباب. أتصور أن أعمالهم متميزة وتقرأ في إطار الكتابات الأدبية الحديثة في الوطن العربي عموما وفي الثقافة العربية عموما ليس محليا فقط. أعتقد أنها تميزت علي إنتاج رموز الحداثة المعروفين كمحمود درويش وأمل دنقل ومحمد الماغوط وأنسي الحاج الذين ساهموا في أن تصل القصيدة الحديثة تقنيا إلي مستوي معين. توجد حاليا في الوطن العربي قصيدة ثانية تعمل وتشتغل يمكن أن يكون من روادها نوري الجراح وعيسي مخلوف وأمجد ناصر. والمسألة أصبحت كما أشار نوري الجراح في حواراته الأخيرة بأنه لم يعد هناك رمز شعري وإنما أصبحت هناك مشاريع مستقلة تعمل باستمرار وباجتهاد حتي أن الشاعر محمود درويش انتبه للتحولات التي تمت علي المستوي الفني في القصيدة. وفي إحدى حواراته يتحدث عن مستوي تغيير نظام المعني وليس إلي تغيير المعني. أعتقد بأن القصيدة الشعرية في السودان تساهم في هذا المستوي من الفهم للحداثة أو أنها تطمح لذلك.

في الستينات طرحت تيارات وموجات عديدة منها بادامات والغابة والصحراء في الوقت الذي لم تظهر فيه تيارات أو مشاريع وهذا اتهام للشعراء الشباب ما هو رأيك؟

شهدت فترة الستينات مدارس شعرية عديدة مثل الغابة والصحراء وهي الفترة التي تزامنت مع سؤال الهوية في السودان. هل نحن عرب أم أفارقة؟ أنتجت أعمالا إبداعية عديدة. تجد علي مستوي الرسم مدرسة الخرطوم تلك الفترة أنتجت كيانات ورموز ومدارس شعرية كثيرة ولكن ما يميز تلك الفترة هو ارتباط الإبداع أو الفن عموما بالأيديولوجي. في فترة من الفترات سيطر الهاجس الأيديولوجي علي المناخات الإبداعية والفنية والثقافية وكانت توجد نظرة سياسية عالية جدا أثرت علي مجمل الإنتاج. وبجانب الأسئلة الفنية طرحت أسئلة أخري حول ارتباط المبدع أو المثقف بالتنظيم السياسي وطرحت أسئلة هامة في هذا الإطار. هذا ما يربط الجماعات والمدارس الإبداعية التي أشرت إليها. ما يميز الأجيال الحديثة في السودان هي أنها نشأت في زمن معرفي هو يعتقد بـأنه خارج الأيديولوجيا. والشعر الحديث الذي ينتج الآن في السودان يتبنى الحداثة لأكثر من فهم علي المستوي الإبداعي يوجد هناك تقديم لمسألة الاستقلالية يجب أن ينظر إلي العمل الإبداعي من داخله وليس من خارجه بما أن الارتباط الأيديولوجي يفتح مجالا لأنك تقرأ العمل الإبداعي بالنظر إلي خارجه. لكن حدثت تطورات كثيرة في هذا السياق. يحاول الأدب السوداني أن ينتج نفسه خارج التكتلات الأيديولوجية وخارج المدارس والسعي للارتباط بالحداثة من وجهة نظر أخري. العمل الأدبي والعمل الفني ينظر إليه من داخل جدله وأسئلته وبنائه الداخلي فقط.

ما هي موضوعات شعر الشباب في الوقت الحاضر؟

بالتأكيد هناك هموم كثيرة انطلاقا من هم ثنائية الحبيبة ـ الوطن ومحاولة مزاوجة الذاتي والموضوعي في سؤال الحب الوجودي الكبير. من هذا يطرق شعر الشباب كل المواضيع الإنسانية بصيغ مختلفة. ما هو يومي أصبح له حضور كبير في الشعر السوداني الذي كان مهملا لأن غالبية الشعر يتبنى لغة مفخمة وتصورات أيديولوجية وهكذا. يوجد الآن نزوع نحو تأسيس مشاريع شعرية أكثر شخصية وأكثر ارتباطا بالحياة. هناك طموح في الشعر السوداني الحديث للارتباط بالحياة وللنظر إلي القضايا الأساسية التي ترتبط بحياته السياسية والفكرية يحاول أن يعالج هذه المسائل والمواضيع بحساسية تنحو إلي الابتعاد عن الهتافية والمباشرة.

ما هي أبرز المشاكل التي يعاني منها الشاعر الشاب في السودان؟

أول المشاكل هي غياب العمل الثقافي المؤسسي في وقت من الأوقات كان في السودان بذور وملامح لحركة ثقافية أكثر تأسيسا وتعمل من خلال مؤسسات بإمكانها أنها تساهم في أن يكون تراكم إبداعي مستمر بحيث تلقي بظلالها التاريخية وتعطي ثمارها للمكتبة السودانية والتاريخ السوداني فيما تعمل الحركة الثقافية الآن من خلال مبادرات فردية وهذه محدودة الأثر وقصيرة النفس. لا بد من العمل من خلال المؤسسات.

ولكن ألا تري بأن المؤسسات تهدف إلي إعاقة العمل الإبداعي؟

لا أتحدث هنا عن الشعر بل عن الحركة الثقافية عموما. أعتقد أن للشاعر فعاليتين الأولي إبداعية وهذه خاصة بمشروعه الشعري وخاضعة لخياراته الشخصية ويرسم مسار حركته وفعالية ثانية ترتبط بالعمل الثقافي العام يمكن أن يكون الشاعر صحافيا ويساهم مع مجموعة في إصدار مجلة أو إقامة معرض فن تشكيلي.
وما هو دور الدولة السودانية هل أنها هجرت العمل الثقافي وركزت علي العمل السياسي فقط؟

الدولة لها مؤسساتها الثقافية ولكن الثقافة علي مستوي الدولة لا تزال هامشية شأنها شأن الدول العربية الأخرى وعمل المؤسسات الرسمية يتم من خلال موظفين في وزارة الثقافة والإعلام لكنها مهما فعلت فأنها لا ترضي طموحات المثقفين لأنهم مهمومون بالمسألة الإبداعية. كما توجد للدولة مؤسسات شبه رسمية وهي تعاني من العمل البيروقراطي. أنا أتحدث عن مؤسسات مثل دور نشر. لا توجد في السودان حركة نشر ولا صناعة كتاب ولا توجد دور نشر يشار إليها بالبنان بإمكانها أن تدعم حركة النشر. في الآونة الأخيرة صدرت كتب كثيرة ولكن أغلبها كان شعرا باعتبار أن للشعر سوقا أكثر رواجا من الأجناس الأدبية الأخرى. ظهرت في السنتين الأخيرتين إصدارات في القصة والرواية ولكنها طفيفة، وهذا هو جانب وغياب النقد والكتب الفكرية جانب آخر.

لماذا التركيز علي إصدارات الشعر فقط؟

أعتقد بأن الشعر أحسن حظا من الأجناس الأدبية الأخرى لكن هذا يأتي علي حساب أشياء ليست اقل أهمية عن الشعر في العملية الثقافية عموما. واقع الحال يقول أنه لا توجد مساهمات نقدية وفكرية جادة وملموسة لغياب المناظر التي تنسجم مع طبيعة هذا الإنتاج. إذا كنا نفتقر إلي مجلة أدبية شهرية أو فصلية أو حتي غير دورية لا يمكن أن نتحدث عن نقد. يمكن أن يكون هذا النقد جادا إذا كان يعتمد علي المشافهة لأن النقد مرتبط أساسا بالممارسة الأكاديمية. فهو أعلي الأجناس الأدبية التي تحتاج إلي المناظر الكتابية والمجلات والكتب ومتابعة المذاهب والمدارس التي تأتي من الغرب والعمل علي ترجمتها. وهذا من شأنه أن يلقي الضوء علي الأجناس الأدبية ويعمل علي تطويرها. وغياب العمل النقدي والفكري من شأنه أن يقصم ظهر الجيل الشاب من المبدعين. ليس هناك إنتاج وليس هناك تراكم إنتاج يمكن الناس الموهوبين أن ينتجوا وأن يستمروا في هذا المجال.

ما هو تأثير الآداب المترجمة في إبداعات الشباب؟

حاولت الدراسات النقدية والكثير من الترجمات والدراسات الحديثة والعلوم اللغوية من ألسنية وتركيبية وغيرهما من التأثير في إبداعنا بلا شك وهذه المتابعة تمت من خلال ما ينتجه المثقفون في الجامعة السودانية الذين لهم ارتباط بالأدب أذكر منهم: أسامة الخلاط وعبد الله ذيب علي الفكيه ومحمد عبد الرحمن. كان هناك اهتمام كبير من الأكاديميين المبدعين السودانيين حاولوا أن ينتجوا تفكيرا بهذا المستوي في المسالة الأدبية. ووثق جزء من إنتاجهم في الملاحق الثقافية والمجلات الأدبية وصلت هذه الأصداء للعمل الإبداعي بشكل أو بآخر. وإن كانت أغلب هذه المحاولات تنصب على الترجمات. لكن الشعر السوداني فيه شيء خاص لا أدري علي الرغم من وجود نماذج من الأدب العالمي ولكن تظل القصيدة السودانية لها ملامح خاصة تميزها. إذا اعتبرنا النص الشعري نصا مركبا بانفتاحه علي مستويات معرفية متعددة بمعني يعتمد التجربة الشخصية اليومية و كذلك علي الترجمات الخفية لأقوال مأثورة وأمثال شعبية ومشاهدات وممارسات طقوسية مختلفة في المجتمع السوداني. هذه هي الصفة المشتركة بين مختلف الأجيال أي أن الأرضية المعرفية والموروث الثقافي والحضاري واسع يتطلب حفريات عميقة لذلك تجد الشاعر السوداني علي الرغم من إطلاعه علي النصوص القادمة من الوطن العربي والترجمات أيضا تجد هناك شيء ما قد يأخذ شكل الموسيقي قد يأخذ شكل توقيع معين وحفر للصورة الشعرية نوع من سودانية معينة تجدها في النظرات المتميزة سواء في قصيدة نثرية أو قصيدة عمودية أو قصيدة تفعيلة وإن كانت هناك تجارب حديثة تحاول أن تخلق أشكالا جديدة للتعبير لمجرد أنها لا زالت وليدة، أكثر عرضة لتأثيراتها بمناخات الأدب المترجم أو الأدب العربي لكن سر الخصوصية هو ربط جميع العناصر الآنفة الذكر في الإبداع السوداني.

ماذا تكتب الآن؟

أعمل الآن علي مجموعة شعرية وهي بعنوان قلادة الجعران الذهبي فيها ملامسة لتاريخ السودان القديم تدور حول مملكة في السودان القديم اسمها أليس علي النيل الأبيض وهي مدينة تسمي حاليا الكوي ومدينة قديمة لمملكة اسمها الشرك .

عاشقه امدرمان
20-Feb-2008, 08:07 PM
شكرا علي الموضوع الرائع زيك يارائع

سمل ود الولياب
20-Feb-2008, 09:22 PM
أختي الكريمة عاشقة امدرمان و كل الشكر لك على مرورك و قراءتك المتأنية بموضوعى

ودالغالي
21-Feb-2008, 01:28 AM
فالحزن لايتخير الدمع ثيابا كي يسمي في القواميس بكاء


ولعمري لم اقراء نصا واحفظه ولا امل من قراءته بقدر متعتي بغناء العزلة ضد العزله

سلامات ياذوق

سمل ود الولياب
21-Feb-2008, 01:50 AM
شكرا لوجــودك و قراءتك لما كتبـت أياً كان مسماه
تقبل الود و التقديراخى ود الغالى غالى

الكردفاني
13-May-2008, 01:42 AM
مشكور أستاذي سمل علي هذا البوست الجميل.

سمل ود الولياب
15-May-2008, 03:09 PM
كردفانى الحبيب مشتاقين كتير وشكرا لوجــودك هناااااااااا