المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في سطور


moudar
11-Mar-2011, 08:05 PM
أبو الفرج الأصفهانى



أبو لفرج علي بن الحسين القرشي الأصبهاني يرجع نسبه لبني أمية (284هـ/897م - 14 ذي الحجة 356 هـ/20 نوفمبر 967م) من أدباء العرب، صاحب كتاب الأغاني، وجده مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية؛ وهو أصبهاني المولد, بغدادي المنشأ، كان من أعيان أدبائها، وأفراد مصنفيها، وروى عن كثير من العلماء، وكان عالِماً بأيام الناس والأنساب والسير، وله أشعار كثيرة.
أخذ العلم عن علماء بغداد والكوفة ومنهم أبي بكر ابن دريد، وأبي بكر ابن الأنباري، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، والحسين بن عمر ابن ابي الأحوص الثقفي، وعلي بن العباس المقانعي، والفضل بن الحباب الجمحي، وعلي بن سليمان الأخفش، ونفطويه، ومحمد بن جعفر القتات وغيرهم.
قال عنه الخطيب البغدادي: (حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طباطبا العلوي، قال: سمعت أبا محمد الحسن بن الحسين النوبختي يقول: كان أبو الفرج الأصفهاني أكذب الناس، كان يشتري شيئاً كثيراً من الصحف: ثم تكون روايتهُ منها).
قال التنوخي: «ومن المتشيعين الذين شاهدناهم أبو الفرج الأصبهاني، كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ دون ذلك من علوم أخر منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً، مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك، وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء».

وله المصنفات المستملحة منها: كتاب " الأغاني " الذي وقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله، يقال إنه جمعه في خمسين سنة، وحمله إلى سيف الدولة بن حمدان فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه. وحكي عن الصاحب بن عباد أنه كان في أسفاره وتنقلاته يستصحب حمل ثلاثين جملاً من كتب الأدب ليطالعها، فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه، استغناء به عنها. ومنها: كتاب القيان وكتاب الإماء الشواعر وكتاب الديارات وكتاب دعوة التجار وكتاب مجرد الأغاني وكتاب أخبار جحظة البرمكي ومقاتل الطالبيين وكتاب الحانات وآداب الغرباء.

صار الأصفهاني كاتباً في ديوان ركن الدولة البويهي، ونال عنده حظوة ومكانة عالية، وكان الأصفهاني يتطلع إلى أن ينال رعاية الوزير ابن العميد، ولكنهُ أخفق في ذلك، ولم ينلها، وكذلك فعل أبو الفرج علي بن الحسين بن هندو وهجاه بقصيدة فأختلطت على الرواة ونسبوها إلى أبي الفرج الأصفهاني.
وكانت بين الأصفهاني والوزير أبي عبد الله البريدي جفوة وسوء علاقة ولقد هجاه الأصفهاني بقصيدة طويلة ذكرها ياقوت الرومي في معجم الأدباء.
توفي الأصفهاني سنة 356هـ وقيل بعد ذلك.

من مؤلفاته
مناجيب الخصيان - مقاتل الطالبين.
كتاب الأغاني - كتاب التعديل والأنتصاف.
أخبار القيان - الإماء الشواعر.
المماليك الشعراء - أدب الغرباء.
الأخبار النوادر - أدب السماع.
أخبار الطفيليين - الخمارين والخمارات.
أخبار جحظة

الكردفاني
11-Mar-2011, 08:10 PM
الحبيب مضر
http://img509.imageshack.us/img509/4126/czcmy2.gif

أسماء بت النيل
11-Mar-2011, 08:49 PM
الأخ مضر أجزل الشكر لك
وأنت تثري صفحاتنا وعقولنا بسيّر من يستحقون المعرفه
دمت بخير

moudar
12-Mar-2011, 12:25 PM
أبو العلاء المعري
هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري (363 هـ - 449 هـ)، (973 -1057م)، شاعر وفيلسوف وأديب عربي من العصر العباسي، ولد وتوفي في معرة النعمان في الشمال السوري.

لقب بـرهين المحبسين بعد أن اعتزل الناس لبعض الوقت رهين المحبسين كتب كثيرا ولم يبق سوى القليل.
اشتهر بآرائه وفلسفته المثيرة للجدل في وقته, هاجم عقائد الدين ورفض الادعاء بأن الإسلام يمتلك أي احتكار للحقيقة.

1 حياته
2 عبقرية المعري
3 آراءه في الإسلام والدين
4 أعماله
أ - رسالة الغفران
ب - كتبه
ج - ديوانه
5 تلاميذه
6 المراجع
7 وصلات خارجية

حياته

• ولد المعري في معرة النعمان (في سوريا حالياً) وفقد بصره في الرابعة من العمر نتيجة لمرض الجدري.

ينحدر المعري من مدينة المعرة في سوريا الحالية (التي استمد اسمه منها). ثم ذهب للدراسة في حلب وأنطاكية، وغيرها من المدن السورية مزاولا مهنة الشاعر والفيلسوف والمفكر الحر، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه في معرة النعمان، حيث عاش بقية حياته، وممارسة الزهد والنباتية, حتى توفي عن عمر 86 عاما ودفن في منزله بمعرة النعمان.

• كما سافر المعري إلى وسط بغداد لفترة، حيث جمع عدد كبير من التلاميذ الذكور والإناث للاستماع إلى محاضراته عن الشعر والنحو والعقلانية.

وإحدى الموضوعات المتكررة في فلسفته كانت حقوق المنطق ضد ادعائات العادات والتقاليد والسلطة.
[عدل] عبقرية المعري

• درس علوم اللغة والأدب والحديث والتفسير والفقه والشعر على نفر من أهله، وفيهم القضاة والفقهاء والشعراء، وقرأ النحو في حلب على أصحاب ابن خالويه ويدل شعره ونثره على أنه كان عالما بالأديان والمذاهب وفي عقائد الفرق، وكان آية في معرفة التاريخ والأخبار.
وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة.

ويمكن استطراداً اعتبار فلسفة المفكر روبير غانم مرحلة جديدة متطورة من مراحل الفلسفة العربية.
• كان على جانب عظيم من الذكاء والفهم وحدة الذهن والحفظ وتوقد الخاطر.

وسافر في أواخر سنة 398 هـ إلى بغداد فزار دور كتبها وقابله علمائها. وعاد إلى معرة النعمان سنة 400 هـ، وشرع في التأليف والتصنيف ملازما بيته وكان كاتبه اسمه علي بن عبد الله بن أبي هاشم.
• عاش المعري بعد اعتزاله زاهدا في الدنيا، معرضا عن لذاتها، لا يأكل لحم الحيوان حتى قيل أنه لم ياكل اللحم 45 سنة، ولا ما ينتجه من سمن ولبن أو بيض وعسل، ولا يلبس من الثياب إلا الخشن. ويعتبر المعري من الحكماء والنقاد.

آراءه في الإسلام والدين•

المعري كان من المشككين في معتقداته وندد بالخرافات في الأديان. وبالتالي، فقد وصف بأنه مفكر حر تشاؤم
• المعري كان يؤمن بأن الدين كان ”خرافة ابتدعها القدماء“ لا قيمة لها إلا لأولئك الذين يستغلون السذج من الجماهير. وخلال حياة المعري ظهر الكثير من الخلفاء في مصر, بغداد, وحلب، الذين كانوا يستغلون الدين كأداة لتبرير وتدعيم سلطتهم.

وقد رفض المعري ادعائات الإسلام وغيره من الأديان الأخرى مصرحاً:
«لا تفترضوا أن تصريحات الأنبياء صحيحة، بل كلها افتراءات.لقد عاش البشر مرتاحين وآمنين حتى جاء الأنبياء وأفسدوا الحياة.

الكتب المقدسة ليست سوى مجموعة من القصص عديمة الفائدة أي عصر يمكن أن ينتجها وقد أنتجها بالفعل".»
• انتقد المعري العديد من عقائد الإسلام، مثل الحج، الذي وصفه بأنه ”رحلة الوثني“.
كما أعرب عن اعتقاده بأن طقوس تقبيل الحجر الأسود في مكة المكرمة من هراء الأديان الخرافية التي لم تنتج سوى التعصب الأعمى والتعصب الطائفي واراقة الدماء لاجبار الناس على معتقداتهم بحد السيف.
و هذه إحدى قصائده المعبرّة عن وجهة نظره:

«: هم جميعا يخطئون -- مسلمين ومسيحيين ويهود ومجوس:
اثنان كثيراً ما وجدا في الحياة:

أحدهم رجل ذكي دون دين، : والآخر متدين دون فكر.»
• كما أن المعري رفض مزاعم "الوحي الإلهي".

عقيدته كانت تلك من عقيدة الفيلسوف والزاهد، الذين يكون المنطق لهم دليلا أخلاقيا، والفضيلة هي مكافأتهم الوحيدة.

أعماله

رسالة الغفران
• أبو العلاء المعري كان معروفا بكتابه الشهير رسالة الغفران الذي هو أحد الكتب الأكثر فاعلية وتأثير بالتراث العربي والذي ترك تأثيرا ملحوظا على الأجيال القادمة من الكتّاب.

وهو كتاب من الكوميديا الإلهية التي تركز على الحضارة العربية الشعرية ولكن بطريقة تمس جميع جوانب الحياة.

الخاصة الأكثر اثارة للاهتمام في رسالة الغفران هي عبقرية المعري بالاستطراد، والفلسفة العميقة، والبلاغة المذهلة.

بعد ظهور ميغيل آسين بلاسيوس (Miguel Asín Palacios) يقول البعض بأن من الواضح أن كتاب رسالة الغفران كان له تأثير على (أو حتى ألهم) دانتي أليغييري (Alighieri Dante) في كتابه "الكوميديا الإلهية".

كتبه

• من أكثر كتبه إثارة للجدل كان فصول غايات ("فقرات وفترات") وهو مجموعة شعرية مماثلة لاسلوب القرآن. بعض العلماء يفترض أن المعري كتبها من لإثبات أن لغة القرآن ليست معجزة، ولكنها تبدو كذلك بالنسبة للبعض بسبب تبجيلها لمئات السنين. ولكن ليس كل العلماء يتفقون مع هذا التفسير.
أما كتبه الأخرى فهي كثيرة وفهرسها في معجم الأدباء:

• الأيك والغصون في الأدب يربو على مائة جزء.
• تاج الحرة في النساء وأخلاقهن وعظاتهن، وهو أربع مائة كراس.
• عبث الوليد، شرح به ونقد ديوان البحتري.
• رسالة الغفران-
• ديوان سقط الزند
• رسالة الملائكة
• رسالة الهناء
• رسالة الفصول والغايات
• معجزة احمد (يعني أحمد بن الحسين المتنبي)
• شرح اللزوميات
• شرح ديوان الحماسة

ولقد ألف العديد من معاصريه، ومن بعدهم كتباً ودراسات حول آراء المعرّي وفلسفته، مثل :(أوج النحري عن حيثية أبي العلاء المعري)، ليوسف البديعي، و(مع ابي العلاء المعري)، لطه حسين، و(رجعة أبي العلاء) لعباس محمود العقاد، وغيرهم كثير.

1. رسالة الصاهل والشاحج

ديوانه

وهو على ثلاثة أقسام:

1-(لزوم ما لا يلزم) ويعرف باللزوميات.
2-سقط الزند.
3- ضوء السقط.
ويعرف بالدرعيات وقد ترجم كثير من شعره إلى غير العربية.
وقال ابن خلكان: ولكثير من الباحثين تصانيف في آراء المعري وفلسفته.

تلاميذه

درس على أبي العلاء كثير من طلاب العلم ممن علا شأنهم في العلم والأدب، منهم:
• أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي.
• أبو الخطاب العلاء بن حزم الأندلسي.
• أبو الطاهر محمد بن أبي الصقر الأنباري.
• أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي.

قد شهد جميع شعراء عصر المعري بفطنته وحكمته وعلمه، وعندما توفي ودفن في مدينته معرة النعمان أجتمع حشد كبير من الشعراء والادباء في تكريمه

أسماء بت النيل
12-Mar-2011, 05:03 PM
الأخ مضر لك الشكر أجزله
على سردك التوثيقي هذا دمت بخير

moudar
13-Mar-2011, 02:44 AM
الأخ مضر لك الشكر أجزله
على سردك التوثيقي هذا دمت بخير

احنا المفروض نشكرك علي المرور
مودتي

بازيقار
13-Mar-2011, 02:50 AM
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه
اخي مضر علي الموضوع المفيد

moudar
13-Mar-2011, 02:50 AM
أبونواس


الحسنبن هانئ الحكمي شاعر عربي من أشهر شعراء العصر العباسي. يكنى بأبي علي و أبي نؤاس والنؤاسي.

• 1 حياته
• 2 أسلوبه
• 3 ديوانه
• 4 آراء بعض الرواة فيشعر أبي نواس
• 5 مختارات من شعر أبي نواس
o 5.1 الغزل
o 5.2 الفخر
o 5.3 المديح
o 5.4 الزهد والتوبة

• مولده:
في الأهواز جنوب غربي إيرانلأمٍ فارسية الأصل و المرجح أن والده كان من جند مروان بن محمد آخر خلفاء بنيأمية.
• حياته:
توفي والده فانتقلت به أمه من الأهواز إلى البصرة في العراق ،و هو في السادسة من عمره ، و عندما أيفع وجهته إلى العمل في حانوت عطار. ثم انتقلمن البصرة إلى الكوفة ، و لم تذكر لنا كتب التاريخ سبب ذلك ، غير أنه التقى والبةبن الحباب الأسدي الكوفي فرافقه إليها. و صحب جماعةً من الشعراء الماجنين كمطيع بنإياس و حماد عجرد. ثم انتقل إلى بادية بني أسد فأقام فيهم سنةً كاملةً آخذاً اللغةمن منابعها الأصيلة. ثم عاد إلى البصرة و تلقى العلم على يد علمائها أدباً وشعراً.
و لم يقتصر طلبه العلم على الشعر و الأدب بل كان يدرس الفقه و الحديث والتفسير حتى قال فيه ابن المعتز في كتابه ’طبقات الشعراء‘ : "كان أبو نواس ٍ عالماًفقيهاً عارفاً بالأحكام و الفتيا ، بصيراً بالاختلاف ، صاحب حفظٍ و نظرٍ و معرفةٍبطرق الحديث، يعرف محكم القرآن و متشابهه ، و ناسخه و منسوخه."
و في البصرة شغفأبو نواسٍ بجاريةٍ تدعى ’جَنان‘ و غناها بشعرٍ كثيرٍ يعبر عن عمق شعوره نحوها. و قدقصد أبو نواسٍ بغداد و امتدح الرشيد و نال مكانةً مرموقةً لديه ، و لكنه ـ أيالرشيد ـ كان كثيراً ما يحبسه عقاباً له على ما يورد في شعره من المباذل و المجون. و قد أطال الرشيد حبسه حتى عفا عنه بشفاعةٍ من البرامكة الذين كان أبو نواسٍ قداتصل بهم و مدحهم. و لعل صلته الوثيقة بهم هي التي دفعته إلى الفرار حين نكبهمالرشيد فيما عرف فيما بعد بنكبة البرامكة.
ذهب أبو نواسٍ إلى دمشق ثم إلى مصرمتجهاً إلى الفسطاط ، عاصمتها يومذاك ، و اتصل بوالي الخراج فيها الخصيب بن عبدالحميد فأحسن وفادته و غمره بالعطاء فمدحه بقصائد مشهورة.
توفي هارون الرشيد وخلفه ابنه الأمين ، فعاد أبو نواسٍ إلى بغداد متصلاً به ، فاتخذه الأمين نديماً لهيمدحه و يُسمعه من طرائف شعره. غير أن سيرة أبي نواسٍ و مجاهرته بمباذله جعلتامنادمته الأمين تشيع بين الناس. و في نطاق الصراع بين ابني الرشيد ، الأمين والمأمون ، كان خصوم الأمين يعيبون عليه اتخاذ شاعرٍ خليعٍ نديماً له، و يخطبون بذلكعلى المنابر ، فيضطر الأمين إلى حبس شاعره. و كثيراً ما كان يشفع الفضل بن الربيعله لدى الخليفة فيخرجه من سجنه. و عندما توفي الأمين رثاه أبو نواسٍ بقصائد تنم عنصدق عاطفته نحوه.






وفاته:
لم يلبث أبو نواسٍ أن توفيقبل أن يدخل المأمون بغداد و قد اختلف في مكان وفاته أهي في السجن أو في دارإسماعيل بن نوبخت. و قد اختلف في سبب وفاته و قيل إن إسماعيل هذا قد سمه تخلصاً منسلاطة لسانه.
أسلوبه
• أهم ما في شعر أبي نواس, "خمرياته التي حاول أن يضارعبها الوليد يزيد أو عدي بن يزيد بطريق غير مباشر اللذين اتخذهما مثالاً له. و قدحذا بنوع خاص حذو معاصره حسين بن الضحاك الباهلي الذي لا شك أننا لا نستطيع أن نجدبينه و بين أبي نواس فوارق روحية.
• أما مدائحه فتبدو فيها الصناعة بوضوح قليلةالقيمة.
• أما رثاؤه فتجد فيها عاطفة عميقة و حزناً مؤثرا يجعلنا نفتقر بعض مافيها من نقائص كالتكفل في اللغة والمبالغة المعهودة في الشرق.
• أما في أشعارهالغزلية ففيها من العاطفة والشاعرية الصادقة بقدر ما فيها من الإباحية والتبذل
ويجب أن نذكر إلى جانب زهدياته أشعاره عن الصيد التي تبدو مبتكرة عندالنظرة الأولى ولمن لا بد أن له في هذا الضرب من الشعر أسلافا نسج علىمنوالهم.
و كان واحداً من أعلام الشعوبية.
ديوانه
لقد جمع ديوان أبي نواسكثيرون منهم الصولي المتوفى عام 338هجري (946م) جمعه في عشرة فصول, و حمزة بن الحسنالأصفهاني ، ونسخة هذا الأخير أكثر سعة, وأقل تحقيقا ، وقد جمعها المهلهل بن يموتبن مزرد الذي كان على قيد الحياة حوالي عام 332هجري (943م) برسالة عنوانها "سرقاتأبي نواس"
+ آراء بعض الرواة في شعر أبي نواس
• كان أبو عبيدة يقول:
(( ذهبت اليمن بجيد الشعر في قديمه حديثه ب امرئ القيس في الأوائل, و أبي نواس فيالمحدثين)).

• قال عبيد الله بن محمد بن عائشة :
((من طلب الأدب فلم يروشعر أبي نواس فليس بتام الأدب)).
• وكان يقال: شعراء اليمن ثلاثة, امرؤ القيس وحسان بن ثابت وأبو نواس
• كما قال أبو نواس عن نفسه:
((لو أن شعري يملؤ الفمما تقدمني أحد)).
• وقال أيضا :
((أشعاري في الخمرة لم يقل مثلها, و أشعاريفي الغزل فوق أشعار الناس, وأجود شعري إن لم يزاحم غزلي, ما قلته في الطرد (الصيد). ))
+مختارات من شعر أبي نواس
+الغزل
أموت ولا تدري وأنت قتلتني ولو كنتتدري كنت، لا شك، ترحمُ
أهابـك أن أشكـو إليك صبابتـي فــلا أنا أبــديــها ولاأنت تــعــلــمُ
لسانــي و قلبـي يكتمان هواكـمُ ولكـــن دمعــي بالهــوىيتكلـــــــمُ
وإن لم يبح دمعي بمكنون حبكم تكــلـم جسمــي بالنحوليترجــــــمُ
الفخر
ومستــعبـدٍ إخوانـَه بثـرائــه لبـستُ له كبـراً لأبرَّعلى الكبـرِ
إذا ضمَّـني يومـاً و إياه محفِــلٌ رأى جانبـي وعراً يزيـد علىالوعر ِ
أخالـفـه في شكـلـه، و أجـِرُّه على المنـطق المنـزور و النظر الشزرِ
و قد زادني تيهاً على الناس أنني أرانيَ أغنـاهم و إن كنتُ ذا فـقـرِ
فوالله لا يـُبـدي لســانيَ حاجــةً إلى أحـدٍ حتـى أٌغَيـّبَ في قبـري
فلاتطمعــنْ في ذاك مـنيَ سُوقـةٌ ولا ملكُ الدنيـا المحجبُ في القصـر ِ
فلو لم أرثفخراً لكانت صيـانتي فمي عن سؤال الناس حسبي من الفخر ِ
المديح
• قال يمدحالأمين:
تتيه الشمـس و القمـر المنيـر إذا قـلنـا كـأنـهـمـا الأميـر
فإنيـــكُ أشبـها منه قـليلاً فـــقد أخطاهــــما شبهٌ كــثيرُ
لأن الـمسيــرُ {{{2******
و نور مـحمدٍ أبداً تمـامٌ على وَضَــح ِالطـريقـةِ لا يـحـورُ
• وقال يمدحه أيضاً:
ملكتَ على طير السعادة واليمنِ و حزتُ إليـكَ الملكَ مقتبـلالسن ِ
لقد طـابت الدنيـا بطيب محمدٍ و زيـدتْ به الأيـامُ حسناً إلى حسنِ
ولو لا الأمين بن الرشيد لما انقضت رحى الدين، والدنيا تدور على حزن ِ
لقدفك أغـلال العنـاة محمـدٌ وأنزل أهل الخـوف في كنف الأمن ِ
إذا نحن أثنيـناعليـك بصـالح ٍ فأنت كما نـثني، وفوق الذي نـثني
وإن جرت الألفـاظ يوماً بمدحةٍلغيـرك إنسـاناً، فأنت الذي نعـني
الزهد والتوبة
يا رب إن عظمـت ذنوبي كـثرةًفلقـد علمتُ بأن عـفوك أعظمُ
إن كان لا يرجـوك إلا محســــنٌ فبمن يـلوذ ويستجيـر المجرمُ
أدعـوك رب كما أمرتَ تـضرعـاً فإذا رددتَ يدي فمن ذايرحمُ
مالي إليك وسيلةٌ إلا الرجـــا وجـــميل عفوك ثم إنيمسلمُ


أجمل ما قال ابو نواس في الغزل
لما جـفاني الحبـيب وامتنعت عنـيالرسالات منه والخبر
واشتد شـوقي فكاد يقــتلني ذكر حبيـبي ، والهموالفكر
دعـوت إبليس ثم قلت له في خـلوة ، والدمـوع تنـحدر
أما ترى كيف بليتوقد أقـرح جفـني البـكاء والسهر ؟
إن أنت لم تلق لي المودة في صــدر حبيبي وأنتمقتدر
لا قلت شعراً ، ولا سمعت غناً ولا جرى في مفاصلي السكر
ولا أزالالقــرآن أدرســه ، أروح في درسـه وأبتـكر
وألزم الصـوم ولا صـلاة ولا أزالدهــري بالخير أأتمر
فما مضت ، بعد ذاك ثالثة حتى أتـاني الحبيــبيعــتذر
مختارات من شعر أبينواس


وَمُتَرَّفٍ عَقَلَ الحَياءُ لِسانَهُ فَكَلامُهُ بِالوَحيِوَالإيماءِ
لَمّا نَظَرتُ إِلى الكَرى في عَينِهِ قَد عَقَّدَ الجَفنَينِبِالإِغفاءِ
حَرَّكتُهُ بِيَدي وَقُلتُ لَهُ اِنتَبِه يا سَيِّدَ الخُلَطاءِوَالنُدَماءِ
حَتّى أُزيحَ الهَمَّ عَنكَ بِشُربَةٍ تَسمو بِصاحِبِها إِلىالعَلياءِ
فَأَجابَني وَالسُكرُ يَخفِضُ صَوتَهُ وَالصُبحُ يَدفَعُ في قَفاالظُلَماءِ
إِنّي لَأَفهَمُ ما تَقولُ وَإِنَّما رَدَّ التَعافي سَورَةُالصَهباءِ



لا تَشرَبِ الراحاَ غَيرَ مَمزوجِ مِن كَفِّ ظَبيٍأَغَنَّ مَغنوجِ
تَسقيكَ عَيناهُ مِثلَ راحَتِهِ مِن شَغَفٍ في الفُؤادِمَولوجِ
تَقصُرُ عَينُ البَصيرِ عَنهُ وَكَم دَهرٍ رَماهُ بِطولِتَخليجِ
وَكَم قتيلٍ وَ لا سِلاحَ لَهُ غَيرُ الخَلاشيلٍوَالدَماليج


يا قَمَراً أَبرَزَهُ مَأتَمٌ يَندُبُ شَجواً بَينَأَترابِ
يَبكي فَيَذري الدُرَّ مِن نَرجِسٍ وَيَلطُمُ الوَردَ بُعُنّابِ
لاتَبكِ مَيتاً حَلَّ في حُفرَةٍ وَاِبكِ قَتيلاً لَكَ بِالبابِ
أَبرَزَهُالمَأتَمُ لي كارِهاً بِرُغمِ داياتٍ وَحُجّابِ
لا زالَ مَوتاً دَأبُ أَحبابِهِوَلَم تَزَل رُؤيَتُهُ دابي
دَعْ عَنْكَ لَوْمي فإنّاللّوْمَ إغْرَاءُ ... ودَاوني بالّتي كانَتْ هيَ الدّاءُ

صَفراءُ لاتَنْزلُ الأحزانُ سَاحَتها ... لَوْ مَسّها حَجَرٌ مَسّتْهُ سَرّاءُ

َقامْتبِإبْريقِها ، والليلُ مُعْتَكِرٌ ... فَلاحَ مِنْ وَجْهِها في البَيتِلألاءُ

فأرْسلَتْ مِنْ فَم الإبْريق صافيَة ً ... كأنَّما أخذُها بالعينِإعفاءُ

َرقَّتْ عَنِ الماء حتى ما يلائمُها ... لَطافَة ً، وَجَفا عَنْشَكلِها الماءُ

فلَوْ مَزَجْتَ بها نُوراً لَمَازَجَها ... حتى تَوَلدَأنْوارٌ وأَضواءُ

moudar
13-Mar-2011, 02:52 AM
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه
اخي مضر علي الموضوع المفيد

الله يعافيك يا رب
مشكوره علي المرور
مودتي

أسماء بت النيل
13-Mar-2011, 02:15 PM
تم تثبيت البوست لما فيه من فائده تثقيفيه وتعريفيه
بشخصيات مهمه في تأريخنا الأدبي والعلمي والفني
وفي إنتظار هطول غيثك أخي مضر
وشكرا"

moudar
14-Mar-2011, 12:03 AM
"أبو الريحان البيروني"
واحد من أعظم من أنجبتهم الحضارة الإسلامية في القرنين الرابع والخامس الهجريين .. نبغ في ميادين مختلفة من فروع العلم والمعرفة .. كالرياضيات والفلك والفيزياء والتعدين والصيدلة، وله في كل هذه العلوم إضافات جديدة كان لها أثر واضح في تاريخ العلم وتقدم مسيرة الحضارة . · مولده ونشأته :
ولد "محمد بن أحمد الخوارزمي"، المعروف بأبي الريحان البيروني في (2 من ذي الحجة 362ه = 3 من سبتمبر 973 م) في قرية من ضواحي مدينة "كاث" عاصمة دولة "خوارزم"، وهى الآن تابعة لجمهورية "أوزبكستان" الإسلامية، وقد أطلق على هذه المدينة اسم مدينة "البيروني" تخليدًا لذكراه .
وقد تلقى "البيروني" تعليمه في بلدته، حيث حفظ القرآن، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب، وشيئًا من الفقه والحديث مثل غيره من الطلاب الذين يبدؤونحياتهم العلمية .
ثم اتجه "البيروني" إلى دراسة العلوم الطبيعية والرياضيات، بعد أن وجد في نفسه ميلاً إلى ذلك، فتتلمذ على يد "أبى نصر منصور بن على بن عراق"، وكان عالمًا مشهوًرا في الرياضيات والفلك، وعمل تحت إشرافه في مرصده الفلكي .
· التنقل بين "الري" و"جرجان" :
ظل البيروني في موطنه حتى تجاوز العشرين من عمره، ثم رحل عنها ، واتجه إلى مدينة "الري" سنة (384 ه)، القريبة من "طهران"، وفى أثناء إقامته بالرى التقى بالعالم الفلكي "الخوجندى" المتوفى سنة (390ه)، وأجرى معه بعض البحوث الفلكية على أحد الجبال الموجودة في "الري" .
ثم انتقل إلى "جرجان" وحظى برعاية ملكها "قابوس بن وشمكير"، وكان أديبًا كثير الحفاوة بالعلماء، وفى أثناء إقامته التقى بأكبر أساتذته الطبيب الفلكي "أبى سهل عيسى بن يحيى" المتوفى سنة (389ه)، وشاركه في بحوثه، كما قام بتأليف عدة كتب، أهمها كتاب "الآثار الباقية من القرون الخالية" .
· في بلاط الغزنوى :
ثم بعد فترة انتقل "البيروني" إلى "غزنة"، وهى الآن "كابل" عاصمة "أفغانستان" وعاش في بلاط السلطان "محمود الغزنوى" مشتغلاً بالفلك والفيزياء والتعدين وغيرها من العلوم . كما رافقه في معظم فتوحاته العسكرية في بلاد "الهند" التي بلغت سبع عشرة موقعة، وقد اغتنم "البيروني" فرصة وجوده في "الهند" حيث كنوز العلم والمعرفة، فنقل إلينا كثيرًا منها، وضمنها كتبه ومؤلفاته، وبخاصة كتابه الذي أفرده للحديث عن "الهند" باسم "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" .وبعد وفاة السلطان "محمود الغزنوي" سنة (421ه) خلفه ابنه "مسعود"، وكان محبًّا للعلوم والثقافة، يشجع العلماء ويوفر لهم كل ما يحتاجون إليه، ووجد "البيروني" في بلاطه كل تقدير وثناء، فأكب على التأليف والتصنيف، وأهداه أكبر كتبه في الفلك والرياضيات الذي أطلق عليه "القانون المسعودى" .
وظل "البيروني" محل تقدير الغزنويين حتى بعد وفاة السلطان "مسعود" سنة (439ه) .
وقد توفى "البيرونى" في (3 من رجب 440ه = 13 من ديسمبر 1048م)
· بحوثه العلمية :
كان للبيرونى أبحاث جديدة في علم الفلك والفيزياء والتعدين والصيدلة والجغرافيا، والجيولوجيا.
ففي مجال الفلك قال بوجود قوى للجاذبية بين الأجسام قبل أن يكتشفها "نيوتن" المتوفى سنة (1727م) .
وابتكر "البيروني" الإسطرلاب الأسطواني الذي لم يقتصر على رصد الكواكب والنجوم فقط، بل كان يستخدم كذلك في تحديد أبعاد الأجسام البعيدة عن سطح الأرض وارتفاعها، ووضع نظرية لحساب محيط الأرض لا تزال تعرف باسمه حتى الآن في الكتب المدرسية .
وفى مجال التعدين ابتكر جهازًا يستخدم في قياس الوزن النوعي للفلزات والأحجار، ويعد أقدم مقياس لكثافة المعادن .
وسبق في علم الجيولوجيا إلى القول بنظريات رائدة في تكوين القشرة الأرضية وما طرأ على اليابسة والماء من تطورات خلال الأزمنة الجيولوجية .
وكتب في الصيدلة موسوعة علمية باسم "الصيدنة" ترشد الصيدلي إلى جميع الأدوية واختيار الأجود منها وتحضير عدد من المركبات الكيمائية، واستخدام الأجهزة في عمليات التقطير والترشيح وغيرها .
وكتب في مجال الاجتماع والحضارة كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة " وهو من أهم الكتب التي تعد مرجعا لكل دارس للثقافة الهندية، وما للهنود من عادات وتقاليد ومعتقدات وشرائع وفلسفة وأدب وتاريخ .
وعلاوة على كل ذلك فإن للبيرونى جهودًا علمية في الترجمة، فقد ترجم اثنين وعشرين كتابًا من التراث العلمي الهندي إلى اللغة العربية، كما ترجم بعض المؤلفات الرياضية من التراث الإغريقي إلى العربية .
· مؤلفات "البيروني" :
بلغت مؤلفات البيروني أكثر من أربعين كتابًا في مختلف فروع المعرفة، منها : 1- "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، وهو يبحث في التقاويم الفلكية والأعياد عند الشعوب والأديان المختلفة في ذلك الوقت، كاليونان والرومان والفرس والقبط، والنصارى واليهود وعرب الجاهلية، والكتاب مطبوع الآن .
2- "الجماهر في معرفة الجواهر"، وهو كتاب يبحث في الفلزات والمعادن وبخاصة الأحجار الكريمة، وطبع الكتاب في "الهند" سنة (1936م) .
3- "القانون المسعودى في الهيئة والنجوم"، وهو يتألف من (12) فصلاً يقدم فيها "البيروني" إسهاماته في علم الفلك كله، مع حساب التوقيت وحساب المثلثات والرياضيات والجغرافيا، وطبع الكتاب بالهند سنة (1924م) . 4- "التفهيم لأوائل صناعة التنجيم"، وهو موسوعة تعرض لمصطلحات الهندسة والحساب والفلك والجغرافيا والأوقات، وتصف الأجهزة الفلكية، و طبع الكتاب مع ترجمة إنجليزية له في" لندن" سنة (1934م) .
5- "تحديد نهاية الأماكن لتصحيح مسافات المساكن"، وهو كتاب في الجغرافيا الرياضية حيث يقوم بتحديد العروض الجغرافية والاختلافات في تحديد أطوال المواضع، و طبع الكتاب في "تركيا" سنة (1958م) .
· شخصية "البيروني" :
أجمع كل من كتب عن "البيروني" على أنه نبغ في كل علوم عصره، وهو مع تبحره في الأدب واللغة والتاريخ والجغرافيا، كان اهتمامه الأكبر يتجه إلى الرياضيات والفيزياء والفلك والفلسفة، إلى جانب إتقانه للغات كثيرة كاليونانية والفارسية والهندية.
وقد وهب حياته كلها للعلم، ولم تشغله الدنيا في الانصراف عنه، وكان القلم لا يفارق يديه، وكان زاهدًا في المال إلا ما يكفى حاجته، وقد أشاد بمكانة "البيروني" العلمية كبار مؤرخي العلم من أمثال : "سخاو" و "سارتون".
ولمكانته العلمية وبحوثه الرائدة في علوم الفضاء اختير من بين (18) عالمًا إسلاميًّا، أطلقت أسماؤهم على بعض معالم سطح القمر .
· "البيروني" في سطور :
- ولد "محمد بن أحمد الخوارزمي" المعروف بالبيرونى سنة (362 ه) .
- اتجه "البيروني" إلى دراسة العلوم الطبيعية والرياضيات والفلك .
- انتقل إلى "الري" وعمل مع العالم الفلكي "الخوجندى"، وأجرى معه بعض البحوث الفلكية .
- انتقل إلى "جرجان"، وفى أثناء إقامته التقى بالطبيب الفلكي "أبى سهل عيسى بن يحيى" المتوفى سنة (389ه) وشاركه في بحوثه .
- ضمه السلطان الكبير "محمود الغزنوى" إلى بلاطه، واصطحبه معه في فتوحاته المتعددة إلى "الهند"، وكان موضع تقديره وتقدير ابنه "مسعود" الذي خلفه في الحكم.
- قدم "البيروني" أبحاثًا جديدة في الفلك والفيزياء والرياضيات والتعدين والجيولوجيا والجغرافيا .
- من أشهر مؤلفاته : "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، و"القانون المسعودى"، و "الصيدنة"، و"التفهيم لأوائل صناعة التنجيم" .
- توفى "البيروني" في "غزنة" في سنة (440ه ).

عادل خليفه
14-Mar-2011, 08:48 AM
اخي مضر وبلا مجامله انت اضافة حقيقية لهذا المنتدي وقفت كثيرا مع هذا البوست قمة في الروعة ولا يصدر الا من رائع لك الشكر وفي انتظار جديدك ان شاء الله

بت البلد
14-Mar-2011, 08:54 AM
الف شكر لك ابني مضر
تسلم وتجيب لينا يارب
تحياتي لك

moudar
14-Mar-2011, 12:41 PM
اخي مضر وبلا مجامله انت اضافة حقيقية لهذا المنتدي وقفت كثيرا مع هذا البوست قمة في الروعة ولا يصدر الا من رائع لك الشكر وفي انتظار جديدك ان شاء الله

عادل خليفه حبيبنا ده من اصلك يا رائع
احنا بتعلم منكم
لك شكري ومودتي

moudar
14-Mar-2011, 12:43 PM
الف شكر لك ابني مضر
تسلم وتجيب لينا يارب
تحياتي لك

الله يسلمك يا بت بلدنا
شكرا علي المرور يا روعه

moudar
15-Mar-2011, 01:44 AM
ابن الرومي
علي بن العباس بن جريج أو جورجيس الرومي وهو شاعرٌ كبير من طبقة بشار والمتنبي ، روميّ الأصلِ وكان جده مولى من موالي ابن العباس .
ولدَ سنة 221 هـ / 836 م في بغداد ونشأ فيها ومات سنة 283 هـ / 896 م مسمومًا وقيل : دسَّ له السمّ القاسم بن عبيد الله الذي كان وزيراً للمعتضد وكان ابن الرومي قد هجاه .
قال المرزباني . لا أعلم أنّـه مدح أحداً من رئيسٍ أو مرؤوس إلا عاد إليه وهجاه ولذلك قلّت فائدته من شعره وتحاماه الرؤساء وكان سبباً لوفاته .
وقال أيضاً : وأخطأ محمّد بن داوود فيما رواه لمثال ( الوسطي ) من أشعار ابن الرومي التي ليس في طاقة مثال ولا أحد من شعراء زمانه أن يقول مثلها إلا ابن الرومي .

سرّ عبقرية الشاعر .

والنقطة الثانية التي شغلت العقاد في دراسته لشعر ابن الرومي هذه ( الرومية ) التي جعلها مصدراً لنبوغ الشاعر في ( التصوير ) و ( التجسيد ) للمرئيات التي كانت تقع عليها عينه ولكن هذه الرومية في نظرنا ليست سوى نظرية ما تزال تحتاج إلى إثبات قبل أن تصبح حقيقة ملموسة مقررة ، ولقد شارك العقاد هذا الرأي كثيرون من مؤرخي الأدب العربي مثل سليمان البستاني فوصل ما بين شاعرنا وهوميروس بسبب القرابة الفنية والتماثل في الأسلوب والمعاني والتشبيهات ، ورأى أيضاً بطرس البستاني هذا الرأي في كتابه ( أدباء العرب ) فعزا عبقرية ابن الرومي ( الأعجمي ) وهو يقصد أصله اليوناني كما خالف العقاد بعض من مثل الأستاذ أنيس المقدسي والدكتور عمر فروخ ، ومعنى هذا أن الفكرة ( الرومية ) قد أوجدت خلافاً أدبيًا ونقاشًا علميًا حول مسألة لا يمكن البتّ فيها ولا تقرير شيء فيها .



دماء الشاعر وأصوله .

فابن الرومي كان أبوه يونانياً ، وهذا ما أثبته عامة المؤرخين ، ولكنه يرجع إلى أصل فارسي من جهةِ أمه ، وما نشكّ نحن ولا علماء الوراثة في أن الأب والأم يشتركان في توريث الابن خصائصهما بل ربما كان نصيب الأم في الوراثة أشدّ وأقوى ، إذا نظرنا إلى التجارب والمشاهدات فكيف قصرنا أثر هذه الوراثة عند ابن الرومي على أبيه . وأهملنا ذكر أمه الفارسية ؟ هذا سؤال يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى لان العقاد والقائلين برأيه يحددون نسب الشاعر فيجعلونه يونانياً وأن الأثر التصويري الذي انتقل إليه جاء من اليونان أهل أبيه ، وكان على أصحاب هذا الرأي أن يلتفتوا إلى أصله من جهةِ أمّه فلعل للفرس نصيباً في هذا الشاعر الذي اختلف الناس في تعليل طريقته الشعرية .




مميزات شعر ابن الرومي .

إن الأسباب التي دعت إلى تفرد ابن الرومي في صفات لا تشبه صفات الشعراء الآخرين في عصره أو في العصور الأخرى يمكن إعادتها إلى ثلاث أمور أو أربعة :
أولاً : أنّ ابن الرومي رغم نبوغه الفني كان مريضا يبتعد عنه الناس والناس يبتعدون عنه مما يجعل الاهتمام منحصرا في شعره فقط فحفظ بعض هذا الشعر واختير للمناسبات والاستشهادات وأعجب الناس به رغم كرههم لشخص ناظمه ومنشئه .
ثانياً : أنّ البذاءة التي انتظمت الجزء الكبير من هذا الشعر حجبت الديوان الرائع كثيراً عن العيون التي تحبّ أصحابها المحافظة على الأخلاق والاصطلاح العام ويأنفون من قراءة الأدب المكشوف والكلام على عورات الناس وعيوبهم .
ثالثاً : أن ابن الرومي هجا شخصيات كثيرة لها أثرها ووزنها في عالم تلك الأيام فقد تناول في هجائه عددا من الوزراء والكتاب والقواد والأغنياء والوجهاء وهؤلاء كانوا مرجعاً للشعراء والأدباء كما كانوا مصدراً لرزقهم ومورداً لعيشهم ، لذلك اضطر أولئك إلى تجنب الحديث عن ابن الرومي مداراةً لأصحاب النفوذ وتجنباً لغضب من بيدهم الحل والعقد .
يضاف إلى الأسباب التي مرّت سبب آخر وهو أهمها جميعاً ، وأعني به هذا التعقيد الذي يرين على شعر ابن الرومي وهذا التوليد في المعاني الذي يجعل المعاني متراكبة متشابكة يتعب قارئها ويجد في فكّ رموزها وطلاسمها عنتاً كبيرا ، فشعر ابن الرومي صعب على الحفظ لأن ابن الرومي من شعراء المعاني لا من شعراء الديباجة والأسلوب ، وشعراء الأسلوب الرائع والديباجة السمحة هم أكثر الشعراء قراءةً وحفظاً ، فأنت تحفظ شوقي والبحتري بسهولة ولكنك تجد شيئاً من الصعوبة حين تحفظ أبا العلاء المعري وأبا تمام ، لأن الكلمة عند شوقي تستدعي الكلمة التي تأتي بعدها للقرابة القريبة بينهما ولأن شوقي والبحتري يهمهما قبل كل شيء الموسيقا والتناسق والانسجام في النغمة بين ألفاظ البيت الواحد ، ولو أدى هذا القصد إلى السطحيّة أحيانًا ، أما أبو تمام مثلاً فاهتمامه منصب على إيجاد المعاني الجديدة والصور الطريفة فهو مشغول الذهن بهذه الناحية ، منصرف عن اللفظ إلى الفكرة وهو يضع الكلمة في البيت الواحد كيفهما اتفق ، شريطة أن تؤدي المعنى الذي يرمي إليه ، لذلك فإن الكثير من ألفاظه يخرج نابياً على السمعِ ناشزاً عن الأذن لفقدان النغم بين الكلمات المتجاورة ، وابن الرومي من شعراء الفكر والصور – أما الموسيقا عنده فتأتي بعد هذا كله ومن هنا فإن حفظه كان صعبا على الحفاظ ورواد الأدب وأصحاب الميل الفني ولهذا كان شعره أبعد عن الاهتمام من شعر زميله ومعاصره البحتري فإذا قدرت أيضاً هذا الشره والتطويل والتعقيد الذي تراه في شعر الشاعر استطعت فهم سبب هام من أسباب زهد الناس في دراسة وشرح شعر ابن الرومي .

ابن الرومي .. شاعر لم ينصفه التاريخ .

لم أجد في تاريخ الأدب العربي ولا فيما اطلعت عليه من تاريخ آداب الأمم الأخرى شاعراً اصطلحت عليه الأيام وظلمته الأحداث كهذا الشاعر الذي اجتمعت عليه الآراء الأدبية المنصفة على أنه من أكبر شعراء العرب ، بل إنه من أعظم شعراء الدنيا .
كان في حياته مضرب المثل في الفقر وسوء الطالع واضطراب الأعصاب وثورة النفس حتى لم يكن يستطيع تحمل النسمة الفاترة أو الكلمة العابرة فهو متوتر النفس دائماً يثور كالأطفال وتغلي عواطفه غلياناً شديداً ، يؤرق جفنه ويعذب ضميره ، حتى يقول من شعره ما يخفف من ألمه فتثور الدنيا له ويأتمر به الناس ممن أصابهم هذا الشعر الجارح فيصيح ثانية غرضا للأذى ورميّة للسهام المسمومة من أعداء لا يرحمون ومنافسين لا يهدأون .
تلك كانت حياة هذا الشاعر العجيب الذي ملأ الدنيا شعراً وشعورا ، وخلّف لنا من التراث الفني مالا يقوم بمثله عدد كبير من الشعراء .


ظُلِم ابن الرومي في حياته .

لقد أتاه الظلم من جميع النواحي فلم يستطع الدفاع ، وغزاه الإجحاف من كلّ فجّ حتّى أضاع صوابه وهارت أعصابه وانّى لقريحته أن تقوم بكلّ هذا العبء وهل مقول واحد مقاومة هذا السيل من الناس وكلهم يحبّ أن يؤذيه إمّا تشفياً وإما تسلياً ، والرجل الشاعر الفنان ، المرهف الحسّ حائر بين هذه المصائب المتدافقة يحاول أنّ يرد الأذى عنه فما يقدر ، حتى أصابه أحد هذه السهام بخشكنانة مسمومة فارق فيها الحياة فأراح واستراح ولعلك تعجب أشدّ العجب حين ترى هذا التناقض التاريخي في النظر لهذا الشاعر الكبير ، بل يأخذك الاستغراب إذ تعلم أن القدماء شغلوا بهذا الشاعر حتى ملأ عليهم الوقت والتفكير ، ولكن هؤلاء القدماء أنفسهم أهملوا ابن الرومي إهمالاً لا مبرر له فلم يكتبوا تاريخه ولم يدونوا أحداث حياته ولم يتعرضوا لسيرته إلا في روايات قليلة لا غَناء فيها ولا فائدة ، ومع هذا فإن الشاعر في رأي الكثيرين من مؤرخي أدب ذلك العصر وما تلاه من العصور لم يكن نكرة ولا مجهولا ، بل كان ذا شهرة مستفيضة ، يروي الناس شعره ويستشهد به النقاد والأدباء ، ولقد ذكر صاحب العمدة بأنه – أيّ الشاعر – ( كان بين من غطوا على الشعراء بشهرتهم ) .


وظُلِم بعد موته .

ولقد أهمل المؤرخون تاريخ هذا الشاعر عن قصدٍ ونيّة ، وكانوا يضعون الكتاب يذكرون فيه كلّ الشعراء المعاصرين لابن الرومي حتى إذا مرّ ذكر الشاعر وجاء دوره ذكروا اسمه فقط أو نبذة صغيرة عنه ثمّ تجاوزوه إلى غيره بسرعة لا ريث فيها فيما مما يترك للقارئ هذه الأيام حيرة لا مخرج منها وشكّ لا كاشف له .
وهذا أبو الفرج الأصفهاني الذي وضع أكبر موسوعة أدبية في عصره يذكر البحتري ويترك ابن الرومي وهما معاصران ، وهذا ياقوت الحموي في معجم الأدباء لا يذكر ابن الرومي ولا يترجم للكثيرين من معاصري الشاعر وأساتذته وتلاميذه وممدوحيه ومهجويه .
كل ما ذكره أولئك المؤرخون الأعلام عن ابن الرومي أنّه : ولد يوم الأربعاء بعد طلع الفجر لليليتين خلتا من رجب سنة 221 هـ ، ببغداد في الموضع المعروف بالفقيقة ودرب الختلية في دارٍ بإزاء قصر عيسى بن جعفر بن المنصور ، وهذا ما نقلناه عن ابن خلكان ، وما كتبه غير هذا المؤرخ ليس أكثر تفصيلاً ولا أوفر مادةً وعلما .



العقاد أول من كشف عنه الغطاء .

ولعلّ أكثر الكتاب في عصرنا الحديث اهتماماً بموضوع ابن الرومي المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد وقد شاركه في إكبار الشاعر : المازني وعبدالرحمن شكري ، إلا أن العقاد كان أكثرهم اهتماما وأبعدهم أثراً في دارسة هذا الشاعر وأحياء ذكره وتعريفه إلى القراء من أبناء الجيل الجديد ولقد ركّز العقاد في دراسته لشعر ابن الرومي على نقطتين أولاهما أن الرجل لم يُنصف في تاريخ الأدب العربي ولم يعطَ محلّه الذي استحقه ، وثانيهما أنّ تفرّد ابن الرومي في طريقة شعريّة خاصة وامتيازه عن غيره من الشعراء العرب إنما يرجع إلى أصله الرومي وهذا الأصل الآرى الذي يترك أثراً في سلالاته غير الأثر الذي تعرفه عند السلالات العربية السابقة .
أمّا النقطة الأولى فالعقاد يتردد في تقرير رأيه فيها ثمّ يخرج من هذا التردد بفكرة جديدة غير واضحة ولا مستقرة فهو يقول ما معناه : إن ابن الرومي لم يكن خاملاً في زمانه أو بعد زمانه ، ويحتجّ لرأيه هذا بأن الديوان قد حفظ ولم يضع منه شيء وهو يعتبر بقاء هذا الديوان وعدم ضياعه دليلاً على شهرته واهتمام الناس به وعرفانهم لقدره معرفةً تامة .
ولكن ضياع الدواوين الشعرية العربية لم يكن إلا نتيجة للنكبات التي أصابت المكتبة العربية خلال الغزوات التتارية من هولاكو وجنكيز خان وتيمورلنك وقد يكون حظّ ديوان ابن الرومي أعظم من حظّ صاحبه فسلم من هذه النكبات كما سلِم ديوان المتنبي والبحتري ، وليس هذا الضياع دليلاً على إهمال شاعرٍ كبشار أو دعبل وإن ضاع ديواناهما . وكذلك فإن ذكر هذا الشاعر في كثير من الكتب وحفظ مختاراته لا يمكن أن يعد دليلاً على اهتمام الناس به لأن حفظ المختارات عمل يتناول حتى الشعراء المهملين حقاً أو الشعراء الذين تنحط مرتبة ابن الرومي وأمثاله من الشعراء الأفذاذ.

ابن الرومي وحالته السيكولوجية ، يحكي لنا العقاد !.

من كتاب ( ابن الرومي ، حياته من شعره ) للأستاذ العقاد يحدثنا عن مزاج ابن الرومي ، وأثره في إسرافه في كلّ شهوات النفسِ والجسد ، وأثر هذا الإسراف ذاته في مزاجه وأثرهما معاً في ( وسوسته ) وأثر هذه الوسوسة في استطراداته الشعرية ، وهي نموذج لمواضع كثيرة في الكتاب ، تتناول كلّ نواحي نفسه وانفعالاته الظاهرة والخفية : ولعل الصواب أن نقول إنّ ابن الرومي وقع من مزاجه وإسرافه في حلقة موبقة لا يدري أين طرفاها ، فمزاجه أغراه بالإسراف والإسراف جنى على مزاجه فإن هذا الإسراف الموكل بالاستقصاء في كلّ مطلب ورغبة خليق ولا غرو أن يسقم جسمه وينهك أعصابه ويتحيف صوابه بيد أن لا يسرف هذا الإسراف إلا وفي جسمه سقم وفي أعصابه خلل وفي صوابه شطط لا يكبح جماحه فالعلة هي سبب الإسراف والإسراف هو سبب العلّة!. وهو من هذه الحلقة الموبقة في بلاءٍ واصب ومحنة لا قبل بها للضليع الركين فضلاً عن المهزول الضئيل وعلاقة ذلك باختلال الأعصاب وشذوذ الأطوار بدءً وعودًا ، ثم عودًا وبدءً أوثق علاقة من جانب الجسد وجانب التفكير .
ولا تعزونا الأدلة على اختلال أعصاب ابن الرومي وشذوذ أطواره من شعره وغير شعره . فإن أيسر ما تقرؤه له أو عنه تلقى في روعك الظنة القوية في سلامة أعصابه واعتدال صوابه ثمّ يشتد بك الظن كلما أوغلت في قراءته والقراءة عنه ، حتى ينقلب إلى يقين لا تردد فيه . وكلّ ما نعلمه عن نحافته وتقزز حسّه وشيخوخته المبكرة وتغير منظره واسترساله في الوجوم واختلاج مشيته وهجائه وإسرافه في أهوائه ولذاته ، ثمّ كلّ ما نطالعه في ثنايا سطوره من البدوات والهواجس .. قرائن لا نخطئ فيها الدلالة الجازمة على اختلال الأعصاب وشذوذ الأطوار بل لا نخطئ فيها الدلالة على نوع الاختلال ونوع الشذوذ .
ونقول ( نوع الاختلال ) لأن هذه الكلمة عنوان واسع يشمل الحالات النفسية والجسدية مثل ما تشمله كلمة ( الصحة ) أو أكثر فهذا صحيح وهذا صحيح ، ولكن البون بينهما جدّ بعيد وهذا مختل الأعصاب وذاك مختلها ولكن الخلاف بينهما في الأخلاق والمشارب كأبعد ما بين فردين مختلفين من بني الإنسان فتختل أعصاب المرء فإذا هو جسور عنيد متعسّف الأخطار ، هجّام على المصاعب لا يبالي العظائم ، ولا يحذر العواقب ، وتختل أعصاب المرء فإذا هو مطيع حاضر الخوف متوجّس من الصغائر ، يبالغ في تجسيمها ، أو يخلقها من حيث لم تخلق ، ولم يكن لها وجود في غير وهمه ، وبين الحالتين – لا بل في كلّ حالة من الحالتين – نقائض وفروق لا تقع تحن حصر ولا تطرد على قياس .
وبديهي أنَّ ابن الرومي لم يكن من الفريق الأول في ( نوع اختلاله ) ولكن كان من الفريق الثاني الذي يستحضر الخوف ويكثر التوجس ويختلق الأوهام .
ومن أصحاب هذا المزاج من يخاف الفضاء أو يخاف الحيوانات المنزلية لا قوّة لها ولا ضراوة ، كالقطط والكلابِ والجرذان ، فابن الرومي واحد من هؤلاء نحسب أنّه كان مستعداً لهذه الهواجس طوال حياته في صحته ومرضه وفي شبابه ومشيبه ، ونحسب أن استقصائه للمعاني الشعرية والإلحاح في تفريغها وتقليب جوانبها إن هو إلا علامة خفيفة من علامات الوسواس الذي لا يرح صاحبه ولا يزال يشككه ويتقاضاه التثبت والاستدراك ، فيمعن ثمّ يمعن حتى لا يجد سبيلاً إلى الإمعان .
ولكنه مع استعداده الهواجس في شبابه ومشيبه قدّ تمادى به الوسواس في أعوامه الأخيرة حتى أصبح آفة متأصلة وغلبت على أقواله وأفعاله جميعاً فليس له عنها محيص فأفرط في الطيرةِ واشتد خوفه من الماء لا يركبه ولو أدقع ودعاه إلى ركوبة من يمنونه الأرفاد وحسن الضيافة ، وصوّر لنا ما يعتريه من خوف تصوير لا يدلّ إلا على حاله مرضية ولو كان التشبه فيه من مجاز الشعر وتمويه الخيال . وهذا بعض ما قاله في مخاوفه وأهوال ركوبه :

ولو ثاب عقلي لم أدع ذكره بعضه * * ولكنّه من هوله غير ثائبِ .
أظلّ إذا هزّته ريح ولألأت * * له الشمس أمواجًا طوال الغواربِ .
كأني أرى فيهنّ فرسان بهمةٍ * * يليحون نحوي بالسيوف القواضبِ .

أسماء بت النيل
15-Mar-2011, 10:52 PM
وتظل السطور النور تتوالى
دمت نبع الخير ....

moudar
16-Mar-2011, 01:04 AM
ابن النفيس
- ولد "ابن النفيس" بدمشق سنة (607 = 1210م) .
- بدأ رحلته فى طلب العلم فى سن مبكرة فحفظ القرآن الكريم، وتعلم القراءة والكتابة، ودرس الفقه، والحديث، وعلوم اللغة .
- درس الطب فى "البيمارستان النورى" بدمشق على يد أطباء مهرة
- سافر إلى القاهرة سنة (633 =1236 م) .
- التحق بالبيمارستان الناصرى كطبيب ومدرس، ثم أصبح رئيسًا له .
- انتقل إلى "البيمارستان المنصورى" الذى أنشأه السلطان "قلاوون" سنة (680 = 1281م) ليصبح رئيسًا له .
- كان أعظم اكتشافاته فى مجال الطب هو وصفه الدقيق للدورة الدموية الصغرى فى كتاب "شرح تشريح القانون" .
- توفى فى يوم "الجمعة" (21من ذى القعدة سنة 687 = 17من ديسمبر 1288م) .
• مولده و نشأته :
ولد "علاء الدين على بن أبى الحزم القرشى" بدمشق سنة (607 =1210م) ، وبدأ رحلته فى طلب العلم في سن مبكرة فحفظ القرآن الكريم، وتعلم القراءة والكتابة، ودرس الفقه، والحديث، وعلوم اللغة، ثم اتجه بعد ذلك إلى دراسة الطب على يد "مهذب الدين عبد الرحيم على" المعروف بالدخوار، وكان من أشهر أطباء العيون، ومديرًا للبيمارستان ( مستشفى ) النورى الكبير بدمشق، ورئيسًا لأطباء "سوريا" و"مصر"، وفى "البيمارستان النورى" ذلك الصرح الكبير الذى أنشأه "نور الدين محمود بن زنكى" تتلمذ "ابن النفيس" على الطبيبين الشهيرين "المهذب الدخوار"، و"عمران الإسرائيلى" اللذين تخرج على أيديهما كثير من الأطباء المعروفين فى ذلك الوقت .
وكانت "دمشق" فى تلك الفترة تحت حكم الأيوبيين، الذين أولوا عناية كبيرة للعلم، وجعلوا من "دمشق" و"القاهرة" وغيرها من المدن التى تقع تحت حكمهم منارات عظيمة للعلم يتوافد إليها الطلاب والعلماء من كل مكان .




ولم تمض على "ابن النفيس" فترة طويلة فى دراسة الطب حتى أصبح طبيبًا ماهرًا يضاهى بخبرته وعلمه أساتذته العظام فذاعت شهرته فى كل مكان .


• في "القاهرة" :
وفى سنة (633=1236م) سافر "ابن النفيس" إلى "مصر"، واستقر بالقاهرة (عاصمة الدولة الأيوبية)، والتحق "ابن النفيس" بالبيمارستان الناصرى الذى أنشأه السلطان الناصر "صلاح الدين الأيوبى" سنة (577 =1181م)، وعمل "ابن النفيس" بالبيمارستان طبيبًا، ثم مدرسًا للطب، وبفضل جده واجتهاده، ونبوغه الفائق في الطب استطاع أن يصبح رئيسًا للبيمارستان، ومديرًا للمدرسة الطبية الملحقة به، ثم انتقل بعد عدة سنوات إلى "البيمارستان المنصورى" الذى أنشأه السلطان "المنصور قلاوون" سنة (680 =1281م) ليصبح رئيسًا له، وارتقى "ابن النفيس" فى المناصب حتى أصبح طبيب السلطان "الظاهر بيبرس"، وذاعت شهرة "ابن النفيس" فى جميع أنحاء البلاد، وعاش فى "القاهرة" فى رغد من العيش، فبنى لنفسه دارًا واسعة، وجعل فيها مكتبة مليئة بأمهات الكتب فى شتى العلوم والمعارف ، وكان "ابن النفيس" يلتقى فى هذا المكان كبار العلماء والأمراء والأعيان وطلاب العلم ليتدارسوا معًا مسائل الطب والفقه واللغة وغيرها .


• "ابن النفيس" مكتشف الدورة الدموية الصغرى :
ظل علماء الطب فى العالم كله طوال قرون عديدة يعتقدون أن المكتشف الأول للدورة الدموية الصغرى هو العالم الإنجليزي "وليم هارفى" سنة (1628م)، والذى ألف كتابًا بعنوان "دراسات تشريحية تحليلية لحركة القلب والدم فى الحيوان" وصف فيه الدورة الدموية الكاملة (الصغرى والكبرى)، وظل هذا الإعتقاد الخاطئ سائدًا حتى فوجئت الأوساط العلمية بطبيب مصرى يسمى "محيى الدين التطاوى" يثبت فى رسالته التى تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه فى الطب من جامعة "فرايبورج" بألمانيا عام (1343= 1924م) أن "ابن النفيس" هو المكتشف الأول للدورة الدموية الصغرى، وأنه قد توصل إلى هذه الحقيقة المذهلة بعد أن عثر على مخطوطة من كتاب "شرح تشريح القانون" لابن النفيس فى مكتبة برلين، قدم فيه "ابن النفيس" وصفًا علميًّا للدورة الصغرى، قبل "وليم هارفى"، وقد أذهل "التطاوى" بكشفه جميع أساتذته، كما أثار انتباه كثير من العلماء والباحثين فى هذا المجال، وعلى رأسهم المستشرق الألماني "مايرهوف"، وكان طبيبًا يجيد اللغة العربية، ويقيم فى "مصر"، فنشر تقريرًا مفصلاً عام (1931م) أكد فيه صحة هذه الحقيقة المدهشة فعاد الحق إلى صاحبه "ابن النفيس" بعد نحو سبعة قرون من الزمان .


• إسهامات أخرى فى مجال الطب :
يعد اكتشاف الدورة الدموية الصغرى واحدًا من إسهامات "ابن النفيس" الفريدة فى مجال الطب، والتي لم يسبقه إليها أحد ؛ فهو- أيضًا- أول من وصف الشرايين التى تغذى عضلة القلب، وذلك خلافًا لما يدعيه مؤرخو الطب من أن العالم "ستاكيو" هو أول من اكتشف تلك الشرايين ، كما أن له سبق آخر لا ينبغى تجاهله، وهو وصفه للأوعية الشعرية الدقيقة التى يتم بواسطتها التبادل فيما بين الأوردة والشرايين، والتي وصفها العالم الإيطالي "ريالدوا كولومبو" بعد "ابن النفيس" بثلاثة قرون !!


• مؤلفاته :
لم تكن شهرة "ابن النفيس" تقتصر على مجال الطب وحده، بل كان يعد من كبار علماء عصره في اللغة ، والفلسفة ، والفقه ، والحديث، وله كتب عديدة فى هذه العلوم منها :
"الرسالة الكاملية فى السيرة النبوية".
وكتاب "فاضل بن ناطق" على نمط كتاب "حى بن يقظان "
و"المختصر في أصول علم الحديث"
و"طريق الفصاحة" فى النحو
أما فى مجال الطب فكان ذا إسهامات، ومصنفات عديدة منها :
"شرح فصول أبقراط"
و"المهذب فى الكحل المجرب"
و"الموجز في الطب"
و"شرح تشريح القانون"
و"الشامل في الصناعة الطبية" وهو أعظم مؤلفات "ابن النفيس" وأكبر موسوعة طبية كتبها شخص بمفرده.

• وفاته :



مرض "ابن النفيس" في أواخر أيامه بعد أن بلغ الثمانين من عمره مرضًا شديدًا، وظل ملازمًا لفراشه نحو ستة أيام ، وقد أشار عليه بعض الأطباء بتناول شىء من الخمر؛ زعمًا منهم أن فيه شفاءه من علته.
لكن "ابن النفيس" أبى أن يتناول قطرة واحدة، وقال : لا ألقى الله- تعالى- وفى جوفى شىء من الخمر، ثم توفى يوم "الجمعة" (21من ذى القعدة سنة 687= 17 من ديسمبر 1288م)، وكان قد أوصى قبل وفاته بوقف جميع أملاكه وأمواله وكتبه وداره على "البيمارستان المنصورى".

moudar
17-Mar-2011, 12:54 AM
ابن زيدون


أنه أحد شعراء الطبقة الأولى من بين شعراء العصر الأندلسي وأحد المشكلين للتراث الثقافي في هذا العصر، أجاد ابن زيدون في قصائده فظهر بها جمال الأسلوب ورقة المشاعر والموسيقى الشعرية، وكانت قصائده صورة من حياته السياسية والعاطفية، وتم تشبيهه بالبحتري، وقد تميز ابن زيدون بشعره الغزلي فعرف شعره بالرقة والعذوبة والصور الشعرية المبتكرة.
قال عنه الدكتور شوقي ضيف " كان ابن زيدون يحسن ضرب الخواطر والمعاني القديمة أو الموروثة في عُملة اندلسية جديدة، فيها الفن وبهجة الشعر وما يفصح عن أصالته وشخصيته".



النشأة

اسمه كاملاً أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي، أبو الوليد، ولد عام 1003م في الرصافة إحدى ضواحي قرطبة، ينتسب إلى قبيلة مخزوم العربية القرشية، كان والده قاضياً وجيهاً عرف بغزارة علمه وماله، توفى عندما كان أحمد ما يزال في الحادية عشر من عمره، فتولى جده تربيته، وقد أخذ ابن زيدون العلم في بداية حياته عن والده فكان يحضر مجالس أصحابه من العلماء والفقهاء، ثم اتصل بشيوخ عصره واخذ العلم عنهم مثل النحوي الرواية أبو بكر بن مسلم بن أحمد والقاضي أبو بكر بن ذكوان.
عرف ابن زيدون بثقافته الواسعة وكثرة إطلاعه، هذا الأمر الذي أنعكس على قصائده والتي ظهرت من خلالها ثقافته التاريخية والإسلامية.

نشأ أبن زيدون في فترة تاريخية حرجة حيث مات الحكم مسموماً بعد ولادة ابن زيدون بخمس سنوات، ونشأ ما عرف بـ " عهد الفتنة" هذه الفتنة التي ظلت مشتعلة لعدد كبير من السنوات حتى كانت وفاة أخر خليفة أموي، فكانت قرطبة ساحة للمواجهات الدامية بين كل من البرابرة والعامريين والأسبان، نشأ بعد الفتنة دويلات صغيرة عرفت بدول الطوائف.

وعلى الرغم من كل هذه الأحداث إلا أن النشاط الأدبي كان في أوج ازدهاره، وعرفت قرطبة كمدينة للهو والطرب والأدب، وظهر ابن زيدون في هذه الفترة فكان يخالط الأمراء والعلماء، ويجلس في مجالس العلم، وقد صادق الملوك والأمراء فكان صديق لأبو الوليد بن جهور.



ابن زيدون سياسياً

اتصل ابن زيدون "ببني جهور" وتمكن من نيل مكانة متميزة عنده وذلك نظراً لعلمه وثقافته بالإضافة لانحداره من بيت جاه وشرف، فكان ابن زيدون سفيراً بين الملوك في دولة "أبو حزم بن جهور"، فكان يحظى بمكانة عالية لديه إلى أن تدخل بعض المنافسين الذين عملوا على الوقيعة بينهم، فقام ابن جهور بسجنه، وأثناء سجنه قام ابن زيدون بإنشاد العديد من القصائد الشعرية والتي قام في بعض منها باستعطاف ابن جهور ليفرج عنه مما قاله:

مَـن يَـسأَلِ الـناسَ عَـن حالي iiفَشاهِدُها
مَـحضُ الـعِيانِ الَّـذي يُـغني عَـنِ الـخَبَرِ
لَـــم تَــطـوِ بُـــردَ شَـبـابـي كَــبـرَةٌ iiوَأَرى
بَرقَ المَشيبِ اِعتَلى في عارِضِ الشَعَرِ
قَــبـلَ الـثَـلاثـينَ إِذ عَــهـدُ الـصِـبا iiكَـثَـبٌ
وَلِـلـشَـبـيبَةِ غُــصــنٌ غَــيــرُ iiمُـهـتَـصِـرِ
هـــا إِنَّـهـا لَـوعَـةٌ فــي الـصَـدرِ قـادِحَـةٌ
نـــارَ الأَســى وَمَـشـيبي طـائِـرُ iiالـشَـرَرِ
لا يُـهـنَىءِ الـشـامِتَ الـمُـرتاحَ iiخـاطِـرُهُ
أَنّـــي مُـعَـنّـى الأَمـانـي ضـائِـعُ iiالـخَـطَرِ
هَـــلِ الــرِيـاحُ بِـنَـجـمِ الأَرضِ iiعـاصِـفَةٌ
أَمِ الـكُـسـوفُ لِـغَـيرِ الـشَـمسِ iiوَالـقَـمَرِ
إِن طـالَ فـي الـسِجنِ إيداعي فَلا iiعَجَبٌ
قَــد يــودَعُ الـجَـفنَ حَــدُّ الـصارِمِ iiالـذَكَرِ
وَإِن يُـثَـبِّـط أَبـــا الـحَـزمِ الـرِضـى iiقَــدَرٌ
عَـن كَـشفِ ضُـرّي فَلا عَتَبٌ عَلى القَدَرِ
مــــا لِـلـذُنـوبِ الَّــتـي جــانـي كَـبـائِـرِها
غَـــيــري يُـحَـمِّـلُـنـي أَوزارَهــــا وَزَري
مَـــن لَـــم أَزَل مِـــن تَـأَنّـيهِ عَـلـى iiثِـقَـةٍ
وَلَـــم أَبِـــت مِـــن تَـجَـنّـيهِ عَــلـى iiحَــذَرِ

وعندما لم تفلح رسائل وتوسلات ابن زيدون قام بالفرار من سجنه قاصداً اشبيلية، ثم عاد إلى قرطبة مرة أخرى واختبأ عند بعض أصدقائه، حتى عفا عنه أبي حزم، فعاد ليمدحه ثم رثاه بعد وفاته.

جاء بعد ذلك عهد أبي الوليد بن أبي حزم بن جهور، فحظي ابن زيدون في عهده بمكانة عظيمة فعينه على أهل الذمة، وتبع ذلك توليه للوزارة الأمر الذي أسعد ابن زيدون فانطلق مادحاً

إِنَّ مَــن أَضـحـى أَبـاهُ iiجَـهورٌ
قــالَـتِ الآمـــالُ عَــنـهُ iiفَـفَـعَل
مَــلِـكٌ لَــذَّ جَـنـى الـعَـيشِ iiبِــهِ
حَيثُ وِردُ الأَمنِ لِلصادي عَلَل
أَحـسَنَ الـمُحسِنُ مِـنّا iiفَـجَزى
مِـثـلَما لَــجَّ مُـسـيءٌ فَـاحـتَمَل

وقد عمل ابن زيدون سفيراً بين كل من أبي الوليد وإدريس الحسني في مالقة، وبعد حدوث الجفاء بينه وبين بني جهور، قصد بلنسية، وتنقل بين عدد من الملوك والأمراء الذين أحسنوا ضيافته، وعندما عاد إلى اشبيلية تم الاحتفاء به من قبل حاكمها " ابن عباد" فجعله مستشاراً له وسفيراً لعدد من الدول المجاورة، وتولى منصب " كاتب المملكة " والذي كان يعد من أهم المناصب، وتولى الوزارة وعرف بلقب " ذي الوزارتين".

وقد كان ابن زيدون في أحسن حال سواء في عهد ابن عباد أو في عهد ابنه المعتضد، وحين مات ابن عباد ساعد ابن زيدون المعتمد على إخماد ثورة قرطبة، ثم تم إرساله في احد المهام إلى اشبيلية وكان مريضاً فتوفى هناك عام 1071م.



ابن زيدون عاشقاً

عشق ابن زيدون ولادة بنت الخليفة المستكفي، وانشد بها العديد من القصائد التي تعبر عن حبه لها، وكانت ولادة ليست كأي واحدة من النساء فكانت تتمتع بالجمال وبالإضافة لجمالها كانت تتمتع بثقافة عالية فكانت شاعرة ومغنية لها مجلس بقرطبة يجتمع فيه أشهر المثقفين والشعراء والأدباء، وقد هام كل من ابن زيدون وولادة ببعضهما حباً إلى أن وقعت بينهم إحدى المشاكل التي فرقت بينهما، وسنحت الفرصة لدخول الوزير أبو عامر بن عبدوس بينهما متقرباً لولادة وعدواً لابن زيدون.
وفي محاولة من ابن زيدون للتفريق بين كل من ولادة وابن عبدوس قام بكتابة " الرسالة الهزلية" والتي يقوم فيها بذم ابن عبدوس والسخرية منه على لسان ولادة الأمر الذي زاد من غضب ولادة وزاد من بعدها عن ابن زيدون.
ومن أشهر قصائد ابن زيدون " النونية" تلك التي كتبها في ولادة والتي يقول فيها:

أَضـحـى الـتَـنائي بَـديـلاً مِــن iiتَـدانينا
وَنـــابَ عَـــن طـيـبِ لُـقـيانا iiتَـجـافينا
أَلّا وَقَــد حــانَ صُـبـحُ الـبَينِ iiصَـبَّحَنا
حَــيــنٌ فَــقـامَ بِــنـا لِـلـحَـينِ iiنـاعـيـنا
مَـــن مُـبـلِـغُ الـمُـلـبِسينا بِـاِنـتِزاحِهِمُ
حُـزنـاً مَــعَ الـدَهـرِ لا يَـبـلى iiوَيُـبـلينا
أَنَّ الـزَمـانَ الَّــذي مــازالَ iiيُـضحِكُنا
أُنــســاً بِـقُـربِـهِـمُ قَـــد عـــادَ iiيُـبـكـينا
غيظَ العِدا مِن تَساقينا الهَوى فَدَعَوا
بِـــأَن نَــغَـصَّ فَــقـالَ الــدَهـرُ آمـيـنـا

كما كتب مشتاقاً إليها

إِنّـــي ذَكَــرتُـكِ بِـالـزَهـراءَ iiمُـشـتـاقاً
وَالأُفقُ طَلقٌ وَمَرأى الأَرضِ قَد راقا
وَلِـلـنَـسـيمِ اِعــتِــلالٌ فـــي iiأَصـائِـلِـهِ
كَــأَنَّــهُ رَقَّ لــــي فَــاعـتَـلَّ iiإِشــفـاقـا
وَالـرَوضُ عَـن مـائِهِ الفِضِيِّ iiمُبتَسِمٌ
كَــمـا شَـقَـقتَ عَــنِ الـلَـبّاتِ iiأَطـواقـا
يَـــومٌ كَــأَيّـامِ لَـــذّاتٍ لَـنـا iiانـصَـرَمَت
بِـتـنا لَـهـا حـيـنَ نــامَ الـدَهـرُ سُـرّاقا

ومن أشعاره أيضاً

خَـلـيـلَـيَّ لا فِــطــرٌ يَــسُـرُّ وَلا أَضــحـى
فَما حالُ مَن أَمسى مَشوقاً كَما أَضحى
لَـئِـن شـاقَـني شَــرقُ الـعُقابِ فَـلَم iiأَزَل
أَخُـصُّ بِـمَمحوضِ الهَوى ذَلِكَ iiالسَفحا
وَمــا اِنـفَكَّ جـوفِيُّ الـرُصافَةِ iiمُـشعِري
دَواعِــيَ ذِكـرى تُـعقِبُ الأَسَـفَ iiالـبَرحا
وَيَــهـتـاجُ قَــصــرُ الـفـارِسِـيِّ iiصَـبـابَـةً
لِـقَـلـبِيَ لاتَــألـو زِنـــادَ الأَســـى iiقَــدحـا
وَلَــيـسَ ذَمـيـماً عَـهـدُ مَـجـلِسِ نـاصِـحٍ
فَـأَقـبَلَ فــي فَــرطِ الـوَلـوعِ بِــهِ iiنُـصحا
كَــأَنِّـيَ لَــم أَشـهَـد لَــدى عَـيـنِ iiشَـهـدَةٍ
نِــــزالَ عِــتــابٍ كـــانَ آخِـــرُهُ الـفَـتـحا
وَقــائِـعُ جـانـيـها الـتَـجَنّي فَــإِن مَـشـى
سَـفـيـرُ خُــضـوعٍ بَـيـنَـنا أَكَّــدَ الـصُـلحا
وَأَيّــــامُ وَصــــلٍ بِـالـعَـقـيقِ اِقـتَـضَـيـتُهُ
فَـــإِلّا يَــكُـن مـيـعـادُهُ الـعـيدَ iiفَـالـفِصحا

ترك ابن زيدون إحدى أهم رسائله وهي "الرسالة الجدية" والتي قام بكتابتها أثناء فترة سجنه، وتعد الرسالة الجدية من روائع النثر العربي، هذا بالإضافة " للرسالة الهزلية" والتي كتبها على لسان ولادة، كما ترك عدد كبير من القصائد الشعرية المتميزة.

أسماء بت النيل
17-Mar-2011, 05:09 PM
وفقك الله مضر
سدد خطاك
ودمت المداد النور
لك الشكر

عبدالمنعم الطاهر
17-Mar-2011, 05:25 PM
يا سلام على المعلومات القيمة على هؤلاء الأدباء
ومهما تقدم الزمن فسيظل أدبهم في المقدمة
عندما نذهب إليه نجد فيه المتعة والثقافة


واصل ومن المتابعين والمترددين على هذا البوست


شكراً اخ/ مضر

moudar
18-Mar-2011, 12:00 AM
ابن جبير
من أشهر الرحالة المسلمين الذين قاموا برحلات إلى المشرق العربي ، دون خلالها الكثير من المعلومات التي تعتبر وثائق من الدرجة الأولى لأنه حسن الملاحظة وصريح العبارة ، فكانت رحلته مصدراً مهماً للباحثين في مجال التاريخ و الاجتماع والحضارة العربية في القرن السادس و السابع الهجري .
اسمه : محمد بن أحمد بن جبير وكنيته أبو الحسن .
ولد ابن جبير بمدينة بلنسية بالأندلس عام 540 هـ ، و هو ينحدر من أسرة عربية عريقة سكنت الأندلس عام 123هـ ، قادمة من المشرق مع القائد المشهور بَلْج بن بشر بن عياض .
أتم ابن جبير دراسته بعد أن أتم حفظه للقرآن الكريم بمدينة بلنسية على يد أبي الحسن بن أبي العيش، وفي شاطبة درس ابن جبير علوم الدين على يد أبيه وشغف بها لكن ميوله برزت أيضا في علم الحساب، وفي العلوم اللغوية والأدبية ، وأظهر مواهب شعرية ونثرية رشحته للعمل كاتبا لحاكم غرناطة وقتذاك أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن ، أمير الموحدين.
رحلاته :
كان ابن جبير يحب الرحلات و التنقل فترك الأمير وقام بثلاث رحلات إلى المشرق
أما الرحلة الأولى فقد خرج سنة 579هـ من غرناطة إلى (سبتة) ومنها ركب البحر إلى الإسكندرية ومنها توجه إلى مكة عن طريق (عيذاب) فجدة ، فحج وزار المدينة والكوفة وبغداد والموصل وحلب ودمشق وركب البحر إلى صقلية عائدا إلى غرناطة عام 581 هـ وقد استغرقت رحلته سنتين سجل فيها مشاهداته وملاحظاته بعين فاحصة في يومياته المعروفة برحلة ابن جبير ثم أتبع هذه الرحلة برحلة ثانية وثالثة.
أما رحلته الثانية فقد دفعه إليها أنباء استرداد بيت المقدس من الصليبيين من قبل السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 583هـ فشرع في هذه الرحلة سنة 585هـ وانتهى منها سنة 586 هـ.
أما رحلته الثالثة فكانت إثر وفاة زوجته ، فقد كان يحبها حبا شديدا ، فدفعه الحزن عليها إلى القيام برحلة ثالثة يروح بها عما ألم به من حزن على فراقها، فخرج من (سبتة) إلى مكة وبقي فيها فترة من الزمن ثم غادرها إلى بيت المقدس والقاهرة والإسكندرية، حيث توفي فيها سنة 614هـ.
ولم يترك لنا ابن جبير إلا حديثه عن رحلته الأولى.
رحلة ابن جبير
من مصنفات ابن جبير كتابه عن رحلته الأولى وتعرف بـ " رحلة ابن جبير " ، وتعد من أهم مؤلفات العرب في الرحلات.
فقد تفقد فيها الآثار والمساجد والدواوين ودرس أحوالها وذكر ما شاهده وما كابده في أسفاره، ووصف حال مصر في عهد صلاح الدين ومدحه لإبطاله المكس (الضريبة) المترتبة على الحجاج ، ووصف المسجد الأقصى والجامع الأموي بدمشق والساعة العجيبة التي كانت فيه ، وهي من صنع رضوان ابن الساعاتي ، وانتقد كثيراً من الأحوال، ومن أهم مشاهداته ما تحدث به عن صقلية وآثارها، من مساجد ومدارس وقصور، وعن الحضارة التي خلفها العرب في الجزيرة .

لقد ترك لنا «ابن جبير» تحفة رائعة من خلال كتابه «رحلة ابن جبير» وذلك حين رسم لنا الحياة بكل تجلياتها في القرن السابع الهجري في المشرق والمغرب والانطباع الذي خلفته هذه المدن في نفسه والأهمية التي رأى أنها تستحقها.
من شعر ابن جبير
الذي لا يعرفه الكثيرون عن ابن جبير أنه كان أديباً شاعراً ، وله ديوان شعر يسمى " نظم الجمان في التشكي من إخوان الزمان " ، كما له كتاب آخر بعنوان "نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح " .
وهذا نموذج رائع من شعره ، من قصيدته التي مدح بها السلطان صلاح الدين ، يهنئه فيها بفتح بيت المقدس ، وفيها يقول:
ثأرت لدين الهدى في العدا فآثــرك الله من ثائر
وقمت بنصـر إله الورى فسمـاك بالملك الناصر
فتحت المقدس من أرضـه فعادت إلى وصفها الطاهر
وأعليت فيه منار الهـدى وأحييت من رسمـه الداثر
وفاته :
توفي الرحالة ابن جبير وهو راجع من رحلته الثالثة في الإسكندرية سنة 614 هـ ، عن عمر يناهز الرابعة و السبعين عاماً.

moudar
19-Mar-2011, 12:58 AM
إبن سيده
هو أبو الحسن علي المعروف بابن سيده، اشتهر بالمنطق وعلوم اللغة والشعر، إختلف المؤرخون في اسم أبيه، فقال ابن بشكوال في (الصلة) أنه إسماعيل، وقال الفتح بن خاقان في (مطمح الأنفس) أنه أحمد، ومثل ذلك قال الحمُمَيْدي، كما ذكر ياقوت في (معجم الأدباء). وقد غلبت كنيته بابن سيده على اسم أبيه ولم يذكر سبب تكنيته تلك.
ولد في مرسنة، من أعمال تدمير، في شرق الأندلس، حوالي السنة 398 هـ فنسب إليها، فقيل له المرسي. وكان أعمى، ووالده أعمى فهو أعمى بن أعمى، ولكنه كان نيّر القلب كأبيه الذي كان من النحاة من أهل المعرفة والذكاء.
اشتغل أول الأمر على أبيه، وروى عنه، ثم على العالم النحوي صاعد بن الحسن البغدادي، من الوافدين على الأندلس، ثم على أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي، المنسوب إلى طلمنكة في غربالأندلس (سلمنكا). ورحل إلى المشرق، وزار مكة والمدينة، وعاد إلى الأندلس بعلم كثير.
وكان ابن سيده، على تبحره في اللغة والنحو، كثير العناية بالمنطق على مذهب متى بن يونس، وأثر المنطق ظاهر في تأليف كتابيه (المخصص) و (المحكم).
لإبن سيده مصنفات كثيرة في اللغة، والنحو، والعروض، والشعر، والمنطق، لم يصل إلينا منها إلا بعضها. وأمّا الكتب التي وصلت إلينا فثلاثة: المخصص، المُحكم والمحيط الأعظم، شرح مشكل شعرالمتنبي.
يشتمل كتاب المخصص على أبحاث زراعية مبثوثة جديرة بالذكر والانتباه. وهي جزيلة الفائدة في الدلالة على شمول المعرفة عند ابن سيده، وعقليته العلمية في التحري والتتبع والاستقراء وقد تناولت هذه الأبحاث موضوعات الأرض، ونعومتها وما يتعلق بها من خصب وجدب، وخفوض وارتفاع واستواء، ومن صحة ووبال، وحرث وإنبات، وما يتعلق بها من جهة العشب والكلأ. وهناك أبواب في الشجر من حيث أوصافها وتوريقها وتنويرها... إلى غير ذلك مما يتعلق بأمور الأشجار والأوراق والثمار وعيوبفيها.

moudar
20-Mar-2011, 02:04 AM
البتاني
هو ابن عبد الله محمد بن سنان بن جابر الحراني المعروف باسم البتاني، ولد في حران أواخر القرن الثاني الهجري، وتوفي في العراق في أوائل القرن الثالث الهجري، اشتهر بالفلك والرياضيات، وهو ينتمي إلى أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث للهجرة. وهو من أعظم فلكيي العالم، إذ وضع في هذا الميدان نظريات مهمة، كما له نظريات في علمي الجبر وحساب المثلثات.
اشتهر البتاني برصد الكواكب وأجرام السماء. وعلى الرغم من عدم توافر الآلات الدقيقة كالتي نستخدمهااليوم فقد تمكن من جمع أرصاد ما زالت محل إعجاب العلماء وتقديرهم.
وقد ترك عدة مؤلفات في علوم الفلك، والجغرافيا. وله جداوله الفلكية المشهورة التي تعتبر من أصح الزيج التي وصلتنا من العصور الوسطى. وفي عام 1899 م طبع بمدينة روما كتاب الزيح الصابي للبتاني، بعد أن حققه كارلو نللينو عن النسخة المحفوظة بمكتبة الاسكوريال بإسبانيا. ويضم الكتاب أكثر من ستين موضوعاً أهمها: تقسيم دائرة الفلك وضرب الأجزاء بعضها في بعض وتجذيرها وقسمتها بعضها على بعض، معرفة أقدار أوتار أجزاء الدائرة، مقدار ميل فلك البروج عن فلك معدل النهار وتجزئة هذا الميل، معرفة أقدار ما يطلع من فلك معدل النهار، معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك، معرفة أوقات تحاويل السنين الكائنة عند عودة الشمس إلى الموضع الذي كانت فيه أصلاً، معرفة حركات سائر الكواكب بالرصد ورسم مواضع ما يحتاج إليه منها في الجداول في الطول والعرض.
عرف البتاني قانون تناسب الجيوب، واستخدم معادلات المثلثات الكرية الأساسية. كما أدخل اصطلاح جيب التمام، واستخدم الخطوط المماسة للأقواس، واستعان بها في حساب الأرباع الشمسية، وأطلق عليها اسم (الظل الممدود) الذي يعرف باسم (خط التماس). وتمكن البتاني في إيجاد الحل الرياضي السليم لكثير من العمليات والمسائل التي حلها اليونانيون هندسياً من قبل، مثل تعيين قيم الزوايا بطرق جبرية.
ومن أهم منجزاته الفلكية أنه أصلح قيم الاعتدالين الصيفي والشتوي، وعين قيمة ميل فلك البروج على فلك معدل النهار (أي ميل محور دوران الأرض حول نفسها على مستوى سبحها من حول الشمس). ووجد أنه يساوي 35َ 23ْ (23 درجة و 35 دقيقة)، والقيمة السليمة المعروفة اليوم هي 23 درجة.
وقاس البتاني طول السنة الشمسية، وأخطأ في مقياسها بمقدار دقيقتين و 22 ثانية فقط. كما رصد حالات عديدة من كسوف الشمس وخسوف القمر.

moudar
21-Mar-2011, 12:08 AM
هارون الرشيد

(149-809 م)
هو محمد المهدي ابن المنصور العباسي، أبو جعفر
خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق، وأشهرهم

يعتبر عصر الخليفة هارون الرشيد واسطة العقد بالنسبة للخلافة الاسلامية أو قل بالنسبة للتاريخ الاسلامي الوسيط كله ، فقد اكتملت للدولة ألوان من العظمة و القوة و المجد العلمي ، و كانت الدولة مهيبة الجانب ، فاحترمتها الدول المجاورة و هابتها .
استخلف هارون الرشيد بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة .
حدث عن أبيه وعن جده ومبارك بن فضالة وروى عنه ابنه المأمون وغيره وكان من أمير الخلفاء واجل ملوك الدنيا ، و كان يحج سنة ، و يغزو كل سنة.
مولده بالري حين كان أبوه أميراً عليها وعلى خراسان ، وكان أبيض طويلاً جميلا مليحاً فصيحاً له نظر في العلم والأدب.
وكان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.
وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص.
قال أبو معاوية الضرير: ما ذكرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي وحدثه بحديثه صلى الله عليه وآله وسلم "ووددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحي فأقتل" فبكى حتى انتحب.
وكان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس وسبعين و مائة ولقبه الأمين .
مات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان ودفن بها في ثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وله خمس وأربعون سنة وصلى عليه ابنه صالح.
مات في أيامه من الأعلام مالك بن أنس والليث بن سعد وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة والقاسم بن معن ومسلم بن خالد الزنجي ونوح الجامع والحافظ أبو عوانة اليشكري وإبراهيم بن سعد الزهري وأبو إسحاق الفزاري وإبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي وأسد الكوفي من كبار أصحاب أبي حنيفة وإسماعيل بن عياش وبشر بن المفضل وجرير ابن عبد الحميد وزياد البكائي وسليم المقرئ صاحب حمزة وسيبويه إمام العربية وضيغم الزاهد وعبد الله العمري الزاهد وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس الكوفي وعبد العزيز بن أبي حازم والدراوردي والكسائي شيخ القراء والنحاة ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة كلاهما في يوم وعلي بن مسهر وغنجار وعيسى بن يونس السبيعي والفضيل ابن عياض وابن السماك الواعظ ومروان بن أبي حفصة الشاعر والمعافي ابن عمران الموصلي ومعتمر بن سليمان والمفضل بن فضالة قاضي مصر وموسى بن ربيعة أبو الحكم المصري أحد الأولياء والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني وهشيم ويحيى بن أبي زائدة ويزيد بن زريع ويونس ابن حبيب النحوي ويعقوب بن عبد الرحمن قارئ المدينة وصعصعة ابن سلام عالم الأندلس أحد أصحاب مالك وعبد الرحمن بن القاسم اكبر أصحاب مالك والعباس بن الحنف الشاعر المشهور وأبو بكر ابن عياش المقرئ ويوسف بن الماجشون وخلائق آخرون كبار.
وفي سنة ست وسبعين و مائة فتحت مدينة دبسة على يد الأمير عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح العباسي.
وفي سنة تسع وسبعين و مائة اعتمر الرشيد في رمضان ودام على إحرامه إلى أن حج ومشى من مكة إلى عرفات.
وفي سنة ثمانين و مائة كانت الزلزلة العظمى وسقط منها رأس منارة الإسكندرية.
وفي سنة إحدى وثمانين و مائة فتح حصن الصفصاف عنوة وهو الفاتح له.
وفي سنة ثلاث وثمانين و مائة خرج الخزر على أرمينية فأوقعوا بأهل الإسلام وسفكوا وسبوا أزيد من مائة ألف نسمة وجرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله مثله.
وفي سنة تسعين و مائة فتح هرقل وبث جيوشه بأرض الروم فافتتح شراحيل ابن معن بن زائدة حصن الصقالبة وافتتح يزيد بن مخلد ملقونية وسار حميد ابن معيوف إلى قبرس فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفاً.
كان الرشيد رضي الله عنه يتواضع لأهل الخير فقعد بين يدي مالك ، و قبل يدي حسين الجعفي ، و صب الماء على يدي ابي معاوية الضرير .
روي أن ابن السماك دخل على الرشيد يوماً فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنأك الله تعالى فلما شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتري خروجها قال: بجميع ملكي قال إن ملكاً قيمته شربة ماء وبوله لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديداً.
ومما رواه الرشيد من الحديث قال الصولي: حدثنا عبد الرحمن بن خلف حدثني جدي الحصين بن سليمان الضبي سمعت الرشيد يخطب فقال في خطبته حدثني مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتقوا الله ولو بشق تمرة" حدثني محمد بن علي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال قال النبي صلى الله عليه وسلم "نظفوا أفواهكم فإنها طريق القرآن".

moudar
22-Mar-2011, 12:21 AM
الإدريسي
هو أبو الحسن محمد بن إدريس الحموي، الحسني، الطالبي، المعروف بالشريف الإدريسي، من نسل الأدارسة الحمويين. وهو من أكابر علماء الجغرافيا والرحالة العرب، وله مشاركة في التاريخ، والأدب، والشعر، وعلم النبات. ولد في سبته سنة 493 هـ، وتوفي فيها، على الأرجح، سنة 560. نشأ وتثقف في قرطبة، ومن هنا نعته بالقرطبي، فأتقن فيها دراسة الهيئة، والفلسفة، والطب، والنجوم، والجغرافيا، والشعر.
طاف بلداناً كثيرة في الأندلس، والمغرب، والبرتغال، ومصر. وقد يكون عرف سواحل أوروبا الغربية من فرنسا وإنكلترا، كما عرف القسطنطينية وسواحل آسيا الصغرى. وانتهى إلى صقلية، فاستقر في بلاط صاحبها، روجه الثاني النورماني، المعروف عند العرب باسم رجار، في بالرم، ومن هنا تلقينه بالصقلي. فاستعان به رجار، وكان من العلماء المعدودين في صنع دائرة الأرض من الفضة ووضع تفسير لها. ويبدو أن الإدريسي ترك صقلية في أواخر أيامه، وعاد إلى بلدته سبته حيث توفي.
ألف الإدريسي كتابه المشهور (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) والمسمى أيضاً (كتاب رجار) أو (الكتابالرجاري) وذلك لأن الملك رجار ملك صقلية هو الذي طلب منه تأليفه كما طلب منه صنع كرة من الفضة منقوش عليها صورة الأقاليم السبعة، ويقال أن الدائرة الفضية تحطمت في ثورة كانت في صقلية، بعد الفراغ منها بمدة قصيرة، وأما الكتاب فقد غدا من أشهر الآثار الجغرافية العربية، أفاد منه الأوروبيون معلومات جمة عن بلاد المشرق، كما أفاد منه الشرقيون، فأخذ عنه الفريقان ونقلوا خرائطه، وترجموا بعض أقسامه إلى مختلف لغاتهم.
في السنة التي وضع فيها الإدريسي كتابه المعروف، توفي الملك رجار فخلفه غليام أو غليوم الأول، وظل الإدريسي على مركزه في البلاط، فألف للملك كتاباً آخر في الجغرافيا سمّاه (روض الأنس ونزهة النفس) أو (كتاب الممالك والمسالك)، لم يعرف منه إلا مختصر مخطوط موجود في مكتبة حكيم أوغلو علي باشا باسطنبول. وذكر للإدريسي كذلك كتاب في المفردات سماه (الجامع لصفات أشتات النبات)، كما ذكر له كتاب آخر بعنوان (انس المهج وروض الفرج).

moudar
23-Mar-2011, 06:57 PM
الفرزدق
هو همام بن غالب بن صعصعة، من بني دارم، لقبه، أي قطعة العجين أو الرغيف الضخم، لقب بذلك لضخامة وجهه وعبوسه. ولد في البصرة سنة 641 م ونشأ فيها، وقد قال الشعر يافعا ومال إلى البذاءة والتهتك. غضب عليه زياد بن أبيه والي البصرة، فهرب لاجئا إلى المدينة، ولكن واليها مروان بن الحكم طرده منها.

عاش حياته متنقلا بين الأمراء والولاة، يمدح واحدهم ثم يهجوه ثم يمدحه. كان يتشيع في شعره، ولكن ذلك لم يمنعه من الاتصال بالأمويين ومدحهم.

التحم الهجاء بينه وبين جرير طيلة نصف قرن حتى وافته منيته سنة 732 م.

عمر نيفا وتسعين سنة قضى معظمها في الفسق والفجور فتكشفت له نواحي الحياة بحلوها ومرها، وأقبل على الدنيا يتمتع بملذاتها حتى في أواخر أيامه. وإذا مرت به لمحات سريعة من الزهد فإنه لا يلبث أن يعود بعدها إلى غوايته، كما حصل له حين هجا إبليس.

هو واحد من ثلاثة قام على مناكبهم صرح الشعر العربي في عصر بني أمية. لم يدع فنا من فنون الشعر المعروفة إلا نظم فيه، غير أن الفخر كان أغلب ما وافق طبعه، يليه في ذلك فن الهجاء ثم المديح.

من شعر الفرزدق:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأتـه
والبيت يعـرفه والحـل والحـرم

هذا ابن خيـر عباد الله كلهـم
هذا التقـي النقـي الطاهر العلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلـه
بـجده أنبيـاء الله قـد ختمـوا

وليـس قـولك من هذا بضائـره
العرب تعرف من أنكرت والعجـم

كلتـا يديه غيـاث عم نفعهمـا
يستوكفان ولا يعروهـما عـدم

سهل الخليقـة لا تخشى بـوادره
يزينه اثنان حسن الخلق والشيـم

حمـال أثقال أقوام إذا افتدحـوا
حلو الشمـائل تحلو عنده نعـم

ما قال لا قـط إلاّ في تشهـده
لولا التشهـد كانت لاءه نعـم

عم البرية بالإحسان فانقشعـت
عنها الغياهب والإملاق والعـدم

إذا رأتـه قريـش قـال قائلهـا
إلى مكـارم هذا ينتهـي الكـرم

يغضي حيـاء ويغضى من مهابتـه
فمـا يكلـم إلاّ حيـن يبتسـم

بكفـه خـيزران ريحـه عبــق
من كف أروع في عرنينـه شـمم

يكـاد يـمسكه عرفان راحتـه
ركن الـحطيم إذا ما جاء يستلم

الله شـرفه قـدمـا وعظمــه
جـرى بذاك له في لوحـه القلـم

أيُّ الـخلائق ليست في رقابـهم
لأوليـة هـذا أو لـه نعـــم

من يشكـر الله يشكـر أوليـة ذا
فالدين من بيـت هذا ناله الأمـم

ينمى إلى ذروة الدين التي قصـرت
عنها الأكف وعن إدراكها القـدم

من جـده دان فضـل الأنبيـاء له
وفضـل أمتـه دانـت له الأمـم

مشتقـة مـن رسـول الله نبعتـه
وفضـل أمتـه دانـت له الأمـم

ينشق ثوب الدجى عن نور غرتـه
كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم

من معشـر حبهم دين وبغضهـم
كفر وقربـهم منجـى ومعتصـم

مقـدم بعـد ذكـر الله ذكرهـم
في كـل بدء ومختـوم به الكلـم

إن عد أهل التقـى كانوا أئمتهـم
أو قيل من شير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيـع جواد بعد جودهـم
ولا يدانيهـم قـوم وإن كرمـوا

هم الغيـوث إذا ما أزمة أزمـت
والأُسدُ أُسدُ الشرى والبأس محتـدم

لا ينقص العسر بسطا من أكفهـم
سيان ذلك ان أثروا وإن عدمـوا

يستـدفع الشر والبلوى بـحبهم
ويستـرب به الإحسان والنعـم

moudar
24-Mar-2011, 05:17 PM
الشيخ سيّد سابق
العالِم الكبير والداعية الفقيه
انضم إلى موكب الراحلين من كبار العلماء عن دنيانا العالم الكبير الفقيه الداعية المُربِّي الشيخ سيد سابق -رحمه الله- الذي انتقل إلى جوار ربه مساء يوم الأحد 23 من ذي القعدة 1420هـ الموافق 27/2/2000م عن عمر يناهز 85 سنة.

كان الشيخ سيد سابق أحد علماء الأزهر الذين تخرجوا في كلية الشريعة، وقد اتصل بالإمام الشهيد حسن البنا وبايعه على العمل للإسلام ونشر دعوته، وجمع الأمة على كلمته، وتفقيهها في شريعته، وأصبح عضوًا في جماعة (الإخوان المسلمين) منذ كان طالبًا.
كان معاصرًا لإخوانه من أبناء الأزهر النابهين الذين انضموا إلى قافلة الإخوان المسلمين من أمثال الشيخ محمد الغزالي، والشيخ عبد المعز عبد الستار، وغيرهما، وإن كانوا هم في كلية أصول الدين، وهو في كلية الشريعة.

اشتغل الشيخ سيد سابق بالفقه أكثر مما اشتغل إخوانه من الدعاة الأزهريين؛ لأنه الأليق بتخصصه في كلية الشريعة، وقد بدأ يكتب في مجلة الإخوان الأسبوعية مقالة مختصرة في فقه الطهارة، معتمدًا على كتب (فقه الحديث) وهي التي تعنى بالأحكام، مثل (سبل السلام) للصنعاني، وشرح (بلوغ المرام) للحافظ ابن حجر، ومثل (نيل الأوطار) للشوكاني، وشرح (منتقى الأخيار من أحاديث سيد الأخيار) لابن تيمية الجد.
ومستفيدًا من كتاب (الدين الخالص) للعلامة الشيخ محمود خطاب السبكي، مؤسس (الجمعية الشرعية) في مصر، وأول رئيس لها، الذي ظهر منه تسعة أجزاء في فقه العبادات، ومن غير ذلك من المصادر المختلفة، مثل (المغني) لابن قدامة، و(زاد المعاد) لابن القيم، وغيرهما.

وقد اعتمد الشيخ سيد -رحمه الله- منهجًا يقوم على طرح التعصب للمذاهب مع عدم تجريحها، والاستناد إلى أدلة الكتاب والسنة والإجماع، وتبسيط العبارة للقارئ بعيدًا عن تعقيد المصطلحات، وعمق التعليلات، والميل إلى التسهيل والتيسير على الناس، والترخيص لهم فيما يقبل الترخيص، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه، وكما يكره أن تؤتى معصيته، وحتى يحب الناس الدين ويقبلوا عليه، كما يحرص على بيان الحكمة من التكليف، اقتداء بالقرآن في تعليل الأحكام.

وكان من التسهيل الذي اتبعه الشيخ في منهجه الذي ارتضاه في كتابة الفقه البعد عن ذكر الخلاف إلا ما لا بد منه، فيذكر الأقوال في المسألة، ويختار الراجح أو الأرجح في الغالب، وأحيانًا يترك الأمر دون أن يرجح رأيًا، حيث لم يتضح له الراجح، أو تكافأت عنده الأقوال والأدلة، فيرى من الأمانة أن يدع الأمر للقارئ يتحمل مسئولية اختياره، أو يسأل عالمًا آخر، وهذا ما لا يسع العالم غيره.

أصدر الشيخ سيد الجزء الأول من كتابه الذي سماه (فقه السنة) في أواسط الأربعينات من القرن العشرين الميلادي، أو في سنة 1365هـ وهو رسالة صغيرة الحجم، من القطع الصغير، وكان في (فقه الطهارة)، وقد صدره بمقدمة من المرشد العام للإخوان المسلمين الشيخ الإمام حسن البنا، تنوه بمنهج الشيخ في الكتابة، وحسن طريقته في عرض الفقه، وتحبيبه إلى الناس، ومما جاء في هذه المقدمة قوله -عليه رحمة الله:

أما بعد.. فإن من أعظم القربات إلى الله -تبارك وتعالى- نشر الدعوة الإسلامية، وبث الأحكام الدينية، وبخاصة ما يتصل منها بهذه النواحي الفقهية، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم في عبادتهم وأعمالهم، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما العلم بالتعلم، وإن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".

وإن من ألطف الأساليب وأنفعها وأقربها إلى القلوب والعقول في دراسة الفقه الإسلامي – وبخاصة في أحكام العبادات، وفي الدراسات العامة التي تقدم لجمهور الأمة – البعد به عن المصطلحات الفنية، والتفريعات الكثيرة الفرضية، ووصله ما أمكن ذلك بمآخذ الأدلة من الكتاب والسنة في سهولة ويسر، والتنبيه على الحكم والفوائد ما أتيحت لذلك الفرصة، حتى يشعر القارئون المتفقهون بأنهم موصولون بالله ورسوله، مستفيدون في الآخرة والأولى، وفي ذلك أكبر حافز لهم على الاستزادة من المعرفة، والإقبال على العلم.

وقد وفق الله الأخ الفاضل الأستاذ الشيخ: السيد سابق، إلى سلوك هذه السبيل، فوضع هذه الرسالة السهلة المأخذ، الجمة الفائدة، وأوضح فيها الأحكام الفقهية بهذا الأسلوب الجميل؛ فاستحق بذلك مثوبة الله إن شاء الله، وإعجاب الغيورين على هذا الدين، فجزاه الله عن دينه وأمته ودعوته خير الجزاء، ونفع به، وأجرى على يديه الخير لنفسه وللناس، آمين.

وقال الشيخ سابق في مقدمته القصيرة المختصرة التي قدم بها كتابه:
هذا الكتاب يتناول مسائل من الفقه الإسلامي مقرونة بأدلتها من صريح الكتاب وصحيح السنة، ومما أجمعت عليه الأمة.
وقد عرضت في يسر وسهولة، وبسط واستيعاب لكثير مما يحتاج إليه المسلم، مع تجنب ذكر الخلاف إلا إذا وجد ما يسوغ ذكره فنشير إليه.
والكتاب يعطي صورة صحيحة للفقه الإسلامي الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم، ويفتح للناس باب الفهم عن الله ورسوله، ويجمعهم على الكتاب والسنة، ويقضي على الخلاف وبدعة التعصب للمذاهب، كما يقضي على الخرافة القائلة: بأن باب الاجتهاد قد سُدّ .

ظل الشيخ سيد يوالي الكتابة في الفقه بعد ذلك، ويخرج في كل فترة جزءاً من هذا القطع الصغير حتى اكتمل أربعة عشر جزءاً، ثم صدر بعد ذلك في ثلاثة أجزاء كبيرة. واستمر تأليفه نحو عشرين سنة على ما أظن.

سَدَّ كتاب الشيخ سيد سابق فراغًا في المكتبة الإسلامية في مجال فقه السنة، الذي لا يرتبط بمذهب من المذاهب، ولهذا أقبل عليه عامة المثقفين الذين لم ينشأوا على الالتزام بمذهب معين أو التعصب له، وكان مصدرًا سهلاً لهم يرجعون إليه كلما احتاجوا إلى مراجعة مسألة من المسائل.

وقد انتشر الكتاب انتشارًا، وطبعه بعض الناس بدون إذن مؤلفه مرات ومرات، كما يفعلون مع غيره من الكتب التي يطلبها الناس.

ربما انتقد (فقه السنة) بعض المذهبيين المتشددين في اتباع المذاهب، والذين اعتبروا الكتاب داعية إلى ما سموه (اللامذهبية)، وهي – كما قالوا – قنطرة إلى (اللادينية)!
وأنا اعتقد أن مؤلف الكتاب - وإن لم يلتزم مذهبًا بعينه - لا يُعَدُّ من دعاة (اللامذهبية) لأنه لم يذم المذاهب، ولم ينكر عليها.

كما أعتقد أن مثل هذا النوع من التأليف ضرورة للمسلم الجديد، الذي يدخل في الإسلام الواسع دون التزام بمدرسة أو مذهب، وكذلك المسلم العصري الذي لا يريد أن يربط نفسه بمذهب معين في كل المسائل، بل يأخذ بما صح دليله، ووضح سبيله.

كما انتقد الكتاب بعض العلماء الذين يرون أن الشيخ – وقد تحرر من المذاهب- لم يعطِ فقه المقارنة والموازنة حقها، في مناقشة الأدلة النقلية والعقلية، والموازنة العلمية بينها، واختيار الأرجح بعد ذلك على بينة وبصيرة.

والجواب عن ذلك: أن الشيخ لم يكتب كتابه للعلماء، بل لجمهور المتعلمين، الذين يحتاجون إلى التسهيل والتيسير، سواء في الشكل أم المضمون، وتوخي طريقة التسهيل والتبسيط، وكل ميسر لما خلق له.

وممن انتقد الكتاب المحدث المعروف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله ، وقد ألف في ذلك كتابًا أسماه (تمام المنة بالتعليق على فقه السنة) يتضمن جملة تعقيبات وانتقادات على الكتاب، ونقده يتمثل في أمرين أساسيين:
الأول: فيما يتعلق بالحديث الذي يستدل به (فقه السنة) وهو ضعيف في نظر الشيخ، وربما يكون هناك خلل في عزوه إلى من عزاه إليه، أو نحو ذلك، وعذر الشيخ سيد أنه ينقل هذه الأحاديث عن كتب السابقين، ولم يبذل جهدًا في تحقيقها وتمحيصها، عملاً بالقاعدة التي تقول: كل علم يؤخذ مسلم من أهله.

والثاني: خلاف في المشرب الفقهي بين الشيخ ناصر والشيخ سيد، فالشيخ ناصر أَمْيل إلى اتباع ظاهر النص، والشيخ سيد أقرب إلى اتباع مقصد النص.
والشيخ ناصر لا يبالي بمخالفة جمهور الأئمة المتقدمين، كما في تحريمه الذهب على النساء، والشيخ سيد يحترم غالبًا رأي الجمهور.

وقد ظهر هذا في التعليق الطويل الذي علق به الشيخ ناصر على (زكاة عروض التجارة) في فقه السنة، فهو لم يصح عنده الحديث في زكاتها، ولم يأخذ بقول من قال من الصحابة بزكاتها، ولا بقول جمهور التابعين والأئمة الذي هو كالإجماع على وجوب زكاة التجارة، ولم يأخذ بمقاصد الشريعة التي يستحيل أن توجب الزكاة على الزارع الذي تثمر أرضه خمسة أوساق، وربما كان مستأجرًا لهذه الأرض، ولا يوجب على التاجر الذي يملك الملايين شيئًا، إلا أن (تنضّ) أي تسيل بلغة عصرها، ويحول عليها الحول.
وقد رددنا على الشيخ ناصر قوله بالأدلة الناصعة في كتابنا (المرجعية العليا للقرآن والسنة).

عرفت فضيلة الشيخ سيد سابق أول ما عرفته قارئًا لبعض مقالاته الفقهية في مجلة الإخوان الأسبوعية، ثم للجزء الأول من كتابه في فقه الطهارة، ثم سمعنا أنه قدم للمحاكمة في قضية مقتل النقراشي باشا، حيث زعموا في ذلك الوقت أنه هو الذي أفتى الشاب القاتل عبد المجيد حسن بجواز قتله، عقوبة على حل الإخوان، وكانت الصحف تلقب الشيخ في ذلك الوقت بـ (مفتي الدماء).
والحمد لله، قد برأته المحكمة، وخلت سبيله، ولكنه اعتقل مع من اعتقل من الإخوان في سنة 1949م واقتيد إلى معتقل الطور.
وقد عرفت الشيخ وجهًا لوجه في المعتقل، وفي عنبر رقم (2) الذي كان إمامه الشيخ الغزالي، رحمه الله، وكان الشيخ سيد يعقد حلقات في الفقه بعد صلاة الفجر وقراءة الأدعية المأثورات، كما كان الشيخ الغزالي يعقد حلقات أخرى في الدعوة إلى الله.
ثم عرفته بعد أن خرجنا من المعتقل في ساحة الدعوة إلى الله، وكثيرًا ما زرته في بيته حيث كان يسكن في حارة ضيقة في سوق السلاح، ثم مَنَّ الله عليه فسكن في شقة بجاردن ستي، أظنها كانت ملكًا لبعض اليهود الذين خرجوا من مصر، وذهبوا إلى دولة الكيان الصهيوني.
وقد عملت معه حين كان مديرًا لإدارة الثقافة في وزارة الأوقاف، وكان الشيخ الغزالي مديرًا للمساجد، وكان الشيخ البهي الخولي مراقبًا للشؤون الدينية، وذلك في عهد وزير الأوقاف المعروف الشيخ أحمد حسن الباقوري. وذلك في عهد الثورة.
وظل الشيخ مرموق المكانة في وزارة الأوقاف، حتى جاء عهد وزيرها المعروف الدكتور/ محمد البهي، فساءت علاقته بالشيخين الغزالي وسابق، رغم أنها كانت من قبل علاقة متينة، وسبحان مغير الأحوال.
وقد نقل الشيخان إلى الأزهر، لإبعادهما عن نشاطهما المعهود، وإطفاء لجذوتهما، وقد بقيا على هذه الحال، حتى تغير وزير الأوقاف، ودوام الحال من المحال.
كان الشيخ سيد سابق رجلاً مشرق الوجه، مبتسم الثغر، فكه المجلس، حاضر النكتة، ومما يحكى عنه أنهم حين قبضوا عليه في قضية مقتل النقراشي، وسألوه عن (محمد مالك) الذي ضخمت الصحافة دوره، واعتبروه أكبر إرهابي، وقد اختفى ولم يعثروا عليه فلما سألوا الشيخ: هل تعرف شيئًا عن مالك؟ قال: كيف لا أعرفه وهو إمام من أئمة المسلمين، وهو إمام دار الهجرة رضي الله عنه؟!
قالوا: يا خبيث، نحن لا نسألك عن الإمام مالك، بل عن مالك الإرهابي: قال: أنا رجل فقه أعرف الفقهاء ولا أعرف الإرهابيين.
كان الشيخ الغزالي ونحن في المعتقل، إذا سئل عن مسألة فقهية يحيلها إلى الشيخ سيد سابق، فقد كان هو المعتمد لدى الإخوان في الفقه، ومع هذا كتب الشيخ سيد في العقيدة (العقائد الإسلامية)، وفي الدعوة (إسلامنا) وغيره من الكتب.
انتقل الشيخ في السنين الأخيرة من عمره إلى (جامعة أم القرى) بمكة المكرمة، سعيدًا بمجاورة البيت الحرام، مع نخبة من أجلاء علماء الأزهر، الذين كان لهم دور يذكر ويشكر في ترسيخ جامعة أم القرى ورفع دعائمها، وتعليم أبنائها، وبقى فيها إلى ما قبل سنتين.
وفي سنة 1413 هـ حصل الشيخ على جائزة الملك فيصل في الفقه الإسلامي، وسعدت بمشاركته فيها.
واليوم يودعنا الشيخ، راحلاً من دار الفناء إلى دار البقاء، تاركًا وراءه علمًا نافعًا، وتلاميذ بررة يدعون له بالمغفرة والرحمة، وذكرا طيبًا هو عمر آخر للإنسان بعد عمره القصير.

moudar
25-Mar-2011, 08:15 AM
المعزّ لدين الله الفاطمي

تطلع الفاطميون منذ أن قامت دولتهم في المغرب إلى فتح مصر فتكررت محاولتهم لتحقيق هذا الحلم غير أنها لم تكلل بالنجاح، وقد بدأت هذه المحاولات منذ عام 301هـ= 913م أي بعد قيام الدولة بأربع سنوات، الأمر الذي يؤكد عزم الخلفاء الفاطميين على بسط نفوذهم على مصر، وكان فشل كل محاولة يقومون بها تزيدهم إصرارا على تكرارها ومعاودتها مرة بعد مرة، ونبهت هذه المحاولات الخلافة العباسية إلى ضرورة درء هذا الخطر، فدعمت وجودها العسكري في مصر، وأسندت ولايتها إلى محمد بن طغج الإخشيد، فأوقفت تلك المحاولات إلى حين.

ولاية المعز لدين الله
ولى المعز لدين الله الخلافة الفاطمية في سنة 341هـ= 952م خلفا لأبيه المنصور أبي طاهر إسماعيل، الخليفة الثالث في قائمة الخلفاء الفاطميين، وكان المعز رجلا مثقفا يجيد عدة لغات مولعا بالعلوم والآداب متمرسا بإدارة شئون الدولة وتصريف أمورها كيسا فطنا يحظى باحترام رجال الدولة وتقديرهم.
وانتهج المعز سياسة رشيدة، فأصلح ما أفسدته ثورات الخارجين على الدولة، ونجح في بناء جيش قوي، واصطناع القادة والفاتحين وتوحيد بلاد المغرب تحت رايته وسلطانه ومد نفوذه إلى جنوب إيطاليا.
ولم تغفل عينا المعز لدين الله عن مصر، فكان يتابع أخبارها، وينتظر الفرصة السانحة لكي يبسط نفوذه عليها، متذرعا بالصبر وحسن الإعداد، حتى يتهيأ له النجاح والظفر.

حالة مصر الداخلية قبل الفتح
كانت مصر خلال هذه الفترة تمر بمرحلة عصيبة، فالأزمة الاقتصادية تعصف بها والخلافة العباسية التي تتبعها مصر عاجزة عن فرض حمايتها لها بعد أن أصبحت أسيرة لنفوذ البويهيين الشيعة، ودعاة الفاطميين يبثون دعوتهم في مصر يبشرون أتباعهم بقدوم سادتهم، وجاءت وفاة كافور الأخشيد سنة (357هـ=968م) لتزيل آخر عقبة في طريق الفاطميين إلى غايتهم، وكان كافور بيده مقاليد أمور مصر، ويقف حجر عثرة أمام طموح الفاطميين للاستيلاء عليها.
وحين تولى زمام الأمور أبو الفضل جعفر بن الفرات ولم تسلس له قيادة مصر، وعجز عن مكافحة الغلاء الذي سببه نقص ماء النيل، واضطربت الأحوال، وضاق الناس بالحكم، كتب بعضهم إلى المعز يزينون له فتح مصر ولم يكن هو في حاجة إلى من يزين له الأمر؛ إذ كان يراقب الأوضاع عن كثب، ويمني نفسه باللحظة التي يدخل فيها مصر فاتحا، فيحقق لنفسه ما عجز أجداده عن تحقيقه.

مقدمات الفتح
كان أمل الفاطميين التوسع شرقا ومجابهة الخلافة العباسية للقضاء عليها، وإذا كانت دعوتهم قد أقاموها في أطراف العالم الإسلامي حتى تكون بعيدة عن العباسيين، فإن ذلك لم يعد مقبولا عندهم بعد أن قويت شوكتهم واتسع نفوذهم، وأصبحت الفرصة مواتية لتحقيق الحلم المنشود، والتواجد في قلب العالم الإسلامي.
وقد بدأ الفاطميون منذ سنة (355هـ= 996) استعدادهم للانتقال إلى مصر، واتخاذ الإجراءات التي تعينهم على ذلك، فأمر المعز بحفر الآبار في طريق مصر، وبناء الاستراحات على طوال الطريق، وعهد إلى ابنه "تميم" بالإشراف على هذه الأعمال.

فتح مصر
حشد المعز لدين الله لفتح مصر جيشا هائلا بلغ 100 ألف جندي أغلبهم من القبائل البربرية وجعل قيادته لواحد من أكفأ القادة هو جوهر الصقلي الذي نجح من قبل في بسط نفوذ الفاطميين في الشمال الأفريقي كله وخرج المعز في وداعهم في 14 من ربيع الأول 358هـ = 4 من فبراير 969م ولم يجد الجيش مشقة في مهمته ودخل عاصمة البلاد في 17 من شعبان 358هـ= 6 يوليو 969م دون مقاومة تذكر، وبعد أن أعطى الأمان للمصريين.

ولاية جوهر
كان أول عمل قام به جوهر الصقلي هو بناء عاصمة جديدة للدولة الفتية، فوضع أساسا لها في يوم وصوله إلى الفسطاط، بناء على توجيهات من الخليفة المعز، وهي مدينة القاهرة في الشمال الشرقي للفسطاط، وجعل لكل قبيلة أو فرقة من فرق الجيش مكانا خاصا بها، وشرع في تأسيس الجامع الأزهر وأحاط العاصمة بسور من الطوب اللبن وجعل له أبوابا في جهاته المختلفة من أشهرها باب زويلة وباب النصر وباب الفتوح.
وقد حكم جوهر الصقلي مصر أربع سنوات نيابة عن الخليفة المعز، وتعد هذه السنوات من أهم فترات التاريخ الفاطمي في مصر، حيث نجح جوهر بسياسته الهادئة وحسن إدارته من إحداث التغيرات المذهبية والإدارية التي تعبر عن انتقال مظاهر السيادة إلى الفاطميين فزاد في الأذان عبارة: "حي على خير العمل" وجهر بالبسملة في قراءة القرآن في الصلاة وزيادة القنوت في الركعة الثانية من صلاة الجمعة، وأن يقال في خطبة الجمعة: "اللهم صل الله عليه وسلم على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى وفاطمة البتول وعلى الحسن والحسين سبطي رسول الرسول الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا"، وكان هذا إيذانا بترك المذهب السني في مصر.
وبدا جوهر في إجراء عدة إصلاحات لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي كانت تعاني منها البلاد وتطلع إلى تأمين حدود مصر الشمالية فنجح في ضم الشام، وكانت السيطرة عليه تمثل هدفا إستراتيجيا لكل نظام يتولى الحكم في مصر.

الخليفة الفاطمي في القاهرة
رأى جوهر الصقلي أن الوقت قد حان لحضور الخليفة المعز بنفسه إلى مصر، وأن الظروف مهيأة لاستقباله في القاهرة عاصمته الجديدة فكتب إليه يدعوه إلى الحضور وتسلم زمام الحكم فخرج المعز من المنصورية عاصمته في المغرب وكانت تتصل بالقيروان في 21 من شوال 361 هـ= 5 من أغسطس 972م وحمل معه كل ذخائره وأمواله حتى توابيت آبائه حملها معه وهو في طريقه إليها واستخلف على المغرب أسرة بربرية محلية هي أسرة بني زيري، وكان هذا يعني أن الفاطميين قد عزموا على الاستقرار في القاهرة، وأن فتحهم لها لم يكن لكسب أراضٍ جديدة لدولتهم، وغنما لتكون مستقرا لهم ومركزا يهددون به الخلافة العباسية.
وصل المعز إلى القاهرة في 7 من رمضان 362هـ= 11 من يونيو 972م، وأقام في القصر الذي بناه جوهر، وفي اليوم الثاني خرج لاستقبال مهنئيه وأصبحت القاهرة منذ ذلك الحين مقرا للخلافة الفاطمية، وانقطعت تبعيتها للخلافة العباسية السنية.
قضى المعز لدين الله القسم الأكبر من خلافته في المغرب، ولم يبق في مصر إلا نحو 3 سنوات، ولكنها كانت ذات تأثير في حياة دولته، فقد نجح في نقل مركز دولته إلى القاهرة، وأقام حكومة قوية أحدثت انقلابا في المظاهر الدينية والثقافية والاجتماعية في مصر، ولا تزال بعض آثاره تطل علينا حتى الآن، وجعل من مصر قلبا للعالم الإسلامي ومركزا لنشر دعوته الإسماعيلية والتطلع إلى التوسع وبسط النفوذ.
وقد قامت القاهرة بعد ذلك بدورها القيادي حتى بعد سقوط الدولة الفاطمية في الوقوف أمام المد الصليبي وهجمات المغول، وهو ما يثبت أن العالم الإسلامي كان بحاجة إلى مركز متوسط للقيام بمثل هذه الأدوار، وهذا ما تنبه إليه الفاطميون وأثبتته أحداث التاريخ من قديم الزمان؛ حيث كانت الإسكندرية تشغله في العصر الروماني البيزنطي.
ولم تطل الحياة بالمعز في القاهرة ليشهد ثمار ما أنجزته يداه، لكن حسبه أنه نجح في الانتقال بدولته من المغرب التي كانت تنهكها ثورات البربر المتتالية، ولم تدع له فرصة لالتقاط أنفاسها حتى تكون مستقرا جديدا للتوسع والاستمرار، وأنه أول خليفة فاطمي يحكم دولته من القاهرة، عاصمته الجديدة.
وتوفي الخليفة المعز لدين الله في القاهرة في 16 من ربيع الآخر 365 هـ= 23 من ديسمبر 975م.

الكردفاني
25-Mar-2011, 09:15 AM
نتابع سطورك المضيئة أخي العزيز مضر.
وبالتوفيق

moudar
26-Mar-2011, 11:57 AM
بشَّـار بـن بـرد
هو أبو معاذ بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء أي أنه كان رقيقا فأعتقته امرأة عقيلية فصارت مولاته فنسب إليها.
هو بصري ضرير كان من فحول الشعراء وأصله من طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة القائد العربي المشهور.
ولد أعمى أكمه جحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أحمر وكان ضخما عظيم الخلق والوجه مجدرا طويلا وهو أول مرتبة المحدثين من الشعراء المجيدين.
يروى عنه وهو مما عزى إليه من آثار الزندقة أنه كان يفضل طبيعة النار على طبيعة الطين ويصوب رأي إبليس في عدم السجود لآدم. وينسب إليه قوله:
الأرض مظلمة والنار مشرقة والنار معبودة مذ كانت النار

وروي أنه قد فتشت كتبه فلم يعثر فيها على شيء مما عزي له ووجد له كتاب فيه قوله إني أردت هجاء آل سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنهم فذكرت قرابتهم من رسول اللّه فأمسكت عنهم.

وقال المهدي في تاريخه كان سبب قتل المهدي لبشار أن المهدي ولى صالح بن داود أخا يعقوب بن أود ولاية فهجاه بشار بقوله ليعقوب:
هموا حملوا فوق المنابر صالحا أخاك فضجت من أخيك المنابر
فبلغ يعقوب هجاؤه فدخل على المهدي وقال له إن بشار هجاك. قال ويلك ماذا قال. قال يعفيني أمير المؤمنين من ذلك فقال لا بد. فأنشده شعرا فيه فحش. فطلبه المهدي فخاف يعقوب أن يدخل عليه فيمدحه فيعفو عنه فوجه إليه من ألقاه في البطيحة. ومن شعر بشار قوله:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن بحزم نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة فريش الخوافي تابع للقوادم
وما خير كف أمسك الغل أختها وما خير سيف لم يؤيد بقائم

أسماء بت النيل
26-Mar-2011, 04:02 PM
ويواصل مضر السكب من دنه الرائع
شكرا" لك

moudar
27-Mar-2011, 01:06 PM
شـجرة الـدر
(1257م)
نسبها :
شجرة الدر، جارية من جواري الملك الصالح، اشتراها الملك نجم الدين. اختلف المؤرخون في تحديد جنسيتها، فمنهم من قال إنها تركية ومنهم قال إنها جركسية، أو رومانية. ولكن لم تكن شجرة الدر كباقي الجاريات، بل تميزت بالذكاء الحاد ، والفطنة، والجمال كما أنها نالت الإعجاب بفتنتها وفنها، إذ كانت متعلمة، تجيد القراءة، والخط ، والغناء.
زواجها:
أعجب بها الملك نجم الدين واشتراها، ولقبها بشجرة الدر. أنفرد بها، وحظيت عنده بمنزلة رفيعة، بحيث أصبح لها الحق في أن تكون المالكة الوحيدة لقلبه وعقله، وصاحبة الرأي ثم أصبحت الشريكة الشرعية ، وأم ولده. أرسل الأمير نجم الدين بأمرٍ من والده، إلى حصن كيفا، لولاية وحكم هذا الحصن(وهو حصن من حصون المشارق يقع على حدود تركستان). ثم وردت إليه أنباء من القاهرة، تقول بان أباه الملك الكامل قد عين أخاه الصغير أبا بكر(الملك العادل) ولياً للعهد بدلاً منه، وكانت أمه اقرب إلى قلب الملك من أم الأمير نجم الدين. غضب الأمير نجم الدين من تصرف الملك ؛ لأن أخاه كان طائشاً ، ولأن الدولة كانت في خطر من كل الجوانب ، ويتربص بها الأعداء من الصليبين والمغول. أقسم الأمير نجم الدين أن الخلافة لن تكون لغيره بعد أبيه. وبدأ بالمقاومة ، لأنه أرشد من أخيه ، وأحق منه في الخلافة.
وفي هذه الأثناء كانت شجرة الدر نعم الزوجة، حيث قامت بتشجيع وتأييد زوجها، فساعدته في الوصول إلى حقه المغتصب. وفي هذه الفترة أنجبت له ولداً أسماه خليل. توجه الأمير نجم الدين إلى القاهرة، ومعه زوجته شجرة الدر، وأبنهما، وبطانته المؤلفة من عشرات الجنود فقط، وبعض المماليك، وعلى رأسهم ( بيبرس ، وأيبك، وقلاوون، وآق طاي). وبينما هم في طريقهم انقض عليهم جيش الملك الناصر داوود، وهم ابن عم نجم الدين والي إمارة الكرك والشوبك ، وما يليهما من أرض الأردن. وأسرهم في قلعة الكرك عام (63)هـ ، ثم أرسل إلى الملك العادل يخبره بما حدث ويطلب منه ثمن جلوسه على عرش الشام. استمر سجنهم سبعة أشهر ، كان الملك الناصر خلالها يساوم الملك العادل في القاهرة على الأمير نجم الدين، أما زوجته شجرة الدر فقد وفرت له كل أسباب الراحة، وبثت التفاؤل في نفسه، خلال مدة الأسر.

محاربة الصليبيين وولاية الملك :
قامت بوضع خطة مع زوجها، وذلك باتفاق زوجها مع خصمهِ الملك الناصر، على أن يطلق سراح نجم الدين ليستولي على عرش مصر ومن ثم ، يقدم له عرش الشام ونصف الخراج. ثم سار الملك الصالح زوجها إلى القاهرة وهزم أخاه العادل نجم الدين، وأسره في قلعة صلاح الدين.
وهكذا بلغت شجرة الدر مرادها، حيث قاسمت زوجها المجد والسلطة.

كانت شجرة الدر قادرة على تسيير الجيوش للحرب، وذلك عندما تعرضت مصر لحملة الصليبين. يقال أن الملك لويس التاسع شن الحملة ، ليوفي بنذره ، حيث نذر بأنه إذا شفي من مرضه، فسوف يشن حملة على مصر. فجهز جيشاً وأبحر من مرسيليا عام 1249. وفي هذه الأثناء كان الملك الصالح مريضاً، إلا إنه استعد للأمر، واتخذ من المنصورة مركزاً للقيادة العامة، وولاها للأمير فخر الدين نزولاً عند رغبة شجرة الدر، التي أثبتت على أنها قادرة على مواجهة الصعاب ، وأقسمت لزوجها على أن الصليبين سيقتلون في حملتهم. وبعد وصول الغزاة إلى مصر عام 1249. ظهرت حكمة وذكاء شجرة الدر، حيث أخفت نبأ وفاة الملك ، لعدة أسباب أهمها الخوف من حدوث البلبلة في الدولة، وبخاصة صفوف الجيش، وحتى تتغلب على العدو، وكذلك حتى لا ينصرف اهتمام أمراء بني أيوب والمماليك إلى تولي العرش، وساعدها على ذلك الأمير فخر الدين. واستمر الحال في القصر الملكي، كالسابق. ولكن عندما لاحظت شجرة الدر ،أن خبر وفاة زوجها أوشك أن ينكشف وأن العدو أيضاً على وشك الانهزام. قامت باستدعاء، ابن زوجها تورانشاه وأمرت رجال الدولة والجيش أن يحلفوا له يمين الولاء ، وأن يدعى لها على المنابر في المساجد، وذلك لتبقى السلطة في يدها، وتعرف أمور الدولة كما تشاء. وذلك إن دل فيدل على ذكائها ودهائها.

وقبل وصول تورانشاه ، قامت شجرة الدر بوضع خطة حربية مع القوات، وأمراء المماليك وظلت تشرف على تنفيذها، ومراقبة سير المعركة في المنصورة عن قرب. وبلغ من حماسها أنها كانت تعاون الأهالي مع الجنود، في صد هجمات الأعداء والرد عليهم. حتى انتصر المسلمون عام 1250. لم يدم حكم تورانشاه أكثر من شهرين، وذلك لفساده وطغيانه

وقام بأبعاد رجال الدولة الأكفاء، وأخذ يهدد زوجة أبيه شجرة الدر، ويطلب ما تبقى من ثروة أبيه ولم يكتف بذلك بل قام باستفزاز مماليك البحرية، حتى لقي مصرعه على يد بيبرس. وافق الكل في مصر على تولي شجرة الدر العرش، بعد مصرع تورانشاه.

كان عهد شجرة الدر زاهياً وزاهراً، أظهرت خلاله قدرتها وجدارتها في الحكم. وتنعم الفقراء بحسناتها، إذ كانت ملكة عاقلة لبيبة، على علم تام بنفسية الشعب ومتطلباتهم. لم تكن حكومتها استبدادية ، لا تشرع في عمل من الأعمال حتى تعقد مجلس المشاورة، ولا تصدر قراراً إلا بعد أخذ رأي وزرائها ومستشاريها. وقامت بنشر راية السلام أيضاً، فأمن الناس خلال فترة حكمها. في عصرها نبغ العديد من الأدباء والشعراء المصريين مثل، بهاء الدين زهير، وجمال
الدين بن مطروح، وفخر الدين بن الشيخ. وفي عهدها أيضاً قامت بعمل جيد، وهو تسيير المحمل كل عام من مصر إلى الحجاز في موسم الحج ، ولم تزل عادة تسيير المحمل المصري متبعة إلى اليوم، فهو يذهب كل عام إلى بيت الله الحرام حاملاً كسوة الكعبة، والمؤن والأموال لأهل البيت، مصحوباً بفرقة كبيرة من الجيش لحماية الحجاج.
عرفت شجرة الدر بعدة ألقاب خلال حكمها مثل الملكة عصمة الدين، والملكة أم خليل، وأخيراً الملكة شجرة الدر أم خليل المستعصمية نسبة إلى الخليفة المستعصم وذلك خوفاً من أن لا يعترف بها الخليفة العباسي، الذي كان يجلس على عرش العباسيين في بغداد آنذاك. ودعي لها على المنابر، كدعاء الخطباء كل جمعة في المساجد. كما أصبحت الأحكام تصدر باسمها، ونقش أسمها على الدراهم والدنانير.
ولم يرق للعباسيين أن تتولى امرأة عرش مصر. مما أدى إلى نشوب الكثير من الخلافات بين الأمراء والزعماء في مصر والشام ولذلك اتخذت من الأمير عز الدين أيبك مقدماً للعساكر، ثم تزوجته ، وبفعلتها هذه أمنت كلام الناس واعتراض العباسيين لها. وقبل أن يعقد عليها اشترطت على أن يطلق زوجته ويتخلى عن ولده المنصور علي، حتى لا ينتقل العرش إلى أبنه، وأطلق عليه اسم الملك المعز.

نهايتها ووفاتها:
مرت الأيام إلى أن أصبح زمام الأمور داخل مصر وخارجها، في يد زوجها الملك المعز. وبلغها أن زوجها يريد خطبة ابنة الملك بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل. فساءت العلاقات بين شجرة الدر وبين الرجل الذيوثقت به ، وجعلته ملكاً. وكادت تفقد عقلها من شدة الحقد والغيرة. وعلمت أيضاً انه ينوي، إنزالها من قصر القلعة إلى دار الوزارة في القاهرة، وذلك ليتفادى الجدل والخصام معها، وحتى يتم تهيئة القلعة، لاستقبال العروس الضرة. غضبت شجرة الدر غضباً شديدا ، لما فيه من جرح لمشاعرها وكبريائها. وخاصة بعد تأكدها من عزيمته في التخلص منها. فكان لابد من التخلص منه فدعته ذات يوم واستقبلته بصدرٍ رحب وبشاشة وكأن شيئاً لم يحدث بينهما، حتى شعر بالطمأنينة ودخل الحمام، وأنقض عليه خمسة من غلمانها الأقوياء وضربوه إلى أن مات، ثم أذيع بأن الملك المعز توفي فجأة ولكن لم يصدق الناس هذا النبأ.
حاولت شجرة الدر أن يجلس أحد الأمراء المماليك على العرش لكي تحتمي بهِ، إلا أن محاولاتها بائت بالفشل، والتجأت إلى البرج الأحمر في القلعة عام 1257. ولكنها لم تنجُ بفعلتها، حيث تم القبض عليها من قبل الأمراء المناصرين لزوجها القتيل، وفرض عليها السجن المنفرد، ولاقت فيه ألواناً مختلفة من العذاب والهوان. ومن ثم تدخلت ضرتها أم علي وهي زوجة الملك المعز الأولى، وحرضت ابنها علي على قتلها انتقاماً لأبيه. وهناك مراجع أخرى تقول بأنه، تم قتلها على يد الجواري اللاتي واصلن ضربها بالقباقيب إلى أن فارقت الحياة.
وهكذا عاشت شجرة الدر، مكرمه وجليلة، ذات نفوذٍ وقوة، ولكنها ماتت ميتةٍ ذليلة ومهينه. إن سيرة شجرة الدر، مازالت تروى، وهناك العديد من النساء من تتمنى أن تقوم بشخصية شجرة الدر، وذلك لقوة نفوذها، وذكائها ودهائها ، وقدرتها العجيبة في الحكم. وقد خلد التاريخ ذكراها ، وذكر الخدمات التي قدمتها للمسلمين ومصر. إلا أن غيرتها على كبريائها وكرامتها، كانت السبب الذي دفعها لارتكاب تلك الجريمة، التي أسقطتها من قمة الشهرة وقضت عليها.

moudar
28-Mar-2011, 10:34 PM
زياد إبن أبيه
هو المغيرة زياد، أحد ولاة بني أمية الأشداء، اختلف في نسبه ولهذا قالوا: ابن أبيه ولد في السنة الأولى الهجرية، ونشأ في كنف أمه سمية التي كانت تعمل في خدمة الحارث بن كلدة الثقفي، أشهر طبيب في ذلك الزمن.
تيسرت له في صباه ثقافة حسنة، وكان على جانب كبير من الذكاء وقوة الشخصية. لما شب عمل كاتبا لأبي موسى الأشعري، فلمع في الأعمال الإدارية والسياسية، مما جعل عمر بن الخطاب يعهد إليه بكثير من المهمات. وقد حاز زياد إعجاب الناس جميعا، فقال فيه عمرو بن العاص: " لو كان والد هذا الفتى قرشيا لساق الناس بعصاه "، ويروى أن أبا سفيان قال له: " ويحك أنا والده ". لكن الأمر وقف عند هذا الحد، وبقي زياد يعاني عقدة نقص من جرّاء نسبه، رغم أنه قد عوض عن هذا النقص كثيرا في سيرته وأعماله.
في أيام علي بن أبي طالب، ولاه الإمام أمر فارس، فضبطها ضبطا صالحا وجبى خراجها وحماها. فلما قتل الإمام علي، خاف معاوية جانبه، وأشفق من ممالأته الحسن ابن علي، فكتب إليه يهدده عله يضعف أمام التهديد. ولكن زيادا رد عليه بلهجة شديدة جدا ضعف أمامها معاوية وغير لهجته في استرضائه، مستغلا فيه مركب النقص، داعيا إياه إلى التعاون معه لقاء استلحاقه بنسب أبي سفيان، والاعتراف أمام الناس بأنه أخوه من أبيه وأن له في أبي سفيان إرثا. فتريث زيادا يفكر في الأمر ثم اقتنع، وكتب إلى معاوية يستوثق منه فأعطاه معاوية كل ما سأله، واستعان به في ضبط شؤون العراق فولاه أمر البصرة والكوفة إلى أن مات سنة 673 م.

moudar
29-Mar-2011, 07:59 PM
أبو القاسم الشابي
قلة هم الشعراء الذين ما إن تشبثت جذورهم بالأرض حتى اقتلعوا منها بدون هوادة، فكانوا أشبه بالشهب التي يكفيها من الحياة أن تلمع في جبين السحب ثم تنطفئ، مرسلين في الأرض ألحان السماء، مثبتين غلبة العبقرية على الأيام. هؤلاء في الشعراء أشبه شيء بالعنادل في عالم الطير‍.
في مطلع هذا القرن ولد أبو القاسم في بلدة الشابية، في جنوب تونس. فتشبعت عيناه بجمالها الطبيعي الفتان، وإذا كان أبوه قاضيا وشيخا، فقد أخذ عنه أصول العربية والدين، ولما بلغ الحادية عشرة من عمره، أدخل إلى مدرسة دينية، وفي مدى سبع سنين تخرج شيخا مثقفا، ثم التحق بكلية الحقوق التونسية فنال إجازتها سنة 1930. إلا أن الأدب في قلبه زحم الحقوق فمال إليه واتصل بجماعة من الأدباء والمفكرين، وراح ينظم الشعر، ويكتب المقالات، ويلقي المحاضرات، وكان شديد الإعجاب والتأثر بأدب المهاجرة، وعلى رأسهم جبران، وكان شديد الإخلاص في توجيهه إلى بلاده.
تأثر جدا لوفاة أبيه سنة 1929، وتسلل المرض إلى قلبه فأسكته في عنفوان الشاب.
للشابي طائفة من الآثار أهمها ديوان "أغاني الحياة" ودراسة أدبية بعنوان " الخيال الشعري عند العرب".
وهو القائل : ( إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر )

moudar
30-Mar-2011, 08:06 PM
المقرئ الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد

التغني بالقرآن فنٌ قديم، بدأ منذ أن نزل القرآن وتلقاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذه الصحابة الكرام من النبي صلى الله عليه وسلم فخالط قلوبهم، وامتزجت به أرواحهم، وكان بعضهم ندي الصوت، عذب النغم، جميل الأداء، يؤثر صوته بالقرآن في النفس، ويطرب الأذن، ويريح الأفئدة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب سماع القرآن من هؤلاء الأفذاذ، ويثني عليهم، فيقول عن سالم مولى حذيفة وكان قارئا مجيدا: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا"، ويقول عن أبي موسى الأشعري: "إنه أوتي مزمارا من مزامير آل داود" لفرط جمال صوته، وحسن أدائه، ويجعل أبيّ بن كعب في الذروة في دنيا التلاوة، ويصفه بأنه أقرأ أمته للقرآن.
وإذا كان هذا حال بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فما بالك بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم وتلاوته للقرآن.. وأدع الصحابي الجليل "جبير بن مطعم" يصف قراءة النبي صلى الله عليه وسلم.. يقول جبير: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه، فلما سمعته قرأ: "أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون" خلت أن فؤادي قد انصدع، وكاد قلبي يطير".
وظلت تلاوة القرآن محتفظة بأصولها الموروثة، وبالأحكام التي يعرفها علماء التجويد منذ العهد النبوي، تتوارثها الأجيال بالتلقي والتلقين، دون الاقتصار على النقل من الكتب المدونة في علوم القرآن.

دولة القراءة في مصر
وشاء الله أن تتصدر مصر دولة إقراء القرآن الكريم في القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين، وتربع قراؤها على عرش الإقراء والقراءة، ولمع في هذين المجالين أعلام بررة، فبرز في خدمة كتاب الله إقراءً وتأليفا: الشيخ محمد أحمد المتولي المتوفى سنة (1313هـ= 1895م)، والشيخ محمد مكي نصر، والشيخ علي محمد الضباع المتوفى سنة (1380هـ= 1960م) والشيخ عامر عثمان العالم الثبت المتوفى سنة (1408هـ= 1988م) وغيرهم.
أما دنيا التلاوة والقراءة فقد برز من مصر مشاهير القرّاء، الذين ملئوا الدنيا تلاوة خاشعة، وقراءة تأخذ بالألباب، مع جمال في الصوت وحُسن في الأداء، وتمثّل للمعاني، وحضور في القلب، فتسمع القرآن وهو يتلى فتنساب آياته إلى قلبك، وتحيا معانيه في نفسك، كأنك تحيا فيه أو يحيا هو فيك، وحسبك أن يكون من بين هؤلاء الأعلام الشيخ محمد رفعت، ومصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، وأبو العينين شعيشع، وعبد العظيم زاهر، ومحمود خليل الحصري، ومحمد صديق المنشاوي، وكامل يوسف البهتيمي، وعبد الباسط عبد الصمد.
وقد أثّرت طريقة أداء هؤلاء في قرّاء الدنيا شرقًا وغربًا، فقلدوهم في التلاوة وطريقة الأداء، وتطريب الصوت، مع الاحتفاظ بأصول القراءة.. وشاع بين أهل العلم العبارة السائرة: "القرآن الكريم نزل بمكة وقُرِئ في مصر، وكُتب في إستانبول"، وبلغ من صدق هذه العبارة أنها صارت كالحقائق يصدقها التاريخ، ويؤكدها الواقع.

عبد الباسط عبد الصمد
ومن بين الذين لمعوا بقوة في دنيا القراءة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، حيث تبوأ مكانة رفيعة بين أصحاب الأصوات العذبة والنغمات الخلابة، وطار اسمه شرقا وغربا، واحتفى الناس به في أي مكان نزل فيه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
والشيخ عبد الباسط من مواليد بلدة "أرمنت" التابعة لمحافظة قنا بصعيد مصر سنة (1346هـ= 1927م)، حفظ القرآن الكريم صغيرا، وأتمه وهو دون العاشرة من عمره على يد الشيخ محمد سليم، ثم تلقى على يديه القراءات السبع، وكان الشيخ به معجبًا، فآثره بحبه ومودته، حيث وجد فيه نبوغا مبكرا؛ فعمل على إبرازه وتنميته، وكان يصحبه إلى الحفلات التي يدعى إليها، ويدعوه للقراءة والتلاوة وهو لا يزال غضًا لم يتجاوز الرابعة عشرة، وكان هذا مرانًا لصوته وتدريبا لأدائه.
وبدأت شهرة الشيخ في الصعيد مع إحياء ليالي شهر رمضان، حيث تُعقد سرادقات في الشهر الكريم تقيمها الأسر الكبيرة، ويتلى فيها القرآن، وكان الناس يتنافسون في استقدام القرّاء لإحياء شهر رمضان.
كما كانت موالد الأولياء الكبار في الصعيد ميدانًا للقراء، يتلون كتاب الله للزوار، وكان للصعيد قراؤه من أمثال: صدّيق المنشاوي الملقب بـ"قارئ الصعيد" وهو والد القارئين: محمود ومحمد صديق المنشاوي، والشيخ عبد الراضي، وعوضي القوصي، وقد استفاد الشيخ عبد الباسط من طرائقهم في التلاوة، كما تأثر بمشاهير القراء في القاهرة، مثل الشيخ محمد رفعت ومصطفى إسماعيل، وعلي حزين، وكان يقطع عشرات الكيلومترات ليستمع إليهم من مذياع في مقهى، وكانت أجهزة الراديو في ذلك الوقت قليلة لا يملكها كثيرون.

التألق والشهرة
قدم الشيخ عبد الباسط إلى القاهرة سنة (1370هـ= 1950م) في أول زيارة له إلى المدينة العتيقة، وكان على موعد مع الشهرة وذيوع الصيت، وشهد مسجد السيدة زينب مولد هذه الشهرة؛ حيث زار المسجد في اليوم قبل الأخير لمولد السيدة الكريمة، وقدمه إمام المسجد الشيخ "علي سبيع" للقراءة، وكان يعرفه من قبلُ، وتردد الشيخ وكاد يعتذر عن عدم القراءة لولا أن شجعه إمام المسجد فأقبل يتلو من قوله تعالى في سورة الأحزاب: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" وفتح الله عليه، وأسبغ عليه من نعمه، فكأنه لم يقرأ من قبل بمثل هذا الأداء، فجذب الأسماع، وأرهفت واجتمعت عليه القلوب وخشعت، وسيطر صوته الندي على أنفاس الحاضرين، فأقبلوا عليه وهم لا يصدقون أن هذا صوت رجل مغمور، ساقته الأقدار إليهم فيملؤهم إعجابا وتقديرا.

التقدم إلى الإذاعة
وما هي إلا سنة حتى تقدم الشيخ الموهوب إلى الإذاعة سنة (1371هـ= 1951م) لإجازته، وتشكلت لجنة من كبار العلماء، وضمّت الشيخ الضياع شيخ عموم المقارئ المصرية، والشيخ محمود شلتوت قبل أن يلي مشيخة الجامع الأزهر، والشيخ محمد البنا، وقد أجازته اللجنة واعتمدته قارئا، وذاع صيته مع أول قراءة له في الإذاعة، وأصبح من القرّاء الممتازين، وصار له وقت محدد مساء كل يوم سبت، تذاع قراءته على محبّيه ومستمعيه.
اختير الشيخ سنة (1372هـ=1952م) قارئًا للسورة في مسجد الإمام الشافعي، ثم قارئا للمسجد الحسيني خلفًا لزميله الشيخ "محمود علي البنا" سنة (1406هـ= 1985م) ثم كان له فضل في إنشاء نقابة لمحفظي القرآن الكريم، وانتُخب نقيبًا للقرّاء في سنة (1405هـ= 1984م).
وقد طاف الشيخ معظم الدول العربية والإسلامية، وسجل لها القرآن الكريم، وكانت بعض تسجيلاته بالقراءات السبع، ولا يزال يذاع في إذاعة القرآن الكريم بمصر المصحف المرتل الذي سجله بصوته العذب وأدائه الجميل، بتلاوة حفص عن عاصم، مع الأربعة العظام: الشيخ محمود خليل الحصري، ومصطفى إسماعيل، ومحمد صدّيق المنشاوي، ومحمود علي البنا، وقد استقبل المسلمون في العالم هذه التسجيلات الخمسة للقرآن بالإعجاب والثناء، ولا تزال أصوات هؤلاء الخمسة تزداد تألقا مع الأيام، ولم يزحزحها عن الصدارة عشرات الأصوات التي اشتهرت، على الرغم من أن بعضها يلقى دعمًا قويًا، ولكنها إرادة الله في أن يرزق القبول لأصوات بعض عباده، وكأنه اصطفاهم لهذه المهمة الجليلة.

وفاة الشيخ
ظل الشيخ عبد الباسط موضع عناية واهتمام في كل مكان ينزل به، وخصه الملوك والأمراء بالأوسمة والنياشين؛ تكريما له وإحسانا إلى أنفسهم قبل أن يحسنوا إليه، وتوفي الشيخ في يوم الأربعاء الموافق (21 من ربيع الآخر 1409 هـ= 30 من ديسمبر 1988م) بعد أن ملأ الدنيا بصوته العذب وطريقته الفريدة.

moudar
31-Mar-2011, 08:09 PM
قارىء القصر الملكي الشيخ مصطفى اسماعيل

هو نبوءة الشيخ محمد رفعت ...بلغت شهرته وذيوع صيته ما سبب له الكثير من المتاعب فقد عين قارئا للسورة بالجامع الازهر قبل اعتماده بالأذاعة فكانت أول سابقة بل وآخرها في تاريخ وزارة الأوقاف وذلك بأمر من القصر الملكي.

وهو من مواليد قرية ميت غزال مركز طنطا محافظة الغربية في17/6/1905 م .. كان أبوه فلاحا وقد ألحقه بكتاب القرية عندما بلغ خمس سنوات و قد استرعى انتباه شيخه و محفظه الشيخ عبد الرحمن النجار بسرعة حفظه للقرآن مع حلاوة التلاوة في هذه السن المبكرة إلا أن الطفل مصطفى إسماعيل كان كثير الهرب من الكتاب حيث يلتقي بالطفل ابراهيم الشال زميله بالكتاب أيضا ويهربا سويا ويهبا إلى قرية دفرة التي تبعد عن قرية ميت غزال بحوالي سبعة كيلومترات حتى لا يراهما أحد من أهل القرية إلا أن حظهما كان دائما عثرا وبخاصة أن الطفل مصطفى إسماعيل يعرفه كل ابناء القرية لما تتمتع به عائلته من أصالة و عراقة ولأن قرية دفرة كانت قريبة من قريتهما فقد كان أهل قرية ميت غزال يهبون لقضاء حاجياتهم وكان الناس يهبون بالطفل مصطفى إسماعيل إلى شيخه بالكتاب ويقصون عليه ما رأوه من لعبه مع زميله إبراهيم الشال فكان شيخهما يضربهما ضربا مبرحا وبخاصة الطفل مصطفى إسماعيل و يأخذه ويذهب به إلى جده الحاج إسماعيل عميد العائلة وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة فيها فيضربه هو الأخر إلى أن تاب عن الهروب من الكتاب مرة أخرى وبدأ يلتزم في الحفظ خشية العقاب من جده حتى أتم حفظ القرآن قبل أن يتجاوز الثانية عشر من عمره وبينما كان الطفل مصطفى إسماعيل يقرأ القرآن بالكتاب إذ إستمع إليه مصادفة أحد المشايخ الكبار في علوم القرآن وكان في زيارة لقريب له بالقرية فانبهر بآدائه وعذوبه صوته وسأل شيخه ومحفظه عنه وعن عائلته فذهب إلى جده وأخبره بأن حفيده سيكون له شأن عظيم إذا نال قدرا كافيا من التعليم لأحكام القرآن ونصحه بأن يذهب به إلى المسجد الأحمدي بمدينة طنطا ليزداد علما بأحكام الترتيل والتجويد والقراءات.

المهندس وحيد مصطفى إسماعيل ..كان لقاء الشيخ مصطفى إسماعيل بالشيخ محمد رفعت فاتحة خير عليه ..كيف كان هذا اللقاء ؟ ومتى ؟

كان الشيخ مصطفى إسماعيل قد ذاع صيته في محافظة الغربية وإشتهر بعذوبة الآداء وأنه صاحب مدرسة جديدة في الأسلوب لم يسبقه إليها أحد وكان له صديق يكبره سنا يحب الاستماع إليه ويشجعه يسمى القصبي بك وفي عام 1922 م علم الشيخ مصطفى إسماعيل بوفاة القصبي بك فقرر أن يشارك في مآتمه فوجد أن أهله قد إستدعوا الشيخ محمد رفعت لإحياء تلك الليلة فجلس ضيفا على دكة الشيخ رفعت والذي لم يكن يعرفه من قبل فلما انتهى الشيخ رفعت من وصلته ترك مكانه لهذا القارىء الشاب ليقرأ فانبهر الشيخ رفعت به وبقراءته وأعجب بآدائه وصوته فأرسل إليه يطلب منه أن يستمر في التلاوة ولا يتوقف حتى يأذن له هو بذلك مما زاد من ثقة الشيخ مصطفى إسماعيل بنفسه فظل يقرأ مدة تزيد على الساعة ونصف الساعة وسط تجاوب الحاضرين وإعجابهم حتى أن الناس خرجوا عن شعورهم وبدأوا يحيونه بصوت مرتفع يطلبون منه الزيادة والإعادة إلى أن أذن له الشيخ رفعت بختم وصلته ففعل فقبله وهنأه وقال له : إسمع يا بني أنا حأقولك على نصيحة إذا عملت بها فستكون أعظم من قرأ القرآن في مصر فأنت صاحب مدرسة جديدة ولم تقلد أحدا وحباك الله بموهبة حلاوة الصوت والفن التلقائي الموسيقي دون أن تدرس في معهد موسيقي وأنت مازلت صغيرا في السن ولكن ينقصك أن تثبت حفظك بأن تعيد قراءة القرآن على شيخ كبير من مشايخ المسجد الأحمدي ..فأخذ الشيخ مصطفى إسماعيل على نفسه عهدا بأن يذهب إلى المسجد الأحمدي بمدينة طنطا ليتعلم ويستزيد كما طلب منه الشيخ رفعت فالتحق بالمعهد الأحمدي وعمره لم يتجاوز الثامنة عشرة بعد.

ترك الشيخ مصطفى إسماعيل الدراسة بالمعهد الأحمدي قبل أن ينتهي من إكماله تعلمه وترك السكن الذي كان يعيش فيه مع بعض أقرانه من الدارسين معه بالمعهد دون علم جده الذي كان يتابعه من وقت لآخر ...فلماذا ترك الدراسة بالمعهد ؟ وماذا فعل جده عند علم بذلك ؟

كان الشيخ مصطفى إسماعيل نزيها يحب النظافة في المآكل والملبس والمكان الذي ينام فيه فلما إلتحق بالمعهد الأحمدي ليتعلم القراءات السبع وأحكام التلاوة إستأجر مسكنا مع بعض أقرانه الذين يدرسون معه ولما كان صوت الشيخ مصطفى إسماعيل متميزا عنهم فقد حظى بشهرة واسعة دونهم حتى أن الناس كانوا يطلبونه كثيرا لإحياء حفلاتهم وسهراتهم ويغدقون عليه بالمال الوفير فترك المسكن الذي كان يقيم فيه واستأجر حجرة في بنسيون الخواجايا بمدينة طنطا وترك الدراسة بالمعهد بعد أن تجاوز ثلثي مدة الدراسة ففتح ذلك باب الحقد عليه من زملائه وأقرانه الذين هبوا إلى جده وأخبروه بأن الشيخ مصطفى ترك الدراسة بالمعهد منصرفا إلى القراءة بالمآتم والسهرات والحفلات وترك مسكنهم ليستقل بذاته في بنسيون الخواجايا وكانت تديره سيده أجنبيه فذهب إليه جده ووجده كذلك كما أخبره زملائه فضربه بعصا كانت معه معلنا غضبه وسخطه عليه إذا لم يرجع إلى ما كان عليه وخاصة دراسته بالمعهد وحاول الشيخ مصطفى إسماعيل أن يثني جده عن رأيه فقال له : هل تحب الشيخ محمد رفعت ؟ فأجابه : نعم ..فقال : وهل تحب أن أكون مثله ؟ فرد : نعم .. فقال : دعني في طريقي الذي اخترته لنفسي وسوف أحقق لك هذا الأمل إن شاء الله وبينما هما يتحدثان إذ ببعض الرجال يدخلون عليهما الغرفة يطلبون مقابلة الشيخ مصطفى إسماعيل للإتفاق معه على إحياء سهرة لديهم فاشترط الشيخ مصطفى إسماعيل عليهم بأن يكون أجره في تلك الليلة جنيها مصريا فوافقوا ففرح جده كثيرا به وتأكد له أن لصوت حفيده عشاقا فعانقه وقبله فما كان من الشيخ مصطفى إسماعيل إلا أن أعطى جده ثلاثين جنيها وطلب منه أن يشتري له أرضا زراعية " نصف فدان " بقرية ميت غزال فشعر الشيخ مرسي أن حفيده أصبح رجلا يعتمد عليه،إذ أن من عادة أهل القرى كما يقول المهندس وحيد مصطفى إسماعيل نجل الشيخ أن من يشتر أرضا يعد من الرجال بحق، وبالفعل تركه جده وهو فخور به راض عنه ..

لعبت الصدفة .. والصدفة وحدها دوراً كبيراً في ذيوع صيت الشيخ مصطفى إسماعيل في مدينة القاهرة .. ولولا تغيب الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي عن القراءة بمسجد الإمام الحسين في حفل الإذاعة لتأخرت شهرته كثيراً .. أليس كذلك؟

قد تكون الصدفة دور في معرفة الناس من أهل القاهرة بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل ولكنه كان سيفرض نفسه لا محالة في أقرب فرصة تتاح له فصوته كان يغزو أسماع الناس في كل المحافظات التي كان يقرأ فيها، أما عن معرفة الناس به في القاهرة فتلك مصادفة بالفعل.. فقد ذهب إلى القاهرة لشراء بعض الأقمشة ليقوم بتفصيلها عند أحد الخياطين المعروفين هناك وبينما هو بالقاهرة تذكر نصيحة الشيخ محمود حشيش الذي كان يتعهده بالمعهد الأحمدي بمدينة طنطا لما وجد فيه من صوت نقي صادق معبر بأن يذهب للقاهرة ليشترك برابطة تضامن القراء بحي سيدنا الحسين ... وهناك ألتقى بالشيخ محمد الصيفي وأخبره برغبته في الإنضمام للرابطة فطلب منه الشيخ الصيفي مبلغ عشرة قروش قيمة الإشتراك فقال له الشيخ مصطفى أنها لا تكفي سأرسل إليكم جنيهاً مع بداية كل شهر ولما سأله الشيخ الصيفي عن اسمه ..أخبره ... فقال له : أنت إذن من تتحدث عنه المشايخ والقراء هنا في مصر ؟ فقال : لا أدري .. فطلب منه أن يقرأ عليه بعض آيات من القرآن فقرأ في سورة الفجر فاستعذب صوته وطلب منه أن يأتي إليه في اليوم التالي ليتيح له فرصة التعرف على كبار القراء .. فذهب إليه وكان في ذلك اليوم ستنقل الإذاعة حفلاً على الهواء من مسجد الإمام الحسين رضي الله عنه وسيحي الحفل القاريء الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي إلا أنه تخلف فما كان من الشيخ الصيفي إلا أن أجلس الشيخ مصطفى علي دكة القراءة ليقرأ فرفض المسؤلون لأنه غير معتمد في الإذاعة فقال لهم الشيخ الصيفي: دعوه يقرا على مسؤليتي الخاصة ولأن الشيخ الشعشاعي وضعهم في مأزق بتخلفه عن الحضور فقد استسلموا لطلب الشيخ الصيفي فقرأ الشيخ مصطفى في سورة التحريم لمدة نصف ساعة بدأت من الساعة الثامنة حتى الثامنة والنصف وسط إستجابة الجمهور وما أن أنتهيى من قراءته حتى أقبل عليه الجمهور يقبله ويعانقه وبينما هو يستعد لمغادرة المسجد إذ طلب منه الحاضرون بأن يستمر في القراءة فظل يقرأ بعد ذلك حتى أنتصف الليل والناس يجلسون في خشوع وإجلال لآيات الله وكان ذلك بداية تعرف جمهور القاهرة على صوت الشيخ مصطفى إسماعيل مع بداية عام 1943.

عندما أراد الملك فاروق بأن يكون الشيخ مصطفى إسماعيل قارئاً للقصر الملكي أنكر بعض القراء معرفتهم بعنوانه وقالوا أنه مقرىء مجهول .. من الذي أخبره بطلب الملك له؟ وكيف تم الوصول إليه وإلى عنوانه؟

عن طريق الشيخ محمد الصيفي رئيس رابطة القراء وقد بدأ هذا الأمر عندما أستمع الملك فاروق لصوت الشيخ مصطفى إسماعيل في الحفل الي نقلته الإذاعة من مسجد الإمام الحسين فأعجب به وأصدر أمراً ملكياً بتكليفه ليكون قارئاً للقصر الملكي فحاول محمد باشا سالم السكرتير الخاص للملك معرفة أية معلومات عن الشيخ مصطفى من الإذاعة فأخبره بعض القراء بأنه قاريء مجهول لا يعرفون عنه سوى إسمه فهب إلى الشيخ محمد صيفي الذي أخبره عن عنوانه وبينما كان الشيخ يجلس بين أهله وأولاده بقرية ميت غزال إذ به يفاجأ بعمدة القرية ومأمور المركز يقتحمان عليه بيته ويسأله مأمور المركز بأسلوب إستفزازي قائلاً: أنت مصطفى إسماعيل؟ فقال: نعم وقد ظن أنه أرتكب جرماً كبيراً دون أن يدري فسأله: ما الأمر فقال:عليك أن تذهب غداً إلى القصر الملكي لمقابلة مراد باشا محسن ناظر الخاصة الملكية بقصر عابدين فسأله الشيخ : ولماذا؟ قال: لا أدري وعليك أن تنفذ الأوامر.. فسافر إلى القاهرة في صبيحة اليوم التالي والتقى بناظر الخاصة الملكية الي هنأه بتقدير الملك لصوته وموهبته وأخبره بالأمر الملكي بتكليفه قارئاً للقصر لإحياء ليلي رمضان بقصري رأس التين والمنتزه بمدينة الأسكندرية.

بالرغم من ذيوع صيت الشيخ مصطفى إسماعيل في أنحاء مصر وخارجها إلا أن الشيخ محمد رفعت كان يعترض أحياناً على قراءته لكثرة أخطائه ونصحه بضرورة القراءة مرة أخرى على الشيخ عبد الفتاح القاضي شيخ عموم المقارىء ومعلم القراءات .. فهل كان لك يغضب الشيخ مصطفى من الشيخ محمد رفعت؟

لقد حكى لي والدي بالفعل عن لقاءاته بالشيخ محمد رفعت وكما ذكرت لك من قبل أن الشيخ محمد رفعت عندما ألتقى والدي أول مرة نصحه بأن يقرأ على أحد المشايخ الكبار بالمسجد الأحمدي بمدينة طنطا وبالفعل فقد تعهده الشيخ محمود حشيش شيخ المحفظين والمعلمين لأحكام القرآن في ذلك الوقت إلا أن الشيخ مصطفى لم يستمر في دراسته في المعهد بل تركه وتفرغ لإحياء السهرات والليال والمآتم وإنصرف عن الدراسة وعندما كانا يلتقيان هو والشيخ رفعت كان يذكره دائماً بأنه أول من تنبأ له بمستقبل عظيم في خدمة القرآن بعذوبة صوته قائلاً: الحمد لله فقد أصبحت اليوم ذو شأن عظيم وأصبخ صوتك هو الصوت المميز وصاحب المدرسة الجديدة والفريدة ولكني لازلت أنصحك بأن تراجع قراءتك على الشيخ عبد الفتاح القاضي فكان الشيخ مصطفى يفرح كثيراً بل يسعد بتوجيهات الشيخ محمد رفعت ولا يعتبرها إنتقاصاً من قدره أو نقداً له ، فهب إلى الشيخ القاضي والذي كان قد سمع عنه وأستمع إليه في الإذاعة فعشق صوته فأخذ يلازمه أينما ذهب ليبين له أوجه القصور في قراءته فبدأ يحسن من آداءه حتى أطمأن الشيخ القاضي على قراءته وطمأنه عليها فشكر له وللشيخ محمد رفعت حبهما وتقديرهما وغيرتهما عليه فكان لك من قبيل الحب في الله بينهم جميعاً.

عينته وزارة الأوقاف قارئاً لسورة الكهف بالجامع الأزهر.. فأعترض القراء المقيدون بالإذاعة ..لماذا؟

كما ذكرت حضرتك فقد زادت غيرة القراء من شهرة الشيخ مصطفى وأسلوبه الجديد الغير مقلد وحب الناس له وثقة الملك في موهبته وأخيرا تعيينه قارئا للسورة يوم الجمعة بالجامع الأزهر لأن الأذاعة كانت تنقل الصلاة من الجامع الأزهر ولم يكن قد تم اعتماد الشيخ مصطفى بالأذاعة بعد فقالوا : كيف تنقل له الإذاعة وهو غير مقيد بها وكثرت الشكاوي ضده وضد وزارة الأوقاف والمسئولين عنها وتحيزهم له فكان الشيخ يندهش من تلك الحرب ويقول : أليست قراءتي في قصر الملك والذي تنقله الأذاعة تكفي ليكون ذلك بمثابة شهادة موثقة من المسئولين بالأذاعة بأهليتي للقراءة بها .. وكان حزينا لموقف القراء منه وخاصة القدامى منهم ..فما كان من الأذاعة إلا أن أرسلت إليه وتم تحديد ميعاد لامتحانه .. فاستمع إليه أعضاء اللجنة وكان بينهم الشيخ الضباع والشيخ عبدالفتاح الشعشاعي وأجازته اللجنة قارئا بالأذاعة .

بعد أن أصبح الشيخ مصطفى قارئا للقصر الملكي أقام بفندق شبرد ..فهل كان للملك علاقة باختياره لهذا السكن ؟

كان الشيخ مصطفى نزيها منذ أن عرف الدنيا وقبل أن ينال شهرته وقد ذكرت لحضرتك أنه بمجرد أن انتقل إلى مدينة طنطا وأصبح معه بعض المال ترك المسكن الذي كان يعيش فيه مع بعض زملائه من أهل القرية وإستأجر حجرة بمفرده في بنسيون نظيف لأنه يعشق النظافة ولذا فبعد أن نال قدرا من الشهرة بمدينة طنطا كان يهب إلى القاهرة ليشتري أرقى الأقمشة ويذهب بها إلى أشهر الخياطين ليكون قارئا نظيفا وجيها لا يهمه فقط جمع المال بل يسعد نفسه بهذا المال كذلك ولذا فعندما إستقر به المقام في القاهرة عام 1944 م نزل بفندق شبرد وكان الفندق في ذلك الوقت لا يقيم فيه هذه الإقامة شبه الدائمة إلا الأثرياء أو الأجانب ولم يكن الشيخ مصطفى إسماعيل من الأثرياء ولكنه كان يتمتع بماله وكان إيجار الغرفة في الليلة الواحدة أربعة جنيهات في ذلك الوقت وهذا المبلغ يكفي لإعاشة فردا واحدا لمدة شهر كامل ولم يكن للملك فاروق أي علاقة باختياره هذا السكن ولكن إستقرار الشيخ في القاهرة والرغبة في أن يحيا حياة رغدة هو الدافع وراء ذلك.

كيف بدأت علاقته بالرئيس السادات ؟

الرئيس السادات كان يحبه كثيرا وكان يعشق صوته حتى أنه كان يقلده في أسلوب وآداء وطريقة قراءته عندما كان بالسجن وكان الرئيس السادات يتحدث عن ذلك مع والدي وقد صرح أخيرا أحد رفقاء الرئيس السادات في السجن في برنامج على الناصية للسيدة آمال فهمي يما ذكرت لحضرتك ولن أكون مغاليا إذا قلت أن الرئيس السادات وافق على تعيين القارىء الطبيب أحمد نعينع برئاسة الجمهورية عندما استمع إليه عن طريق الصدفة فوجده يقلد الشيخ مصطفى إسماعيل فأحبه السادات وعينه قارئا لرئاسة الجمهورية.

وماذا عن علاقته بالكاتب الصحفي أنيس منصور ؟

** في بداية الستينيات كان الكاتب الصحفي أنيس منصور يعد برنامجا للتلفزيون تقدمه المذيعة أماني ناشد وقد طلب أن يعد حلقة خاصة عن حياة الشيخ مصطفى إسماعيل ..ولأن الشيوعية كانت في هذه الفترة في أوج أنتشارها بمصر فقد طلب أنيس منصور من الشيخ مصطفى أن يكذب على الناس ويقول لهم أنه تربى في بيئة فقيرة وأنه كافح في حياته كفاحا مريرا حتى يثبت وجوده وأن ما به من نعمة الآن إنما جاء بعد جوع وحرمان شديدين وعند بداية التسجيل سألته المذيعة عن بداية مشوار حياته ففاجأها بقولة : الحمد لله فقد أنعم الله علي بالخير الوفير منذ نعومة أظافري وبدايه حياتي مع القرآن ولم أنم يوما واحدا على الرصيف كما طلب مني أنيس منصور أن أقول فحياتي كلها رغدة والحمد لله ولم أشعر بالذل أو الهوان يوما واحدا فأغتاظ أنيس منصور من كلام الشيخ مصطفى إسماعيل ، ولكنه وللأسف لم يتحد معه في هذا الشأن طيلة حياته إلا أنه وبعد وفاته بسبع سنوات هاجمه في الصحف وفي جريدة الأهرام ووصفة بأنه كان يعيش عصر التسيد لأن زوجته وأولاده يقبلون يده إلا أنه أعتذر بعد ذلك في مقال آخر .

قيل أن عمال شركة غزل المحلة قاموا بحمل سيارة الشيخ مصطفى إسماعيلq على أكتافهم وهو بداخل سيارته ...فهل هذا الكلام صحيحا ؟

كان ذلك عام 1958 م وكنت مصاحبا له في تلك الليلة حيث طلب منه شابان فقيران توفي والدهما الذي أوصاهما قبل وفاته أن يستدعيا الشيخ مصطفى إسماعيل ليقرأ في مآتمه فاستجاب الشيخ لهما وبينما نحن على مشارف البلدة إذا بآلاف العمال يقفون على الطريق وينتظرون وصول سيارة الشيخ ودخلنا البلدة في مظاهرة حب يفوق الوصف وأثناء خروجنا من البلدة بعد أنتهاء السهرة إذ بعمال شركة غزل المحلة يرفعون السيارة التي كنا نستقلها فوق أكتافهم تكريما للشيخ مصطفى وتعبيرا منهم عن خالص حبهم له وقد تنازل الشيخ عن أجره في تلك الليلة .

كان الشيخ مصطفى إسماعيل يحرم الأجر الذي يتقاضاه من القراءة في السهرات والمآتم ..فلماذا كان يتقاضى مقابلا لقراءته إذن ؟

في الحقيقة لقد لمست حضرتك أمرا هاما وحصلت على إقرار لم يصرح به سوى لي عن عدم رضائه عن المال الذي يحصل عليه القارىء نظير قراءته في الحفلات والسهرات فكان يقول: إن قراءة القرآن بهذا الشكل وبهذا التغالي في الأجور يجعل الله غير راضي عن تلاوتنا للقرآن ولكن ولأن هذه المهنة دخل عليها من ليسوا لها فيجب فقط أن يحصلوا على المقابل الذي يضمن الانفاق عليكم بما يضمن لكم حياة كريمة ولذا فأنا مضطر لأن أطلب فقط هذه المبالغ حفاظا على كرامتي كقارىء له كيانه بالنسبة لباقي القراء الذين يطلبون أكثر وهم ليسوا أهلا لذلك، والناس لا يقدرون قيمة القارىء إلا إذا تغالى في رفع قيمة أجرة وهذه مصيبة كبيرة نخشى عواقبها.

moudar
31-Mar-2011, 08:10 PM
ما هو آخر أجر حصل عليه الشيخ مصطفى إسماعيل ؟

أحب أن أوضح أن الشيخ مصطفى إسماعيل لم يتفق أبدا أو يشترط مبلغا معينا إلا إذا طلب منه من يدعوه أن يوضح له ذلك أما بخلاف هذا فكان يقبل أي مبلغ دون مناقشة وكان آخر أجر حصل عليه هو مبلغ ألف وخمسمائة جنيه في الليلة.

كان الشيخ مصطفى إسماعيل كثير السفر إلى الأسكندرية ويقضي فيها معظم وقته ..فما سبب ذلك ؟

كان يحب مدينة الأسكندرية ودائم التردد عليها ويذهب إليها كل أسبوع ليقضي بها يومين أو ثلاثة وكان ينزل بشقة العائلة مالم يكن هناك أي ارتباط آخر أما غير ذلك فيذهب إليها حتى في فصل الشتاء .

ماهي البلاد التي زارها وقرأ القرآن فيها؟

لقد دعي في سوريا والسعودية ولبنان والعراق وأندنوسيا وباكستان ورافق الرئيس السادات في زيارته التاريخية لمدينة القدس كما قرأ في مساجد ميونخ وباريس ولندن.

ماهي الأمنية التي توفى قبل تحقيقها؟

كان أغلى أمانيه ألا يلقى الله إلا وهو يقرأ القرآن وكان آخر ما دعى به ربه قبل وفاته بثلاث شهور اللهم لاتحرمني من التلاوة حتى ألقاك وقد تحقق له ما أراد فكان آخر شيء فعله قبل وفاته هو تلاوة القرآن الكريم في إحدى السهرات الخارجية بمدينة دمياط (...).

وكان يومه الأخيرفي الحياة هو يوم الجمعة 22 ديسمبر سنة 1978 م حيث سافر من عزبته في قرية ميت غزال الساعة التاسعة صباحا مودعا ابنته التي كانت تصطحبه هناك متجها إلى بلدة دمياط للقراءة في افتتاح جامع البحر هناك في ذلك اليوم وقبل أن يصل إلى دمياط كان يداعب سائقه كعادته وكان يقرأ يعض القرآن في السيارة ويقول السائق إن الشيخ كان حائر الأنه كان ينسى بعض الآيات القرآنية التي كان يرددها فيلتفت إلى السائق قائلا : والنبي قل لي يا محرم إيه الآية اللي بعد الآية دي ؟

وقرأ الشيخ تلاوته الأخيرة وكأنه يودع مستمعيه للأبد وبعدها طلب من السائق الرجوع إلى قريته بجوار طنطا وعند مفترق الطريق بين طنطا والمحلة الكبرى طلب منه التوجه إلى الأسكندرية وكان مرحا جدا مع محرم " السائق " وعند دمنهور طلب من السائق التوقف لشراء بعض سندوتشات فول وأكلها مع سائقه وكانت آخر ما أكل الشيخ في حياته.

توجهت السيارة إلى داره بحي رشدي في الأسكندرية وطلب من سائقه أن يضع المشمع فوق السيارة فتعجب السائق لهذا الطلب لأن الشيخ مصطفى كان يمنعه دائما من وضع هذا المشمع فوق السيارة خشية أن يتلف لونها ويلزق فيها ولما أبدى السائق دهشته قال له بالحرف الواحد " أنا مش طالع تاني يا سيدي "

دخل الشيخ منزله وطلب من خادمته وزوجها أن يجلسا معه في الصالون وظن زوج الخادمة أن الشيخ يريد طردهما من المنزل لأنها كانت أول مرة يدخل فيها زوج الخادمة المنزل وأبدى الشيخ حبه للإثنين وطلب منهما الحفاظ على المنزل وأن يشربا الشاي معه.

قالت فراشة المنزل :" وفجأة أعرب الشيخ عن سعادته يالدنيا وكان يقول أنا جالس الآن على كرسي العرش والعالم كله يصفق لي " وبدت الدهشة على وجه الخادمة والشيخ يهم بالوقوف متجها إلى الدور الأول حيث توجد غرفة نومه وسألته إن كان يريد النوم الآن وقال لها " أنا ماشي في دفنة فاطمة ( اسم زوجة فضيلة الشيخ ) لأنها ماتت " وتعجبت الخادمة (وكانت زوجته مازالت على قيد الحياة ) وعندما وصل إلى حجرة نومه جلس على السرير ينادي ابنته التي كانت معه في طنطا وقالت له الخادمة أنا اسمي " سراري " فقال لها" تعالي يابنتي شوفي إيه اللي في دماغي " وأخذ يدها بيده وحاول أن يصل بها إلى رأسه - ووقعت اليدان إلى أسفل . ظنت الخادمة أنه مرهق من السفر ويريد النوم وكان تنفسه طبيعيا ولم تعلم الخادمة بأنه أصيب بانفجار في المخ وأن الشلل قد تسلل إلى جسده فتركته نائما في غيبوبة إلى اليوم التالي حتى الساعة الثانية والنصف ظهرا وكانت تدخل عليه بين الحين والآخر وتلاحظ أنه يتنفس عاديا فتتركه نائما.

moudar
01-Apr-2011, 08:49 PM
عبد العزيز آل سعود ... من القبيلة إلى الدولة
وُلد عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل في قصر آل سعود بالرياض في (20 ذي الحجة 1297هـ = 5 ديسمبر 1880م) وحفظ بعض الأجزاء من القرآن الكريم، ودرس جانبًا من أصول الفقه والتوحيد، والتاريخ واللغة، كما تدرب على ركوب الخيل، واستعمال السيف وإطلاق النار. وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره تفتحت عيناه على تصارع أعمامه على الحكم في الوقت الذي يقترب منافسوهم من آل رشيد للاستيلاء على الرياض، وبسط سلطانهم على نجد، فتصدى لهم والده الإمام عبد الرحمن، واشترك عبد العزيز في القتال على حداثة سنه، لكن المعركة انتهت بهزيمة آل سعود، ولم يجد عبد الرحمن بدًا من الرحيل هو وعائلته عن مدينة آبائه، فتنقل بين مضارب القبائل، واجتمعت على العائلة شدة العيش وخشونته مع فقد الملك والسيادة، ثم انتهى بهم المقام عند حاكم الكويت الجديد مبارك الصباح وكان رجلاً سياسيًّا بارعًا.
كانت الكويت في تلك الفترة ميدانًا للتنافس السياسي الدولي بين الدول الكبرى، فكانت فرصة للأمير عبد العزيز ليتعرف على بعض أبعاد السياسة العالمية في المنطقة، فكان يتردد على مجالس أمير الكويت ويخالط العلماء والوجهاء، ومندوبي الدول الأجنبية.

استرداد الملك
ساءت العلاقات بين الشيخ مبارك الصباح وآل رشيد بحائل، وأراد العثمانيون القبض على مبارك وترحيله إلى الآستانة، ومدوا آل رشيد بالمال والسلاح لقتاله؛ لأنه حالف الإنجليز ووقع معهم اتفاقية حماية سنة (1317هـ = 1899م)، فوقع قتال بين آل مبارك وآل رشيد، انتهى بهزيمة الشيخ مبارك في موقعة الصريف في (26 ذي القعدة 1318هـ = 17 مارس 1901م)، ولم يتحقق هدف عبد العزيز في استرداد الرياض فانحاز هو وقلة من المقاتلين في واحة يبرين في الطرف الشمالي من الربع الخالي، فترة من الوقت، ثم اتجه بهذه القوة الصغيرة لدخول الرياض في إطار من السرية الشديدة، وكانت خطته تقوم على اغتيال عجلان أمير الرياض ثم الاستيلاء على القلعة وبعدها على الرياض، وتم له ذلك في (5 شوال 1319هـ = 15 يناير 1902م) واستسلمت الحامية الرشيدية، وكانت تلك بداية ظهور الدولة السعودية الحديثة كوريثة للدولتين الأولى والثانية.

نجد.. أولاً
تسلم عبد العزيز مقاليد الحكم والإمامة بعد تنازل والده له، وبدأ في توحيد مناطق نجد تدريجيًا، فبدأ بتوحيد المناطق الواقعة جنوب الرياض بعد انتصاره على آل رشيد في بلدة الدلم القريبة من الخرج، وبلدة السلمية، فدانت له الجهات الجنوبية، ورحل ابن رشيد إلى جهات الشمال، ثم توجه عبد العزيز إلى منطقة الوشم (في نجد الشمالية) واستولى على مقاطعات الوشم وسدير والمحمل وضمها إلى دولته الناشئة وخاض عدة معارك طاحنة ضد آل رشيد وحلفائهم من العثمانيين منها وقعة الفيضية في (18 ذي الحجة 1321هـ = 10 مارس 1904م) والبكيرية ثم الشنانة في (18 رجب 1322هـ = 29 سبتمبر 1904م) التي تعتبر من المعارك الحاسمة لابن سعود، حيث قدم العثمانيون لابن رشيد دعمًا عسكريًا ضخمًا تمثل في ثماني فرق تركية ورغم ذلك انتصر عليهم ابن سعود، وهو ما شكل كارثة للأتراك، حيث استولى على القصيم لكنه تركها واتجه إلى قطر لنجدة شيخها ضد خصومه، فانتهز ابن رشيد الفرصة لاستعادة القصيم إلى سلطانه، فعاد إليها عبد العزيز مسرعًا والتقى الجانبان في معركة فاصلة هي روضة مهنا في (17 صفر 1324هـ = 14 إبريل 1906م) انتهت بمقتل "ابن رشيد" وسيطرة ابن سعود على منطقة القصيم الحيوية بعدما جلت عنها القوات التركية وبذلك انتهى النفوذ العثماني في سائر نجد، وأصبح هو صاحب النفوذ فيها ما عدا منطقة حائل وما يحيط بها إذ ما زال يسيطر عليها آل رشيد.

الاستيلاء على الأحساء
كانت الأحساء منذ دخلها العثمانيون مسرحًا للفتن والاضطرابات، فاستغل عبد العزيز ذلك بالإضافة إلى سخط الأهالي لاستعادة السيطرة السعودية عليها، فدخلتها القوات السعودية في (جمادى الأولى 1331هـ = إبريل 1913م) واستعادت أملاكًا فقدتها قبل اثنين وأربعين عامًا، وتمتعت الأحساء بأهمية خاصة لابن سعود باعتبارها منفذًا هامًا على البحر، كما أنها غنية باللؤلؤ، وطول السواحل، ومكنت الدولة الوليدة من الحصول على مورد مالي منظم بواسطة الرسوم الجمركية، وعززت هذه القوات بما استولت عليه من أسلحة من الأتراك، وجعلت السعوديين يتصلون مباشرة بالسياسة الإنجليزية.

عبد العزيز والحرب العالمية الأولى
كان عبد العزيز هو الحاكم الوحيد الذي لا يخضع لسلطة أجنبية في شبه الجزيرة العربية عندما نشبت الحرب العالمية الأولى، وكان أكبر أمير في العرب يملك رقعة من الأرض، إذ تمتد سيطرته على ثلث مليون كيلو متر مربع ورغم ذلك فقد كان محصورًا بين الضغطين العثماني والإنجليزي خاصة بعد استيلائه على الأحساء والقطيف حيث اقترب من طريق المواصلات الإنجليزية إلى الهند، كما صار مجاورًا للعراق بلاد الدولة العثمانية، ولم يكن في استطاعته مواجهة الحرب على جبهتين في وقت واحد، فبدأ يستغل هذه التناقضات الدولية لتحقيق مصلحته ورغبت بريطانيا في إشراكه في الحرب ضد العثمانيين بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، إلا أنه حرص على البقاء على الحياد قدر استطاعته رغم موقفه المعادي للأتراك، ووقَّع الإنجليز معه اتفاقية دارين في عام (1334هـ = 1915م) التي نصت على أن يقف بجانب بريطانيا، لكنه لم يلزم نفسه بالدخول في العمليات العسكرية، واعترف الإنجليز بسلطانه وملكه على نجد والأحساء، فكانت المعاهدة خطوة تكتيكية منه ليواجه الإنجليز والعثمانيين معًا، بعدما عمل على عدم ربط مصيره بأي من أطراف تلك الحرب الدولية.

ضم عسير وحائل
رأى الإنجليز ضرورة التخلص من آل رشيد؛ لأنهم وقفوا إلى جانب العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، لذلك حرضوا "ابن سعود" على قتالهم وأمدوه بالمساعدة، فتحرك بجيشه نحو منطقة جبال شمر في (1236هـ = 1918م) وانتصر على "ابن رشيد"، ثم تجدد القتال بعد ذلك بين الجانبين، فتقهقر "ابن رشيد" إلى عاصمته حائل، فحاصرتهم الجيوش السعودية ثلاثة أشهر حتى تم التسليم النهائي في (29 صفر 1340هـ = 2 نوفمبر 1921م) وعاملهم "ابن سعود" معاملة كريمة وتصاهرت الأسرتان.
أما مقاطعة عسير التي تقع بين الحجاز واليمن وكانت تخضع لآل عائض، فقد تمكن "ابن سعود" من ضمها إلى دولته الفتيه في (1341هـ = 1923م).

النزاع السعودي-الهاشمي
كان الشريف حسين –حاكم الحجاز- يكن كراهية شديدة لابن سعود، لأنه يقف بعناد أمام مطامحه وآماله كملك للعرب، لذلك كان كثيرًا ما يتعاون مع أعدائه ويمدهم بالمال والسلاح لقتاله، فساند آل رشيد وآل عائض، لذا كانت العلاقات بينهما متوترة للغاية، ولم تفلح وساطات الإنجليز في تخفيف حدة العداء بينهما، ولم يكن يفصل بين نجد والحجاز سوى جبل حضن الذي تقع فيه قرية الخرمة وتربة التي اختلف عليهما العاهلان، فاحتلها الشريف حسين بدعم من وزير الخارجية البريطاني كيرزون، أما حكومة الهند التابعة للإنجليز فكانت تؤيد "ابن سعود"، ومالت الأجهزة البريطانية إلى التحزب لآرائها، غير أن العلاقة بين الشريف حسين والإنجليز تصدعت مع إعلان الحسين نفسه خليفة للمسلمين دون التشاور مع الإنجليز الذين كانوا يريدون القضاء على فكرة الخلافة إلى الأبد، فمالت الكفة لصالح ابن سعود ونجحت القوات السعودية في الاستيلاء على تربة بعد الانتصار على الهاشميين وبذلك أصبح الطريق مفتوحًا إلى باقي المدن الحجازية، فاستولى السعوديون على الطائف في (صفر 1343هـ = سبتمبر 1924م)، ثم واصلوا سيرهم وانتصروا على الهامشيين في وقعة "الهدا"، فأصبح الطريق مفتوحًا إلى مكة، فدخلوها محرمين بالعمرة منكسي الأسلحة في (17 ربيع أول 1343هـ = 16 أكتوبر 1924م) ثم واصلت القوات السعودية سيرها فدخلت ميناء رابغ وقنفذة وينبع، واستسلمت حامية المدينة المنورة.
وبدأ الخناق يضيق على الشريف حسين وكانت حماسة الإخوان (قوات ابن سعود) سببًا هامًا في التفوق على الهاشميين رغم كثرة أسلحتهم وحداثتها، يضاف إلى ذلك حياد بريطانيا التي لم تقدم أية مساعدة إلى حليفها السابق الشريف حسين، فعندما رأت انهياره السريع تركته ينهار لتسدل الستار على شخصه وملكه، وكان أقصى ما قدمته له هو أن توسطت لدى ابن سعود لعقد صلح، ينص على استسلام الشريف ومغادرته البلاد، وبذلك انتهى حكم الأشراف في الحجاز، ونودي بعبد العزيز ملكًا على نجد والحجاز في (15 جمادى الثانية 1345هـ = 10 يناير 1926م) وأصبح لقبه الجديد "ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها" واعترف به السوفييت وبريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا ثم عقد معاهدة جدة في (1346هـ = 1927م) وألغى معاهدة دارين وتحقق الاستقلال الكامل لبلاده ولقبه الإنجليز بـ"نابليون الجزيرة العربية".

توطين البدو
قام عبد العزيز بأول مشروع من نوعه لتوطين البدو في العالم العربي، إذ كان يرى أن الهجر (القرى) وسيلة هامة للقضاء على النزعة القبلية، لذلك عمد إلى تغيير الوظيفة الاقتصادية للبدو، فجعلهم يعتمدون على الزراعة بدلاً من الرعي، حتى يضع حدًا للبداوة والفوضوية التي كانت تجنح إليها القبائل، وكان يرى أن مستقبل الجزيرة العربية يتوقف على نجاح هذا المشروع، لذلك أحاطه بالصمت خوفًا عليه من الإنجليز والأشراف في الحجاز الذين كانوا ينظرون إليه بعين الشك والريبة.
وكان المشروع في حقيقته ذا أبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية حيث كانت تلك الهجر وسيلة لتعليم البدو أصول دينهم وغرس الحماسة الدينية في نفوسهم وتدريبهم على الفروسية وفنون القتال وتوجيه البدوي لطاعة الدولة والإمام أولاً قبل القبيلة، ونجح الملك في توطين أعداد كبيرة من البدو مستخدمًا في ذلك أساليب سياسية مختلفة تفصح عن عقل واعٍ، وإدراك كامل بالأحداث التي تدور حوله، ومن ذلك استخدامه للعطايا والهدايا والأموال لبعض شيوخ القبائل حتى لا يعارضوا مشروعه، كما أنه تمتع بمرونة كبيرة في تطبيقه فسمح لكل قبيلة كبيرة أن يبقى قسم من أفرادها في الصحراء يعملون في الرعي، أما الباقون فيرسلون إلى الهجر للقيام بأعمال الزراعة، وواجه بحسم بعض القبائل التي حاربت مشروعه وثارت ضده، وكان يقول: "إني أريد تطوير نزعة العرب الفطرية إلى الحرب، حتى يشعروا أنهم أعضاء جماعة واحدة". وكفل هذا المشروع له تنظيم قوة عسكرية من القبائل المختلفة ذات تدريب عال وحماسة شديدة، من الممكن أن تحشد خلفه (76) ألف مقاتل في حالة النفير العام، ليصبح أكبر قوة عسكرية في الجزيرة العربية.

إعلان المملكة العربية السعودية
عندما استولى عبد العزيز آل سعود على الحجاز وضمها إلى دولته، وضع التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية ونشرها في الجريدة الرسمية في (1345هـ = 1926م)، ثم أنشأ مجلس الشورى بعد ذلك بعدة أشهر وأسند رئاسته إلى ابنه فيصل، ومع اتساع الدولة، رأى توحيد المملكة في اسمها بدلاً من لقب ملك الحجاز ونجد وملحقاتها واستقر الرأي على اختيار اسم المملكة العربية السعودية وأصدر مرسومًا بذلك في (17 جمادى الأولى 1351هـ = 18 سبتمبر 1932م)، واشتركت المملكة في هيئة الأمم المتحدة كعضو مؤسس، وكذلك في الجامعة العربية التي قال فيها: "إنها لسان العرب ويجب على العرب أن يلتفوا حولها".
وقام بعدة إصلاحات هامة داخل المملكة فسعى للقضاء على الخلافات بين القبائل، واعتنى بشؤون الحجيج وتوسعة الحرمين الشريفين، وأنشأ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجه عناية خاصة للتعليم ففتح المدارس النظامية والمعاهد واستقدم لها المدرسين والأساتذة من الخارج، وأرسل البعثات التعليمية للخارج، وطبع كثيرًا من الكتب الثقافية والدينية والعلمية، وأعفى جميع الكتب اللازمة للتعليم من الرسوم، واهتم بالشؤون الصحية، وسعى للاستفادة من وسائل المدينة الحديثة –رغم معارضة بعض المتشددين- فوضع نواة للطيران، ومد خطوط التليفون والراديو، وافتتحت في عهده محطة الإذاعة السعودية، واستخرج النفط في عهده بكميات كبيرة، وبدأ التنافس الأمريكي-البريطاني لتوطيد العلاقات النفطية مع المملكة والذي حسم لصالح الأمريكيين والذي بلغ أوجه بإنشاء شركة البترول العربية-الأمريكية "أرامكو"، ومع تزايد الثروة النقدية أنشأ مؤسسة النقد العربي السعودية وضربت العملة السعودية (الريال).

وفاته
حكم الملك عبد العزيز آل سعود –رحمه الله- قرابة نصف القرن، توحدت خلالها الجزيرة العربية وانتشر الأمن في ربوعها، وانتقلت من حالة الفوضوية إلى النظام والمجتمع المترابط، وكان لهذه القوة والطاقة البشرية الكبيرة التي تفتحت عيناها على الصراعات، وخاضت عشرات الحروب والمعارك وخاضت غمار السياسة ودهاليزها هذا الزمن الطويل بعزم قوي أن تمر عليها عاديات الزمن فأصيب الملك بتصلب الشرايين وعاودته بعض نوبات المرض، فانتقل إلى الطائف، وهناك كان القدر المحتوم، فتوفي صباح يوم الإثنين (2 ربيع الأول 1374هـ = 9 نوفمبر 1953م) ونقل جثمانه إلى الرياض حيث دفن بمقبرة آل سعود.

moudar
02-Apr-2011, 10:41 PM
الملك حسين بن طلال

ولد الملك الحسين بن طلال حفيد الملك عبد الله بن الحسين في عمّان عام 1935، وتلقى تعليمه الأولي في عمان ثم الإسكندرية ثم سافر إلى بريطانيا للالتحاق بكلية ساند هيرست العسكرية عام 1950.



الحسين ملكاً

وفي عام 1951 اغتيل جده الملك عبد الله في القدس وكان برفقته، فتولى الملك والده الملك طلال بن عبد الله، ولكنه أعفي من منصبه بناء على تقرير طبي يقرر عدم قدرته على إدارة المملكة، وأصدر مجلس الأمة قرارا بتولية الأمير حسين بن طلال ملكًا على الأردن مع تعيين مجلس وصاية على العرش إلى حين بلوغ الملك الجديد سن الرشد.

تزوج من الأميرة دنيا عبد الحميد وأنجب منها الأميرة عالية، ثم تزوج الأميرة منى غاردنرز وهي ابنة ضابط بريطاني كان يعمل في الأردن، وأنجب منها الأمير عبد الله الذي أصبح ملكا على الأردن عقب وفاة والده والأمير فيصل والأميرة عائشة والأميرة زين. ثم تزوج من الملكة علياء طوقان وأنجب منها الأمير علي والأميرة هيا. ثم تزوج من الملكة نور التي أنجبت له الأمير حمزة ولي العهد والأمير هاشم والأميرة راية والأميرة إيمان.

عمل الملك الأردني الشاب على تخليص الجيش من العناصر الأجنبية، فأبعد الجنرال البريطاني غلوب قائد الجيش الأردني عام 1955، وأعلن عام 1957 إنهاء الانتداب البريطاني على الأردن استنادا إلى معاهدة 1948.

الاتحاد العربي الهاشمي

أنشأ الملك الحسين عام 1958 مع ابن عمه الملك فيصل بن غازي ملك العراق اتحادا عرف آنذاك بالاتحاد العربي الهاشمي، لكنه لم يستمر طويلا فقد انهار فور قيام ثورة 14 يوليو/ تموز سنة 1958 في العراق.

هزيمة 1967

وقع الملك حسين على إنشاء حلف دفاعي مع مصر أوائل عام 1967 بعد أن طلب رئيسها الأسبق جمال عبد الناصر سحب القوات الدولية المتمركزة على الحدود المصرية الإسرائيلية، وتصالح مع منظمة التحرير الفلسطينية. لكن الأحداث تتابعت بسرعة مذهلة، فشنت إسرائيل هجوما على مصر وسوريا والأردن أسفر عن ضياع سيناء المصرية والجولان السورية والضفة الغربية من الأردن بما فيها القدس، ونجم عن تلك الهزيمة تدفق مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى الأردن.

مشروع النقاط الستة

أعلن الملك حسين مشروعا للسلام مع إسرائيل عرف فيما بعد بمشروع النقاط الستة، ففي 10/4/1969 اقترح أمام نادي الصحافة الوطني في واشنطن خطة من ست نقاط، وذكر في ذلك اللقاء بأنه لا يطرحها باسمه فحسب وإنما أيضا باسم الرئيس المصري جمال عبد الناصر وبتفويض منه. وتستند الخطة إلى قرار مجلس الأمن 242 الصادر في 22/11/1967 وتهدف إلى إقامة سلام عادل ودائم على أساس انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حزيران 1967 وتنفيذ جميع بنود قرار مجلس الأمن الأخرى.

وبعد إعلان الملك حسين مشروعه بيومين رفضته رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير، وأصدرت معظم المنظمات الفدائية الفلسطينية بيانا مشتركا في 15/4/1969 أعلنت فيه رفضها لمشروع السلام بعد أن رفضت إسرائيل قرار 242.

أحداث أيلول الأسود

وقعت اشتباكات عنيفة بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية التي كانت تتخذ لها من الأردن قواعد عسكرية ومكاتب إدارية وسياسية وإعلامية عرفت باسم أحداث أيلول الأسود عام 1970 وأدت إلى خروج المقاومة الفلسطينية المسلحة من الأردن إلى لبنان.

المملكة العربية المتحدة

أعلن الملك حسين في 15/3/1972 عن مشروع بإقامة المملكة العربية المتحدة، وذكر في ذلك المشروع أنه يعتزم تغيير اسم المملكة الأردنية الهاشمية إلى المملكة العربية المتحدة على أن تتكون من قطرين: الأول فلسطين ويضم الضفة الغربية وأي أراض فلسطينية أخرى يتم تحريرها ويرغب أهلها في الانضمام إلى المملكة المقترحة، والثاني هو الأردن ويتكون من الضفة الشرقية. وتكون عمان عاصمة مركزية للمملكة والقدس عاصمة لفلسطين. ورئيس الدولة هو الملك، ويتولى السلطة القضائية محكمة عليا مركزية وقوات مسلحة واحدة قائدها الأعلى هو الملك، ويتولى السلطة التنفيذية في كل قطر حاكم عام من أبناء القطر نفسه. وينتخب أهالي كل قطر مجلسا تشريعيا.

وقد رفضت منظمة التحرير الفلسطينية هذا المشروع واعتبرته مؤامرة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، ومحاولة لسلب المنظمة أهليتها باعتبارها ممثلا للشعب الفلسطيني. وقد تميزت علاقة الملك حسين بمنظمة التحرير الفلسطينية بالتوتر، فلم يعترف بها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني كما نص قرار القمة العربية عام 1964، وظلت هذه الحالة حتى عام 1974.

فك الارتباط مع الضفة

أصدر العاهل الأردني قراره التاريخي عام 1988 بفك الارتباط القانوني والإداري بين الأردن والضفة الغربية تمهيدا لإعلان الدولة الفلسطينية.

معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية

شارك الأردن في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 والذي انبثقت عنه مفاوضات متعددة الأطراف، وتوصل الطرفان الأردني والإسرائيلي إلى التوقيع على معاهدة سلام بين الدولتين عرفت باسم اتفاقية وادي عربة عام 1994 التي نصت على اعتراف الأردن رسميا بإسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية وأمنية واقتصادية بينهما، وتخطي الحواجز النفسية وصولا إلى تطبيق قراري مجلس الأمن 242 و338.

مرض ووفاة



أصيب الملك حسين بمرض السرطان عام 1992 وكان يتلقى العلاج بانتظام في الولايات المتحدة، وقد اشتد عليه المرض عام 1998 وأمضى فترة طويلة في الولايات المتحدة للعلاج، وقبيل وفاته عاد إلى عمان عام 1999 ليصدر قرارا بعزل أخيه الأمير الحسن بن طلال من ولاية العهد التي ظل محتفظا بها منذ عام 1965 وعهد بها إلى ابنه الأكبر الأمير عبد الله. وتوفي الملك حسين بن طلال في السابع من شباط 1999 عن عمر يناهز 64 عاما قضى منها 47 عاما ملكاً للأردن.

moudar
03-Apr-2011, 12:24 PM
أديب الشيشكلي

هو أديب بن حسن الشيشكلي، ولد عام1909 في مدينة حماه في سورية، من عائلة كبيرة ومعروفة، نشأ فيها وتخرج بالمدرسة الزراعية في سلمية، ثم بالمدرسة الحربية في دمشق، تطوع في جيش الشرق الفرنسي، ثم انتقل مع غيره من الضباط إلى الجيش السوري، شارك في معركة تحرير سورية من الفرنسيين سنة 1945، ثم كان على رأس لواء اليرموك الثاني بجيش الإنقاذ في فلسطين سنة 1948، اشترك مع حسني الزعيم في الانقلاب الأول في (30 آذار/1949)، لكنهما اختلفا فصرفه الزعيم من الخدمة، كما اشترك مع الحناوي في الانقلاب الثاني في (14 آب/1949) والذي عينه قائداً للواء الأول برتبة عقيد، لكن الشيشكلي لم يحقق في الانقلابين طموحه الشخصي، فهو مغامر يتطلع إلى السلطة ويبحث عن سلم يوصله إلى قمتها بأسلوب بارع ومقبول من الجماهير. له شقيق هو النقيب صلاح الشيشكلي عضو في الحزب القومي السوري الاجتماعي، وبحكم هذا الواقع ارتبط الشيشكلي بصلات قريبة مع العقيد أمين أبو عساف والنقيب فضل الله أبو منصور اللذين ساهما في اعتقال سامي الحناوي، ومهدا الطريق لأديب الشيشكلي المسيطر على مجلس العقداء، لمنازعة رئيس الدولة هاشم الأتاسي على السلطة، حيث أصدر الشيشكلي في صباح (19 كانون الأول/1949) بلاغاً بتوقيعه، أكد فيه إقصاء سامي الحناوي وأسعد طلس عن القيادة، لتآمرهم على سلامة الجيش وكيان البلاد ونظامها الجمهوري.

عُرف عهد الانقلاب الثالث بعهد الحكم المزدوج (أديب الشيشكلي وهاشم الأتاسي)، ولما كان الشيشكلي عضواً في مجلس العقداء ومسيطراً عليه فقد حل هذا المجلس وألّف بديلاً عنه مجلساً أسماه المجلس العسكري الأعلى.

وهكذا دخلت البلاد في عهد الانقلاب الرابع. ففي ليل 31 تشرين الثاني/1951 تمت خطوة الشيشكلي الحاسمة في الطريق إلى الحكم إذ اعتقل رئيس الوزراء معروف الدواليبي وزج به وبمعظم أعضاء وزارته في السجن، واعتقل رئيس مجلس النواب وبعض النواب، فما كان من رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي إلا أن قدم استقالته. بعد ذلك أذيع البلاغ العسكرية رقم (1) بتاريخ (2 كانون الأول/1951) جاء فيه (إن المجلس الأعلى بناء على استقالة رئيس الجمهورية وعدم وجود حكومة في البلاد يأمر بما يلي:-
يتولى رئيس الأركان العامة ورئيس المجلس العسكري الأعلى مهام رئاسة الدولة، ويتولى كافة الصلاحيات الممنوحة للسلطات التنفيذية.
تصدر المراسيم اعتباراً من (2 كانون الأول/1951) من رئيس الأركان رئيس المجلس العسكري الأعلى.

كتب مراسل مجلة (آخر ساعة) المصرية محمد البيلي بتاريخ 10/2/1951مقالاً جاء فيه: (... شيء واحد يجب أن لا يغيب عن البال: أن العقيد أديب الشيشكلي هو الرجل الحديدي في سورية، لقد استطاع أثناء هيمنته على المدنيين أن يتخلص من مناوئيه، فدبر اغتيال العقيد محمد ناصر قائد سلاح الطيران على يد العقيد إبراهيم الحسيني، ثم اغتيل سامي الحناوي في لبنان وأخيراً نفي العقيد إبراهيم الحسيني رئيس المكتب الثاني إلى باريس.. و..و.. وهكذا فرط الزعيم عقَد مجلس العقداء، وبات يحكم البلاد عبر حفنة من الملازمين الأوائل، بينما فُرضت الرقابة العسكرية على جميع الضباط المناهضين للشيشكلي).

انصب اهتمام الشيشكلي نحو ترسيخ جذور الانقلاب الرابع في البلاد عبر حكم عسكري مباشر واجهته الزعيم (فوزي سلو) بعد تعيينه رئيساً للدولة وحقيقته العقيد أديب الشيشكلي رئيس الأركان، وأصدر مرسوماً بحل البرلمان، وآخر بتولي الأمناء العامين في الوزارات صلاحية الوزراء، ريثما يتم تشكيل حكومة جديدة. كما أصدر مرسوماً آخر بإلغاء جميع الأحزاب السياسية، وآخر بتوحيد الصحف وجعلها أربعة صحف تصدر في دمشق وحمص وحلب والجزيرة.

استمر الحكم العسكري المباشر بقيادة العقيد أديب الشيشكلي مدة ستة اشهر، وخلال هذه المدة أراد الشيشكلي الرد على الحملات العربية، ومعارضة الأحزاب والسياسيين لانقلابه بتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في البلاد، للبرهان على أن ما حققه العسكريون خلال ستة أشهر لم يحققه السياسيون خلال ست سنوات منذ الجلاء. فقد صدر عن رئيس الدولة (257) مرسوماً، تناولت تنظيم الحياة الداخلية في البلاد، فبدأت هذه المراسيم بقانون إلغاء الأحزاب وقانون جمع الصحف، وقانون منع انتماء الطلاب والمعلمين والموظفين والعمال إلى الأحزاب السياسية أو الاشتغال بالسياسة، وصدر قانون لتنظيم الشؤون المالية اعتمد على مبدأ فرض الضرائب التصاعدية والتخفيف قدر الإمكان من الضرائب غير المباشرة التي تقع على كاهل ذوي الدخل المحدود، وأُلغيت الرقابة على النقد الأجنبي فسمح باستيراده بينما منع خروج النقد المحلي، وصدر قانون الإصلاح العقاري لتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وآخر للإصلاح الزراعي يقضي بتوزيع أملاك الدولة على الفلاحين ممن لا أرض لهم، وباشرت الدولة بتوزيع 5 ملايين هكتار على 50 ألف أسرة فلاحية بهدف توطين ربع مليون نسمة.

وبدأت الدولة خططاً لتنفيذ مشاريع الري الكبيرة في البلاد، وأبرزها مشروع تجفيف الغاب، ومشروع اليرموك، وبدأت مفاوضات مع مصرف الإنشاء والتعمير الدولي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة لتمويل خطة الدولة لري 120 ألف دونم، وتوطين 25 ألف أسرة، وقطعت الدولة شوطاً في تنفيذ مشروع مرفأ اللاذقية لتفريغ 800 ألف طن من البضائع سنوياً، ووضعت خطة خمسية لإنجازه، بالإضافة إلى مشاريع الكهرباء وإنارة الريف.

كما أولت الدولة اهتماماً خاصاً بالجيش لزيادة قدراته وتزويده بالأسلحة الحديثة. فاشترت ثلاث سفن حربية فرنسية، وعقدت صفقة لشراء طائرات نفاثة مقاتلة بريطانية ، وأجرت اتصالات مع الولايات المتحدة للحصول على الدبابات والمدفعية، وشجعت أجهزة الإعلام التي تنادي بتجنيد النساء في صفوف القوات المسلحة.
وعلى الصعيد الأمني، شهدت البلاد حالة من الهدوء والطمأنينة. انخفضت نسبة الجرائم وحوادث السرقة والسطو، بينما سارت أمور وزارات الدولة بإشراف الأمناء العامين سيراً حسناُ، وأعلم الشيشكلي مندوبي الدول العربية والأجنبية أن لا حاجة لحصول انقلابه على اعتراف جديد وأنه يكتفي بالاعتراف القائم.

حقق الشيشكلي استقراراً داخلياً لم تشهده البلاد من قبل، ولإزالة طوق العزلة العربي الذي فُرض على نظامه، شن سلسلة من التصريحات ضد إسرائيل، وصلت حد التهديد بشن حرب ضدها، وقال في أحد تصريحاته: (إن الطريق من دمشق إلى الخليل سيكون سالكاً أمام الجيش السوري).

عندما شعر الشيشكلي بتعاظم المعارضة الداخلية لنظامه العسكري، أصدر مرسوم تشكيل وزارة في (6 حزيران/1952) وأعلن بعد تشكيل الوزارة بأن الجيش سيدعم مشاريع الحكومة دون التدخل بشؤونها، وأكد بأن هذه الحكومة مؤقتة مهمتها إيصال البلاد إلى الانتخابات النيابية في إطار قانون جديد للانتخابات يفتح السبيل أمام تمثيل حقيقي للشعب.

اعتمد الشيشكلي على أنصاره من الحزب القومي السوري، ودعا إلى تأسيس حزب جديد باسم (حركة التحرير العربي) حتى يكون الحزب الوحيد في البلاد استعداداً لخوض الانتخابات، وبعد الإعلان عن تأسيسه، بدأ الشيشكلي عقد اجتماعات جماهيرية لإلقاء الخطب الطنانة التي تلهب حماس الجماهير وتجعل تحرير فلسطين في متناول اليد. ولما اطمأن إلى قاعدته الجماهيرية وجهازه الإعلامي، التفت لتنظيم جهاز القمع، وبدأت حملة الاعتقالات والتعذيب ضد كل من يعارض العقيد شملت الطلاب والمدرسين ورجال السياسة وقادة الأحزاب والأقلام الحرة، وعندما شعر الشيشكلي بأن الساحة خلت له ولحزبه دعا إلى إجراء الانتخابات النيابية في (10 تموز/1953)، وفاز حزب التحرير العربي بـ 83 مقعداً، وبعد أن وضع دستوراً جديداً للبلاد، انتخب رئيساً للجمهورية طبقاً لأحكام هذا الدستور، وهكذا مهد لمرحلة فرض الديمقراطية من خلال الديكتاتورية العسكرية. أما قيادة الأحزاب السياسية المعارضة فقد ألّفت جبهة شعبية معارضة تصدت لسياسة الشيشكلي عبر المظاهرات الطلابية والعمالية والفلاحية، وبدأت معركة المعارضة في دمشق بإلقاء المتفجرات، وأًعلن العصيان في جبل الدروز، فقاومه الشيشكلي بالدبابات والطائرات، فزاد من النقمة على النظام، ثم تنادى السياسيون من الأحزاب والهيئات إلى عقد اجتماع في حمص لعقد (ميثاق وطني) فيما بينهم، ووجهوا إنذار إلى الشيشكلي لإعادة الأوضاع الدستورية والإفراج عن المعتقلين السياسيين ووقف الحرب الأهلية في جبل العرب. وكان رد العقيد على الإنذار باعتقال كل من وقع عليه، وشهدت البلاد حالة من الاضطراب والمظاهرات الطلابية، قاومها رجال الأمن بالعنف والقنابل المسيلة للدموع، وعطلت الدراسة في المدارس، وعمت المظاهرات المدن السورية وهي تنادي بسقوط الديكتاتورية وإلغاء البرلمان، وعودة الحياة الدستورية إلى البلاد، فكانت التمهيد الشعبي المناسب لإسقاط الشيشكلي وبدء الانقلاب الخامس.

ولما شعر الشيشكلي بأن زمام الأمور أًفلت من يده، كلف أحد أعوانه بالاتصال مع الحكومة اللبنانية لقبوله كلاجئ سياسي ثم اتخذ ترتيبات مغادرته لسورية وسطر كتاب استقالته وسلمه للزعيم شوكت شقير، وتوجه إلى بيروت في 25 شباط/ 1954 ناجياً بنفسه إلى المملكة العربية السعودية حيث ظل لاجئاً إلى أن توجه سنة 1957 إلى فرنسا، وحُكم عليه غيابياً بتهمة الخيانة فغادر باريس سنة 1960 إلى البرازيل حيث أنشأ مزرعة وانقطع عن كل اتصال سياسي، إلا أن شخصاً مجهولاً يُظن أنه من رجال الدروز فاجأه في شارع ببلدة سيريس في البرازيل وأطلق عليه النار فقتله.

moudar
04-Apr-2011, 03:41 PM
حسني الزعيم

هو حسني ابن الشيخ رضا بن محمد بن يوسف الزعيم. ولد في حلب عام 1897، كان والده مفتياً في الجيش العثماني، وكان فاضلاً من رجال العلم، استشهد في هجوم على قناة السويس في الحرب العالمية الأولى سنة 1915. أما والدته فكردية، وله شقيقان: الأول الشيخ صلاح الزعيم والثاني بشير الزعيم.

درس حسني الزعيم في المدرسة الحربية بالأستانة، وقبل أن يتم دراسته جُعل من ضباط الجيش العثماني، اعتقله البريطانيون في الحرب العالمية الأولى. ثم تطوع في الجيش الفيصلي الذي دخل دمشق وحارب العثمانيين، وفي عهد الانتداب الفرنسي تطوع في الجيش الفرنسي، وتابع علومه العسكرية في باريس. بعد وصول قوات فيشي إلى سورية انقلب على الديغوليين، وحارب ضدهم، وفي عام 1941 اعتقله الديغوليون، وأُرسل إلى سجن الرمل في بيروت حتى 17 آب 1943، حيث أُفرج عنه، وسُرح من الجيش وهو برتبة كولونيل (عقيد).

منذ عام 1945 ظل يتردد على السياسيين وأعضاء مجلس النواب لإعادته إلى الجيش، فتعرف على رئيس تحرير صحيفة (ألف باء) نذير فنصة، الذي توسط له وأعاده إلى الجيش، فعين رئيساً للمحكمة العسكرية في دير الزور، ثم انتقل إلى دمشق مديراً لقوى الأمن. وفي أيلول 1948 أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً بتعيين الزعيم قائداً للجيش بعد ترفيعه إلى رتبة زعيم.

تطورت العلاقة بين الزعيم ونذير فنصة، بعد زواج الزعيم من شقيقة زوجته. عرف عنه إدمانه على شرب الخمر، ولعب القمار، وحب الظهور والمغامرة بصورة مسرحية ملفتة للانتباه، أصيب بمرض السكري الذي جعله عصبي المزاج متهوراً.

كان الزعيم منذ صغره تواقاً للسلطة. له كلمة مأثورة: (ليتني أحكم سورية يوماً واحداً ثم أُقتل بعده).

يعتبر حسني الزعيم، صاحب أول انقلاب عسكري في تاريخ سورية المعاصر، ففي ليلة 30 آذار 1949 قام بانقلابه متفقاً مع بعض الضباط، فاعتقل رئيس الجمهورية شكري القوتلي، ورئيس وزرائه وبعض رجاله، وحل البرلمان، وقبض على زمام الدولة وتلقب بالمشير. وألّف وزارة، ودعا إلى انتخابه رئيساً للجمهورية، فانتخبه الناس خوفاً في 26 حزيران 1949، وكان يحكم وقد وضع له غروره نصب عينيه صور نابليون وأتاتورك وهتلر.

يقول أوين في كتابه (أكرم الحوراني): (لقد تأكد حديثاً بعد السماح بنشر بعض الوثائق السرية، وبعد ما يقرب من أربعين عاماً من انقلاب حسني الزعيم تورط الولايات المتحدة بأول انقلاب عسكري في العالم العربي، وكان قد أُشيع لسنوات بأنها ساندت انقلاب حسني الزعيم، كما كان مايلز كوبلند عضو المخابرات المركزية السابق قد ذكر في كتابه لعبة الأمم عن المساعدات الأمريكية لحسني الزعيم. ولكن روايته لم تؤخذ آنذاك على محمل الجد، واستناداً لما كتبه فإن سورية كانت على حافة اضطراب سياسي عنيف، بينما كانت حكومة الكتلة الوطنية عمياء عنه. ورأى السفير الأمريكي في سورية أن الأوضاع ستأخذ أحد مجرين: إما احتمال قيام الانتهازيين قريباً مع مساعدة السوفييت بانتفاضة دموية، أو أن يسيطر الجيش على السلطة بمساعدة الأمريكيين السرية للمحافظة على النظام، إلى حين إحداث ثورة سلمية. ويقول المؤلف أيضاً: وهكذا شرعت المفوضية الأمريكية بالقيام بعملية هدفها تشجيع الجيش السوري على القيام بانقلاب، من أجل الحفاظ على سورية من الاختراق السوفييتي، وجلبها إلى طاولة السلام مع إسرائيل، ولم يكن حسني الزعيم الخيار الأول لفريق العمل السياسي الأمريكي المشرف على العملية، ولكنه أصبح هدفها لأنه لم يكن هناك الكثير مما يمكن عمله، لقد رأى فيه الأمريكيون نواحي إيجابية عديدة، فقد كانت له مواقف شديدة العداء للاتحاد السوفييتي، وكان يرغب في الحصول على مساعدات عسكرية أمريكية، بالإضافة لكونه مستعداً لعمل بناّء بخصوص (القضية الفلسطينية)، واستناداً للوثائق السرية التي سمح بنشرها التقى الزعيم حسني الزعيم مرات مع مسؤول من السفارة الأمريكية، للنقاش حول الانقلاب، وقد بدأت هذه اللقاءات في أواخر 1948، وانتهى الإعداد للانقلاب أوائل 1948، وفي شهر آذار من العام نفسه تقدم حسني الزعيم بطلب المساعدة من الأمريكيين للقيام بانقلابه).

دفع حسني الزعيم ثمناً للدول الكبرى لاعترافها به، اتفاقياتٍ تخولها إقامة نفوذ ومصالح لها في سورية، ففي 30 حزيران سُمح لشركة التابلاين الأمريكية أن تمارس عملها، وأن تنشئ المطارات وسكك الحديد وأن تشتري البضائع وتقيم المنشآت المعفاة من الرسوم والضرائب مقابل حصول سوريا على مبلغ 20ألف إسترليني سنوياً.
كما صادق على الاتفاق الموقع بين سوريا وشركة المصافي المحدودة البريطانية، بشأن المصب في بانياس لتصدير البترول العراقي، ونصت الاتفاقية حصول الشركة على امتياز لمدة سبعين عاما لإنشاء وصيانة مصفاة أو مصافي في الأراضي السورية، على أن تؤول ممتلكات الشركة في سورية إلى الحكومة السورية بعد أن تنتهي مدة الامتياز، وتتعهد الحكومة السورية لقاء العائدات بإعفاء الشركة من الضرائب والرسوم وعدم انتزاع الأراضي التي تمتلكها طول مدة الامتياز. وتتعهد الحكومة بإعطاء الشركة أفضلية في الموانئ السورية كما لها الحق في إنشاء وصيانة ميناء أو موانئ في سورية لأغراض المشروع، وأن تضع عوامات لربط السفن وتنشئ إشارات وأضواء على الشاطئ وحواجز لصد الأمواج. ولها حق إنشاء السكك الحديدية، والطرق البرية وإنشاء وصيانة شبكات هاتفية وبرقية ولاسلكية، وتتعهد الحكومة بمنح موظفي الشركات الأجانب تسهيلات خاصة لتنقلاتهم عبر مراكز الحدود. وتحصل الحكومة على عائدات نسبية (6 مليون جنيه عن 2 مليون طن نفط الأولى، و10 مليون عن 4 مليون الأولى و13 مليون جنيه عن 6 ملايين طن فما فوق).

كما صادق حسني الزعيم على الاتفاقية بين الحكومة السورية وشركة خطوط أنابيب الشرق الأوسط المحدودة البريطانية، لنقل النفط العراقي عبر أنابيب مارة في سورية إلى البحر الأبيض المتوسط. وقد حصلت هذه الشركة على امتياز لمدة سبعين سنة أيضاً لمد وصيانة خط أو خطوط الأنابيب من الحدود السورية ـ العراقية شرقاً وحتى البحر الأبيض غرباً. وتضمنت الاتفاقية بنوداً مشابهة لبنود الاتفاقية الموقعة مع شركة المصافي المحدودة.

وفي 7 تموز 1949 سلم الزعيم الحكومة اللبنانية (أنطون سعادة) زعيم الحزب القومي السوري الاجتماعي، الذي التجأ إليه وكان محكوماً عليه بالإعدام، ليتم إعدامه في 8 تموز، مما أثار سخط السياسيين وعامة المواطنين عليه.

فقد الزعيم في غضون ثلاثة أشهر معظم شعبيته، وأثار عداء مختلف فئات المواطنين. فسياسته الموالية للغرب أثارت عليه الفئة المحايدة، وتصرفاته الرعناء جلبت عليه سخط الزعماء الدينيين وأتباعهم من المدنيين، وأساليبه الأوتوقراطية قوضت آماال الليبراليين. والأهم من ذلك كله أنه خلق سخطاً بين الضباط بتعيينه اللواء عبد الله عطفة الذي أخفق كقائد للجيش السوري في الحرب الفلسطينية وزيراً للدفاع، وكذلك بترفيعه لكثير من أصدقائه ومؤيديه في الجيش.

وضع حد لحكم الزعيم حين أطاح به خصومه العسكريون ليلة 13 آب 1949. وضُم إليه رئيس وزرائه محسن البرازي ونذير فنصة مستشاره الخاص، واجتمع المجلس الحربي الأعلى برئاسة الزعيم سامي الحناوي، وأجرى محاكمة سريعة لرؤوس العهد، وأصدر حكمه: بإعدام (حسني الزعيم ومحسن البرازي) وبعد لحظات من صدور الحكم نُفذ بهما حكم الإعدام رمياً بالرصاص، وذلك في 14 آب 1949.

moudar
05-Apr-2011, 10:56 AM
مصطفى لطفي المَنْفَلُوطي

( 1872 ـ 1924 م)

هو مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المنفلوطي

من الأدباء الذين كان لطريقتهم الإنشائية أثر في الجيل الحاضر، ولد في منفلوط من صعيد مصر سنة 1876م وتلقى علومه في الأزهر، وكان يميل إلى مطالعة الكتب الأدبية كثيراً، ولزم الشيخ محمد عبده فأفاد منه.

أديب، كاتب، شاعر، قصصي. ولد بمنفلوط من مدن الوجه القبلي بمصر، وتعلم بالأزهر، واتصل بمحمد عبده، وسجن بسببه ستة أشهر لقصيدة قالها تعريضاً بالخديوي عباس حلمي وكان على خلاف مع محمد عبده، ونشر في جريدة المؤيد عدة مقالات تحت عنوان النظرات، وولي أعمالاً كتابية في وزارة المعارف ووزارة الحقانية وأمانة سر الجمعية التشريعية، وأخيراً في أمانة سر المجلس النيابي.

ومن آثاره:
إحياء الفضيلة الصحيحة والضمير النقي
· العبرات
· الشاعر
· ماجدولين، وهي قصص عربها بالواسطة، وتتميز كتابته بصدق العاطفة في آرائه واندفاعه الشديد من أجل المجتمع، وقد استطاع أن ينقذ أسلوبه النثري من الزين اللفظية والزخارف البديعية، ولكن عيب عليه ترادفه وتنميقه الكثير، واعتناؤه بالأسلوب المصنوع دون المعنى العميق.


أطواره:
كان يميل في نظرياته إلى التشاؤم، فلا يرى في الحياة إلا صفحاتها السوداء، فما الحياة بنظره إلا دموع وشقاء، وكتب قطعة (الأربعون) حين بلغ الأربعين من عامه، وقد تشائم فيها من هذا الموقف، وكأنه ينظر بعين الغيب إلى أجله القريب.

رحل كل ذلك عن الأحياء فيما عدا ما بقي من آثاره، وغاض ذلك النبع الفياض وكان منهلاً عذباً لكل قارىء، ومورداً صافياً لكل متأدب، وانطفأت تلك الجذوة التي كانت تتقد أسى وألماً على المساكين، وتلتهب حزناً وشجوا للمحبين، ورقد هذا القلم وقد جفّ عنه المعين الذي كان يستمد منه الحياة والقوة والجمال وعجز حتى عن رثاء صاحبه.
ووصف فجيعة الأدب به، ولم يكن ليعجز عن وصف المآسي، وندب النوابغ، وبكاء الفواجع، وعزاء المصابين.

مرضه:
أصيب بشلل بسيط قبل وفاته بشهرين، فثقل لسانه منه عدة أيام، فأخفى نبأه عن أصدقائه، ولم يجاهر بألمه، ولم يدع طبيباً لعيادته، لأنه كان لا يثق بالأطباء، ورأيه فيهم أنهم جميعاً لا يصيبون نوع المرض، ولا يتقنون وصف الدواء، ولعل ذلك كان السبب في عدم إسعاف التسمم البولي الذي أصيب به قبل استفحاله.
فقد كان قبل إصابته بثلاثة ايام في صحة تامة لا يشكو مرضاً ولا يتململ من ألم.

وفي ليلة الجمعة السابقة لوفاته، كان يأنس في منزله إلى إخوانه ويسامرهم ويسامروه، وكان يفد إليه بعض أخصائه وأصدقائه من الأدباء والموسيقيين والسياسيين، حتى إذا قضى سهرته معهم انصرفوا إلى بيوتهم ومخادعهم، وانصرف هو إلى مكتبه فيبدأ عمله الأدبي في نحو الساعة الواحدة بعد نصف الليل.

وفي نحو الساعة الثانية عشرة من تلك الليلة انصرف أصدقاؤه كعادتهم وانصرف هو إلى مكتبه، ولكنه ما كاد يمكث طويلاً حتى أحس بتعب أعصابه وشعر بضيق في تنفسه، فأوى إلى فراشه ونام، ولكن ضيق التنفس أرقه. كتب عليه أن يختم بالتأوه والأنين، كما عاش متأوهاً من مآسي الحياة ساجعاً بالأنين والزفرات، وأدار وجهه إلى الحائط وكان صبح عيد الأضحى قد أشرقت شمسه ودبت اليقظة في الأحياء، فدب الموت في جسمه في سكون وارتفعت روحه مطمئنة إلى السماء بعدما عانت آلامها على الأرض سنة 1924 م.

moudar
06-Apr-2011, 06:26 PM
أحمد شـوقي


ولد الشاعر أحمد شوقي " بباب إسماعيل " وشب في جواره، ونشأ في حماه. فكان طبيعيا أن تتأثر نفسه بالبيئة الاجتماعية والسياسية وأن تكون أكثر تأثرا بها لقربها من المسرح الذي تشتبك فيه أصول هذه العوامل وأسبابها، وتضطرب فيه اضطرابا يخفيه ما تقضي به حياة القصور، ثم تصدر إلى الحياة بعد أن تكون قد نظمت وهذبت.

وشوقي خلق شاعرا والشاعر يتأثر أضعاف ما يتأثر سائر الناس، لذلك كان لكل هذه العوامل أثر باد في شعره وفي حياته.

درس أحمد شوقي في مصر ثم أتم دراسته في أوروبا حيث تأثر بالوسط الأوروبي وبالحياة الأوروبية وبالشعر الأوروبي تأثرا كبيرا. فقد ظل تأثره بالبيئة ظاهرا فيهما، وإن القارئ ليكاد يشعر أنه أما رجلين مختلفين حين يقرأ أجزاء ديوانه، لا صلة بين أحدهما والآخر. إلا أن كليهما شاعر مطبوع ليصل من الشعر إلى عليا سماواته، وأن كليهما مصري يبلغ حبه مصر حد التقديس والعبادة.

أما فيما سوى هذا، فأحد الرجلين غير الرجل الآخر: أحدهما مؤمن عمر النفس بالإيمان، والآخر رجل دنيا يرى في المتاع بالحياة ونعيمها خير آمال الحياة وغاياتها.

كان أحمد شوقي شاعرا متفوقا، فقد بعث به الخديوي توفيق باشا ليتم علومه في أوروبا، فلما عاد إلى مصر اتصل بالأمير الشاب عباس حلمي باشا وصار كلمته.

كان للقدم وللماضي على نفس الشاعر أثر يذهب إلى أعماقها، الأهرام المصرية ما تزال تحتوي من طلاسم ما يحار العقل في حله، وتثير في شاعرية شوقي معاني بالغة الموعظة عبر عنها في قصائده: على سفح الأهرام، أبو الهول، توت عنخ آمون.

لقد كان شوقي شاعر مصر، وشاعر العرب والمسلمين، وكان فيه الازدواج بين حب الحياة ومتاعها، والإيمان ونعيمه، له ذاتيته التي لا تخفى، فهو شاعر الحكمة العامة وهو شاعر اللغة العربية السلمية.

وحكمة شوقي، ما يصدر عنه من وصف وغزل وما يميز شعره، جميعا يبدو وكأنه شرقي عربي لا يتأثر بالحياة الغربية إلا بمقدار على الرغم من بالحياة الأوروبية.

الكردفاني
06-Apr-2011, 08:21 PM
نجدد شكارنا وتقديرنا أخي مضر علي السطور الذهبية.
مودتي

moudar
07-Apr-2011, 07:27 PM
أحمد أمين
شهدت مصر في الفترة بين أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وأوائل القرن العشرين تكون جيل من العلماء الموسوعيين في كافة المجالات، استطاع أن يقود الحياة الثقافية في مصر والعالم العربي ردحا من الزمن، واستطاع أيضا أن ينير الطريق الثقافي للأجيال التي جاءت بعده لتبني على مجهوداته ولتكمل مسيرته.
وقد رأى هذا الجيل أن يقود الناس من خلال الكلمة والفكر قبل السياسة والحكم، ولذلك اهتم اهتماما قل نظيره بتثقيف نفسه، فتعامل مع الينابيع الصافية والأصيلة للحضارة والثقافة العربية والإسلامية، وفي الوقت نفسه تعامل وتفاعل مع الحضارة والثقافة الغربية.
وعندما وصل هذا الجيل الفريد إلى الدرجة العالمية من العلم تلفت حوله، فوجد الناس خواء، فقراء فكريا وعلميا، غير أن عقولهم ما زالت تربة خصبة لزراعة الأفكار؛ لذلك سعى ما وسعه الجهد للنهوض بأمته وأبناء جلدته، فخاطب الناس على كافة الجبهات، وفي شتى الميادين؛ فكان هذا الجيل هو حزب الثقافة والنهوض، فلم تضيعه السياسة في مناوراتها، ووعورة طريقها ولكن السياسة كانت عنده مرادفا للوطنية.

حياة في كلمات
تلك المقدمة هي ملخص حياة هذا الجيل الفريد، وهي تنطبق على كثير من رواده، ومنهم الكاتب الموسوعي "أحمد أمين" الذي بدأ حياته أزهريا، واستطاع بعد محاولات أن يخلع هذا الزي، ثم عمل مدرسا بمدرسة القضاء الشرعي سنوات طويلة، ثم جلس على كرسي القضاء ليحكم بين الناس بالعدل، فصار العدل رسما له إلى جانب رسمه، ثم أصبح أستاذا بالجامعة، فعميدا رغم أنه لا يحمل درجة الدكتوراة!، ثم تركها ليساهم في إنشاء أكبر مجلتين في تاريخ الثقافة العربية هما:"الرسالة" و"الثقافة"، ثم بدأ رحلة من البحث والتنقيب في الحياة العقلية للعرب، فجاء بعد عناء طويل بـ"فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" و"ظُهر الإسلام".

النشأة والتكوين
وُلد أحمد أمين إبراهيم الطباخ في (2 من محرم 1304هـ= 11 من أكتوبر 1886م) في القاهرة، وكان والده أزهريا مولعا بجمع كتب التفسير والفقه والحديث، واللغة والأدب، بالإضافة إلى ذلك كان يحفظ القرآن الكريم ويعمل في الصباح مدرسا في الأزهر، ومدرسا في مسجد الإمام الشافعي، وإماما للمسجد، كما كان يعمل مصححا بالمطبعة الأميرية؛ فتفتحت عيناه على القرآن الكريم الذي يتلوه أبوه صباح مساء.
واهتم والده به منذ صغره، وساعده في حفظ القرآن الكريم، وفرض عليه برنامجا شاقا في تلقي دروسه وعوده على القراءة والإطلاع، كما كان الأب صارما في تربية ابنه يعاقبه العقاب الشديد على الخطأ اليسير؛ وهو ما جعل الابن خجولا، وعُرف عنه أيضا إيثاره للعزلة، فاتجه إلى الكتب بدلا من الأصحاب؛ فنَمَتْ عقليته على حساب الملكات الأخرى.
ودخل أحمد أمين الكُتَّاب وتنقل في أربعة كتاتيب، ودخل المدرسة الابتدائية، وأعجب بنظامها إلا أن أباه رأى أن يلحقه بالأزهر، ودرس الفقه الحنفي؛ لأنه الفقه الذي يعد للقضاء الشرعي.

مدرسة القضاء الشرعي
وقد نشأت في تلك الفترة مدرسة القضاء الشرعي التي اختير طلابها من نابغي أبناء الأزهر بعد امتحان عسير، فطمحت نفس أحمد إلى الالتحاق بها، واستطاع بعد جهد أن يجتاز اختباراتها، ويلتحق بها في (1325هـ= 1907م)، وكانت المدرسة ذات ثقافة متعددة دينية ولغوية وقانونية عصرية وأدبية، واختير لها ناظر كفء هو "عاطف باشا بركات" الذي صاحبه أحمد أمين ثمانية عشر عاما، وتخرج في المدرسة سنة (1330هـ= 1911م) حاصلا على الشهادة العالمية، واختاره عاطف بركات معيدا في المدرسة فتفتحت نفس الشاب على معارف جديدة، وصمم على تعلم اللغة الإنجليزية فتعلمها بعد عناء طويل، وفي ذلك يقول: "سلكت كل وسيلة لتحقيق هذه الغاية".
وشاءت الأقدار أن يحاط وهو بمدرسة القضاء الشرعي بمجموعة من الطلاب والأساتذة والزملاء لكل منهم ثقافته المتميزة واتجاهه الفكري؛ فكان يجلس مع بعضهم في المقاهي التي كانت بمثابة نوادٍ وصالونات أدبية في ذلك الوقت يتناقشون، واعتبرها أحمد أمين مدرسة يكون فيها الطالب أستاذا، والأستاذ طالبا، مدرسة تفتحت فيها النفوس للاستفادة من تنوع المواهب.
وكان تأثير عاطف بركات فيه كبيرا؛ إذ تعلم منه العدل والحزم والثبات على الموقف، كان يعلمه في كل شيء في الدين والقضاء وفي تجارب الناس والسياسة، حتى إنه أُقصي عن مدرسة القضاء الشرعي بسبب وفائه لأستاذه بعدما قضى بها 15 عاما نال فيها أكثر ثقافته وتجاربه؛ لذلك قال عن تركها: "بكيت عليها كما أبكي على فقد أب أو أم أو أخ شقيق".

القضاء والعدل
شغل أحمد أمين وظيفة القاضي مرتين الأولى سنة (1332هـ= 1913م) في "الواحات الخارجة" لمدة ثلاثة شهور، أما المرة الثانية فحين تم إقصاؤه من مدرسة "القضاء الشرعي" لعدم اتفاقه مع إدارتها، بعد أن تركها أستاذه عاطف بركات، وأمضى في القضاء في تلك الفترة أربع سنوات، عُرف عنه فيها التزامه بالعدل وحبه له، حتى صار يُلقب بـ"العدل"، واستفاد من عمله بالقضاء أنه كان لا يقطع برأي إلا بعد دراسة وتمحيص شديد واستعراض للآراء والحجج المختلفة، ولم تترك نزعة القضاء نفسه طيلة حياته بدءا من نفسه حتى الجامعة.

الجامعة
بدأ اتصال أحمد أمين بالجامعة سنة (1345هـ= 1926م) عندما رشحه الدكتور "طه حسين" للتدريس بها في كلية الآداب، ويمكن القول بأن حياته العلمية بالمعنى الصحيح آتت ثمارها وهو في الجامعة؛ فكانت خطواته الأولى في البحث على المنهج الحديث في موضوع المعاجم اللغوية، وكانت تمهيدا لمشروعه البحثي عن الحياة العقلية في الإسلام التي أخرجت "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام".
وتولى في الجامعة تدريس مادة "النقد الأدبي"، فكانت محاضراته أولى دروس باللغة العربية لهذه المادة بكلية "الآداب"، ورُقِّي إلى درجة أستاذ مساعد من غير الحصول على الدكتوراة، ثم إلى أستاذ فعميد لكلية الآداب سنة (1358هـ= 1939م)، واستمر في العمادة سنتين استقال بعدهما؛ لقيام الدكتور "محمد حسين هيكل" وزير المعارف بنقل عدد من مدرسي كلية الآداب إلى الإسكندرية من غير أن يكون لأحمد أمين علم بشيء من ذلك، فقدم استقالته وعاد إلى عمله كأستاذ، وهو يردد مقولته المشهورة: "أنا أصغر من أستاذ وأكبر من عميد".
وفي الجامعة تصدَّع ما بينه وبين طه حسين من وشائج المودة؛ إذ كان لطه تزكيات خاصة لا يراها أحمد أمين صائبة التقدير، وتكرر الخلاف أكثر من مرة فاتسعت شُقَّة النفور، وقال عنه طه: "كان يريد أن يغير الدنيا من حوله، وليس تغير الدنيا ميسرا للجميع".
وقد عد فترة العمادة فترة إجداب فكري، وقحط تأليفي؛ لأنها صرفته عن بحوثه في الحياة العقلية.

الجامعة الشعبية
وفي سنة (1365هـ= 1945م) انتُدب للعمل مديرا للإمارة الثقافية بوزارة المعارف، وهي إدارة تعمل دون خطة مرسومة واضحة؛ فليس لها أول يُعرف ولا آخر يُوصف تساعد الجاد على العمل، والكسول على الكسل، وفي توليه لهذه الإدارة جاءت فكرة "الجامعة الشعبية"؛ حيث رأى أن للشعب حقا في التعلم والارتواء العلمي، وكان يعتز بهذه الجامعة اعتزازا كبيرا ويطلق عليها "ابنتي العزيزة"، وهي التي تطورت فيما بعد إلى ما سُمي بقصور الثقافة، وكان آخر المناصب التي شغلها بعد إحالته إلى التقاعد منصب مدير الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية.

لجنة التأليف والترجمة والنشر
أشرف أحمد أمين على لجنة التأليف والترجمة والنشر مدة أربعين سنة منذ إنشائها حتى وفاته، وكان لهذه اللجنة أثر بالغ في الثقافة العربية؛ إذ قدمت للقارئ العربي ذخائر الفكر الأوروبي في كل فرع من فروع المعرفة تقديما أمينا يبتعد عن الاتجار، كما قدمت ذخائر التراث العربي مشروحة مضبوطة، فقدمت أكثر من 200 كتاب مطبوع.
وكانت الثقة في مطبوعات اللجنة كبيرة جدا؛ لذلك رُزقت مؤلفات اللجنة حظا كبيرا من الذيوع وتخطفتها الأيدي والعقول، كما أنشأت هذه اللجنة مجلة "الثقافة" في (ذي الحجة 1357هـ = يناير 1939م)، ورأس تحريرها، واستمرت في الصدور أربعة عشر عاما متوالية، وكان يكتب فيها مقالا أسبوعيا في مختلف مناحي الحياة الأدبية والاجتماعية، وكانت ثمرة هذه الكتابات كتابه الرائع "فيض الخاطر" بأجزائه العشرة.
وامتازت مجلة الثقافة بعرضها للتيارات والمذاهب السياسية الحديثة، وتشجيعها للتيار الاجتماعي في الأدب وفن الرواية والمسرحية، وعُنيت المجلة بالتأصيل والتنظير.
كما كان يكتب في مجلة "الرسالة" الشهيرة، وأثرى صفحاتها بمقالاته وكتاباته، وخاض بعض المحاورات مع كبار كتاب ومفكري عصره على صفحات الثقافة، ومنها محاورته مع الدكتور "زكي نجيب محمود"، الذي كتب مقالا نعى وانتقد فيه محققي التراث العربي ونشر ذخائره، ورأى أن الفكر الأوروبي أجدر بالشيوع والذيوع والترجمة من مؤلفات مضى زمانها، وأطلق على كتب التراث "الكتاب القديم المبعوث من قبره"، ثم قال: "سيمضي الغرب في طريقه، وهو يحاول الصعود إلى ذرى السماء، ونحن نحفر الأجداث لنستخرج الرمم".
فأثارت هذه الكلمات المجحفة للتراث أحمد أمين؛ فرد على ما قيل، وأكد أن الغرب أسس نهضته ومدنيته على الحضارة الرومانية واليونانية، وأكد أيضا أن المستشرقين هم أول من اهتم بالتراث العربي فنشروا أصوله وذخائره.

المجامع اللغوية
وقد أصبح عضواً بجمع اللغة العربية سنة (1359هـ= 1940م) بمقتضى مرسوم ملكي، وكان قد اختير قبل ذلك عضوا مراسلا في المجمع العربي بدمشق منذ (1345هـ= 1926م)، وفي المجمع العلمي العراقي، وبعضويته في هذه المجامع الثلاثة ظهرت كفايته وقدرته على المشاركة في خدمة اللغة العربية.
وكان رأيه أن المجمع ليست وظيفته الأساسية وضع المصطلحات وإنما عمله الأساسي هو وضع المعجم اللغوي التاريخي الأدبي الكبير، ويضاف هذا الإسهام الكبير في مجمع اللغة العربية إلى رصيده في خدمة الثقافة، كما اختير عضوا في المجلس الأعلى لدار الكتب سنة (1358هـ= 1939م).

السياسة
كانت السياسة عند أحمد أمين تعني الوطنية لا يرى فرقا بينهما، وترجع معرفته بالسياسة وأقطابها إلى أستاذه عاطف بركات، وقد أُعجب الزعيم سعد زغلول به وبوطنيته، وبدقة تقاريره التي كان يكتبها عن أحوال مصر إبان ثورة 1919، ورغم ميله للوفد فإنه لم يشارك في السياسة بقدر كبير خوفا من العقوبة، وفي صراحة شديدة يقول: "ظللت أساهم في السياسة وأشارك بعض من صاروا زعماء سياسيين، ولكن لم أندفع اندفاعهم، ولم أظهر في السياسة ظهورهم لأسباب، أهمها لم أتشجع شجاعتهم؛ فكنت أخاف السجن وأخاف العقوبة".
ولما قارب سن الإحالة إلى المعاش اعتذر عن رئاسة تحرير جريدة "الأساس" التي اعتزم السعوديون إصدارها، وكان في ذلك الوقت منصرفا لأعماله الثقافية والفكرية المختلفة؛ لذلك كان بعده عن السياسة موافقا لهوى في نفسه من إيثار العزلة، واستقلال في الرأي وحرية في التفكير.

شخصية لا تعطي لونا واحدا
كانت المعرفة والثقافة والتحصيل العلمي هي الشغل الشاغل لأحمد أمين، حتى إنه حزن حزنا شديدا على ما ضاع من وقته أثناء توليه المناصب المختلفة، ورأى أن هذه المناصب أكلت وقته وبعثرت زمانه ووزعت جهده مع قلة فائدتها، وأنه لو تفرغ لإكمال سلسلة كتاباته عن الحياة العقلية الإسلامية لكان ذلك أنفع وأجدى وأخلد.
وقد امتازت كتاباته بدقة التعبير وعمق التحليل والنفاذ إلى الظواهر وتعليلها، والعرض الشائق مع ميله إلى سهولة في اللفظ وبعد عن التعقيد والغموض؛ فألّف حوالي 16 كتابا، كما شارك مع آخرين في تأليف وتحقيق عدد من الكتب الأخرى، وترجم كتابا في مبادئ الفلسفة.

فجر الإسلام والحياة العقلية
أما شهرته فقامت على ما كتبه من تاريخ للحياة العقلية في الإسلام في سلسلته عن فجر الإسلام وضحاه وظهره؛ لأنه فاجأ الناس بمنهج جديد في البحث وفي أسلوبه ونتائجه، فأبدى وجها في الكتابة التحليلية لعقل الأمة الإسلامية لم يُبدِه أحدٌ من قبله على هذا النحو؛ لذلك صارت سلسلته هذه عماد كل باحث جاء من بعده؛ فالرجل حمل سراجًا أنار الطريق لمن خلفه نحو تاريخ العقلية الإسلامية.
غير أنه كتب فصلا عن الحديث النبوي وتدوينه، ووضع الحديث وأسبابه، لم يتفق معه فيه بعض علماء عصره العظام، مثل: الشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور مصطفى السباعي؛ فصوبوا ما يحتاج إلى تصويب في لغة بريئة وأدب عف، وقرأ أحمد أمين ما كتبوا وخصهم بالثناء، إلا أن البعض الآخر قال: إنه تلميذ المستشرقين، واتهموه بأنه يشكك في جهود المحدثين.
والواقع أن كتابا كـ "فجر الإسلام" يقع في عدة أجزاء كبار عن تاريخ الحياة العقلية في الإسلام منذ ظهوره وحتى سقوط الخلافة العباسية، تعرّض فيه كاتبه لآلاف الآراء، ومئات الشخصيات، لا بد أن توجد فيه بعض الأمور والآراء التي تحتاج إلى تصويب، دون أن يذهب ذلك بفضله وسبقه وقيمته.
وقد وجد أحمد أمين صعوبة كبيرة في تحليل الحياة العقلية العربية، ويقول في ذلك: "لعل أصعب ما يواجه الباحث في تاريخ أمته هو تاريخ عقلها في نشوئه وارتقائه، وتاريخ دينها وما دخله من آراء ومذاهب".
وفي كتابه "ضحى الإسلام" تحدث عن الحياة الاجتماعية والثقافية ونشأة العلوم وتطورها والفرق الدينية في العصر العباسي الأول، وأراد بهذه التسمية (ضحى الإسلام) الاعتبار الزمني لتدرج الفكر العلمي من عصر إلى عصر، واستطاع بأسلوب حر بليغ أن يمزج السياسة بالفكر عند الحديث عن الظواهر الجديدة في المجتمع الإسلامي، وكذلك تدرّج اللهو بتدرَج العصور؛ إذ بدأ ضئيلا في العهد الأول، ثم استشرى في العصور التالية، وحلل الزندقة وأسباب ظهورها وانتشارها وخصائص الثقافات الأجنبية من فارسية وهندية… إلخ، وهذا الكتاب من أَنْفَس ما كتب، وهو من ذخائر الفكر الإسلامي دون نزاع.
أما كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث" فاشتهر اشتهارا ذائعا؛ لأنه قُرِّر على طلاب المدارس عدة سنوات، فكثرت طبعاته وتداولتها الأيدي على نطاق واسع.
وكتاب "فيض الخاطر" جمع فيه مقالاته المختلفة في "الرسالة" و"الثقافة"... وغيرهما، وبلغت حوالي 900 مقالة في عشرة أجزاء. وكتاب "حياتي" الذي دوّن فيه سيرته الذاتية، ويقول عن هذا الكتاب: "لم أتهيب شيئا من تأليف ما تهيبت من إخراج هذا الكتاب"، ونشر قبل وفاته بأربع سنوات.
أما كتبه الأخرى فهي: "ظُهر الإسلام"، و"يوم الإسلام"، و"قاموس العادات والتقاليد المصرية"، و"النقد الأدبي"، و"قصة الأدب في العالم"، و"قصة الفلسفة"... وغيرها.
وتعاون مع بعض المحققين في إصدار كتاب "العقد الفريد" لـ "ابن عبد ربه"، و"الإمتاع والمؤانسة"، لـ "أبي حيان التوحيدي"، و"الهوامل والشوامل"، و"البصائر والذخائر"، و"خريدة القصر وفريدة العصر".

النهاية
وقد أصيب أحمد أمين قبل وفاته بمرض في عينه، ثم بمرض في ساقه فكان لا يخرج من منزله إلا لضرورة قصوى، ورغم ذلك لم ينقطع عن التأليف والبحث حتى توفاه الله في (27 من رمضان 1373هـ= 30 من مايو 1954م)، فبكاه الكثيرون ممن يعرفون قدره.
ولعل كلمته: "أريد أن أعمل لا أن أسيطر" مفتاح هام في فهم هذه الشخصية الكبيرة.

moudar
08-Apr-2011, 11:17 AM
جمال الدين الأفغاني

ترجع نهضة الأمم والدول إلى جهود المصلحين المخلصين من أبنائها الذين يسعون دائمًا إلى توحيد أبناء الأمة، وإيقاظ وعيهم بقضايا ومشكلات أمتهم، وتحريك همتهم نحو الإصلاح والتجديد، والوقوف صفًا واحدًا في وجه أطماع المستعمرين والطامعين.
وفي أواسط القرن التاسع عشر قام رجال مصلحون من أبناء الشرق الإسلامي، دقّوا ناقوس الخطر لأمتهم، وحذّروا ملوكهم وحكامهم من الخطر الوشيك الذي يتربص بالأمة الإسلامية، وتعالت أصواتهم بالدعوة إلى التعجيل بالإصلاح قبل وقوع الخطر، وكان من هؤلاء الرواد: مصطفى رشيد باشا في تركيا، وميلكم خان في إيران، وأمير علي في الهند، وخير الدين باشا في تونس، وكان جمال الدين الأفغاني أحد هؤلاء الرواد المصلحين الذين وقفوا حياتهم كلها على الدعوة إلى توحيد العالم الإسلامي، وتحرير شعوبه من الاستعمار والاستغلال.
ولكن كانت دعوة كل واحد من هؤلاء وتأثيره محدودين بحدود بلاده، ولم يكن صوته الإصلاحي يتجاوز أبناء وطنه، أما جمال الدين الأفغاني فقد تجاوز صدى دعوته حدود الأوطان والقوميات، واتسع ليشمل العالم الإسلامي كله.
الميلاد والنشأة
ولد السيد جمال الدين الأفغاني في ( شعبان 1254هـ= أكتوبر 1838م)، لأسرة أفغانية عريقة ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي (رضي الله عنه)، ونشأ في كابول عاصمة الأفغان. وتعلم في بداية تلقيه العلم اللغتين العربية والفارسية، ودرس القرآن وشيئًا من العلوم الإسلامية، وعندما بلغ الثامنة عشرة أتم دراسته للعلوم، ثم سافر إلى الهند لدراسة بعض العلوم العصرية، وقصد الحجاز وهو في التاسعة عشرة لأداء فريضة الحج سنة (1273هـ= 1857م)، ثم رجع إلى أفغانستان حيث تقلد إحدى الوظائف الحكومية، وظل طوال حياته حريصًا على العلم والتعلم، فقد شرع في تعلم الفرنسية وهو كبير، وبذل كثيرًا من الجهد والتصميم حتى خطا خطوات جيدة في تعلمها.

وحينما وقع خلاف بين الأمراء الأفغان انحاز جمال الدين إلى محمد أعظم خان الذي كان بمثابة وزير دولة، وحدث صدام بينه وبين الإنجليز، فرحل جمال الدين عن أفغانستان سنة (1285هـ= 1868م)، ومر بالهند في طريقه إلى مصر حيث أقام بها مدة قصيرة تردد في أثنائها على الأزهر، وكان بيته مزارًا لكثير من الطلاب والدارسين خاصة السوريين. ثم سافر إلى "الأستانة" في عهد الصدر عال باشا، فعظم أمره بها، وذاعت شهرته وارتفعت منزلته، ولقيت دعوته بضرورة التعجيل بالإصلاح صدى طيبًا لدى العثمانيين، حتى قال المستر بلنت الإنجليزي: "إن سعي العثمانيين في تحويل دولتهم إلى دستورية في بادئ الأمر قد ينسب إلى شيء من تأثير جمال الدين، فقد أقام في عاصمتهم يحاورهم ويخطب فيهم".

في مصر
وعُيِّن جمال الدين وهو في الأستانة عضوًا في مجلس المعارف الأعلى، وهناك لقي معارضة وهجومًا من بعض علماء الأستانة وخطباء المساجد الذين لم يرقهم كثير من آرائه وأقواله؛ فخرج من الأستانة إلى مصر، فلقي في مصر من الحفاوة والتكريم من أهلها ما حمله على البقاء بها، وكان لجرأته وصراحته أكبر الأثر في التفاف الناس حوله، فأصبح له مريدون كثيرون، فحسده الشيوخ لحظوته عند الناس.
وخاض الأفغاني غمار السياسة المصرية، ودعا المصريين إلى ضرورة تنظيم أمور الحكم، وقد أدى ذلك إلى تنكر ولاة الأمور له، ونفورهم منه، وتوجسهم به، خاصة أنه كان يعلن عن بغضه للإنجليز، ولا يخفي عداءه لهم في أية مناسبة.

مع محمد عبده في باريس
وكانت مقالاته مثار غضب شديد من الإنجليز ومن الحكام في مصر على حد سواء. فلما تولى الخديوي توفيق باشا حكم البلاد أخرجه من مصر، فانتقل الأفغاني إلى الهند سنة (1296هـ= 1879م)، بعد أن أقام في مصر نحو ثماني سنوات.
ثم غادر الهند إلى لندن، ومنها انتقل إلى باريس حيث اتصل بالشيخ محمد عبده، وأصدرا معًا جريدة "العروة الوثقى"، ولكنها ما لبثت أن توقفت عن الصدور بعد أن أوصدت أمامها أبواب كل من مصر والسودان والهند. ولكن الأفغاني لم يتوقف عن الكتابة في السياسة، فكانت صحف باريس منبرًا لمقالاته السياسية النقدية الساخنة.

في إيران
ودعاه شاه إيران "ناصر الدين" للحضور إلى طهران واحتفى به وقربه، وهناك نال الأفغاني تقدير الإيرانيين وحظي بحبهم، ومالوا إلى تعاليمه وأفكاره، ولكن الشاه أحس بخطر أفكار الأفغاني على العرش الإيراني، وتغيرت معاملته له، وشعر الأفغاني بذلك، فاستأذنه في السفر، وذهب إلى موسكو ثم بطرسبرج، وكان يلقى التقدير والاحترام في كل مكان ينزله، ويجذب الكثيرين من المؤيدين والمريدين.
وحينما زار الأفغاني معرض باريس سنة (1307هـ= 1889م) التقى هناك بالشاه ناصر الدين، وأظهر له الشاه من الود والتقدير ما دعاه إلى العودة مرة أخرى إلى طهران، ولكن ما لبث الشاه أن تغير عليه ثانية، خاصة بعدما راح يصرح برأيه في إصلاح الحكومة، ويجاهر بنقده للأوضاع السياسية في الدولة. ولم يطق الشاه صبرًا، ورأى في بقاء الأفغاني خطرًا محققًا على أركان عرشه، فأرسل إليه قوة عسكرية، فساقوه من فراش مرضه إلى حدود تركيا.

اتجه الأفغاني إلى البصرة، ومنها إلى لندن حيث اتخذ من جريدة "ضياء الخافقين" منبرًا للهجوم على الشاه، وكشف ما آلت إليه أحوال إيران في عهده، وكان تأثير الأفغاني قويًا على الإيرانيين، حتى بلغ من تأثيره أنه استطاع أن يحمل بعض علماء إيران على إصدار فتوى بتحريم "شرب" الدخان، فأصدر الميرزا "محمد حسن الشيرازي" فتوى حرّم فيها على الإيرانيين شرب الدخان، فامتنعوا عن شربه امتناعًا شديدًا، حتى إن العامة ثاروا على الشاه، وأحاطوا بقصره، وطلبوا منه إلغاء الاتفاق مع إحدى الشركات العربية لتأسيس شركة "ريجي" في إيران؛ فاضطر الشاه إلى فسخ الاتفاق، وتعويض الشركة بمبلغ نصف مليون ليرة إنجليزية.

دسائس الوشاة ومكائد الحاقدين
وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلت الشاه يلجأ إلى السلطان عبد الحميد ليوقف الأفغاني عن الهجوم عليه، واستطاع السلطان أن يجذب الأفغاني إلى نزول الأستانة سنة (1310هـ=1892م)، وأراد السلطان أن يُنعم على الأفغاني برتبة قاضي عسكر، ولكن الأفغاني أبى، وقال لرسول السلطان: "قل لمولاي السلطان إن جمال الدين يرى أن رتبة العلم أعلى المراتب".
وفي أثناء وجود الأفغاني بالأستانة زارها الخديوي عباس حلمي، والتقى بالأفغاني لقاءً عابرًا، ولكن الوشاة والحاسدين من أعداء الأفغاني المقربين إلى السلطان وجدوا في ذلك اللقاء العابر فرصة سانحة للوقيعة بينه وبين السلطان، فبالغوا في وصف ذلك اللقاء، وأضفوا عليه ظلالاً من الريبة والغموض، وأوعزوا إلى السلطان أنهما تحادثا طويلاً في شئون الخلافة، وحذّروه من الخطر الذي يكمن وراء تلك المقابلة؛ فاستدعى السلطان العثماني جمال الدين الأفغاني وأطلعه على تلك الأقوال، فأوضح له الأفغاني حقيقة الموقف بجرأة، وانتقد هؤلاء الوشاة بشجاعة لم تعهد لغيره.

منهج الأفغاني في الإصلاح الديني
كانت الدعوة إلى القرآن الكريم والتبشير به من أكبر ما يطمح إليه "الأفغاني" في حياته، وكان يرى أن القاعدة الأساسية للإصلاح وتيسير الدين للدعوة هي الاعتماد على القرآن الكريم، ويقول: "القرآن من أكبر الوسائل في لفت نظر الإفرنج إلى حسن الإسلام، فهو يدعوهم بلسان حاله إليه. لكنهم يرون حالة المسلمين السوأى من خلال القرآن فيقعدون عن اتباعه والإيمان به". فالقرآن وحده سبب الهداية وأساس الإصلاح، والسبيل إلى نهضة الأمة: "ومن مزايا القرآن أن العرب قبل إنزال القرآن عليهم كانوا في حالة همجية لا توصف؛ فلم يمض عليهم قرن ونصف قرن حتى ملكوا عالم زمانهم، وفاقوا أمم الأرض سياسة وعلمًا وفلسفة وصناعة وتجارة".. فالإصلاح الديني لا يقوم إلا على القرآن وحده أولاً، ثم فهمه فهمًا صحيحًا حرًا، وذلك يكون بتهذيب علومنا الموصلة إليه، وتمهيد الطريق إليها، وتقريبها إلى أذهان متناوليها.

جمال الدين بين السنية والتشيع
يرى بعض الباحثين أن جمال الدين كان إيرانيًا من "أسد آباد" بالقرب من همدان، وأنه كان شيعيًا جعفري المذهب، وذلك بالرغم من اشتهار أمر جمال الدين بانتسابه إلى بلاد الأفغان وأنه سني المذهب، وبالرغم من حرصه على تلقيب نفسه بالأفغاني، وانخراطه في علماء أهل السنة في جميع البلدان الإسلامية التي زارها أو أقام فيها.
ويحاول هؤلاء إيجاد الأدلة، وتدبيج البراهين التي تعضد موقفهم، وتؤيد ما ذهبوا إليه، ومن ذلك:
1) وجود عائلة جمال الدين في إيران، وعدم وجود أي أثر لها في أفغانستان.
2) إن اسم والد جمال الدين "صفدر"، وهو اسم إيراني شيعي يعني: البطل ممزق الصفوف.
3) اهتمام جمال الدين بإيران ومشكلاتها أكثر من اهتمامه بأي قطر إسلامي آخر.
4) إجادة جمال الدين اللغة الفارسية باللهجة الإيرانية.
5) تمجيد جمال الدين للإيرانيين وإشادته بذكائهم.
وهي في مجملها قرائن لا ترقى إلى الأدلة الجازمة، أو البراهين القاطعة تنقضها كتابات جمال الدين وسيرة حياته، التي توضح أنه كان أفغانيًا سنيًا لا إيرانيًا شيعيًا.

فهو في كتابه "تتمة البيان في تاريخ الأفغان" ينتقد الشيعة في انصرافهم عن بعض أركان الدين إلى ظواهر غريبة عنه وعادات محدثة، فيقول: "وجميع الأفغانيين متمذهبون بمذهب أبي حنيفة، لا يتساهلون رجالاً ونساءً وحضريين وبدويين في الصلاة والصوم، سوى طائفة (نوري)، فإنهم متوغلون في التشيع، يهتمون بأمر مأتم الحسين (رضي الله عنه) في العشر الأول من محرم، ويضربون ظهورهم وأكتافهم بالسلاسل مكشوفة".
وقد تصدى لهذا الزعم عدد من الباحثين والمفكرين، في مقدمتهم د. "محمد عمارة" الذي رأى أن الرجل لن يعيبه أن يكون إيرانيًا أو أفغانيًا، ولن ينقص من قدره أن يكون شيعيًا أو سنيًا، لأنه مسلم تشرف به كل أقاليم الإسلام وجميع مذاهبه.
وأن الذي جعل قضية الخلاف حول موطن جمال الدين وحول المذهب الديني الذي تمذهب به تأخذ بعدًا آخر، أخرجها من هذا الإطار المألوف، هو أن الذين ادعوا إيرانيته وشيعته قد أرادوا –من وراء هذه الدعوى- إثبات كذب الرجل، فقد قال عن نفسه بأنه أفغاني، ونطقت أفكاره وكتاباته بأنه سني، فالمقصد من وراء تلك الدعوة هو هدم الرجل (الرمز) الذي يعتز به الجميع.

الأفغاني والماسونية
انتظم جمال الدين في سلك الماسونية؛ لينفسح له المجال أمام الأعمال السياسية، وقد انتخب رئيسًا لمحفل "كوكب الشرق" سنة (1395هـ=1878م)، ولكنه حينما اكتشف جبن هذا المحفل عن التصدي للاستعمار والاستبداد، ومسايرته لمخطط الإنجليز في مصر استقال منه، وقد سجل الأفغاني تجربته تلك في كلمته التي أدان فيها ماسونية ذلك المحفل الذي يتستر تحت شعارات براقة وأهداف عريضة، لكنه في الحقيقة لا يخرج في ذلك كله عن حيز القول إلى الفعل، بل ربما كان أدنى إلى تحقيق أهداف المستعمر وترسيخ أطماعه بعيدا عن تأكيد مبادئ الحق والحرية والمساواة التي يرفعها مجرد شعار.

هل مات مسمومًا؟
وتوفي الأفغاني في الأستانة –بعد حياة شاقة مليئة بالمتاعب والصعاب- عن عمر بلغ نحو ستين عامًا، وكما حفلت حياته بالجدل والإثارة، فقد ثار الجدل أيضًا حول وفاته، وشكك البعض في أسبابها، وأشار آخرون إلى أنه اغتيل بالسم.
فبالرغم من أن الشيخ عبد الرشيد إبراهيم –الرحالة الروسي الشهير- يؤكد أنه كان مريضًا، وأنه توفي متأثرًا بمرضه، وكان قد زاره قبيل ساعتين من وفاته، فإن ابن أخته "ميرزا لطف الله خان" يزعم أنه مات مسمومًا، ويتهم الحكومة الإيرانية بقتله، ويذكر أن الحكومة الإيرانية أوفدت "ناصر الملك" لقتل "جمال الدين" بعدما رفضت الدولة العثمانية تسليمه لها.. وكانت وفاته في (5 من شوال 1314هـ= 10 من مارس 1897م).

moudar
09-Apr-2011, 12:51 PM
اليـاس أبـو شـبكة

(1903-1947 م)
ولد الشاعر المرحوم الياس بن يوسف بن الياس أبو شبكة سنة 1903 في نيويورك بأمريكا الشمالية أثناء سياحة قام بها والده، وأصل الأسرة من قبرص، وكان جده يطرح الشبكة للصيد في البحر، فلقبت الأسرة بأبي شبكة.

درس علومه في مدرسة عينطورة سنة1911، ولما وقعت الحرب العالمية الأولى توقف عن الدراسة، وبعد انتهائها استأنفها في مدرسة الإخوة المريمين في جونية، فقضى فيها سنة دراسية واحدة، ثم عاد إلى مدرسة عينطورة.

كان غريب الأطوار يتعلم على ذوقه، ويتمرد على أساتذته.

كان والده ثرياً فاغتاله اللصوص سنة1914 م، بين بورسعيد والخرطوم بينما كان قاصداً هذه المدينة لتفقد أملاكه. وبدأت مقدمات حياته تنذره وهؤلاء يعلم بما سوف يقاسي من مرارة وألم وحرمان، على مثل ما حدث لغيره ممن عقدوا آمالهم على حرفة الأدب، فخاض مجال العمل، كاداً كادحاً وراء الرزق، فكان يدرس في معهد أخوة المدارس المسيحية، وكلية المقاصد الإسلامية، وكلية القديس يوسف للآباء اليسوعيين، وتنقل من جريدة إلى جريدة للتحرير، وتجلت مواهبه على صفحات المعرض والمكشوف، وصوت الأحرار، وشتى الصحف والمجلات التي نشرت له قصائد الداوية.

لقد خلف هذا الشاعر اليائس على قصر عمره، ما لا يقل عن ثلاثين كتاباً مطبوعاً في مختلف المواضيع والأحجام بين ترجمة وتأليف منها: الحب العابر ، عنتر، القيثارة، جوسلين، طاقات زهر، العمال الصالحون، سقوط ملاك، مجدولين، الشاعر، المريض الصامت، تاريخ نابوليون، الروائي، الطبيب رغماً عنه، مريض الوهم، المثري النبيل، البخيل مانون ليسكر، بولس وفرجيني، الكوخ الهندي، أفاعي الفردوس، الألحان، المجتمع الأفضل، لبنان في العالم، نداء القلب، تلك آثارها، قصر الحير الغربي، إلى الابد، غلواء، اوسكار وايلد، بودلير في حياته الغرامية.

وله في الصحف والمجلات العربية مقالات متنوعة وقصائد ودراسات وترجمات لو جمعت في كتب لأربى عددها على العشرين ويزيد.

كانت بوارق العبقرية تنبجس حيناً بعد حين من بعد انطلاقاته وجولاته الأدبية، وكان شعره وليد حالات نفسانية، ذا نفس متقدة، فعبَّر في قوافيه عن آلام لا حدَّ لها ولا طرف آلام من الحب وآلام من أعباء الحياة، كان لا ينظم إلا مهتاجاً، في ساعة يأس أو في ليلة خمر، فيؤثر شعره في قارئه. وقد سادته الكآبة، واعتاد أن ينهض باكراً فينصرف إلى الكتابة، وكان يصطاف في مصيف( حراجل) وصرف عشر سنوات في التغريد لإطراب الناس، فكان غزله المتعفف تشيع فيه ألوان الطبيعة ممتزجة بألوان كآبة النفس وألمها، لم يقتصر شعر صباه على الغزل وحده، بل كان له من إحساسه المرهف ما يجعله شديد الانفعال تضطرب أعصابه لشتى العوامل التي تؤثر في نفسه، فما يزال يبلورها الشعور والخيال حتى يفجرها في شعره نقمة على أشخاص يجد الأذية منهم، أو ثورة على الظلم والحكام الجائرين في وطنه.

على أنه بعد أن نضجت شاعريته واستوثق أسلوبه، صار لا يرضيه شعر صباه، وبلغت قمة شاعريته في( أفاعي الفردوس) وهي تحفة نادرة ولون جديد في الأدب العربي ينفرد به، ويبقى له، لا تمتد إليه يد العناء، ولا يستطيع أي شاعر أن يأتي بمثله أو يدانيه في الوصف.

وأحب منظوماً إلى قلبه ( غلواء) فهي من بواكير خياله الخصيب، وشبابه الزاخر بالأحلام، وقريحته الجياشة بالأحاسيس الوجدانية، ولعل أول منظوماته الغزلية كان تشبيباً بالفتاة التي أصبحت زوجته بعد خطبة دامت عشر سنوات، وغلواء، هو اسم صنعه الشاعر من اسم خطيبته( أولغا) قالباً حروفه رأساً على عقب، وكان قلبه يجتاز أزمة عنيفة في سنة 1928 فإذا هي توجه شعره إلى ناحية الحب الدامي.

لقد وصف الحياة وغناها، وضرب على مفرق الحب.

كان منتصب القامة، في طول ونحف، ذا جبين بين العريض والمعتدل، ابتدرته الغضون، وتسنمت ذروته شعور مشعشعة ثائرة كأنما هي نموذج عما في الصدور من البراكين، كبير الأنف بين خدين هزيلين، حنطي البشرة، تطفو عليها سحابة من الشحوب.

كان أبياً ذا شمم وأنفة إلى حد أن الذين يجهلون حقيقة نفسيته كانوا يذهبون في اتهامه إلى أنه متكبر متعال، وهكذا خلطوا بين الأنفة والخيلاء، وبين الكرامة والكبرياء، وبين التحفظ والابتذال.

فهذا الشاعر الذي ولد غنياً لان والده كان ثرياً، مات فقيراً، لم ينصرف إلى المدح بغية السؤال والاستجداء، فقصائده خالية من التهنئة والرثاء إلا ما كان لعالم أو أديب، ومن دلائل انفه انه لم يكن يشكو أمره إذا ساء أو يتبرم بحظه إذا عبس.

moudar
10-Apr-2011, 12:48 AM
جبران خليل جبران


نبي عصره، المجنون، الثائر، المتمرد والحكيم.. جبران خليل جبران، عبقري من بلادنا. نشأ في ظلال الأرز، وانطلق الى العالم محملاً بروحانية أرضه وأوجاع أهلها، فحمله إبداعه الى عرش مجد لم يرتقه سوى قلائل من العباقرة.


طفولة وغربة
أبصر جبران خليل جبران النور في بشري في 6 كانون الثاني 1883، وهو الولد البكر لخليل جبران ولكاملة رحمة في زيجتها الثالثة وشقيق بطرس (أخوه من أمه) ومريانا وسلطانة. ترعرع في بشري مدللاً في طفولته، وتلقى في مدرسة الخوري جرمانوس التابعة لدير مار ليشاع، أوليّات السريانية والعربية. تفتح هذا الصبي المدلل على مجتمع مرهق بالتناقضات وتفاعلت في أعماقه عوامل عدة: التربية الدينية، روعة الطبيعة الشمالية وجمالات غابة الأرز الخلابة، وبطولات أسرته الجبرانية المعاندة في رفضها النظام المتصرفي والهوية العثمانية. عرف جبران منذ تفتحه، مرارة أجداده ومعاناتهم وهجرتهم الى الأميركيتين وأوستراليا إثر نفي يوسف بك كرم، فقد تعرضوا للمداهمات المتلاحقة، والتي أدّت إحداها الى سجن والده وهو في الثامنة من عمره، ومصادرة جيوش المتصرف منزل الأسرة العريق وأملاكها. في التاسعة من عمره سقط عن صخرة عالية بالقرب من دير مار ليشاع فانكسر عظم كتفه وصلب على خشبة بضعة أشهر ليلتحم العظم (يجبّر) ، فاكتشف في ذاته معنى الصلب الذي عرفه مشهدياً في طقوس الصوم وأسبوع الآلام. والكسر أودع يده اليمنى ضعفاً لازمه طيلة حياته ودفعه لاقتناء عصاً نراها في صوره ولا تزال في محفوظاته. عندما بلغ جبران الحادية عشرة من عمره خرج الوالد من السجن وكان الجوع يهدد أسرته، الأمر الذي دفعها الى عبور حدود لبنان المتصرفية، فأقلعت في 25حزيران 1895 من مرفأ بيروت متجهة صوب الولايات المتحدة الأميركية وتحديداً الى بوسطن حيث الطموح البعيد.

الفتى الموهوب
إلتحق جبران في أوليفربليس بمدرسة الغرباء التي لم تقبله إلا عاماً واحداً، وخلاله اكتشفت المدرّسة جسّي فرمونت بل موهبته في فن الرسم، فبعثت رسالة الى النهضة الأدبية والفنية في بوسطن فردهو لند داي، تعرفه بالفتى الموهوب مختصرة إسمه فيها بخليل جبران، فتولى الأخير التعريف به في أميركا. في الوقت الذي كانت فيه الأسرة تعمل بجد لتحصيل لقمة العيش من خلال الخدمة في البيوت وبيع الأنسجة اليدوية التي تحيكها مريانا ومن الدكان الصغير الذي اقتناه شقيقه بطرس، كان جبران بصحبة قلمه الفحمي الملون يرسم تمثال "الباخوسيات" ويقرأ بشغف ما يقدمه له داي الشغوف بالنماذج الشرقية والذي تعرّف إليه في 9 كانون الأول 1896، فكان هذا اللقاء فاتحة المستقبل المشرق للعبقري اللبناني، فقد تفجّرت طاقاته مع دواوين الشعر الإنكليزي ومعاجم الميثولوجيات التي قدمها له داي، الذي سهّل له التعرّف الى نخبة البيئة البوسطينية وأيقظ في أقلامه حس استنطاق بواطن الكتب، وتجسيدها في رسوم كان لها دور في شهرته. الإنطلاقة الأولى كانت في 8آذار، في معرض صور فوتوغرافية لداي حيث تعرّف على جميلة بوسطن الشاعرة العميقة الثقافة جوزفين برستون بيبادي. وشجعه داي على رسمها فرسمها وكانت نموذجاً لعديد من حالات إلهاماته. التفتح على شيء يشمل كل طاقاته: الحب، الرسم، القراءة الكثيفة، التأمل، التحوّل، تبدل المفاهيم الدينية باتجاه الميثولوجيا المقارنة بين المجتمعات، الغربة، الوطن مسؤولية حياة يعيشها على حساب أسرته... كل ذلك ساهم في نمو الشاعر الضبابي الذي يشد وراءه واقعاً تعبيرياً محدوداً، أما المفتاح فضائع بين الصراعات التي يعيشها وقد اكتشفها داي ووالدة جبران، فنظّما سفره الى لبنان ليتعلم العربية. بين مدرسة الحكمة في ولاية بيروت وبشري لبنان المتصرفية مع والده، يكتشف جبران جرح الوطن وحواجز العبور فينمو في داخله التمرد والعنف. وفي مدرسة الحكمة، اكتشف فيه استاذه في العربية الخوري يوسف الحداد نفساً وثابة وعقلاً متمرداً وعيناً هازئة بكل ما تقع عليه. ولم تطل الأيام حتى بدأ يجد طريقه الفكري، فراح يكتب مقالات ينقحها الخوري الحداد لتنشر في مجلة"النهضة".

جبران والحب
رافق جبران في هذه المحطة نخبة كانوا روّاد التجديد في الشعر والرسم والنحت والسياسة أمثال بشارة الخوري والأخطل الصغير ويوسف الحويك، إذ جمعتهم مدرسة الحكمة. في النصف الثاني من هذه المحطة عرف في كيانه حباً جارفاً نحو سلطانة تابت وهي أرملة، توفيت ووفاتها عمّقت في نفسه معنى التجلّد والصلب الداخلي مجدداً. عواطفه ونزواته ومخيلته، كانت سابقة لعقله ومعرفته، وقد أدرك هذا التفاوت فيه. وسط هذا الصراع الداخلي، بلغه خبر وفاة أخته سلطانة، فحمله ليحط في بوسطن في أوائل نيسان 1902. وبعد وفاة سلطانة بالسل ودّع جبران أخاه بطرس بالداء نفسه ومن ثم والدته بداء السرطان، وكان كل ذلك في فترة لا تتجاوز السنة، فكانت الأقدار الموجعة عاملاً إضافياً في تفجير عبقريته. بعد حبه الأول، حب آخر جعل عاطفته أسراً جديداً، إنه حبه لجوزفين. مع هذه المرأة أدرك جبران أن الجمال والعذوبة والشاعرية والصبا ليست الحب. وأدرك أن عليه أن يجد جبران الرجل في نقيضه جبران العاطفي. وكانت تلك التجربة المدخل الى مقالات "دمعة وابتسامة" التي نشرت في "المهاجر" لصاحبها أمين الغريب بمعدل مقالين في الأسبوع. حاول داي مرة جديدة تحريره من صراعاته، فكان وراء رحلته الى الشرق مواكباً أسرة أميركية في جولة شملت مصر وفلسطين وبيروت. وبعين المنكوب المصارع يقرأ مرة أخرى القدر جاثماً على صدر مهبط الحضارات الأولى. معرضه الأول الذي دفعه داي لاقامته في محترفه، ساعده على تحقيقه كل الأصدقاء وبينهم جوزفين وحبيبها ليونيل ماركس بروفسور الفيزياء في هارفورد الذي طلب من صديقته القديمة ماري هاسكل بإصرار أن تزور المعرض... فكانت قصة جديدة ومرحلة جديدة في حياته. تعرف جبران على ماري هاسكل عام 1904، فكانت بالنسبة له السيدة الكريمة التي تعهدت انماء فنه ومواهبه. فقد اكتشفت فيه فناناً كبيراً، وعرفت أن مستوى الفن في بوسطن ليس بقدر طموحه، فدفعته في إتجاه الأكاديمي جوليان في باريس عاصمة الإبداع، متعهدة نفقاته سنتين وأربعة أشهر 1910-1908)) وحفزته أيضاً على الكتابة باللغة الإنكليزية، فكانت تنقّح أكثر مؤلفاته الأولى بهذه اللغة، خصوصاً "المجنون" و"السابق" و"النبي". جمعت ماري هاسكل بجبران قصة حب كتبت على ستة آلاف صفحة من الرسائل والكتابات اليومية، وامتدت بين العام 1908 والعام 1926 تاريخ زواجها من رجل آخر. كانت عوائق الزواج بين جبران وهاسكل كثيرة، فهي تشكو في مذكراتها من كبر سنها بالنسبة إليه (10سنوات) ومن بشاعتها، كما ان وضعه المادي لم يكن مؤاتياً، وأدرك جبران أن عليه أن يرسم للحب هدفاً أبعد منه ويحرره من قيود الزواج. وكان لجبران علاقة حب عبر المسافات جمعته بالشاعرة مي زيادة التي كانت تعيش في القاهرة، وبدأت تراسله الى نيويورك منذ العام 1912 ولغاية آذار 1931، أي قبل وفاته بنحو نصف الشهر. تضمنت الرسائل المتبادلة بينهما دراسات حول مؤلفات جبران وآفاق الحركة الثقافية في نيويورك ومصر. ولا تخلو هذه الرسائل في العديد من صفحاتها من العتوبة والملامة التي يتداولها العشّاق ومن تلميح الى الحب وتصريح به، غير أن هذا الحب ظل من دون لقاء. أما سلمى كرامة فهي شخص ابتكره جبران ابتكاراً، وعندما حلل طبيعة هذا الشخص لماري هاسكل قال:"سلمى كرامة نصفها "بياتريس" ونصفها "فرانشيسكا". ولكنه لا ينفي اختباره للأحداث الواردة في قصة الأجنحة المتكسرة.

الناي والعود وباريس
تأثره بالناي، برنين عود أخيه بطرس، وبالحفلات الموسيقية "الوغنرية" التي عشّقه إياها داي... عوامل تكمن وراء كتيب "الموسيقى" الذي نشره عام 1905. وبعده كرّت سبحة المقالات والأقصوصات، فصدرت في العام 1906 عرائس المروجŒ وعام 1908 مجموعة "الأرواح المتمردة". قصد باريس مؤمناً بذاته وفنه، ناشداً تقنية لم يكتشفها بعد، باحثاً عن أبعاد الشكل واللون، ناهداً الى التغلغل حتى نبض الجذور الخبيئة. وهناك تتلمذ جبران على يد أشهر رسام معاصر هو رودان (كان ذلك سنة 1908) . كما تأثر وأعجب بشكسبير وكان يتوق الى تأليف كتاب عنه. كما أعجب بالشاعر الألماني سونيبيرن. وفي باريس أيضاً اكتشف جبران الفيلسوف نيتشيه من خلال قراءته لكتابه "هكذا تكلم زرادشت" الذي توجد منه نسختان بالإنكليزية في مكتبته الشخصية في متحفه في بشري * ولاحقاً اشترى جبران مؤلفات نيتشيه بالكامل. تأثر جبران بفلسفة القوة في كتاب "زرادشت"، وبدا هذا التأثر في كتاب "العواصف"، غير أنه عامي 1914- 1915 * بدأ ينقضه، وهذا ما انعكس في تطوره الفكري كما نلاحظه في كتابيه "المجنون" و"السابق". من باريس عاد الى بوسطن، وفي سنة 1912 انتقل الى نيويورك، واستقر فيها. تقنيته في الرسم الزيتي والفحم لم ترضَ عنها المدارس الحديثة. فتناوله النقد بقساوة سطحية، لكنه أعلن تمرده عليها متوقعاً لها الزوال، مصرّاً على ضرورة عرض نتاجه الجديد. ماري هاسكل المؤمنة بفنه قاسمته مشقة تجهيز وإخراج المعرض في قاعة "مونتروس" في شباط 1914. فأكد نفسه فناناً ولكنه ندم على معارضه السابقة، وكان له الموقف بالنسبة لأدبه، إنه التحوّل الكبير يولّد إنسانه الجديد المتمرد، الثائر، الجبار، العنيف، "ومن يعتدل في إظهار الحق يظهر نصفه".

الوطن في فكر جبران
انغماس جبران بالأدب والرسم، لم يصرفه عن الاهتمام بقضايا وطنه السياسية وغيرها، فقد كان وطنياً صادقاً، ينتهز كل مناسبة لمساعدة أبناء وطنه بعمله، وماله وقلمه. ولم يعش بعيداً بحسه وفكره عن بني قومه، بل إن العبودية التي يرسف في أغلالها العالم العربي، كانت تمزّق وجدانه، والثورة على الظلم والضعف والتخلّف، تجعله يصرخ بأعلى صوته منادياً الحرية. أوجاع بلاده القديمة، ظلت تلاحقه فإذا به مع أيوب تابت وشكري غانم يؤسسان نواة حزب كانت شاغله السياسي لاحقاً خصوصاً بين 1912 و1920. لقد أثّرت الحرب العالمية الأولى مع ما رافقها من أهوال في جبران تأثيراً كبيراً، مما دفعه الى انتهاز كل الفرص والمناسبات لمساعدة أبناء قومه بجميع الوسائل، في هذه الفترة كتب مقالة "مات أهلي"، وفي سنة 1917 شغل منصب أمين سر "لجنة إغاثة المنكوبين في سوريا ولبنانŒ، وراسل أبناء وطنه المقيمين في أميركا وباريس محاولاً إقناعهم بالسعي لتحقيق استقلالهم عن طريق الثورة. لكن جبران لم يخلق ليكون سياسياً، فانقطع عن العمل السياسي منصرفاً الى الأدب والرسم، وأسس في بيته "الرابطة القلمية"، وانتخب عميداً لها سنة 1920، سنة بدء اضطراباته الصحية بالظهور.

جبران النبي
في سنة 1933، انصرف الى التأليف باللغة الإنكليزية بنجاح فريد، وأصدر عدداً من الكتب وصل الى الثمانية، وذلك خلال ثمانية أعوام. كان أهم هذه الكتب كتاب "النبي" الذي لاقى شهرة عالمية، وهزّ ضمير العالم العربي والأميركي والأوروبي، ببساطته وعمقه، والأبعاد التي يوحيها، الى دقة تركيبه وموسيقاه الشاعرية، واحتجاجه على أي قيد يقيد الحرية والجمال... نشر "النبي" فوصل حتى الكنائس، وأصبح يدرّس في الجامعات الأميركية والعالمية ويتصدّر المكتبات العالمية بلغاته المتعددة. فلقد ترجم الى الألمانية والفرنسية بعد صدوره بسنتين، ويعتبر "النبي" الكتاب الرابع انتشاراً في العالم.

هذا الرجل من لبنان
في نيويورك تعمق الناس كتّاباً وفنّانين، ورواد مكتبات، في أثر "وجه المصطفى" في نفوسهم، كما ناقشوا طويلاً تلك الرؤى التي مثلت أكثر فصول الكتاب. وممن حملهم الكتاب الى صاحبه، الشاعرة بربارة يونغ ملازمته حتى وفاته والتي عهدت اليها ماري هاسكل ومريانا شقيقة جبران السهر على محترفه. عام 1939 قامت يونغ برحلة الى موطن جبران لتقرأ خلفيات تكوينه في بشري ومدرسة الحكمة، ومن جديد استنطقت لوحاته لتضع كتابها "هذا الرجل من لبنان". يقول جبران في أحد رسائله التي دوّنتها ماري هاسكل في يوميات 16 حزيران 1923: "ألم أخبرك كيف رأيت وجه النبي؟ ذات ليلة كنت أطالع كتاباً وأنا في فراشي، تعبت. توقفت وأغمضت عيني... وأثناء هذه الغفوة رأيت ذاك الوجه واضحاً جلياً... ودامت الرؤيا على وضوحها دقيقة أو دقيقتين ثم اختفت. و"النبي" كان محاولة مني لإعادة رسم "وجه يسوع"، وما أكثر ما عانيت في "النبي". أكون مع صحب الى مائدة... وإذا بالوجه يتراءى فجأة... فأرى منه ظلاً أو خطاً معيناً... فأتمنى... الذهاب الآن الى المحترف لأضع هذا الخط مكانه في اللوحة. وأكون أحياناً نائماً... فأستيقظ فجأة وقد اتضحت لي تفاصيل جديدة فأنهض وأرسمها". حقق جبران شهرة كبيرة في أميركا لم يبلغها أيّ من العباقرة معاصريه، ودرّت عليه كتبه أرباحاً طائلة، فنزعت من قلبه طعم المرارة، ومن قلبه حرارة الشكوى. وبينما كان متربعاً على قمة مجده الأدبي، تمكّن منه المرض، فوافته المنية في مستشفى القديس "فنسنت" في نيويورك في العاشر من نيسان من العام 1931، ونقلت رفاته الى لبنان في 21 آب من العام نفسه، ودفن في دير مار سركيس قرب بشري بحسب وصيته، في المكان الذي كان يحلم بالعودة إليه. وقد أوصى بمعظم رسومه لصديقته ماريل هاسكل التي ساعدته في طريقه الى مجده الأدبي والفني، وبأمواله لأخته مريانا التي ساعدته أيام عسره، بما كانت تجنيه بإبرتها، وبريع كتبه لبلدته بشري. وبموته بدأ جبران يعيش فينا بأدبه وفنه وفكره. منشور النبي في مسائل المجتمع "الأدفليسي" جعلت جبران أكثر من كاتب ورسام وحكيم. إنه معلم روحاني يبسط الحياة فيردها الى نقائها الطبيعي. مشى جبران قبل أن يقول كلمته التي اعتبرها رسالته في الحياة، ولم يتحقق ما كان يصبو إليه من عالم مثالي يسوده الأمن والسلام والطمأنينة والإخاء... وقد قال لصديقته مي زيادة: "لا لم أقل كلمتي بعد، ولم يظهر من هذه الشعلة غير الدخان....
استند هذا المقال الى كتابات عدة حول جبران أبرزها: "جبران في متحفه" لوهيب كيروز، ومخطوطة "جبران في عصره لتغيير عصر" للمؤلف نفسه.

تكريم العبقري الذي استبق العولمة في العالم
جبران، العبقرية اللبنانية التي عانقت العالم بالأفكار الشمولية، التي هي اليوم أساس ثقافة السلام المرتكزة على المساواة بين الرجل والمرأة والعدالة والحرية والديموقراطية والإيمان ووحدة الأديان والسلام بين الشعوب. جبران، الذي استبق العولمة ووضع حلولاً للمشاكل الإنسانية والثقافية، كُرّم في مختلف دول العالم من خلال نشاطات متعددة خلّدت اسمه هنا بعضها:
حديقة جبران في واشنطن:
في أوائل التسعينات، أنشـئت حديقـة بالقـرب مـن المكتبة الوطنية في واشنطن أطلق عليها اسم "جبران خليل جبران".

معرض معهد العالم العربي * باريس 1998: بجهود الكاتب الشاعر عيسى مخلوف إبن بلدة أهدن في شمال لبنان {المقيم في باريس} وبالتعاون مع لجنة جبران الوطنية أقام معهد العالم العربي في باريس معرضاً حول البعد الفني للوحات جبران تحت عنوان "جبران: فنان ورؤيوي". وشكل هذا المعرض صدمة للجمهور الفرنسي الذي تعرّف الى جبران الرسام للمرة الأولى، وعبرت عن ذلك دهشة وزيرة الثقافة الفرنسية خلال زيارتها الجناح اللبناني.

مؤتمر جبران العالمي الأول: جامعة ماريلاند سنة 1999: أقامت جامعة ماريلاند في الولايات المتحدة بالإشتراك مع لجنة جبران الوطنية المؤتمر الأول لجبران تحت عنوان: "جبران خليل جبران: داعية سلام ورائد في حقوق الإنسان" تزامناً مع إعلان منظمة الأونيسكو العام 2000العام العالمي للسلام". شارك في المؤتمر 42باحثاً وأستاذاً جامعياً وشاعراً وكاتباً، حضروا من أقطار العالم كله... وكرّس هذا المؤتمر جبران رسمياً في المناهج الجامعية الأميركية كشخصية أدبية أميركية من لبنان.

معرض جبران في متحف سرسق * بيروت 1999: استقرت لوحات جبران فوق جدران القصر العريق في الأشرفية المعروف بمتحف سرسق، في معرض يليق بصاحب النبي، تخللته قراءة دقيقة متأنية للرسائل المتبادلة بين جبران وماري هاسكل. ولقد شهد المعرض تمديد فترته الأساسية ثلاث مرات، وأمّه أكثر من 50 ألف زائر، مما شكل ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ المتحف.

حديقة جبران في بيروت: برعـاية رئيـس مجلس الوزراء تم إطلاق إسم الشاعر والأديب والفيلـسوف اللبـناني جـبران خلـيل جبران على الحديـقة الكائنة أمام مبنى الإسكـوا في الوسـط التجاري في 27 تمـوز 2000. وحـمـلت قاعـدة التمـثال في الحديقـة قول جـبـران: "لو لم يـكن لبـنان وطـني لاتخذت لبـنان وطـني".

مؤلفات حول جبران وعالمه
هناك المئات من المؤلفات والكتب التي غاصت وتعمقت في عالم جبران وفلسفته منها: * الدراسات المعاصرة، كتاب باللغة الإنكليزية عن جبران خليل جبران وعالمه، "Kalil Goubran, his Life and World “ للمؤلف النحات خليل جان جبران المقيم في بوسطن.
-كتاب للمؤلف البريطاني روبن واترفيلد "جبران خليل جبران نبي عصره".
- * "عالم جبران الفكري" مجلدان للمؤلف والكاتب وهيب كيروز (حافظ متحف جبران) .
- * "جبران خليل جبران بين الجسد والروح" للدكتور فؤاد أفرام البستاني.
- * دراسة "سيرة جبران في أبعادها الوجودية" باللغة الفرنسة للدكتور بول العاصي طوق، وهي أطروحة دكتوراه ناقشها في جامعة "ستراسبورغ". * "هذا الرجل من لبنان" للشاعرة بربارة يونغ.

أعمـالـــه
بالرغم من كثرة المصائب التي حلّت بجبران، واعتلال صحته، وقصر حياته، ترك ستة عشر كتاباً عربياً وإنكليزياً، وآلافاً من الرسوم التي نشر بعضها في كتبه. مؤلفاته باللغة العربية هي:
v الموسيقى
v عرائس المروج
v الأرواح المتمردة
v المواكب* العواصف
v الأجنحة المتكسرة
v دمعة وابتسامة
v البدائع والطرائف

أما مؤلفاته باللغة الإنكليزية فهي:
v المجـنون
v السابق
v رمل وزبد
v التائه
v حديقة النبي
v آلهة الأرض
v النبي
v يسوع ابن مريم.

moudar
11-Apr-2011, 08:40 AM
خير الدين الزركلي
هو خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس الزركلي الدمشقي، ولد في بيروت في 25 حزيران 1893م حيث كان والده تاجراً هناك، والده وأمه دمشقيان.
نشأ الزركلي في دمشق، وتعلم في مدارسها الأهلية، وأخذ عن معلميها الكثير من العلوم خاصة الأدبية منها، كان مولعا في صغره بكتب الأدب، وقال الشعر في صباه. أتم دراسته (القسم العلمي) في المدرسة الهاشمية بدمشق،ثم عمل فيها مدرساً بعد التخرج، كما أصدر مجلة (الأصمعي) الأسبوعية فصادرتها الحكومة العثمانية. انتقل إلى بيروت لدراسة الآداب الفرنسية في الكلية العلمانية (اللاييك)، بعد التخرج عين في نفس الكلية أستاذاً للتاريخ والأدب العربي.

بعد الحرب العالمية الأولى، أصدر في دمشق جريدة يومية أسماها (لسان العرب) إلاّ أنها أُقفلت، ثم شارك في إصدار جريدة المفيد اليومية وكتب فيها الكثير من المقالات الأدبية والاجتماعية.

على أثر معركة ميسلون ودخول الفرنسيين إلى دمشق حُكم عليه من قبل السلطة الفرنسية بالإعدام غيابياً وحجز أملاكه إلاّ إنه كان مغادراً دمشق إلى فلسطين، فمصر فالحجاز.

سنة 1921م تجنس الزركلي بالجنسية العربية في الحجاز، وانتدبه الملك حسين بن علي لمساعدة ابنه (الأمير عبد الله) بانشاء الحكومة الأولى في عمّان، حيث كلّف مفتشاً عاماً لوزارة المعارف ثم رئيساً لديوان الحكومة (1921ـ 1923).

ألغت الحكومة الفرنسية قرار الإعدام على الزركلي فرجع إلى سورية، ومن ثم غادرها إلى مصر، وهناك أنشأ (المطبعة العربية) حيث طبع فيها بعض كتبه وكتباً أخرى.

أصدر في القدس مع رفيقين له جريدة (الحياة) اليومية، إلاّ أن الحكومة الإنجليزية عطّلتها فأنشأ جريدة يومية أخرى في (يافا)، واختير عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1930.

عينه الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود سنة 1934 مستشاراً للوكالة ثم (المفوضية) العربية السعودية بمصر، كما عُيّن مندوباً عن السعودية في مداولات إنشاء (جامعة الدول العربية)، ثم كان من الموقعين على ميثاقها.

مثّل الأمير فيصل آل سعود في عدة مؤتمرات دولية، وشارك في الكثير من المؤتمرات الأدبية والاجتماعية، وفي عام 1946م عين وزيراً للخارجية في الحكومة السعودية متناوباً مع الشيخ يوسف ياسين، وكذلك متناوباً معه العمل في جامعة الدول العربية، واختير في نفس العام عضواً في مجمع اللغة العربية بمصر.
عام 1951م عين وزيراً مفوضاً ومندوباً دائماً لدى جامعة الدول العربية، فاستقر في مصر، وهناك باشر بطبع مؤلفه (الأعلام).

من عام 1957م وحتى عام 1963، عين سفيراً ومندوباً ممتازاً (حسب التعبير الرسمي) للحكومة السعودية في المغرب كما انتخب في المجمع العلمي العراقي سنة 1960.

منحته الحكومة السعودية بسبب مرض ألمّ به إجازة للراحة والتداوي غير محدودة، فأقام في بيروت وعكف على إنجاز كتاب في سيرة عاهل الجزيرة الأول (الملك عبد العزيز آل سعود) وأخذ يقوم من حين لآخر برحلات إلى موطنه الثاني السعودية ودمشق والقاهرة وتركيا وإيطاليا وسويسرا. قام برحلات إلى الخارج يذكر أنها أفادته كثيراً.
q ـ إلى إنجلترا سنة (1946) ومنها إلى فرنسا، ممثّلا للحكومة السعودية في اجتماعات المؤتمر الطبي الأول في باريس.
q ـ إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة (1947) بمهمة رسمية غير سياسية، حضر خلالها بعض اجتماعات هيئة الأمم المتحدة.
q ـ إلى أثينا العاصمة اليونانية سنة (1954) بصفة (وزير مفوض ومندوب فوق العادة) وجعل طريق عودته منها إلى استنابول لزيارة بعض مكتباتها.
q ـ إلى تونس سنة (1955) مندوباً لحضور مؤتمر أقامه الحزب الدستوري فيها، ومنها إلى إيطاليا لزيارة أهم مكتباتها.
كان شاعراً مجيداً، ومؤرخاً ثقة، ويكفيه أنه صاحب الأعلام.
قام خير الدين الزركلي في مصر بدور مميز في تنفيذ المهمات القومية السياسية والإعلامية، وذلك من خلال اللقاءات والاجتماعات وكتابة المقالات ونشر الأشعار القومية والوطنية. وتناول الزركلي المستعمرين وأذنابهم بنبرة حادة خشيها الفرنسيون في سوريا كثيراً، فحكموا عليه غيابياً بالإعدام وبحجز أملاكه، وقد تلقى الزركلي النبأ برباطة جأش وقال:
نذروا دمي حنقاً علي وفاتهم أن الشقـي بما لقيت سعيد
الله شاء لي الحياة وحاولـوا ما لم يشـأ ولحكمه التأييد

وعندما انطلقت الثورة السورية عام 1925م، انطلقت ثورة الزركلي الشعرية بكل لهيبها وروحيتها العربية، فأخذ ينظم القصائد ويرسلها إلى دمشق إماّ منشورة على صفحات الجرائد المصرية، وإماّ بوسائل النقل الأخرى، فأصبحت أبيات قصائده الوطنية على ألسنة الناس يتغنون بها في شوارع المدن السورية. وكانت ردود الفعل الفرنسية أقوى من ردود فعلها عام 1920م فأذاعت حكماً عليه ثانياً غيابياً بالإعدام، وطالبت الحكومة المصرية بإسكاته أو طرده من مصر غير أن الزركلي لم يكترث وظل يرسل قصائده الوطنية من القاهرة سراً، شاحذاً همم العرب حتى لا يسكتوا على الاستعمار ولا يتوانى أحدهم عن النضال. يقول:
تأهبوا لقراع الطامعين بكم ولا تغركــم الآلاء والنعم

كان الزركلي يراقب ويتابع أحداث وطنه من بعيد، لذلك نراه يشارك إخوانه آلامهم حين ضربت دمشق بالقنابل عام 1925م، فيقول في قصيدته (بين الدم والنار):
الأهل أهلـي والديار دياري وشعار وادي النيربين شعاري
ما كان مـن ألم بجلق نازل وأرى الزناد فزنده بـي واري

ويحس الزركلي أن دم الثوار الذي يراق في دمشق هو دمه، فيقول:
إن الدم المهـراق في جنباتها لدمي وأن شــفارها أشفاري
دمعي لما منيـت به جار هنا ودمي هناك على ثراها جـاري

بنى الزركلي علاقات حميمة مع الكتاب والشعراء والمفكرين في مصر، من منطلق أهمية الكلمة التحضيرية في تعزيز الشعور الوطني والقومي في نفوس الجماهير العربية التي تعيش الهم القومي بكل جوانبه من هؤلاء الشاعر أحمد شوقي الذي ألقى قصيدته في حفل أقيم في القاهرة عام 1926، لإعانة منكوبي سوريا حين قامت بالثورة ضد المستعمر الفرنسي والتي مطلعها:
سلام من صبا بردى أرقّ ودمع لا يكفكف يا دمشق

يشخص الزركلي صورة الدأب العلمي المنتج في كتابه الأعلام الذي جمع فيه فأوعى فكان بحق أيسر وأشمل معجم عربي مختصر في تاريخ الرجال. فكان الزركلي في حياته مثالاً: للثائر والشاعر والباحث.
في الخامس والعشرين من تشرين الثاني عام 1976، توفي أبو الغيث خير الدين الزركلي.
q له من المؤلفات :
q ـ كتاب (ما رأيت وما سمعت)، سجل فيه أحداث رحلته من دمشق إلى فلسطين فمصر فالحجاز.
q ـ الجزء الأول من ديوان أشعاره، وفيه بعض ما نظم من شعر إلى سنة صدوره (1925).
q كتاب (عامان في عمّان)، مذكرات الزركلي أثناء إقامته في عمّان وهو في جزآن.
q ـ ماجدولين والشاعر، قصة شعرية قصيرة.
q ـ كتاب شبه الجزيرة في عهد الملك بن عبد العزيز.
q ـ كتاب (الأعلام)، وهو قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين يقع في ثمانية مجلدات.
q ـ الملك عبد العزيز في ذمة التاريخ.
q ـ صفحة مجهولة من تاريخ سوريا في العهد الفيصلي.
q ـ الجزء الثاني من ديوان أشعاره (1925ـ 1970).
q ـ قصة تمثيلية نثرية أسماها (وفاء العرب).

moudar
12-Apr-2011, 05:09 AM
الشيخ محمد أمين الحسيني
"لا يموت حق وراءه مُطالب"، إن كان هناك مثال عملي لهذه المقولة فإنه محمد أمين الحسيني، عاش الرجل بهموم قضية فلسطين حتى آخر نفس في حياته، أثناء حياته دعت المنظمات اليهودية لقتله قائلة: "يجب أن يموت أمين الحسيني حتى نجد من الفلسطينيين من يتفاوض معنا".
وبعد موته قال أحد زعماء إسرائيل: "قد كان مقدراً أن تنشأ دولة إسرائيل خلال عشر سنوات أو خمس عشرة سنة من بدء المشروع، ولكن أمين الحسيني جعل الأمر يحتاج إلى عشرات السنين".
النشأة
وُلِد محمد أمين الحسيني في القدس عام 1897م، والده هو طاهر الحسيني مفتي القدس (وكانت العائلة جاءت من الحجاز منذ استعاد صلاح الدين الأيوبي القدس، ونزلت في القدس بعض فروع العائلة غزة واللد)، ومن ثَم نشأ محمد في بيت علم وتقوى وصلاح، تلقَّى القرآن واللغة العربية والعلوم الدينية في بيت والده، فقد خصص له والده عدداً من العلماء والأدباء لتعليمه في البيت، وقد أرسله والده إلى مدارس القدس الابتدائية والثانوية كسائر أبناء البلدة، ثم أدخله مدرسة الفرير لمدة عامين لتعلم الفرنسية، ثم أرسله والده إلى جامعة الأزهر بالقاهرة ليستكمل عدته، وقد اجتهد الشاب في تحصيل العلم أيضًا في كلية الآداب في الجامعة المصرية، وكذلك في مدرسة محمد رشيد رضا "دار الدعوة والإرشاد"، وفي إجازة له في القدس عام 1914م قامت الحرب العالمية الأولى، فلم يستطع العودة لاستكمال دراسته، فوجَّهه والده إلى إستانبول لاستكمال عدته العلمية في معاهدها، ولكن الشاب آثر الالتحاق بكليتها العسكرية، وتخرج ضابطاً في الجيش العثماني، وقد عمل في عدة مراكز عسكرية، وبذلك اجتمع للشاب عُدَّة من الكفاية العلمية والعسكرية، وكان أدى فريضة الحج مع والدته في عام 1913م، فاكتسب لقب الحاج من حينها. وقد ترك الخدمة العسكرية مع نهاية الحرب العالمية الأولى.
الوظائف والمناصب
q أسس ورأس "النادي العربي" 1915م، وهو أول منظمة سياسية عرفتها فلسطين، وانطلقت منها الحركة الوطنية الفلسطينية، ثم عمل معلمًا بمدرسة روضة المعارف الوطنية.
q انتخب مفتيًا للقدس عام 1921م خلفاً لشقيقه كامل الحسيني.
q رأس أول مجلس للشئون الإسلامية والأوقاف والمحاكم الشرعية وهو المجلس الإسلامي الأعلى لفلسطين عام 1922م.
q أشرف على إعادة تنظيم المحاكم الشرعية في سائر قطاعات فلسطين (18 محكمة شرعية).
q استعاد الإشراف على الأوقاف الإسلامية بعد أن كانت في يد النائب العام (وهو اليهودي الإنجليزي بنتويش).
q تأسيس وتقوية المدارس الإسلامية في كل أنحاء فلسطين.
q تأسيس الكلية الإسلامية (من 1924م إلى 1937م).
q تأسيس والإشراف على "دار الأيتام الإسلامية الصناعية" في القدس.
q رئاسة لجنة إعادة إعمار وترميم المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وهو المشروع الذي تم في عام 1929م.
q رئاسة المؤتمر الإسلامي العام - وهو الذي بدأ منذ عام 1931م في القدس من أجل القضية الفلسطينية، وتكرر عقده برئاسته في مكة وبغداد وكراتشي وغيرها.
q تكوين جمعيات "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" للإصلاح بين المتخاصمين ومقاومة الدعوة الصهيونية للعرب ببيع أرضهم.
q تنسيق الجهود والإشراف على إعداد التنظيمات المسلحة في أرض فلسطين، والتي أثمرت "جيش الجهاد المقدس" في أطواره المختلفة.
q تأسيس ورئاسة "اللجنة العربية العليا لفلسطين".
q المشاركة في ثورة رشيد علي الكيلاني في العراق ضد الإنجليز عام 1941م.
q إنشاء مكاتب للحركة العربية والقضية الفلسطينية في برلين وروما، ثم في أماكن مختلفة من أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
q رئاسة "الهيئة العربية العليا لفلسطين" والتي تشكلت بموجب قرار من جامعة الدول العربية عام 1946م.
q رئاسة وفد فلسطين في مؤتمر باندونج عام 1955م، وقد حضر الوفد بصفة مراقب.
q تنسيق جهود الأعمال الفدائية بعد حرب 1948م.
q رئاسة "المؤتمر الوطني الفلسطيني" عام 1948، والذي أعلن حكومة عموم فلسطين ووضع دستورها، وبرنامج الحكومة.

جهاده للقضية الفلسطينية
شارك أمين الحسيني في العمل الوطني الفلسطيني منذ نهاية الحرب العالمية الأولى في عام 1918م، وشارك في عقد المؤتمر العربي الفلسطيني" الأول عام 18/1919م، والمظاهرات الفلسطينية في عام 1920م، وقد اتهمته السلطات البريطانية بأنه وراء هذه المظاهرات، وهاجم شباب القدس القافلة البريطانية المشرفة على ترحيله للسجن، وهرب إلى سوريا، وحكم عليه غيابيًّا بالسجن 15 سنة، وتحت ضغط الغضب الفلسطيني تم العفو عنه، وبعد عودته بأشهر يُتَوفَّى شقيقه مفتي القدس، ويرشِّحه رجال فلسطين لخلافه شقيقه وهو ابن خمسة وعشرين عامًا، ويفوز الشاب بالمنصب، ولكنه لا يكتفي بهذا، فيطالب بتشكيل هيئة إسلامية تشرف على كافة الشئون الإسلامية في فلسطين، وينجح في حمل السلطة البريطانية على الموافقة، ويفوز في انتخابات رئاسة هذه الهيئة، ويعمد من خلال هذه الهيئة إلى تنظيم الشعب الفلسطيني، فينظم الجمعيات الكشفية، وفرق الجوالة، وإعدادها إعدادًا جهاديًّا، ويتصل بكافة المخلصين من أمثال عزِّ الدين القسَّام وعبد القادر الحسيني وغيرهما، لتنظيم جمع السلاح وتدريب المجاهدين لمقاومة المؤامرة الصهيونية.
وقد توجهت الدعاية المعارضة لأمين الحسيني لتظهره وكأنه الرجل المسالم للإنجليز، وفي لقاء بينه وبين بعض قادة العمل الوطني على رأسهم عبد القادر الحسيني يدور الحديث عن موقفه من مقاومة الإنجليز، فيرد الرجل قائلاً: ما رأيكم أن تقاوموا أنتم الإنجليز وتتركوني لمقاومة اليهود؟
وأحسَّ القوم أن الرجل له علم ونظرة أعمق من مجرد دفع عدو ظاهر، وأن الأمر أخطر من مجرد السيطرة الإنجليزية، وأن هذه السيطرة ستار لمؤامرة استيطانية شيطانية، وتتوحد الجهود، ويكون عبد القادر الحسيني قائداً للأعمال العسكرية، والمفتي أمين الحسيني هو الواجهة السياسية، والمنسق (من خلال منصبه واتصالاته) للجهود العسكرية، وتوفير التمويل اللازم لكافة الجهود لنصرة القضية الفلسطينية، وتتحرك الثورة عام 1929م، ثم في عام 1933م، ثم تكون الثورة الكبرى عام 36 - 1939م، ويتولى أمين الحسيني مسئولية اللجنة العربية العليا لفلسطين"، وهي لجنة سرية لتنسيق الجهود على مستوى الدول العربية لنصرة القضية الفلسطينية، وتتعقب بريطانيا المفتي في كل مكان، ويلجأ الرجل للمسجد الأقصى يدير الثورة من داخله، ويصدر قرار بإقالة المفتي من جميع مناصبه من السلطة الإنجليزية.
ويضطر الفتى إلى الخروج من فلسطين إلى لبنان، وقد وقع في قبضة السلطة الفرنسية بها، وترفض فرنسا تسليمه للسلطة البريطانية، وتسمح له بالعمل في الفترة من 37 إلى 1939م، ومع بشائر الحرب العالمية الثانية، تقرر السلطة الفرنسية القبض عليه ونقله للسجن، فيهرب إلى العراق، وهناك يشجع الضباط العراقيين على الثورة، وتقوم ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941م، ويناصر المفتي الثورة، ويشترك معه مجموعات فلسطينية على رأسها عبد القادر الحسيني الذي يشترك في مقاومة التقدم الإنجليزي في العراق، ومع بشائر الفشل للثورة ينتقل إلى طهران، ثم انتقل سرًّا بين عدة عواصم أوروبية حتى انتهى به الأمر إلى برلين، وقد التقى في هذه المرحلة مع قادة دول المحور سواء في إيطاليا أو ألمانيا، ولم يكن الأمر مفاجئاً، فقد أجرى المفتي اتصالات سابقة مع القيادة الألمانية في بداية الحرب، وهذا أمر طبيعي، فالدول العربية كلها تقريبًا ليس بينها وبين ألمانيا عداوة، ثانيًا ألمانيا صارت العدو القوي المواجه لكل من إنجلترا وفرنسا "وهما الدولتان اللتان يحتلان أغلب الدول العربية".
q وكانت رسالة المفتي السابقة على وصوله لألمانيا تتضمن المطالب الآتية:
q الاعتراف الرسمي من جانب دول المحور باستقلال كل من: مصر، السعودية، العراق، اليمن.
q الاعتراف بحق البلدان العربية الخاضعة للانتداب: سورية، لبنان، فلسطين والأردن بالاستقلال.
q الاعتراف بحق البلدان الخاضعة للاحتلال الإنجليزي بالاستقلال: السودان، البحرين، الكويت، عمان، قطر، حضرموت، إمارات الخليج العربي.
q إعادة عدن وبقية الأجزاء المنفصلة عن اليمن، والتي يستعمرها الإنجليز.
q الإعلان من قبل دول المحور أنها لا تطمع في مصر والسودان.
q الاعتراف بحق العرب في إلغاء الوطن القومي اليهودي وعدم الاعتراف به.
q وفي لقاء مع هتلر في عام 1941م، رد هتلر أن هذه المطالب سابقة لأوانها، وأنه عند هزيمته لقوات الحلفاء في هذه المناطق يأتي وقت مثل هذا الإعلان، ثم كانت المفأجاة عندما عرض أمين الحسيني في لقائه الثاني تكوين جيش عربي إسلامي من المتطوعين في الشمال الأفريقي وشرق المتوسط لمقاومة الحلفاء، فكان رد هتلر "إنني لا أخشى الشيوعية الدولية، ولا أخشى الإمبريالية الأمريكية البريطانية الصهيونية، ولكن أخشى أكثر من ذلك كله هذا الإسلام السياسي الدولي، ومن ثَم بدأ الرجل يضع قواعد للاستفادة من الوضع الراهن، فبدأ يستفيد من وجوده بالأوجه الآتية.
q فتح أبواب الكليات العسكرية الألمانية لتدريب الشباب العربي والفلسطيني بما يُعَدُّ نواه لجيش الجهاد المقدس في طوره الثاني.
q العمل على استصدار بيان من قيادة المحور يضمن الاستقلال لأكبر عدد من الدول العربية بعد انتصار المحور على الحلفاء في هذه البلاد.
q العمل على الحصول على أكبر كمية من الأسلحة وتخزينها، استعداداً لمرحلة قادمة، وقد قام بالفعل بتخزين السلاح في مصر وليبيا وجزيرة رودس. نجح في تكوين معهد لإعداد الدعاة في إلمانيا، وقام بإقناع القيادة الألمانية في وضع داعية في كل الفرق العسكرية التي بها مسلمون، وفي نفس الوقت دفع بعض الشباب المسلم العربي بها على الاشتراك في الجيش لتدريب على كافة الأعمال القتالية.
q نجح في وقف الأعمال الإرهابية ضد البوسنة (البوشناق) من جانب الصرب، ونجح في إقناع القيادة الألمانية بتشكيل جيش بوسني لمنع تكرار هذه المذابح، وتم بالفعل تكوين جيش من 100 ألف بوسني، ولكن تم تسريحه بعد انتهاء الحرب.

مطاردة من جديد
استطاع المفتي الهروب إلى ألمانيا في اللحظات الخيرة قبل سقوط برلين، وتم القبض عليه في فرنسا، وقضى يومين في زنزانة مظلمة، ولكنه تقدم للضابط المسئول وعرَّفه بنفسه ومكانته، وطالب أن يعامل بالشكل اللائق، وبالفعل انتقل لمنزل جنوب باريس، وعندما أعلن عن وجوده في فرنسا، بدأت المطاردة له من السلطات البريطانية والأمريكية، والصهيونية داخل فرنسا، ورفضت فرنسا أن تسلِّمه بسبب خلافها مع المصالح البريطانية والأمريكية، وحرصًا على عدم استثارة المشاعر الإسلامية، وتدخل ملك المغرب ورئيس تونس أثناء وجودهما في باريس، وطالَبَا باصطحاب المفتي معهما، وتدخلت الجامعة العربية، ورئيس باكستان محمد علي جناح، من أجل سلامة المفتي، ورفضت فرنسا، وبدأت المقايضة الأمريكية مع مشروعات إعادة إعمار فرنسا بتمويل أمريكي، وقبل أن تقرر فرنسا تسليمه لأمريكا استطاع أن يهرب المفتي من فرنسا عن طريق استخدام جواز سفر لأحد أنصاره في أوروبا، وهو الدكتور معروف الدواليبي بعد استبدال الصورة. ونجح المفتي في الوصول إلى القاهرة عام 1947م، ويظل متخفيًا بها عدة أسابيع حتى استطاع أن يحصل على ضيافة رسمية من القصر الملكي تحميه من المطاردة الدولية لشخصه.
ويبدأ الحاج أمين الحسيني في تنظيم صفوف المجاهدين من القاهرة، وتدخل القضية الفلسطينية طورها الحرج، وتعلن الأمم المتحدة مشروع التقسيم، وتعلن دولة إسرائيل، ويرأس المفتي الهيئة العربية العليا لفلسطين، وتبدأ الحرب، وتبدأ المؤامرات والخيانات، وتقوم بعض الدول العربية بمنع المجاهدين من الاستمرار في مقاومة العصابات الصهيونية، وذلك بحجة أن جيوشهم سوف تقوم بهذه المهمة، ثم يبدأ مسلسل الخيانات لاستكمال المؤامرة، وتنتهي الحرب بهزيمة الجيوش الدول العربية، ويتم حمل المفتي من خلال موقعه كرئيس للهيئة العربية العليا على أن يصدر أمرًا للمجاهدين الفلسطينيين بوضع السلاح، وما إن يتخلص المفتي من بعض القيود حتى يسرع لعقد المؤتمر الفلسطيني في القدس ليعلن استقلال فلسطين وقيام حكومتها، ولكن مصر تعتقل المفتي وحكومة عموم فلسطين وتحدد إقامتهم في القاهرة، ومع قيام الثورة، يبدأ المفتي في تنظيم الأعمال الفدائية على كافة الجبهات، وتستمر العمليات حتى عام 1957م. وفي نفس الوقت ينشط في الجانب السياسي على مستوى الدول العربية والإسلامية، وبعض من الدول الآسيوية؛ وذلك لتأييد الحق الفلسطيني في وطنه، ودعم الجهاد المسلح في مواجهة العدو الإسرائيلي، ويمثل فلسطين في تأسيس حركة عدم الانحياز عام 1955م في مؤتمر باندونج، ولكن تدريجيًّا يتم تقييد حركته السياسية ووقف العمل الفدائي من عام 1957م على معظم الجبهات، وتظهر بشائر مؤامرة جديدة، ومحاولة لإنهاء القضية في خطوات سلمية، وتظهر خطة التسوية مع أعوام 1959م، 1960م والمعروفة بخطة هامر شولد، وهي الخطة التي وافقت عليها دولة المواجهة العربية مقابل ثلاثة مليارات من الدولارات، وينتقل الحاج أمين الحسيني إلى بيروت عام 1961م، وينقل إليها مقر الهيئة العربية العليا، ويفضح الرجل خطوط المؤامرة، وتفشل الخطة.
وتبدأ خطة عربية بإنشاء كيان بديل للهيئة العربية العليا، وتبدأ بإصدار قرار من جامعة الدول العربية بإنشاء كيان فلسطيني عام 1963م، وينشأ الكيان تحت رعاية مصر باسم "منظمة التحرير الفلسطينية" عام 1964م، ويعين رئيساً له "أحمد الشقيري" الذي يخضع للتوجهات العربية، وبعد نكسة عام 1967م، يبدأ الرجل من جديد نشاطه من أجل القضية، موضحاً موقفه الثابت أن القضية لن يتم حلها إلا بالجهاد المسلح، ويستمر الرجل في نضاله حتى تُفضي روحه إلى بارئها عام 1974م شاهدة على عصر الخيانات الكثيرة والتضحيات الكبيرة، ولم يجرؤ أحد من القادة الفلسطينيين أن يدعو إلى حل سياسي إلا بعد اختفاء روح المقاتل محمد أمين الحسيني من ساحة القضية الفلسطينية.

moudar
13-Apr-2011, 01:40 AM
سلطان باشا الأطرش


ولد سلطان باشا الأطرش في عام 1889، في قرية (القرياّ) قضاء صلخد في جبل العرب، والده ذوقان بن مصطفى بن إسماعيل الثاني مؤسس المشيخة الطرشانية (1869)، قاد معركة ضارية في نواحي الكفر عام 1910، وهي إحدى معارك أبناء الجبل ضد سامي باشا الفاروقي، والتي كانت تشنها السلطنة العثمانية على جبل الدروز لكسر شوكته وإخضاعه لسيطرتها، أعدمه الأتراك شنقاً بسبب تمرده عام 1911. أماّ والدة سلطان فهي شيخة بنت إسماعيل الثاني.
أدى سلطان الأطرش الخدمة العسكرية في بلاد الرومللي، ومنذ عودته تابع الاتصال بالحركات العربية بفضل علاقته الدائمة بدمشق، فصارت (القرياّ) ملجأ ومعقلاً للفارين من الأتراك وللمناضلين الملتحقين بالثورة العربية في العقبة... وكان سلطان الأطرش أول من رفع علم (الثورة العربية) على أرض سورية قبل دخول جيش فيصل، حيث رفعه على داره في القرياّ، وكان في طليعة الثوار الذين دخلوا دمشق سنة 1918، بعد أن رفع العلم العربي في ساحة المرجة فوق مبنى البلدية بدمشق، منحه الملك (فيصل الأول) لشجاعته لقب (أمير) عام 1916، كما منحه أيضاً رتبة فريق في الجيش العربي، وهو يوازي لقب باشا.
في تموز 1920، جهز سلطان الأطرش قوات كبيرة لملاقاة الفرنسيين في ميسلون، لكنه وصل متأخراً بعد انكسار الجيش العربي واستشهاد القائد يوسف العظمة وزير الدفاع.
في 7 تموز 1922، كانت ثورته الأولى على الفرنسيين لاعتدائهم على التقاليد العربية في حماية الدخيل، حين اعتقلوا (أدهم خنجر) الذي كان في حماية الأطرش بينما كان غائباً عن داره، وكان خنجر قد لجأ إليه وطلب حمايته بعد عملية اشترك بها واستهدفت اغتيال الجنرال غورو.
بالغ الفرنسيون في طغيانهم وظلمهم لأهالي سورية الذين لم يعد أمامهم سوى الثورة. وهكذا انطلقت (الثورة السورية الكبرى) وامتدت إلى كل الديار السورية، ودامت حتى عام 1927، وقد تولى سلطان باشا الأطرش قيادتها بالإجماع، وتعد من أهم الثورات ضد الاحتلال الفرنسي باعتبارها شملت عدة مناطق في سورية، ووصلت إلى قسم من لبنان، وامتازت بمعارك حربية بين الثوار وقوات الاحتلال الفرنسية التي منيت بخسائر فادحة في الأرواح والمعدات. وكان من أبرز هذه المعارك: معركة (الكَفر) في تموز عام 1925، ومعركة (المزرعة) في أول آب 1925، ومعارك الإقليم الكبرى، ومعركة صلخد، والمسيفرة، والسويداء وغيرها.
وبتاريخ 23 آب 1925 أعلن السلطان الأطرش الثورة رسمياً ضد الفرنسيين، فانضمت دمشق وحمص وحماه ونواحيها إلى الثورة، وأبلى الثوار بلاءً حسناً في إنزال الهزائم بجيوش المستعمرين الفرنسيين... حتى إن فرنسا اضطرت بفعل هذه الهزائم إلى عزل مفوضيها الساميين وضباطها العسكريين في سورية وتعيين البدائل عنهم، كما حصل مثلاً مع المفـوض السامـي (سرايل) بعـد مهاجمة الثـوار لقصر العظـم بدمشق، فعينت المسيو (دي جوفنيل) وقصفت دمشق بالطيران لمدة 24ساعة متواصلة كما أرسلت فرنسا أحد أبرز قياديها الجنرال (غاملان) بعد تزايد قوة الثوار وانتصاراتهم.
وعندما هزت هذه الانتصارات فرنسا الاستعمارية، وجدت نفسها أمام مأزق كبير فلجأت إلى إرسال آلاف الجنود إلى سورية ولبنان مزودين بأحدث الأسلحة، مقابل قلة مصادر تموين الثوار، مما أدى إلى قلب الميزان لصالح الفرنسيين، فأعادوا سيطرتهم على كثير من المدن بعد أن استمرت المقاومة الباسلة حتى ربيع عام 1927، وكان الفرنسيون قد حكموا على سلطان الأطرش بالإعدام.
أجبرت الثورة الفرنسيين على إعادة توحيد سورية بعد أن قسمتها إلى أربع دويلات: دمشق، وحلب، وجبل العلويين، وجبل الدروز... كما اضطرت إلى الموافقة على إجراء انتخابات فازت فيها المعارضة الوطنية بقيادة إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي.
بعد توقف الثورة نزح سلطان الأطرش بجماعات من الثوار إلى الأزرق في الأردن، وبعد توقيع معاهدة 1936 بين سورية وفرنسا عاد الأطرش إلى سوريا بعد إعلان العفو العام عن الثوار من قبل الانتداب الفرنسي.
لم يتوقف نضال سلطان الأطرش عند هذا الحد، بل شارك أيضاً بفعالية في الانتفاضة السورية عام 1945، والتي أدت إلى استقلال البلاد، كما دعا في العام 1948 إلى تأسيس جيش عربي موحد لتحرير فلسطين، وبالفعل تطوع المئات من الشباب واتجهوا للمشاركة الفعلية في حرب 1948.
وأثناء حكم الشيشكلي، تعرض سلطان لمضايقات كثيرة نتيجة اعتراضه على سياسة الحكم، فغادر الجبل إلى الأردن في كانون ثاني 1954، عندما عمّ الهياج أنحاء سورية لاسيما بين الطلبة الذين كانوا في حالة إضراب مستمر، واعتقل العديدون بينهم منصور الأطرش أحد أبناء سلطان الأطرش، فجرت محاولة درزية لإخراجه من السجن أدت إلى اشتباك مسلح، سرعان ما تحولت إلى معركة في جبل الدروز، وعاد الأطرش إلى بلده بعد سقوط الشيشكلي.
أيد سلطان الأطرش الانتفاضة الوطنية التي قادها الزعيم الدرزي كمال جنبلاط في لبنان عام 1958، ضد سياسة كميل شمعون، كما بارك الوحدة العربية التي قامت بين مصر وسورية عام 1958، ووقف بحزم وثبات ضد عملية الانفصال عام 1961.
وكان جمال عبد الناصر قد كرم سلطان باشا الأطرش في عهد الوحدة فقلده أعلى وسام في الجمهورية العربية المتحدة، أثناء زيارته لمحافظة السويداء.
عام 1966 بعث الأطرش خطاب احتجاج مفتوح إلى هيئة الأركان، عندما كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع بسبب حملة التطهير الجماعية للضباط الدروز من الجيش عقب فشل انقلاب الرائد الدرزي سليم حاطوم على نظام صلاح جديد.
وفي عام 1970، كرم الرئيس السوري حافظ الأسد الأمير سلطان باشا الأطرش لدوره التاريخي في الثورة السورية.
توفي سلطان باشا الأطرش عام 1982، وحضر جنازته حوالي مليون شخص، وأصدر رئيس الجمهورية رسالة حداد شخصية تنعى القائد العام للثورة السورية الكبرى.


دعوة سلطان باشا الأطرش إلى الثورة ضد الفرنسيين

بيان صدر في 23 آب (أغسطس) 1925


إلى السلاح، إلى السلاح
يا أحفاد العرب الأمجاد. هذا يوم ينفع المجاهدين من جهادهم، والعاملين في سبيل الحرية والاستقلال عملهم. هذا يوم انتباه الأمم والشعوب. فلننهض من رقادنا ولنبدد ظلام التحكم الأجنبي عن سماء بلادنا. لقد مضى علينا عشرات السنين ونحن نجاهد في سبيل الحرية والاستقلال، فلنستأنف جهادنا المشروع بالسيف بعد أن سكت القلم، ولا يضيع حق وراءه مطالب.

أيها السوريون، لقد أثبتت التجارب أن الحق يؤخذ ولا يعطى، فلنأخذ حقنا بحد السيوف، ولنطلب الموت توهب لنا الحياة.

أيها العرب السوريون، تذكروا أجدادكم وتاريخكم وشهداءكم وشرفكم القومي. تذكروا أن يد الله مع الجماعة، وأن إرادة الشعب من إرادة الله، وأن الأمم المتحدة الناهضة لا تنالها يد البغي. لقد نهب المستعمرون أموالنا، واستأثروا بمنافع بلادنا، وأقاموا الحواجز الضارة بين وطننا الواحد، وقسمونا إلى شعوب وطوائف ودويلات، وحالوا بيننا وبين حرية الدين والفكر والضمير، وحرية التجارة والسفر، حتى في بلادنا وأقاليمنا.

إلى السلاح أيها الوطنيون، إلى السلاح، تحقيقاً لأماني البلاد المقدسة. إلى السلاح تأييداً لسيادة الشعب وحرية الأمة. إلى السلاح بعدما سلب الأجنبي حقوقكم، واستعبد بلادكم، ونقض عهودكم، ولم يحافظ على شرف الوعود الرسمية، وتناسى الأماني القومية.

نحن نبرأ إلى الله من مسؤولية سفك الدماء، ونعتبر المستعمرين مسؤولين مباشرة عن الفتنة. يا ويح الظلم ‍ لقد وصلنا من الظلم إلى أن نُهان في عقر دارنا. فنطلب استبدال حاكم أجنبي محروم من مزايا إنسانية، بآخر من بني جلدته الغاصبين، فلا يُجاب طلبنا بل يُطرد وفدنا كما تطرد النعاج.

إلى السلاح أيها الوطنيون، ولنغسل إهانة الأمة بدم النجدة والبطولة. إن حربنا اليوم هي حرب مقدسة. ومطالبنا هي:
1) وحدة البلاد السورية، ساحلها وداخلها، والاعتراف بدولة سورية عربية واحدة مستقلة استقلالاً تاماً.
2) قيام حكومة شعبية تجمع المجلس التأسيسي لوضع قانون أساسي على مبدأ سيادة الأمة سيادة مطلقة.
3) سحب القوى المحتلة من البلاد السورية، وتأليف جيش وطني لصيانة الأمن.
4) تأييد مبدأ الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان في الحرية والمساواة والإخاء.

إلى السلاح، ولنكتب مطالبنا هذه بدمائنا الطاهرة كما كتبها أجدادنا من قبلنا.

إلى السلاح والله معنا. ولتحيا سوريا العربية حرة مستقلة.
سلطان الأطرش
قائد عام جيوش الثورة الوطنية السورية

moudar
14-Apr-2011, 09:30 AM
روز اليوسف


ولدت بمدينة طرابلس بلبنان عام 1897 اسمها الحقيقي فاطمة محمد محيي الدين اليوسف، بدأت حياتها الفنية في فرقة ( اسكندر) بتمثيل الأدوار المساعدة، ثم عملت في فرقة عزيز عيد و جورج أبيض وكانت البطلة الأولي في فرقة (رمسيس) ليوسف وهبي ومن أشهر أدورها :

v غادة الكاميليا

v أوبريت العشرة الطيبة

v دافيد كويرفيلد

v التاج والفضيلة

روز اليوسف هي رائدة الصحافة في مصر و والدة الكاتب المعروف إحسان عبد القدوس و معلمة و قائدة لجيل من أهم كتابي و صحافي مصر الذين بدأو خطواتهم الأولى في مدرسة روز اليوسف.

صاحبة مجلة روز اليوسف التي صدر العدد الأول منها 26/10/1925 وكان للصحفي محمد التابعي دورا كبيرا في إنشائها وكانت في بداية الأمر معنية بالأخبار الفنية ثم اتجهت إلى السياسة و وهبت روز اليوسف مجلتها لخدمة قضايا الوطن فخاضت في سبيل ذلك معارك طاحنة ضد الملك و الانجليز، كما أصدرت جريدة " روز اليوسف " اليومية و التي كان من ابرز محرريها عباس العقاد و محمود عزمي ، كما أصدرت مجلات أخرى منها :

1) الرقيب

2) صدي الحق

3) الشرق الأدنى

4) مصر حرة

روز اليوسف".. سارة برنار الشرق

ولدت "روزاليوسف" التي تسمت بعد ذلك بـ"فاطمة يوسف" في لبنان سنة (1306هـ= 1888م) وأصبحت يتيمة وهي في السابعة من عمرها، ورحلت إلى مصر وهي في الرابعة عشرة حيث بدأت حياتها كممثلة ناشئة في فرقة "عزيز عيد" المسرحية، وتعلمت في تلك الفترة القراءة والكتابة والتمثيل، وأصبحت الممثلة الأولى في مصر، وأطلق عليها النقاد "سارة برنار الشرق".

* تزوجت من الفنان "محمد عبد القدوس" وأنجبت منه "إحسان" الذي أصبح من كبار أدباء مصر، وبعد نجاحاتها الفنية على مدى أربعة عشر عاما قررت أن تعتزل التمثيل وتتجه إلى الصحافة، فأصدرت في (8 من ربيع آخر 1344هـ- 26 من أكتوبر 1925م) مجلة فنية اسمها "روزاليوسف" انتشرت انتشارا واسعا، ثم ما لبث أن تحولت هذه المجلة إلى السياسة، وكان أول تحقيق صحفي لها أثناء محاكمة محمود فهمي النقراشي وأحمد ماهر في إحدى القضايا السياسية.

*تقاربت فاطمة اليوسف مع حزب الوفد الذي قام بضمها إليه هي ومجلتها، وتعرض حزب الوفد في تلك الفترة لحملة انتقادات عنيفة وأطلق عليه خصومه "حزب روزاليوسف" فرد عليهم النحاس باشا بأن الوفد يفخر بأن ينتسب إلى "روزاليوسف".

* لم تدم العلاقة الوطيدة بين فاطمة اليوسف وحزب الوفد، فسرعان ما تحولت إلى عداء شديد، بعد إصرارها على انتقاد رئيس الوزراء نسيم باشا ومطالبته بعودة دستور 1923 وإجراء انتخابات نزيهة، فما كان من الوفد إلا أن فصل فاطمة ومجلتها من الحزب.

* أنشأت صحيفة روزاليوسف اليومية التي صدرت في (19 من ذي الحجة 1353هـ=25 من مارس 1935م)، والتي رفض باعة الصحف بيعها بعد أزمة مؤسستها مع حزب الوفد فتراكمت الديون عليها وتعرضت لأزمة مالية خانقة.

* نجحت حملة روزاليوسف واستقالت حكومة نسيم باشا، وعاد دستور 1923. وعندما عاد الوفد إلى الوزارة من جديد كان أول قرار اتخذه هو إلغاء ترخيص صحيفة "روزاليوسف" اليومية، فكانت الحكومة والحزب ضد فاطمة اليوسف.

* تزوجت "فاطمة اليوسف" ثلاث مرات كانت أولاها من المهندس الفنان "محمد عبد القدوس"، وأعلنت بعدها الإسلام، وتسمّت بفاطمة بدلا من "روز" الاسم المسيحي لها، ثم تزوجت من المسرحي زكي طليمات، ثم من المحامي قاسم أمين حفيد قاسم أمين صاحب كتاب تحرير المرأة.

* أصدرت مجلة صباح الخير سنة (1376هـ= 1956م)، وكتابا بمذكراتها هو "ذكريات".

* توفيت فاطمة اليوسف في (غرة شوال 1378هـ= 10 من إبريل 1958م) عن عمر يناهز 67 عاما.

moudar
15-Apr-2011, 10:09 AM
حليم دموس

(1888-1957)

انحدرت اسرة ( دموس) من عائلة عيسى، وأصلها من( الكرك والشويك) نزحت إلى الظهر الأحمر في أول القرن السابع عشر وتفرع منها ثماني أُسر، منهم بنو دموس وأول من جاء زحلة منهم دموس بن يوسف عيسى منذ سنة1770 ثم تبعه أبناء عمه بأوقات مختلفة يتاجرون يومئذ بالقطن، وقد هاجر معظمهم إلى أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا منذ ابتداء الهجرة ولهم تجارة واسعة وعددعم كبير.

ولد الشاعر المترجم في زحلة سنة1888 وتلقى دراسته في الكلية الشرقية في زحلة ، ومن أساتذته المرحوم عيسى اسكندر المعلوف، وقد ساهم في تحرير جريدة المهذب.
له نزعة خاصة في الشعر، وقد نظمه وهو في العاشرة من عمره، قبل أن يتعلم أصوله ويدرسه، ولوالده الفضل الوافر في توجيهه إلى الشعر وصرف طبعه إليه، ولما شب كان لا همَّ له إلا التعرف بعلماء العصر ومجالستهم ومذاكرتهم ومباحثتهم ومطالعة كتب العلوم والآداب.

وهب الله هذا الشاعر المطبوع قريحة حافلة برياض الأدب العربي، تدل على جهاده الأدبي المتواصل، وللظلام فضل على قريحته، فكان إن شاء نظم قصيدة عمد إلى قلم رصاصة وعدة ورقات بيضاء ووضعها تحت وسادته عند ذهابه إلى النوم، فإذا ساد السكون في غرفته واشتد سواد الليل صفا خاطره وانطلقت قريحته وتوافدت عليه المعاني وأطاعته القوافي فيختار منها ما يريد، ولم ينظم قصيدة إلاّ ولظلمة الليل منها النصيب الأول، وكذلك فإنه يحب العزلة والابتعاد عن كل أمر مؤلم.

لقد أخرج سلسلة من التآليف منها:
ـ ديوانه المسمى( ديوان حليم) وهو ما نظمه من سنة1905 إلى1920 أما قصائد التهنئة والمراسلات فقد حفظها في مجموعة على حدة سماها(صدى الجنان)، وله مجموعة شعرية بديعة مصورة بعنوان المثالث والمثاني.

ـ رباعيات وتأملات وهي مجموعة شعرية نثرية أخرجها تباعاً في عشرين جزءاً تحوي أقوالا بليغة وقصائد حكمية فيها عبرة وذكرى مستمدة من صميم الحياة ومن التجارب التي مرت بالشاعر الثائر على النظم العقيمة والتقاليد البالية.

ونظم ملحمة كبيرة ضمنها بطولة العرب وآثارهم وفتوحاتهم ومدنيتهم، وتعتبر فتحاً جديداً في الأدب العربي. ومن مؤلفاته قاموس الأعلام ويقظة الروح.

إن من يطلع على منظوماته يدرك مدى عبقريته في ميادين الأدب، وقد وهبه الله مزايا فاضلة في الأنس والمعشر، فقد حضر جلسة أنس وطرب وكانت فيها السيدة نجلا مطران ونخبة أدباء زحلة وشعرائها وسيداتها.

وفي تشرين الثاني سنة1905 كان في طريقه إلى البرازيل حيث زار أبناء عمه وأقام مدة ثم عاد إلى وطنه، وفي ديوانه قصائد كثيرة بوقائع رحلاته.

لقد اشتهر هذا الشاعر بحبه وإخلاصه للأسرة الهاشمية، فما اجتاح الفرنسيون البلاد السورية وغادر الملك فيصل الشام ليلاً بقطار خاص مساء الثلاثاء في27 تموز سنة1920 ووجهته درعا مع أخيه الأمير زيد، جادت قريحته بقصيدة خالدة بعنوان بين غرناطة والشام.

moudar
16-Apr-2011, 07:11 AM
عبد الغني العريّسي
هو عبد الغني محمد بن عبد الرحمن العريّسي، ولد ببيروت عام 1891. تلقى دراسته الابتدائية في مدرسة المقاصد الخيرية، ثم في الكلية العثمانية الإسلامية التي أسسها الشيخ عباس الأزهري سنة 1898، ونال شهادته سنة1906، وقد عملت هذه المدرسة على تعميق روح الانتماء لدى طلابها إلى وطنهم وتاريخهم، وبعثت في نفوسهم روح التحرر، وزرعت بذور الثورة ضد الاستبداد.

كما تردد العريسي على حلقة الشيخ طاهر الجزائري، وقد تركت أثراً فيه، إذ كانت أهدافها الأساسية دراسة تاريخ العرب وقواعد اللغة العربية وآدابها، مع وجود هدف خفي آخر هو بعث العروبة في نفوس الشباب لحملهم على مطالبة الدولة العثمانية باتخاذ نظام اللامركزية في الحكم، الذي يحفظ للعرب حقوقهم ويجعل اللغة العربية اللغة الرسمية في المدارس الحكومية، ودواوين الولايات ومحاكمها.

بعد تخرج العريسي من الكلية العثمانية، اختاره مديرها للتدريس فيها فتخصص في تدريس الإنشاء والعلوم الطبيعية مدة سنتين، ثم ابتدأ عام 1909 بنشاطه الصحفي بإصدار جريدة المفيد اليومية، ثم سافر العريسي إلى باريس لإكمال الدراسة هناك بهدف الاطلاع على حياة الأمم الغربية، وأسباب ومظاهر قوتها المادية والمعنوية، وكان خلال مدة الدراسة يبعث بمقالاته لمجلة المفيد، مذكراً أمته بما يجب القيام به لتحفظ كيانها في وجه ما يتهددها من أخطار، ولأجل التجديد في الأفكار.

درس العريسي في باريس في كلية العلوم السياسية أولاً، ومن ثم تابع دراسته في كلية الصحافة، فأصبح بذلك من المختصين في العلوم السياسية والصحافية معاً. ومن ثم عاد إلى بلاده في 10 آب 1913 بعد غياب دام ستة عشر شهراً زار خلالها بيروت عدة مرات لمتابعة نشاطه السياسي فيها.

من حقك أن تلحظ أن ستة عشر شهراً لا تكفي آكاديمياً لينال الطالب الشهادات العلمية الحقيقية في الحقلين اللذين تخصص العريسي فيهما، إذ لا بد أن الزيارة المطولة نوعاً ما قد شابها كثير من النشاطات البعيدة عن الأجواء العلمية البحتة.

كان لدراسة العريسي العلوم السياسية في باريس ولتمكنه من اللغة الفرنسية أثر كبير في زيادة إدراكه وفهمه للمفاهيم السياسية الأوروبية، وبدا هذا على أسلوب مقالاته في (المفيد)، كما بدا تأثره بالثقافة الفرنسية وشغفه بالفكر والأدب الفرنسي وإعجابه الشديد بالفلاسفة والمفكرين الغربيين، إذ أنه يضعهم جنباً إلى جنب مع أسماء الكتاب والمفكرين العرب. ولقد جعل العريسي من جريدته المفيد منبراً لنقل أهم آراء ونظريات العلماء الأوربيين في السياسة والقانون والصحافة إلى الفكر العربي، وهذا دليل على شدة إيمانه بالانفتاح على الغرب والاقتباس عنه. ومن الأمثلة حول إعجاب العريسي بالفكر الغربي قيامه بترجمة بعض الفصول من كتاب غوستاف لويون (حضارة العرب) على صفحات مجلة المفيد فاختار من فصول الكتاب فصلي (العرب في الأندلس) و(تحضير العرب لأوروبا وتأثيرهم في المشرق والمغرب).
انتسب العريسي في باريس إلى جمعية العربية الفتاة في عام 1912، ومن خلالها استطاع ممارسة نشاطاته السياسية، ومن ذلك تأسيس نادي الحرية والائتلاف في بيروت (4 أيلول 1912)، ومشاركته في تأسيس جمعية بيروت الإصلاحية أواخر عام 1912، كما كان العريسي منتسباً إلى حزب (اللامركزية) ومن أصحاب فكرة انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس حزيران عام 1913 من أجل مطالبة الدولة (الاتحادية) بإصلاح بلاد العرب وإعطائها حقها الدستوري، وكان من أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر.

وبعد عودته إلى بيروت لم ينقطع العريسي عن نشاطه السياسي، فتابعه من خلال جريدة المفيد والتي كانت سنة 1913 نقطة تحول في خطابها السياسي، إذ اشتد إيمانها بضرورة الإصلاح وركزت على ضرورة تعزيز الهوية العربية في وجه سياسة التتريك التي اتبعتها جمعية الاتحاد والترقي ضد العرب.
وقد عطلت الحكومة الاتحادية جريدة المفيد أكثر من مرة، فصدرت باسم (فتى العرب) وفي أوائل سنة 1914، اغتنمت الحكومة فرصة تضعضع أحوال الجريدة مالياً من جراء توالي دفع الغرامات الباهظة، وعرضت على العريسي مساعدة مالية ومرتباً شهرياً للجريدة بشرط تعديل سياستها فرفض ذلك بكل أنفة وشمم. ولما ساء الحكومة المركزية فشلها الذريع في استمالته بالمال، استدعته إلى الأستانة فسافر إلى هناك واجتمع بطلعت بك وكبار الاتحاديين فحاولوا خداعه واستمالته مرة أخرى ولكن دون جدوى.

ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى، عادت الجريدة إلى الظهور باسمها القديم (المفيد)، وقد عدل العريسي سياسة الجريدة منضماً إلى الحكومة، شاداً أزرها بسبب حالة الحرب المعلنة، معتقداً بوجود مناصرة الدولة مادامت في حرب مع الأغيار، مرجأ الاختلافات السياسية إلى ما بعد الحرب، وقد أخلص لها إخلاصاً دعا البعض إلى إساءة الظن به واتهامه بالتذبذب وموالاة الحكومة.

وعندما قبض جمال باشا على البلاد بيد حديدية وغطاها بشبكة من الجواسيس تحصي على المواطنين الكلمة والحركة، وفي هذا الجو بدأت الاعتقالات تستهدف الشباب المثقفين الذين حملوا لواء الإصلاح، تمكن العريسي من الفرار بعدما أدرك سوء نية جماعة الاتحاد والترقي، ولكنهم قبضوا عليه لسوء الحظ بجوار مدائن صالح مع رفاقه توفيق البساط وعمر حمد وعارف الشهابي، وقد دلت عليه سنه الذهبية.

تم تنفيذ حكم الإعدام بحق العريسي بسرعة مذهلة وبمحاكمة صورية هو ورفاقه استناداً إلى وثائق مزورة. وذُكر أن عبد الغني العريسي طلب أن يخرج من الديوان العرفي بعالية إلى ساحة البرج في بيروت، وأن يعدم مع رفيقيه الأمير عارف الشهابي وعمر حمد، فخرج الثلاثة ينشدون:
نحن آبناء الألى سادوا مجداً وعلا

وحين وصل عبد الغني العريسي إلى ساحة الإعدام قال له الشيخ تشهد يا عبد الغني. فأجاب بصوت جهوري: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن الخلافة للعرب إن شاء الله. وحين وضع حبل المشنقة حول عنقه قال: بلغوا (جمال باشا أن الملتقى قريب، وأن أبناء الرجال الذين يقتلون اليوم سيقطعون في المستقبل بسيوفهم أعناق أبناء الأتراك، إن الدول لا تبنى على غير الجماجم وإن جماجمنا ستكون أساساً لاستقلال بلادنا). وكان ذلك يوم السادس من أيار 1916.
ترك العريسي عددا كبيراً من المقالات الفكرية والسياسية والتربوية تكشف لنا عن مدى ثقافته العميقة، وقوميته الصادقة، واتساع آفاقه الفكرية والسياسية والقومية، وإحساسه العميق بقضايا أمته المصيرية، كما ترجم عن الفرنسية كتاب (البنين) ونشره في المفيد على حلقات مسلسلة.

وللعريسي كتاب بعنوان (المختار من ثمرات الحياة) اختاره من ديوان الشاعر حسن حسني الطويراني وهو كتاب يحتوي على قصائد شعرية يتحدث فيه عن العاطفة الوطنية، وقد أُشير إليه أحيانا باسم (ثمرة الحياة).

moudar
17-Apr-2011, 01:07 AM
طه حسين

(1889 ـــ 1973م)
ناقد، روائي.
ولد في عزبة الكيلو (مغاغة)، محافظة المنيا.

بدأ دراسته في كتّاب القرية، ثم دخل الأزهر، انتقل إلى الجامعة المصرية، ونال منها الدكتوراه الأولى، ثم نال دكتوراه دولة من جامعة السوربون، باريس.


عيّن عميداً لكلّية الآداب، جامعة القاهرة، رئيس مؤقّت لجامعة فاروق الأول، وهو أول مدير لجامعة رية. قرّر مجانية التعليم الثانوي. أنشأ جامعة عين شمس. وكان عضواً بالمجمع اللغوي ورئيسه منذ 1963م حتى وفاته.

وهو مدير دار الكاتب المصري. كان عضواً في المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ومقرّر للجنة الترجمة به منذ انشائه. وقد منح جائزة الدولة عن كتابه، على هامش السيرة، وجائزة الآداب، وكان أول من منح جائزة الدولة التقديرية في الآداب، كما منح أيضاً وسام «ليجيون دونير Légion d'honneur» من فرنسا. منح من هيئة الأمم المتحدة جائزة حقوق الإنسان وتلقاها قبل وفاته بيوم واحد.

انصرف إلى الاستماع إلى القصص والأحاديث وانضم إلى رفاق أبيه في ندوة العصر في فناء البيت يستمع إلى آيات القرآن وقصص الغزوات والفتوح وأخبار عنتر والظاهر بيبرس وأخبار الأنبياء والنسّاك الصالحين ويحفظ القرآن في كتّاب القرية أتقن التجويد ثم سافر إلى القاهرة.

لم يقتصر اهتمامه على تعليم الأزهر وحسب فقد اتجه للأدب. حفظ مقالات الحريري وطائفة من خطب الإمام ومقامات بديع الزمان الهمزاني والتقى هو والشيخ المرصفي في بغضهما لشيوخ الأزهر وحبّهما الراسخ لحرية خالصة. وأخذ عن المرصفي حبه للنقد وحريته.
كوّن هو وأحمد حسن الزيات ومحمود الزناتي جماعة ذاع نقدها للأزهر وفضّلوا الكتب القديمة على الكتب الأزهرية ويقرأون دواوين الشعر.

عاش طه حسين حر الرأي غالباً في التجديد ذو إحساس بمصريته الخالصة مدركاً لانتمائه للأمة العربية. ومقدّراً لانتماء البشر جميعاً للأسرة العالمية. وعاش يحاضر ويكتب النقد والوصف والتراجم والأدب والمقالة والقصة وهو صاحب مدرسة ومنهج في النقد خاصة. وفي أدبه نوافذ على الآداب العالمية وخاصة اليوناني والفرنسي وهو بهما بعيد التأثر.

قام بجمع المخطوطات المصرية من مختلف نواحي العالم وفي إدارة خاصة في الجامعة ونشر عدد من هذه المخطوطات نشراً علمياً كما مهّد لقيام المنظّمة العربية للتربية والعلوم والثقافة. وعند قيام هذه المنظّمة أنهى عمله بالجامعة العربية.

قد نال الدكتوراه الفخرية في كثير من البلاد الأجنبية منها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وأوسمة من لبنان وتونس والمغرب. ومن مصر منح قلادة النيل التي لا تمنح إلاّ لرؤساء الدول. نال أول جائزة تقديرية في الأدب.

كان طه حسين عضواً في عدّة مجامع عالميّة وهيئات اختير لها لما عرف به في دوائر الثقافة العالمية من امتياز.

من مؤلفاته:
· ذكرى أبي العلاء
· فلسفة ابن خلدون الاجتماعية
· في الشعر الجاهلي
· في الصيف
· على هامش السيرة
· من بعيد
· صوت أبي العلاء
· حديث الأربعاء
· الأيام
· دعاء الكروان
· المعذبون في الأرض

moudar
18-Apr-2011, 08:55 AM
عبد الله عزام

هو عبد الله يوسف عزام، ولد سنة 1941 في قرية سيلة الحارثية، من أعمال جنين بفلسطين، تربى في أسرة ريفية متدينة، في كنف والده الوقور يوسف عزام. وتلقى علومه الابتدائية والإعدادية في مدرسة القرية، وبدأ دراسته الثانوية في مدرسة جنين الثانوية ولم يمكث فيها طويلاً حيث قبل للدراسة في المدرسة الزراعية الثانوية (خضورية) في مدينة طولكرم. وحصل على شهادتها بدرجة امتياز عام 1959.

تنقل عبد الله عزام وهو طفل بين مرابع القرية، وكان يرى أمام ناظريه سهول مرج ابن عامر الذي اغتصبه اليهود عبر المؤامرات الدولية، فأخذ يهيئ نفسه ويعدها إعداداً إيمانياً، فكان منذ صغره محافظاً على الصلوات، دائباً على تلاوة القرآن، كما كان ملازماً لمسجد القرية.

عاش عبد الله عزام منذ يفاعته في سيلة الحارثية مع الأستاذ شفيق أسعد، الذي كان يتولى رعاية مجموعة من أبناء القرية، يربيهم على أخلاق وأفكار ومبادئ دعوة الإخوان المسلمين، فكان الشيخ عبد الله عزام في أوائل الدعاة في القرية.

كما تعرف الشيخ عبد الله في مدينة جنين على الداعية المربي الشيخ فريز جرار، الذي كان هو والأستاذ شفيق اسعد من أنشط الدعاة في تلك الفترة تربية للشباب، وأكثرهم عقداً للندوات والمحاضرات في مركز الجماعة في مدينة جنين، وأخذ عبد الله عزام يكثر من زيارة مركز الجماعة ويحضر الندوات واللقاءات التي كان يشرف عليها الشيخ فريز جرار، حتى أصبح من أكثر الشباب نشاطاً ومشاركة في هذه اللقاءات، وأخذ يكثر من الجلوس إلى الشيخ فريز ويصحبه في أكثر الجولات. بعد حصوله على شهادة (خضوري) الزراعية تم تعيينه معلماً في قرية أدر بمنطقة الكرك جنوب الأردن، وبقي فيها سنة واحدة، حيث نقل إلى مدرسة برقين الإعدادية بالقرب من مدينة جنين.

سكن عبد الله مع أخوين له في الدعوة غرفة في دار الجماعة، فكانت له فرصة طيبة لممارسة ألوان متعددة من النشاط الفكري والتربوي والرياضي... كما كان كثير المطالعة لكتب الدعوة وخاصة كتب الإمام حسن البناّ وعبد القادر عودة وسيد قطب ومحمد قطب.

تابع عبد الله عزام دراسته الجامعية في كلية الشريعة بجامعة دمشق، ونال منها شهادة الليسانس في الشريعة بتقدير جيد جداً سنة 1966، وفي دمشق التقى مع بعض علماء الشام فتتلمذ عليهم وصاحبهم.

كان للشيخ عبد الله خمسة أولاد ذكور وهم: محمد نجله الأكبر الذي ذهب إلى ربه شهيداً مع والده وعمره 20عاماً، وكذلك ولده إبراهيم الذي استشهد وعمره 15عاماً، وحذيفة وحمزة ومصعب. ومن الإناث: فاطمة ووفاء وسمية.

بعد عام 1967، وسقوط الضفة الغربية وقطاع غزة في أيدي اليهود، دخل اليهود سيلة الحارثية، وحاول عبد الله عزام مع مجموعة من الشباب من أهل القرية الوقوف في وجه الدبابات الإسرائيلية، فنصحهم أهل القرية بالتريث لأنه ليس بمقدورهم ذلك.

فخرج عبد الله عزام مشياً على الأقدام مع غيره من أهل القرية إلى الأردن، ولكن خروج عبد الله عزام من بلده ما زاده إلا عزماً وتصميماً على الجهاد في سبيل الله، فبدأت فكرة التدريب على السلاح للوقوف في وجه اليهود تلح عليه. وكان الشيخ عبد الله عزام من أوائل التشكيلات الإسلامية التي انضوت مع حركة فتح للتدريب على الجهاد. قرن الشيخ عبد الله عزام جهاده وتدريبه بانتسابه إلى جامعة الأزهر في مصر لدراسة الماجستير في أصول الفقه.
حصل الشيخ على الماجستير في عام 1969. وقد اشترك الشيخ في تلك الفترة بعدة عمليات جهادية كان أشهرها معركة الحزام الأخضر عام 1969 ومعركة 5 حزيران سنة 1970. وقد تكبد اليهود في هذه المعارك أعداداً كبيرة من القتلىـ إلا أن شباب الحركة الإسلامية لم يحاولوا أن ينسبوا هذه العمليات إليهم لأنهم يجاهدون في سبيل الله لا من أجل اكتساب شعبية أو الحصول على الثناء.

وفي عام 1971 ذهب الشيخ عبد الله إلى مصر لتحصيل درجة الدكتوراه وحصل عليها في عام 1973.
في مصر وجد الشيخ لنفسه مهمة جهادية أخرى هي مد يد المساعدة لأسر المعتقلين من الإخوان على الرغم من مضايقة المخابرات المصرية له.

لما عاد الشيخ عبد الله عزام إلى الأردن عمل مسؤولاً لقسم الإعلام بوزارة الأوقاف، فكان له الفضل في تنشيط المساجد والوعاظ حيث طعم القسم بطاقات شابة قادرة على الدعوة، وأصدر نشرات لنشر الوعي الإسلامي. ثم عمل مدرساً وأستاذاً بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية مدة سبعة أعوام من عام 1973 ـ 1980، عمل فيها في مجال الدعوة والتدريس، وكان متميزاً بطريقته وأسلوبه في الدعوة إلى الله، ولذلك كان كثير من الشباب خارج الجامعة يحرصون على حضور محاضراته، وكان له الفضل في فصل البنات عن البنين في المحاضرات.

كان الشيخ في هذه الأثناء على اتصال دائم مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن طريق اتحاد الطلبة المسلمين حيث كانوا يوافونه بأخبار الجهاد أولاً بأول. وكان يعد الشباب الذين لديهم التصاريح ويستطيعون الذهاب إلى فلسطين، ويرسلهم بعد الإعداد وينصحهم بأن يبقوا في فلسطين وينضموا إلى المجاهدين هناك، وكان كثيراً ما يجمع التبرعات أثناء جولاته في المدن العربية باسم الجهاد في فلسطين ويدعو الله دائماً أن يجعل له سبيلاً وطريقاً للجهاد في فلسطين من أجل تحرير مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان الشيخ عبد الله عزام شخصية فريدة من نوعها، وقد استطاع أن ينشر أفكاره في صفوف الطلبة والطالبات في مختلف كليات الجامعة. وفي عام 1981 سافر إلى السعودية للعمل في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، ثم طلب العمل في الجامعة الإسلامية بإسلام أباد في باكستان قريباً من الجهاد الأفغاني، فانتدب لهذا العمل، وعندما اقترب من المجاهدين الأفغان وجد ضالته المنشودة وقال: (هؤلاء الذين كنت أبحث عنهم منذ زمن بعيد).

بدأ الشيخ عبد الله عزام عمله الجهادي في أفغانستان عام 1982 باستقبال القادمين للجهاد من الشباب العرب، ثم قام في عام 1984 بتأسيس مكتب خدمات للمجاهدين وتفرغ له. ليكون مؤسسة إغاثية جهادية متخصصة بالعمل داخل أفغانستان وقد ساهم هذا المكتب في:
ـ نقل قضية الجهاد الإسلامي في أفغانستان إلى قضية إسلامية عالمية، والعمل على إيقاظ الهمم واستنفار المسلمين في أرجاء العالم للوقوف بجانب هذا الجهاد المبارك.
ـ التعريف بقضية الجهاد عن طريق مجلة الجهاد، ونشرة لهيب المعركة والكتب والمنشورات التي كان يصدرها الشيخ عبد الله عزام في باكستان، بالإضافة إلى خطبه في المساجد والمحاضرات المتخصصة التي كان يلقيها للتحريض على الجهاد، وتصوير بطولات المجاهدين إلى العالم أجمع حيث كان النافذة التي يطل الأفغان من خلالها إلى العالم.
ـ في ميدان التربية والتعليم: إقامة الدورات التدريبية لقادة الجهاد، فتح المدارس داخل الخنادق، وإقامة المراكز التربوية في أرض المعركة، فتح دور القرآن الكريم تحت قصف المدافع، وطباعة الكتب، فقد طبع أربعمائة ألف نسخة من القرآن الكريم في سنة 1988 وأدخل معظمها إلى المدارس في أفغانستان.
ـ تزويد القوافل وترحيلها وتجهيز الجبهات.
ـ الاعتناء بضحايا الحرب وجرحاها: بإنشاء خمس مستشفيات في داخل أفغانستان (جاجي، تخار، غزني، فارياب، بنجشير، بالإضافة إلى تأسيس مستشفى مكة المكرمة والمختبر المركزي وعيادة الطب الطبيعي).
ـ إيقاف سيل الهجرة المتدفق: بكفالة العلماء والقادة الذين يحرضون على الجهاد بين الحمم المتساقطة.
ـ العناية بأبناء الشهداء وذلك بفتح قسم كفالة الأيتام والأرامل في داخل أفغانستان، وبناء دور للأيتام.
ـ رفع معنويات الأخوة المجاهدين الأفغان (سنشد عضدك بأخيك).
ـ انصهار الطاقات الجهادية في بوتقة إسلامية: عربيها وأفغانيها.
ـ تشكيل لجنة العلماء لإصدار الفتاوى واستنهاض الهمم ودحض الآراء الفاسدة.
ولقد كان الشيخ عبد الله عزام من أوائل السباقين للجبهة يقدم الشباب ويقدم نفسه أمامهم قدوة لهم في الإقدام والتضحية.
من أقواله المأثورة في الدعوة والجهاد:
ـ إن الأبطال الحقيقيين هم الذين يخطون بدمائهم تاريخ أممهم ويبنون بأجسادهم أمجاد عزتها الشامخة.
ـ لقد رأيت أن أخطر داء يودي بحياة الأمم هو داء الترف الذي يقتل النخوة ويقضي على الرجولة، ويخمد الغيرة ويكبت المروءة.
ـ لقد عودتنا التجارب أن نرى التكالب العالمي على كل قضية إسلامية تقترب من النصر، أو على كل داعية أصبح شامة في جبين الدهر.
ـ الجهاد بالنفس ضرورة حياتية للمسلم ليتحرر من الخوف والوهم والرعب الذي يغتصب به الطواغيت حقوق الأمم.
ـ إن البشر لا يملكون إزاء القدر رداً، ولا يبني الأمم إلا الجماجم والأجساد.
ـ الشهداء هم الذين يخطون تاريخ الأمم، لأن تاريخ الأمم لا يخط إلا بالعرق والدم.
ـ الشهداء هم الذين يحفظون شجرة هذا الدين من أن تضمحل أو تذوي، لأن شجرة هذا الدين لا تروى إلا بالدماء.
ـ المسلم أعز ما يكون حينما يكون مجاهداً في سبيل الله.
ـ لا فرق بيت رصاصة شيوعي في باكستان ورصاصة شيوعي في أفغانستان، ورصاصة عميل لليهود أو الأمريكان... الكل قتل في سبيل الله مادامت النية خالصة له... ولقد اخترنا الموت طريقاً للحياة.
استشهد الشيخ عبد الله عزام في مدينة بيشاور في باكستان، حيث يقطن وعائلته ـ رحمه الله ـ بتاريخ 24/11/1989 في أثناء توجهه لتأدية صلاة الجمعة عندما تعرضت سيارته لانفجار مروع دبرته يد أعداء الإسلام الغادرة، مما أدى إلى استشهاده مع ولديه (محمد وإبراهيم) الذين تناثرت أشلاؤهم على مساحة واسعة حول السيارة التي انشطرت إلى قسمين من قوة الانفجار.
الشهيد عبد الله عزام خاض تجربة رائدة في العمل الإسلامي الجهادي... ومن خلال هذه التجربة اكتسب عمقاً بعيداً في الجهاد، وقدم تراثاً ضخماً ليكون زاداً للأجيال.
ويتمثل هذا التراث في:
مؤلفاته من الكتب:
q ـ كتاب (العقيدة وأثرها في بناء الجيل).
q ـ كتاب (الإسلام ومستقبل البشرية).
q ـ كتاب (السرطان الأحمر).
q ـ كتاب (آيات الرحمن في أفغانستان).
q ـ المنارة المفقودة.
q ـ الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان.
q ـ إلحق بالقافلة.
q ـ في الجهاد آداب وأحكام.
q ـ عبر وبصائر للجهاد في العصر الحاضر.
q ـ جهاد شعب مسلم.
q ـ بشائر البصر.
q ـ حماس (الجذور التاريخية والميثاق).
q ـ كلمات من خط النار الأول الجزء الأول.
q ـ جريمة قتل النفس المؤمنة.
q ـ في خضم المعركة، في ثلاثة أجزاء.
q مجموعة محاضرات مسجلة على أشرطة كاسيت تزيد على (300) شريط.
q مجموعة محاضرات مسجلة بالفيديو كاسيت تزيد على (50) محاضرة.
q مجموعة مقابلات صحفية نشرت في عدد من الصحف والمجلات.
q عشرات المحاضرات التي ألقاها في عدد من البلدان العربية والأجنبية في أثناء جولاته من أجل الجهاد.
q مئات المقالات التي كتبها في الصحف والمجلات وخاصة مجلة الجهاد ونشرة لهيب المعركة التي كان يصدرها في بيشاور.
q مجموعة من الكتب لم تطبع بعد.

moudar
19-Apr-2011, 03:42 PM
مروان البرغوثي

منذ اندلاع الانتفاضة في أواخر سبتمبر 2000 وصورة وصوت وكلمات هذا الفلسطيني الأسمر لا تفارق وسائل الإعلام المختلفة، متحدثا عن أهداف الانتفاضة ومطالب الفلسطينيين بالاستقلال.
ولا ينفك مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية، والمتحدث باسم الانتفاضة الفلسطينية من ترديد أن الانتفاضة "لن تتوقف إلا بخروج جميع المستوطنين وزوال الاحتلال"؛ هذا بجانب أنه كان أحد أبرز الشخصيات الفلسطينية التي ظلت على اتصال دائم مع نشطاء السلام الإسرائيليين حتى اندلاع الانتفاضة الأخيرة.
ولأن إسرائيل ترى أن البرغوثي "مدبر" الانتفاضة، وأنه يقف خلف الهجمات المسلحة التي ينفذها أعضاء في حركة فتح وتستهدف جنودا ومستوطنين إسرائيليين في الأراضي المحتلة؛ قامت قوات الاحتلال بإلقاء القبض عليه بعد ظهر الإثنين 15-4 –2002.
مرحلة الكفاح المصغّر
وُلد مروان البرغوثي في بلدة كوبر عام 1959 لأسرة بسيطة، عاش طفولة عادية في وضع اقتصادي واجتماعي صعب، كان والده فلاحا بسيطا ووضعه المالي شبه معدوم، وهو ما انعكس على تحصيله العلمي الذي كان بالغالب متوسطا. أكمل تحصيله الإعدادي والثانوي في مدرسة الأمير حسن الثانوية في قرية بير زيت، وكان يضطر للمشي من بلدته كوبر إلى بير زيت على الأقدام.
لم يتمكن البرغوثي من إكمال تحصيله الثانوي كغيره من الطلبة فقد اعتُقل وهو في الصف الأول الثانوي في العام 1978، واضطر لإكمال دراسته داخل المعتقل؛ حيث أنهى شهادة الثانوية العامة "التوجيهي"، وبعد خروجه من المعتقل التحق بجامعة بير زيت في العام 1983 ليدرس العلوم السياسية.
ثم بعد عودته إلى فلسطين التحق بقسم الدراسات الدولية في جامعة بير زيت ليحصل على شهادة الماجستير في العلاقات الدولية. وكان موضوع دراسته عن العلاقات الفلسطينية الفرنسية ليصبح بعدها رئيسا لجمعية الصداقة الفرنسية الفلسطينية. تزوج البرغوثي من إحدى قريباته وهي محامية "من كوبر"، وله منها 6 من الأولاد والبنات.
الدخول إلى عالم النضال
بدأ البرغوثي يقتحم عالم النضال منذ نعومة أظفاره، فلم يكد عمره يقارب الرابعة عشرة حتى كان مطلوبا لقوات الاحتلال الإسرائيلي حيث كان يُستدعى باستمرار وبشكل دوري أسبوعي للتحقيق معه من قبل المخابرات الإسرائيلية.
بدأ نشاط البرغوثي في قيادة النشاطات الطلابية والمسيرات والاعتصامات يظهر بشكل بارز داخل المدرسة، وكان له صفة متميزة بالقيادة -كما يقول المقربون منه- ولهذا تم التركيز عليه خصوصا أن الانتماءات السياسية آنذاك كانت محدودة.
كان صعب المراس، ولم يتراجع عن الخط النضالي كما يقول نائل موسى زميل البرغوثي الذي عايشه منذ نعومة أظفاره، فإن المخابرات الإسرائيلية كانت تحقق مع البرغوثي لأتفه الأسباب، ويروي كيف أن مروان تمكن من استفزاز المحققين عندما سألوه ذات مره مع من تعمل قال لهم: "مع حالي"؛ فباشروا في تعذيبه.
وأول اعتقال رسمي للبرغوثي كان في الخامسة عشرة من عمره حين وُجهت له تهمة عسكرية، وتضمنت التهمة المشاركة في صناعة المتفجرات وأنابيب ومواسير تحوي مواد ناسفة، وحكم عليه آنذاك بالسجن لمدة 4 سنوات.
وبعد خروجه من المعتقل والتحاقه بجامعة بير زيت أصبح البرغوثي مسؤول حركة الشبيبة الطلابية، ومن ثم انتخب رئيسا لمجلس الطلبة في العامين 1984 –1985.
وتعرض البرغوثي أثناء دراسته الجامعية إلى الملاحقة، وفي إحدى المرات اعتُقل على أحد الحواجز الإسرائيلية أثناء حمله لبيانات سياسية، ولكنه تمكن من الهرب.
وفي العام 1987 مع اندلاع انتفاضة الأقصى الأولى أصبحت جامعة بير زيت مسرحا للمظاهرات، ووقف البرغوثي في قيادتها، وبعد اعتقاله في ذات العام نُفي إلى الأردن، ومن ثم إلى تونس.
وخلال وجوده في الأردن استمر في نشاطه السياسي والوطني، وعمل على رعاية مبعدي وجرحى الانتفاضة، وانتقل بعدها إلى تونس وعمل في إطار قيادة "م ت ف" (منظمة تحرير فلسطين) هناك، وكان من المقربين للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
من النضال الوطني إلى السلام
كانت النقلة البارزة في حياة البرغوثي بعد مؤتمر مدريد عام 1991، والتوقيع على اتفاقيات أوسلو عام 1993.
فبعد عام من التوقيع على اتفاق أوسلو عاد البرغوثي إلى بلدته كوبر، وبدأ نشاطه السياسي حتى أصبح من أشد المروجين لأوسلو وفي مقدمة مطبعي –اتفاقيات السلام- فبدأ بالتقرب من اليسار الإسرائيلي ومجموعات السلام المختلفة بالدولة العبرية.
ويرى المقربون منه أن إيمان البرغوثي بإمكانية أن يؤدي اتفاق أوسلو إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية على أراضي 1967 هو السبب الذي دفعه إلى الانتقال للنضال السياسي وتأييد السلام؛ حيث وجد فيها الفرصة لتحقيق الشعار الذي طرحته حركة فتح بالكفاح المسلح حتى إقامة دولة على أراضي 1967.
وفي العام 1996 خاض مروان البرغوثي انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وفاز عن دائرة رام الله بعد صراع مرير مع د. مصطفى البرغوثي.
ولكن البرغوثي تمكن من تثبيت نفسه كعضو لأول برلمان فلسطيني منتخب، ولكن نتيجة لعدم اضطلاعه بأي دور تنفيذي في وزارات أو مؤسسات السلطة، وهو ما دفعه إلى توجيه الاهتمام لإعادة بناء حركة فتح وترميم هيكليتها، خاصة بعد الهزائم المتكررة التي مُنيت بها الحركة في الانتخابات القطاعية المختلفة على مستوى الجامعات والمعاهد والنقابات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبدأ العمل على بناء ما يُسمى –التنظيم- وفتح له مكاتب وأفرع عديدة، وتشير الأرقام إلى أنه تمكن من إضافة 4500 عضو جديد لحركة فتح بشكل رسمي خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وفي العامين 1998-1999 أثار البرغوثي ملفات الفساد والبيروقراطية في مؤسسات السلطة، ووجه انتقادات لاذعة لرموز بارزة في القيادة الفلسطينية أدت أحيانا إلى وقوع صدامات ومواجهات مسلحة بين أعضاء التنظيم المدربين وأجهزة السلطة الأمنية.
كما كان له خلافات داخلية في إطار حركة فتح هددت جسم الحركة بالكامل لأكثر من مرة، وكان من أشد المعارضين له حسام خضر في نابلس وحسين الشيخ الذي نجح في تجريد البرغوثي من منصب أمين سر حركة فتح بعد خلافات واسعة داخل الحركة إبان الانتخابات دفعت البرغوثي إلى عدم ترشيح نفسه، لكنه بقي متمسكا بمنصب أمين السر فيما بقي المنصب فخريا لحسين الشيخ.
وكان الأعجب أن يعين رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات "حكم بلعاوي" في ذات المنصب، وهو ما يعني أن ثلاث شخصيات كانت تتقاسم ذات المنصب.
العودة إلى البندقية
وحياة البرغوثي التي شهدت العديد من النقلات عادت من جديد لتمر في تغيرها الأخير: كانت البداية إبان حكم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك الذي رفض في العام 1999 تسليم 3 قرى فلسطينية محيطة بالقدس لسيادة السلطة الفلسطينية، حينها لمس البرغوثي أن أوسلو قد لا تقود إلى الدولة المرجوة، وتبعتها انتفاضة الأقصى في أيار2000 التي قرر البرغوثي أن يشارك تنظيمه فيها بشكل بارز.
وعند بدء الانتفاضة كان البرغوثي أحد أصحاب تيار واسع في الشارع الفلسطيني في تقييم الانتفاضة، فإلى جانب التيار الذي رأى بأن الانتفاضة هي مجرد ورقة يجب إيقافها في الوقت المناسب؛ لأنها ستؤدي إلى مأزق فلسطيني- فلسطيني، كان البرغوثي من أصحاب تيار يرى بالانتفاضة بديلا لخيار التسوية، وانعكس ذلك في آليات مشاركة حركته في الانتفاضة التي انتقلت من أسلوب النضال الشعبي إلى النضال العسكري.
وبدأ التحول النوعي في شكل العمليات التي تبنتها فتح وجناحها العسكري كتائب شهداء الأقصى، مع أن البعض كان يرى أن انتقال فتح إلى أسلوب العمليات الاستشهادية كان بسبب خوف البرغوثي من استئثار حركتيْ المقاومة الإسلامية "حماس والجهاد الإسلامي" بهذا الشرف.
وأيد البرغوثي بعكس آخرين داخل فتح والسلطة بتوسيع نطاق العمليات داخل الخط الأخضر.. لكن اسمه بدأ يدرج في قائمة المطلوبين لأول مرة قبل 7 شهور وبالذات بعد عملية وقعت في "بير نبالا" قرب القدس، وقتل فيها آنذاك قس مسيحي، وبعد إلقاء القبض على الخلية اعترف أفرادها بأن البرغوثي كان من سلمهم السلاح وأرسلهم لتنفيذ العملية.
ومنذ ذلك الوقت بدأ اسمه يُدرج بشكل متصاعد من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية، وتطور الوضع إلى حد استهداف حياته حيث تعرض إلى محاولتين للاغتيال، كانت أولاهما بمحاولة أحد العملاء الذي استأجر منزلا قبالة مكتبه أن يستهدفه برشاش "إم 16"، والثانية حينما أُصيب كبير مرافقيه مهند أبو حلاوة.
وبعد الاجتياح الأخير لرام الله كان البرغوثي في صدارة قائمة المطلوبين لأجهزة الأمن الإسرائيلية، وبعد نجاحه بالاختفاء لمدة 3 أسابيع تمكن الجيش الإسرائيلي من إلقاء القبض عليه في ظروف ما زالت مجهولة.

moudar
20-Apr-2011, 10:01 PM
عمر المختار

عمر المختار "إننا نقاتل لأن علينا أن نقاتل في سبيل ديننا وحريتنا حتى نطرد الغزاة أو نموت نحن، وليس لنا أن نختار غير ذلك، إنا لله وإنا إليه راجعون".

ينسب عمر المختار إلى قبيلة المنفه إحدى كبريات قبائل المرابطين ببرقة، ولد عام 1862م في قرية جنزور بمنطقة دفنة في هضبة المرماريكا في الجهات الشرقية من برقة، وقد وافت المنية والده مختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة بصحبة زوجته عائشة.
تلقى عمر المختار تعليمه الأول في زاوية جنزور، ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل، وقد أظهر المختار من الصفات الخلقية السامية ما جعله محبوباً لدى شيوخ السنوسية وزعمائها متمتعاً بعطفهم وثقتهم، وعندما غادر السيد المهدي الجغبوب إلى الكفرة سنة 1895م، اصطحب معه عمر المختار.

شارك عمر المختار في الجهاد بين صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية في المناطق الجنوبية (السودان الغربي) وحول واداي. وقد استقر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلاً ومقاتلاً، ثم عين شيخاً لزاوية عين كلك ليقضي فترة من حياته معلماً ومبشراً بالإسلام في تلك الأصقاع النائية. وبعد وفاة السيد محمد المهدي السنوسي عام 1902م تم استدعاؤه حيث عين شيخاً لزاوية القصور.

ولقد عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم، فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911م، وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي، درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس، كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة حيث قابل السيد أحمد الشريف، وعندما علم بالغزو الإيطالي سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادماً من الكفرة. وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912م أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي، أذكر منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في 16 مايو 1913م حيث قتل فيها للأيطاليين عشرة ضباط وستين جنديا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم، ومعركة بو شمال عن عين ماره في 6 أكتوبر 1913، وعشرات المعارك الأخرى. وحينما عين أميليو حاكماً لبرقة، رأى أن يعمل على ثلاث محاور، الأول قطع الإمدادات القادمة من مصر والتصدي للمجاهدين في منطقة مرمريكا، والثاني قتال المجاهدين في العرقوب وسلنطه والمخيلي، والثالث قتال المجاهدين في مسوس واجدابيا. ولكن القائد الإيطالي وجد نار المجاهدين في انتظاره في معارك أم شخنب وشليظيمة والزويتينة في فبراير 1914م، ولتتواصل حركة الجهاد بعد ذلك حتى وصلت إلى مرحلة جديدة بقدوم الحرب العالمية الأولى.

بعد الإنقلاب الفاشي في إيطالي في أكتوبر 1922، وبعد الإنتصار الذي تحقق في تلك الحرب إلى الجانب الذي انضمت إليه إيطاليا. تغيرت الأوضاع داخل ليبيا واشتدت الضغوط على السيد محمد إدريس السنوسي، واضطر إلى ترك البلاد عاهداً بالأعمال العسكرية والسياسية إلى عمر المختار في الوقت الذي قام أخاه الرضا مقامه في الإشراف على الشئون الدينية.

بعد أن تأكد للمختار النوايا الإيطالية في العدوان قصد مصر عام 1923م للتشاور مع السيد إدريس فيما يتعلق بأمر البلاد، وبعد عودته نظم أدوار المجاهدين، فجعل حسين الجويفي على دور البراعصة ويوسف بورحيل المسماري على دور العبيدات والفضيل بوعمر على دور الحاسة، وتولى هو القيادة العامة.

بعد الغزو الإيطالي على مدينة اجدابيا مقر القيادة الليبية، أصبحت كل المواثيق والمعاهدات لاغية، وانسحب المجاهدون من المدينة وأخذت إيطاليا تزحف بجيوشها من مناطق عدة نحو الجبل الأخضر، وفي تلك الأثناء تسابقت جموع المجاهدين إلى تشكيل الأدوار والإنضواء تحت قيادة عمر المختار، كما بادر الأهالي إلى إمداد المجاهدين بالمؤن والعتاد والسلاح، وعندما ضاق الإيطاليون ذرعا من الهزيمة على يد المجاهدين، أرادوا أن يمنعوا عنهم طريق الإمداد فسعوا إلى احتلال الجغبوب ووجهت إليها حملة كبيرة في 8 فبراير 1926م، وقد شكل سقوطها أعباء ومتاعب جديدة للمجاهدين وعلى رأسهم عمر المختار، ولكن الرجل حمل العبء كاملاً بعزم العظماء وتصميم الأبطال.

ولاحظ الإيطاليون أن الموقف يملي عليهم الإستيلاء على منطقة فزان لقطع الإمدادات على المجاهدين، فخرجت حملة في يناير 1928م، ولم تحقق غرضها في احتلال فزان بعد أن دفعت الثمن غاليا. ورخم حصار المجاهدين وانقطاعهم عن مراكز تموينهم، إلا أن الأحداث لم تنل منهم وتثبط من عزمهم، والدليل على ذلك معركة يوم 22 أبريل التي استمرت يومين كاملين، انتصر فيها المجاهدون وغنموا عتادا كثيرا. وتوالت الإنتصارات، الأمر الذي دفع إيطاليا إلى إعادة النظر في خططها وإجراء تغييرات واسعة، فأمر موسوليني بتغيير القيادة العسكرية، حيث عين بادوليو حاكماً على ليبيا في يناير 1929م، ويعد هذا التغيير بداية المرحلة الحاسمة بين الطليان والمجاهدين.

تظاهر الحاكم الجديد لليبيا في رغبته للسلام لإيجاد الوقت اللازم لتنفيذ خططه وتغيير أسلوب القتال لدى جنوده، وطلب مفاوضة عمر المختار، تلك المفاوضات التي بدأت في 20 أبريل 1929م، وعندما وجد المختار أن تلك المفاوضات تطلب منها مغادرة البلاد إلى الحجاز ومصر أو حتى البقاء في برقة والإستسلام مقابل الأموال والإغراءات، رفض كل تلك العروض، وكبطل شريف ومجاهد عظيم عمد إلى الإختيار الثالث وهو مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة.

تبين للمختار غدر الإيطاليين وخداعهم، ففي 20 أكتوبر 1929م وجه نداء إلى أبناء وطنه طالبهم فيه بالحرص واليقظة أما ألاعيب الغزاة. وصحت توقعات عمر المختار، ففي 16 يناير 1930م ألقت الطائرات بقذائفها على المجاهدين، وقد دفعت مواقف المختار ومنجزاته إيطاليا إلى دراسة الموقف من جديد وتوصلت إلى تعيين غرسياني ليقوم بتنفيذ خطة إفناء وإبادة لم يسبق لها مثيل في التاريخ في وحشيتها وفظاعتها وعنفها وقد تمثلت في عدة إجراءات ذكرها في كتاب "برقة المهدأة":
q قفل الحدود الليبية المصرية بالأسلاك الشائكة لمنع وصول المؤن والذخائر.
q إنشاء المحكمة الطارئة في أبريل 1930م.
q فتح أبواب السجون في كل مدينة وقرية ونصب المشانق في كل جهة.
q تخصيص مواقع العقيلة والبريقة من صحراء غرب برقة البيضاء والمقرون وسلوق من أواسط برقة الحمراء لتكون مواقع الإعتقال والنفي والتشريد.
q العمل على حصار المجاهدين في الجبل الأخضر واحتلال الكفرة.

إنتهت عمليات الإيطاليين في فزان بإحتلال مرزق وغات في شهري يناير وفبراير 1930م ثم عمدوا إلى الإشباك مع المجاهدين في معارك فاصلة، وفي 26 أغسطس 1930م ألقت الطائرات الإيطالية حوالي نصف طن من القنابل على الجوف والتاج، وفي نوفمبر اتفق بادوليو وغرسياني على خط الحملة من اجدابيا إلى جالو إلى بئر زيغن إلى الجوف، وفي 28 يناير 1931م سقطت الكفرة في أيدي الغزاة، وكان لسقوط الكفرة آثار كبيرة على حركة الجهاد والمقاومة.

وفي 11 سبتمبر 1931م نشبت معركة عند بئر قندولة والوديان المجاورة استمرت يومين، ووقع عمر المختار في الأسر، ومن أسلنطة أرسل بحراسة قوية إلى مرسى سوسه حيث نقلته مركب حربية في نفس اليوم إلى بنغازي. وصل غرسياني إلى بنغازي يوم 14 سبتمبر قادماً من روما عن طريق طرابلس، وأعلن عن انعقاد "المحكمة الخاصة" يوم 15 سبتمبر 1931م، وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة رغب غرسياني في الحديث مع عمر المختار، يذكر كتاب (برقة المهدأة):
"وعندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية. يداه مكبلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة، وكان وجهه مضغوطا لأنه كان مغطيا رأسه (بالجرد) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر، وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر، ها هو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح." وكان أول سؤال وجهه له غرسياني لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الإيطالية؟" فكان ردّ عمر المختار "من أجل ديني ووطني."

ويستطرد غرسياني حديثه "وعندما وقف ليتهيأ للإنصراف كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء. ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد، فانهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء، وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصافحتي ولكنه لم يتمكن لأن يدين كانت مكبلة بالحديد."

انعقدت محاكمة عمر المختار بعمار الحزب الفاشيستي (مجلس النواب البرقاوي أيام إمارة السيد ادريس على برقة) وكانت المشنقة قد جهزت قبل انعقاد المحكمة، ونفذ حكم الإعدام شنقاً في 16 سبتمبر 1931م في مدينة سلوق أمام جموع غفيرة من أبناء وطنه. وسيظل المختار حيا أبدا في قلوب الشرفاء من هذه الأمة.

سيرة ذلك الرجل سيرة عطرة، روحها إيمان وحب شديد لقيوم السماوات والأرض، ورغبة أكيدة في الشهادة في سبيل الله، مظهرها قتال مرير للمستعمر حتى آخر قطرة من الدماء. لعل هذه الأمة التي أنجبت الأبطال أمثال الشريف والمختار والباروني وبالخير وسيف النصر وغيرهم وأنجبت الصناديد أمثال احواس ورفاقه، لا تبخل في إنجاب أبطال آخرين سيغيروا مجرى التاريخ وتزدهر على آيديهم البلاد ويقوى كيانها وتستطيع الوقوف من جديد.

moudar
21-Apr-2011, 01:39 AM
نجيب محفوظ

ولد في 11 ديسمبر 1911
حصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة عام 1934
أمضى طفولته في حي الجمالية حيث ولد، ثم انتقل إلى العباسية والحسين والغورية، وهي أحياء القاهرة القديمة التي أثارت اهتمامه في أعماله الأدبية وفي حايته الخاصة.

حصل على إجازة في الفلسفة عام 1934 وأثناء إعداده لرسالة الماجستير " وقع فريسة لصراع حاد" بين متابعة دراسة الفلسفة وميله إلى الأدب الذي نمى في السنوات الأخيرة لتخصصه بعد قراءة العقاد وطه حسين.

تقلد منذ عام 1959حتى إحالته على المعاش عام 1971 عدة مناصب حيث عمل مديراً للرقابة على المصنفات الفنية ثم مديراً لمؤسسة دعم السينما ورئيساً لمجلس إدارتها ثم رئيساً لمؤسسة السينما ثم مستشاراً لوزير الثقافة لشئون السينما.

بدأ كتابة القصة القصيرة عام 1936 . وانصرف إلى العمل الأدبي بصورة شبه دائمة بعد التحاقه في الوظيفة العامة.

عمل في عدد من الوظائف الرسمية، ونشر رواياته الأولى عن التاريخ الفرعوني. ولكن موهبته ستتجلى في ثلاثيته الشهيرة ( بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية) التي انتهى من كتابتها عام 1952 ولم يتسن له نشرها قبل العام 1956 نظرا لضخامة حجمها.

هو عضو المجلس الأعلى للثقافة والمجلس القومي للثقافة، نال وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، ونال جائزة نوبل للأدب سنة1989.

نقل نجيب محفوظ في أعماله حياة الطبقة المتوسطة في أحياء القاهرة، فعبر عن همومها وأحلامها ، وعكس قلقها وتوجساتها حيال القضايا المصيرية. كما صور حياة الأسرة المصرية في علاقاتها الداخلية وامتداد هذه العلاقات في المجتمع.

ولكن هذه الأعمال التي اتسمت بالواقعية الحية لم تلبث أن اتخذت طابعا رمزيا كما في رواياته " أولاد حارتنا" و "الحرافيش" و "رحلة ابن فطومة".

بين عامي 1952 و 1959 كتب عددا من السيناريوهات للسينما. ولم تكن هذه السيناريوهات تتصل بأعماله الروائية التي سيتحول عدد منها إلى الشاشة في فترة متأخرة.

ومن هذه الأعمال " بداية ونهاية" و" الثلاثية" و" ثرثرة فوق النيل" و" اللص والكلاب" و" الطريق ".
صدر له ما يقارب الخمسين مؤلفا من الروايات والمجموعات القصصية.
ترجمت معظم أعماله إلى 33 لغة في العالم .
منها على سبيل المثال لا الحصر:
v مصر القديمة
v همس الجنون
v عبث الأقدار
v رادوبيس
v كفاح طيبة
v القاهرة الجديدة
v خان الخليلي
v زقاق المدق
v السراب
v بداية ونهاية
v بين القصرين
v قصر الشوق
v السكرية
v اللص والكلاب
v السمان والخريف
v دنيا الله
v الطريق
v الشحاذ
v بيت سيئ السمعة
v ثرثرة فوق النيل
v أولاد حارتنا
v ميرامار
v تحت المظلة
v خمارة القط الأسود
v حكاية بلا بداية ونهاية
v شهر العسل
v المرايا
v الحب تحت المطر
v الجريمة
v الكرنك
v حكايات حارتنا
v قلب الليل
v حضرة المحترم
v ملحمة الحرافيش
v الشيطان يعظ
v قشتمر

وعند تسليمه جائزة نوبل للآداب عام 1989قال هذه الكلمة :
سيداتى، سادتى
فى البدء أشكر الأكاديمية السويدية ولجنة نوبل التابعة لها على التفاتها الكريم الاجتهادى المثابر الطويل وأرجو أن تتقبلوا بسعة صدر حديثى إليكم بلغة غير معروفة لدى الكثيرين منكم، ولكنها هى الفائز الحقيقى بالجائزة، فمن الواجب أن تسبح أنغامها فى واحتكم الحضارية لأول مرة. وإنى كبير الأمل ألا تكون المرة الأخيرة، وأن يسعد الأدباء من قومى بالجلوس بكل جدارة بين أدبائكم العالميين ا لذين نشروا أريج البهجة والحكمة فى دنيانا المليئة بالشجن

سادتى

.أخبرنى مندوب جريدة أجنبية فى القاهرة بأن لحظة إعلان اسمى مقرونا بالجائزة ساد الصمت وتساءل كثيرون عمن أكون ـ فاسمحوا لى أن أقدم لكم نفسى بالموضوعية التى تتيحها الطبيعة البشرية. أنا ابن حضارتين تزوجتا فى عصرمن عصور التاريخ زواجا موفقا، أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة وهى الحضارة الفرعونية، وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة وهى الحضارة الإسلامية. ولعلى لست فى حاجة إلى تعريف بأى من الحضارتين لأحد منكم، وأنتم من أهل الصفوة والعلم، ولكن لا بأس من التذكير ونحن فى مقام النجوى والتعارف وعن الحضارة الفرعونية لن أتحدث عن الغزوات وبناء الإمبراطوريات فقد أصبح ذلك من المفاخر البالية التى لا ترتاح لذكرها الضمائر الحديثة والحمد لله. ولن أتحدث عن اهتدائها لأول مرة إلى الله سبحانه وتعالى وكشفها عن فجر الضمير البشرى. فلذلك مجال طويل فضلا عن أنه لا يوجد بينكم من لم يلم بسيرة الملك النبى أخناتون. بل لن أتحدث عن انجازاتها فى الفن والأدب ومعجزاتها الشهيرة الأهرام وأبو الهول والكرنك. فمن لم يسعده الحظ بمشاهدة تلك الآثار فقد قرأ عنها وتأمل صورها. دعونى أقدمها ـ الحضارة الفرعونية ـ بما يشبه القصة طالما أن الظروف الخاصة بى قضت بأن أكون قصاصا، فتفضلوا بسماع هذه الواقعة التاريخية المسجلة. تقول أوراق البردى أن أحد الفراعنة قد نما إليه أن علاقة آثمة نشأت بين بعض نساء الحريم وبعض رجال الحاشية. وكان المتوقع أن يجهز على الجميع فلا يشذ فى تصرفه عن مناخ زمانه. ولكنه دعا إلى حضرته نخبة من رجال القانون. وطالبهم بالتحقيق فيما نما إلى علمه، وقال لهم إنه يريد الحقيقة ليحكم بالعدل. ذلك السلوك فى رأىى أعظم من بناء إمبراطورية وتشييد الأهرامات وأدل على تفوق الحضارة من أى أبهة أو ثراء. وقد زالت الإمبراطورية وأمست خبرا من أخبار الماضى. وسوف يتلاشى الأهرام ذات يوم ولكن الحقيقة والعدل سيبقيان مادام فى البشرية عقل يتطلع أو ضمير ينبض وعن الحضارة الأسلامية فلن أحدثكم عن دعوتها إلى إقامة وحدة بشرية فى رحاب الخالق تنهض على الحرية والمساواة والتسامح، ولا عن عظمة رسولها. فمن مفكريكم من كرمه كأعظم رجل فى تاريخ البشرية. ولا عن فتوحاتها التى غرست الآف المآذن الداعية للعبادة والتقوى والخير على امتداد أرض مترامية ما بين مشارف الهند والصين وحدود فرنسا. ولا عن المآخاة التى تحققت فى حضنها بين الأديان والعناصر فى تسامح لم تعرفه الانسانية من قبل ولا من بعد. ولكنى سأقدمها فى موقف درامى ـ مؤثر ـ يلخص سمة من أبرز سماتها. ففى إحدى معاركها الظافرة مع الدولة البيزنطية ردت الأسرى فى مقابل عدد من كتب الفلسفة والطب والرياضة من التراث الإغريقى العتيد. وهى شهادة قيمة للروح الإنسانى فى طموحه إلى العلم والمعرفة. رغم أن الطالب يعتنق دينا سماويا والمطلوب ثمرة حضارة وثنية قدر لى يا سادة أن أولد فى حضن هاتين الحضارتين. وأن أرضع لبانهما واتغذى على أدابهما وفنونهما. ثم ارتويت من رحيق ثقافتكم الثرية الفاتنة. ومن وحى ذلك كله بالإضافة إلى شجونى الخاصة ـ ندت عنى كلمات. أسعدها الحظ باستحقاق تقدير أكاديميتكم الموقرة فتوجت اجتهادى بجائزة نوبل الكبرى. فالشكر أقدمه لها باسمى وباسم البناة العظام الراحلين من مؤسسى الحضارتين

سادتى..

لعلكم تتساءلون: هذا الرجل القادم من العالم الثالث كيف وجــد من فـراغ البال ما أتاح له أن يكتب القصص وهو تساؤل فى محله.. فأنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون حتى ليهدده سدادها بالمجاعة أو ما يقاربها. يهلك منه أقوام فى أسيا من الفيضانات. ويهلك آخرون فى أفريقيا من المجاعة. وهناك فى جنوب أفريقيا ملايين المواطنين قضى عليهم بالنبذ والحرمان من أى من حقوق الانسان فى عصر حقوق الإنسان وكأنهم غير معدودين من البشر. وفى الضفة وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم. هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائى وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف لهم به. فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة ـ رجالا ونساء وشبابا وأطفالا ـ تكسيرا للعظام وقتلا بالرصاص وهدما للمنازل وتعذيبا فى السجون والمعتقلات. ومن حولهم مائة وخمسون مليونا من العرب. يتابعون ما يحدث بغضب وأسى مما يهدد المنطقة بكارثة إن لم تتداركها حكمة الراغبين فى السلام الشامل العادل أجل كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصا؟ ولكن من حسن الحظ أن الفن كريم عطوف. وكما أنه يعايش السعداء فأنه لا يتخلى عن التعساء. ويهب كل فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجيش به صدره وفى هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحضارة لا يعقل ولا يقبل أن نتلاشى أنات البشر فى الفراغ. لا شك أن الإنسانية قد بلغت على الأقل سن الرشد. وزماننا يبشر بالوفاق بين العمالقة ويتصدى العقل للقضاء على جميع عوامل الفناء والخراب. وكما ينشط العلماء لتطهير البيئة من التلوث الصناعى فعل المثقفين أن ينشطوا لتطهير البشرية من التلوث الأخلاقى. فمن حقنا وواجبنا أن نطالب القادة الكبار فى دول الحضارة كما نطالب رجال اقتصادها بوثبة حقيقية تضعهم فى بؤرة العصر. قديما كان كل قائد يعمل لخير أمته وحدها معتبرا بقية الأمم خصوما أو مواقع للاستغلال. دونما أى اكتراث لقيمة غير قىمة التفوق والمجد الذاتى. وفى سبيل ذلك أهدرت أخلاق ومبادئ وقيم. وبرزت وسائل غير لائقة. وازهقت ارواح لا تحصى. فكان الكذب والمكر والغدر والقسوة من آيات الفطنة، ودلائل العظمة. اليوم يجب أنت تتغير الرؤية من جذورها. اليوم يجب أن تقاس عظمة القائد المتحضر بمقدار شمول نظرته وشعوره لمسئولية نحو البشرية جميعا. وما العالم المتقدم والثالث إلا أسرة واحدة، يتحمل كل إنسان مسئوليتة نحوها بنسبة ما حصل من علم وحكمة وحضارة. ولعلى لا أتجاوز واجبى إذا قلت لهم باسم العالم الثالث: لا تكونوا متفرجين على مآسينا ولكن عليكم أن تلعبوا فيها دورا نبيلا يناسب أقداركم. إنكم من موقع تفوقكم مسئولون عن أى انحراف يصيب أى نبات أو حيوان فضلا عن الإنسان فى أى ركن من أركان المعمورة. وقد ضقنا بالكلام وآن أوان العمل. آن الأوان لإلغاء عصر قطاع الطرق والمرابين. نحن فى عصر القادة المسئولين عن الكرة الأرضية. انقذوا المستبعدين فى الجنوب الإفريقى. انقذوا الجائعين فى إفريقيا. انقذوا الفلسطينيين من الرصاص والعذاب بل انقذوا الإسرائيليين من تلويث تراثهم الروحى العظيم. انقذوا المديونين من قوانين الاقتصاد الجامدة. والفتوا أنظارهم إلى أن مسئوليتهم عن البشر يجب أن تقدم على التزامهم بقواعد علم لعل الزمن قد تجاوزه

سادتى..

معذرة. أشعر بأنى كدرت شيئا من صفوكم ولكن ماذا تتوقعون من قادم من العالم الثالث. أليس أن كل إناء بما فيه ينضح؟

ثم أين تجد أنات البشر مكانا تتردد فيه إذا لم تجده فى واحتكم الحضارية التى غرسها مؤسسها العظيم لخدمة العلم والأدب والقيم الإنسانية الرفيعة؟ وكما فعل ذات يوم برصد ثروته للخير والعلم طلبا للمغفرة فنحن ــ أبناء العالم الثالث ــ نطالب القادرين المتحضرين باحتذاء مثاله واستيعاب سلوكه ورؤيته

سادتى..

رغم كل ما يجرى حولنا فإننى ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية. لا أقول مع الفيلسوف كانت إن الخير سينتصر فى العالم الآخر. فإنه يحرز نصرا كل يوم. بل لعل الشر أضعف مما نتصور بكثير. وأمامنا الدليل الذى لا يجحد. فلولا النصر الغالب للخير ما استطاعت شراذم من البشر الهائمة على وجهها عرضة للوحوش والحشرات والكوارث الطبيعية والأوبئة والخوف والأنانية. أقول لولا النصر الغالب للخير ما استطاعت البشرية أن تنمو وتتكاثر وتكون الأمم وتكتشف وتبدع وتخترع وتغزو الفضاء وتعلن حقوق الإنسان: غاية ما فى الأمر أن الشر عربيد ذوصخب ومرتفع الصوت وأن الإنسان يتذكر ما يؤلمه أكثر مما يسره. وقد صدق شاعرنا أبو العلاء عندما قال

إن حزنا ساعة الموت أضعاف سرور ساعة الميلاد
سادتى

أكرر الشكر وأسألكم العفو

moudar
22-Apr-2011, 08:51 AM
الدكتور فاروق الباز

شاب أسمر يحمل على وجهه كل الملامح المصرية الأصيلة، بعد 41 عامًا قضاها مهاجرًا في أمريكا، تلمح بعضًا من اللهجة المصرية الصميمة بين حروفه.. يسمونه "الملك" رغم ما تشعر به في روحه من البساطة.. إنه د. فاروق الباز.. مدير معهد أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن الأمريكية.. أبلغ ما قيل عنه كان على لسان "ألفريد وردن" أحد رواد الفضاء في رحلة أبولّلو حينما وصل إلى القمر: "بعد تدريبات الملك.. أشعر أنني جئت هنا من قبل".
كيف كانت البداية؟.. وما هي قفزة التحول؟.. وماذا يحمل د. فاروق في أحلامه؟

البداية
وُلِد د. فاروق في الأول من يناير عام 1938م من أسرة بسيطة الحال في قرية طوخ الأقلام من قرى السنبلاوين في محافظة الدقهلية، شجَّعه الوالدان على التدرج في مراحل التعليم المختلفة، حيث كانا يؤمنان دائمًا بقدراته ونبوغه.. كان والده أول من حصل على التعليم الأزهري في قريته.. وكانت أمه رغم بساطتها عونًا له في اتخاذ قراراته المصيرية، حيث كانت تمتلك ذكاء فطريًّا على حد وصف د. فاروق.
كانت أمنيته أن يكون طبيبًا جراحًا للمخ.. ولكن آماله باءت بالفشل حينما لم يسمح له مجموعه الكلِّي بالالتحاق بكلية الطب؛ فاضطر بروح أقل حماسة إلى الالتحاق بكلية العلوم – جامعة عين شمس – واختارها دون كلية طب الأسنان؛ لأنها كانت أقرب إلى مسكنه، ويستغرق المشي إليها ساعة ونصف، وهو ما يساعده على عدم إهدار القروش في الذهاب إليها بالمواصلات العامة.. رغم أنه كان يهوى منذ الصغر الذهاب إلى الرحلات الكشفية وجمع العيِّنات الصخرية، فلم يسمع عن علم الجيولوجيا - منبع نبوغه - إلا حينما التحق بكلية العلوم.
حصل على شهادة البكالوريوس (كيمياء - جيولوجيا) في عام 1958م، وقام بتدريس مادة الجيولوجيا بجامعة أسيوط حتى عام 1960م، حينما حصل على منحة لاستكمال دراسته بالولايات المتحدة. نال شهادة الماجستير في الجيولوجيا عام 1961م من معهد علم المعادن بميسوري الأمريكية.. وحصل على عضوية فخرية في إحدى الجمعيات الهامة (Sigma Xi) تقديرًا لجهوده في رسالة الماجستير، نال شهادة الدكتوراة في عام 1964م وتخصَّص في التكنولوجيا الاقتصادية.. واستطاع خلال هذه الفترة زيارة المناجم الهامة، وجمع آلاف العيِّنات من بلاد العالم التي زارها.

عودة إلى مصر
كانت عيون د. فاروق متجهة دائمًا إلى مصر طوال فترة إقامته بأمريكا. جمع عيِّناته وأبحاثه ورجع إلى بلاده، وكلُّه أمل في إنشاء معهد عالٍ للجيولوجيا في بلده الحبيب.. إلا أن المفاجأة كانت في انتظاره.. "عليك استلام عمل كمدرس للكيمياء في المعهد العالي بالسويس"، هكذا بكل بساطة بعد ثمانية أعوام في دراسة الجيولوجيا يدرِّس الكيمياء في معهد لم يسمع عنه من قبل.
رغم صدمته واندهاشه، لم يفقد الأمل.. وانطلق إلى المسؤولين بالوزارة لكي يسمعه أحد، ولكن جهوده باءت بالفشل بعد ثلاثة أشهر من المثابرة.. واضطر إلى الذهاب لاستلام عمله في هذا المعهد الغامض؛ أملاً منه في أن يسمعه أحد بعد استلام وظيفته الجديدة.
ولكنه تقابل هناك قَدَرًا بصديق جعله الله سببًا لتغيير مسار حياته، التقى بأحد زملائه الفيزيائيين، وكان حاصلاً على الهندسة النووية من روسيا، واضطر إلى تدريس مادة الصوت والضوء، حيث نصحه بعدم استلام عمله حتى لا يفقد كل شيء.. فاحتال د. فاروق وسحب أوراقه بعد دقائق من تقديمها إلى إدارة المعهد.

في طريقه إلى الهجرة
"لم أتخيل يومًا أن أهاجر بعيدًا عن بلدي".. قالها د. الباز وهو يحكي قصة هجرته؛ ففي ديسمبر من عام 1966م وبعد سنة من المعاناة، قرَّر أن يسافر سرًّا إلى أمريكا؛ خوفًا من الظروف السياسية الشائكة التي كانت في مصر آنذاك. وهناك بدأ في رحلة شاقة للبحث عن عمل، ونظرًا لوصوله بعد بدء العام الدراسي، فلم تقبله أي جامعة من الجامعات؛ فأخذ يبعث طلبات التحاق إلى الشركات جاوزت المائة في عددها، إلى أن بعثت له "ناسا" التي كانت تطلب جيولوجيين متخصصين في القمر الموافقة وسط دهشة د. فاروق.
والعجيب أنه لم يكن يعلم شيئًا عن جيولوجيا القمر، ودخل ناسا وهو لا يعلم أنه سيكون له فيها شأن. وقد وفَّقه الله إلى أحد المؤتمرات الجيولوجية والتي تحدَّث فيها علماء القمر عن فوَّهاته ومنخفضاته وجباله. لم يفهم شيئًا، وهو ما قيل طيلة ثلاثة أيام متواصلة، وحينما سأل أحد الجالسين عن كتاب يجمع هذه التضاريس، أجابه قائلاً: "لا حاجة لنا إلى أي كتاب فنحن نعرف كل شيء عنه".. حرَّكته الإجابة إلى البحث والمعرفة، ودخل المكتبة التي ضجَّت بالصور القمرية التي يعلوها التراب، وعكف على دراسة 4322 صورة طيلة ثلاثة أشهر كاملة، وتوصل إلى معلومات متميزة.

قفزة التحول
اكتشف د. الباز أن هناك ما يقرب من 16 مكانًا يصلح للهبوط فوق القمر، وفي المؤتمر الثاني الذي حضره. كان د. الباز على المنصَّة يعرض ما توصَّل إليه وسط تساؤل الحاضرين عن ماهيته، حتى إن العالِم الذي قال له من قبل نحن نعرف كل شيء عن القمر قام وقال: "اكتشفت الآن أننا كنا لا نعرف شيئًا عن القمر".
دخل الباز تاريخ ناسا، وأوكلت له مهمتين رئيسيتين في أول رحلة لهبوط الإنسان على سطح القمر: الأولى هي اختيار مواقع الهبوط على سطح القمر، والثانية تدريب طاقم روَّاد الفضاء على وصف القمر بطريقة جيولوجية علمية، وجمع العيِّنات المطلوبة، وتصويره بالأجهزة الحديثة المصاحبة.
تقديرًا لأستاذه، بعث "نيل آرمسترونغ" برسالة إلى الأرض باللغة العربية، واصطحب معه ورقة مكتوب عليها سورة الفاتحة ودعاء من د. فاروق تيمنًا منه بالنجاح والتوفيق.

انطلاقة د. الباز
بانطلاق أبوللو ونجاح مهمته سطع نجم د. فاروق الباز، بعد مشاركته فيه من عام 1967م إلى 1972م، وبدأ اسمه يأخذ مكانًا في الصحافة العلمية والتلفزيون الأمريكي.
بعد انتهاء مهمة أبولُّلو، شارك مع معهد Smithsonian بواشنطن في إقامة وإدارة مركز أبحاث الكون في المتحف الدولي للفضاء.
وفي عام 1973م عمل كرئيس الملاحظة الكونية والتصوير في مشروعApollo- soyuz الذي قام بأول مهمة أمريكية سوفييتية في يوليو 1975م.
وفي عام 1986م انضم إلى جامعة بوسطن، مركز الاستشعار عن بُعد باستخدام تكنولوجيا الفضاء في مجالات الجيولوجيا، الجغرافيا، وقد طوَّر نظام الاستشعار عن بُعْد في اكتشاف بعض الآثار المصرية.

الباز.. رائد الصحراء
توجَّه د. الباز بعد ذلك إلى دراسة الصحراء.. وخلال 25 عامًا قضاها في هذا المجال حتى الآن، اهتم بتصوير المناطق الجافة خاصة في صحراء شمال أفريقيا، وجمع معلوماته من خلال زياراته لكل الصحراء الأساسية حول العالم.. كان أكثرها تميزًا زيارته للصحراء الشمالية الغربية في الصين، بعد تطبيع العلاقات مع أمريكا عام 1979م.. وبسبب أبحاثه انتخب زميلاً للمعهد الأمريكي لتقدم العلوم AAAS.
كان مما يميز د. الباز استخدامه التقنيات الحديثة في دراسة الصحراء، حيث استخدمها أولاً في الصحراء الغربية بمصر، ثم صحراء الكويت، قطر، الإمارات، وغيرها.
وقد فنَّدت أبحاثه المعلومات السابقة أن الصحراء كانت من نتائج فعل الإنسان، وأثبت أنها تطور طبيعي للتغيرات المناخية للأرض.
اختاره الرئيس المصري أنور السادات مستشارًا علميًّا لحكومته عام 1978م –1981م، وكلَّفه بمهمة اختيار أماكن صحراوية تصلح لإقامة مشروعات عمرانية جديدة. وقد شرح بطريقة علمية دقيقة كيفية الاستفادة من الموارد الطبيعية لبلده مصر. دعا إلى أهمية دراسة المياه الجوفية، والتي يهدر منها الكثير في البحار والمحيطات دون استخدام، وطبَّق التكنولوجيا الفضائية لدراستها ودراسة مسارات البحيرات الناضبة.
نادى - وما زال ينادي - "بقمر خاص متخصص للصحراء"؛ لأن كل الصور الفضائية المعمول بها إنما تكون لدراسة الغطاء النباتي، ولكوننا أولى الناس بدراسة أراضينا الصحراوية من الغرب الذي لا يمتلك شيئًا منها، وقد عمل على إنشاء مراكز تدرس التصوير الفضائي والاستشعار عن بُعْد في كل من قطر، مصر، السعودية، الإمارات.

حشد الشهادات والميداليات
انتخب د. الباز كعضو، أو مبعوث أو رئيس لما يقرب من 40 من المعاهد والمجالس واللجان.. منها انتخابه مبعوثًا لأكاديمية العالم الثالث للعلوم TWAS في 1985م، وأصبح من مجلسها الاستشاري في 1997م، وعضوًا في مجلس العلوم والتكنولوجيا الفضائية، ورئيسًا لمؤسسة الحفاظ على الآثار المصرية، وعضوًا في المركز الدولي للفيزياء الأكاديمية في اليونسكو، مبعوث الأكاديمية الأفريقية للعلوم، زميل الأكاديمية الإسلامية للعلوم بباكستان، وعضوًا مؤسسًا في الأكاديمية العربية للعلوم بلبنان.. ورئيسًا للجمعية العربية لأبحاث الصحراء.
كتب د. الباز 12 كتابًا، منها أبوللو فوق القمر، الصحراء والأراضي الجافة، حرب الخليج والبيئة، أطلس لصور الأقمار الصناعية للكويت.. ويشارك في المجلس الاستشاري لعدة مجلات علمية عالمية.
كتب مقالات عديدة، وتمت لقاءات كثيرة عن قصة حياته وصلت إلى الأربعين.. منها "النجوم المصرية في السماء"، "من الأهرام إلى القمر"، "الفتى الفلاح فوق القمر".. وغيرها.
حصل د. الباز على ما يقرب من 31 جائزة، نذكر منها على سبيل المثال: جائزة إنجاز أبوللو، الميدالية المميزة للعلوم، جائزة تدريب فريق العمل من ناسا، جائزة فريق علم القمريات، جائزة فريق العمل في مشروع أبوللو الأمريكي السوفييتي، جائزة ميريت من الدرجة الأولى من الرئيس أنور السادات، جائزة الباب الذهبي من المعهد الدولي في بوسطن، الابن المميز من محافظة الدقهلية، وقد سمِّيت مدرسته الابتدائية باسمه.. وهو ضمن مجلس إمناء الجمعية الجيولوجية في أمريكا، المركز المصري للدراسات الاقتصادية، مجلس العلاقات المصرية الأمريكية.
وقد أنشأت الجمعية الجيولوجية في أمريكا جائزة سنوية باسمه أطلق عليها "جائزة فاروق الباز لأبحاث الصحراء".
تبلغ أوراق د. الباز العلمية المنشورة إلى ما يقرب من 540 ورقة علمية، سواء قام بها وحيدًا أو بمشاركة آخرين.. ويشرف على العديد من رسائل الدكتوراة.

الرؤية العلمية والحياة الاجتماعية
يتألم د. فاروق حينما يرى أن الحكومات العربية في ذيل البلاد النامية، ويرجع ذلك إلى عدم تقدير العلم في بلادنا العربية، وعدم إفساح المجال للإبداع الإنساني. ويقول: إن الدول المتقدمة تنفق ما لا يقل عن 2% من دخلها القومي على البحث العلمي، ونحن ننفق أقل من ½%، وننفق 98% من هذه الأموال على المرتبات والإداريات.. يتعجب د. الباز من الدول العربية التي لا تعلم إلى أي مدى قد يفيدها العلم في كل النواحي والمجالات الأخرى.
جال د. فاروق العالم شرقًا وغربًا، وحاضر في العديد من المراكز البحثية والجامعات.. أحبَّ الرحلات الكشفية، وجمع العيِّنات الصخرية منذ الصغر.. وهو يجيد العربية والإنجليزية بطلاقة، كما يتحدث بعضًا من الألمانية والفرنسية والأسبانية.. يتَّهمه البعض بأنه شديد الثقة بنفسه، ولكنه دائمًا يقول: "المعرفة تولِّد الثقة، أنا لا أقول شيئًا إلا بعد دراسته جيدًا".. و د. الباز متزوج من أمريكية، وهو أب لبنات أربعة هن: منيرة، ثريا، كريمة، وفيروز.. وجد لثلاثة من الأحفاد.
يقول د. الباز: "أحمد الله سبحانه وتعالى أنني رأيت أشياء لم يرها عشرون مثلي"، هذا هو د. فاروق الباز ببداياته وقفزاته وأحلامه.. وكم من أمثاله الذين نبغوا وأبدعوا ولكن.. خارج ديارهم.

moudar
23-Apr-2011, 07:36 AM
الإمام أبو الأعلى المودودي {1903م/1979م}

يعد أبو الأعلى المودودي نموذجًا فريدًا للداعية الإسلامي المجتهد الذي أوقف حياته على الدعوة إلى الإسلام، وجعل رسالته في الحياة إعلاءَ كلمة الحق، والتمكين للإسلام في قلوب أتباعه قبل ربوعه وأوطانه. وكان لإخلاصه في دعوته واجتهاده في رسالته أكبر الأثر في التفاف الكثيرين حوله، وانضوائهم تحت لواء فكره الذي تخطى حدود القومية ونطاق المكان، ليصبح راعية عالميًا للإسلام في كل مكان، بل إن أعماله ومؤلفاته قد انطلقت لتتخطى حدود المكان وتتجاوز إسار اللغة، فترجمت إلى معظم لغات العالم، لتظل ينبوعًا متجددًا لعطائه الفكري والدعوي الذي تجاوز مرحلة الدعوة باللسان والتنظير الفكري إلى مجال التطبيق العملي للتشريع الإسلامي حكمًا وقيادة ومعاملات.

أسرته ونشأته
ينتمي أبو الأعلى المودودي إلى أسرة تمتد جذورها إلى شبه جزيرة العرب، فقد هاجرت أسرته منذ أكثر من ألف عام إلى جشت بالقرب من مدينة هراة، ثم رحل جده الأكبر "ضواجه مودود" إلى الهند في أواخر القرن التاسع الهجري.
وكان أبوه سيد أحمد حسن مودود الذي ولد في دهلي بالهند سنة (1266 هـ = 1850م) واحدًا من طلاب جامعة عليكرة، وقد عمل مدرسًا، ثم عمل بالمحاماة، وفي (3 من رجب 1321 هـ = 25 من سبتمبر 1903م) رزق بابنه "أبو الأعلى المودودي"، وبعد ذلك بنحو عام اعتزل الأب الناس، ومال إلى الزهد، فنشأ أبو الأعلى في ذلك الجو الصوفي، وتفتحت عيناه على تلك الحياة التي تفيض بالزهد والورع والتقوى.
وقضى أبو الأعلى طفولته الأولى في مسقط رأسه في مدينة "أورنك آباد الدكن"، بمقاطعة حيدر آباد، وكان أبوه هو معلمه الأول، وقد حرص أبوه على تنشئته تنشئة دينية، واهتم بتلقينه قصص الأنبياء والتاريخ الإسلامي، وكان يصحبه إلى مجالس أصدقائه من رجال الدين والعلماء، فتفتحت ملكاته وظهر نبوغه وذكاؤه منذ حداثة سنه، ونال إعجاب أساتذته منذ سنوات دراسته الأولى.

المودودي في أواخر أيامه
وحرص أبوه على تعليمه اللغة العربية والفارسية بالإضافة إلى الفقه والحديث، وأقبل المودودي على التعليم بجد واهتمام حتى اجتاز امتحان مولوي، وهو ما يعادل الليسانس.

أبو الأعلى المودودي صحفيًا
وفي هذه الأثناء أصيب الأب بالشلل، وأصبح قعيدًا بلا حراك، وضاقت سبل العيش بالأسرة والأبناء، فكان على المودودي أن يكافح من أجل لقمة العيش، وقد وهبه الله ملكة الكتابة التي صقلها بالقراءة والمطالعة، فقرر أبو الأعلى أن يجعل من قلمه وسيلة للرزق، وكان أخوه الأكبر "سيد أبو الخير" مديرًا لتحرير جريدة مدينة بجنور، فعمل المودودي محررً بالجريدة، إلا إنه لم يستمر طويلا بها، فقد أغلقت الحكومة الجريدة، فانتقل بعد ذلك إلى جريد تاج التي كانت تصدر أسبوعية من جبلبور، ثم أصبحت تصدر يومية.
وكان من نتيجة عمله بالصحافة أن سعى المودودي إلى تعلم اللغة الإنجليزية حتى أتقنها، وصار بإمكانه الاطلاع على كتب التاريخ والفلسفة والاجتماع ومقارنة الأديان في الإنجليزية دون أية صعوبة في فهمها واستيعابها.
وما لبثت الحكومة أن أغلقت تلك الجريدة، فعاد المودودي إلى "دهلي" واشترك مع مدير جمعية علماء الهند في إصدار جريدة مسلم، وصار مديرًا لتحريرها لمدة ثلاث سنوات حتى أغلقت عام (1341 هـ = 1922م) فانتقل إلى بهو بال، ثم عاد مرة أخرى إلى دهلي سنة (1342 هـ = 1923م)، حيث تولى الإشراف على إصدار جريدة تصدرها جمعية علماء الهند تحمل اسم الجمعية، وظل يتحمل وحده عبء إصدارها حتى سنة (1347 هـ = 1928م).

مع شاعر الإسلام محمد إقبال
وفي ذلك العام أتم كتابه "الجهاد في الإسلام" الذي حقق شهرة عالمية، وقد كتبه ردًا على مزاعم غاندي التي يدعي فيها أن الإسلام انتشر بحد السيف.
وفي عام (1351 هـ = 1932م) أصدر ترجمان القرآن من حيدر آباد الركن، وكان شعارها: "احملوا أيها المسلمون، دعوة القرآن وانهضوا وحلقوا فوق العالم".
وكان تأثير المودودي عبر ترجمان القرآن من أهم العوامل التي ساعدت على انتشار التيار الإسلامي في الهند، وزيادة قوته، وقد تبلور ذلك في حزب الرابطة الإسلامية، وتأكد ذلك في دعوته في المؤتمر الذي عقد في لنكو سنة (1356هـ = 1937م) إلى الاستقلال الذاتي للولايات ذات الأغلبية الإسلامية.
ونتيجة لشهرة المودودي واتساع دائرة تأثيره الفكري في العالم الإسلامي، دعاه المفكر والفيلسوف محمد إقبال في سنة (1356 هـ = 1937م) إلى لاهور ليمارس نشاطه الإسلامي البارز بها، فلبى المودودي دعوة إقبال.
وعندما توفي إقبال في العام التالي (1357 هـ = 1938م) تاركًا فراغًا كبيرًا في مجال الفكر والدعوة اتجهت الأنظار إلى المودودي ليملأ هذا الفراغ الذي ظهر بعد رحيل إقبال.

تأسيس الجماعة الإسلامية في لاهور
وبدأ المودودي حركته الإسلامية التي تهدف إلى تعميق الإسلام لدى طبقة المفكرين المسلمين والدعوة إلى الإسلام، حتى أسس الجماعة الإسلامية في لاهور، وتم انتخابه أميرًا لها في (3 من شعبان 1360 هـ = 26 من أغسطس 1941م).
وبعد ذلك بعامين في (1362 هـ = 1943م) نقلت الجماعة الإسلامية مركزها الرئيسي من لاهور إلى دار السلام، إحدى قرى بتها نكوت – وكان المودودي طوال هذه الفترة لا يكف عن الكتابة والتأليف، فأصدر عدة كتب من أهمها: المصطلحات الأربعة الأساسية في القرآن، والإسلام والجاهلية، ودين الحق، والأسس الأخلاقية الإسلامية، وغيرها.
ومع إعلان قيام دولة باكستان في (11 من شوال 1366 هـ = 28 من أغسطس 1947م)، انتقل المودودي مع زملائه إلى لاهور، حيث أسس مقر الجماعة الإسلامية بها، وفي صفر 1367 هـ = يناير 1948م، بعد قيام باكستان بنحو خمسة أشهر، ألقى المودودي أول خطاب له في كلية الحقوق، وطالب بتشكيل النظام الباكستاني طبقًا للقانون الإسلامي.
وظل المودودي يلح على مطالبة الحكومة بهذا المطلب، فألقى خطابًا آخر في اجتماع عام بكراتشي في (ربيع الآخر 1367 هـ = مارس 1948م) تحت عنوان "المطالبة الإسلامية بالنظام الإسلامي".

اعتقال المودودي
وبدأت الجماعة الإسلامية في الضغط على الحكومة ومجلس سن القوانين للموافقة على المطالب التي قدمها المودودي بجعل القانون الأساسي لباكستان هو الشريعة الإسلامية، وأن تقوم الحكومة الباكستانية بتحديد سلطتها طبقا لحدود الشريعة.
وحينما عجزت الحكومة عن الرد على تلك المطالب قامت في غرة ذي الحجة 1367 هـ = 4 من أكتوبر 1948م، باعتقال المودودي وعدد من قادة الجماعة الإسلامية، ولكن ذلك لم يصرف المودودي وبقية أعضاء الحركة من الاستمرار في المطالبة بتطبيق النظام الإسلامي، وأظهر الشعب تعاونه الكامل مع الجماعة في مطالبها حتى اضطرت الحكومة إلى الموافقة على قرار الأهداف الذي يحدد الوجهة الإسلامية الصحيحة لباكستان في (13 من جمادى الأولى 1368 هـ = 12 من مارس 1949م).
وبعد ذلك بنحو عام (11 من شعبان 1369 هـ = 28 من مايو 1950م) اضطرت الحكومة إلى إطلاق سراح "المودودي" وزملائه.
وبدأت الجماعة الإسلامية دراسة قرار الأهداف الموضوعة في حيز التنفيذ، وفي الوقت نفسه كانت الحكومة – التي أقلقها مطالب الشعب – تسعى إلى وضع مقترحاتها الدستورية، وأعطت لنفسها سلطات واسعة للسيطرة على الرعية، فقام المودودي بإلقاء خطاب في اجتماع عام بلاهور في (3 من المحرم 1370 هـ = 14 من أكتوبر 1950م)، قام فيه بتوجيه النقد إلى تلك المقترحات التي تمهد الطريق للديكتاتورية، فثار الرأي العام مما اضطر الحكومة إلى التراجع، وتحدت علماء الجماعة الإسلامية، في أن يجتمعوا على ترتيب مسودة دستور إسلامي، وقبل العلماء التحدي، فاجتمع (31) عالمًا يمثلون الفرق المختلفة في (13 من ربيع الآخر 1370 هـ = 21 من يناير 1951م) بمدينة كراتشي، واشترك المودودي معهم في صياغة النقاط الدستورية التي اتفقوا عليها، ولكن الحكومة قابلت المقترحات الدستورية التي تقدمت بها الجبهة الإسلامية بالصمت، وإزاء ذلك قامت الحركة الإسلامية بعقد عدة اجتماعات شعبية، فقامت الحكومة بإعلان الأحكام العسكرية في "لاهور" في (20 من جمادى الآخر 1372 هـ = 6 من مارس 1953م)، وفي (13 من رجب 1372 هـ = 28 من مارس 1953م) تم اعتقال المودودي للمرة الثانية مع اثنين من زملائه دون توضيح أسباب هذا الاعتقال، ثم أطلق سراحهم بعد نحو شهر ونصف في (23 من شعبان 1372 هـ = 7 من مايو 1953م)، ولكن ما لبث أن تم اعتقالهم مرة أخرى في اليوم التالي مباشرة.

الحكم بإعدام المودودي
وبعد أربعة أيام فقط من اعتقاله حكم عليه بالإعدام، وهو ما أدى إلى حدوث ثورة من الغضب الشديد في معظم أنحاء العالم الإسلامي، وتوالت البرقيات من كل مكان تشجب هذا الحكم، حتى اضطرت الحكومة إلى تخفيف حكم الإعدام، والحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ولكن ردود الفعل الرافضة لهذا الحكم أدت إلى إصدار حكم بالعفو عن المودودي في (1374 هـ = 1955م).
ومع بداية عام (1375 هـ = 1956م) رضخت الحكومة لمطالب الشعب بإصدار دستور إسلامي للبلاد، ولكن ما لبثت أن أعلنت عن دستور جديد في (1382 هـ = 1963م).
ثم أصدرت قرارًا بحظر نشاط الجماعة، وتم اعتقال المودودي و (63) من زملائه، ولكن القضاء أصدر حكمًا ببطلان الخطر والاعتقال، وأطلق سراح المودودي وزملائه في (جمادى الآخر 1384 هـ = أكتوبر 1964م).

التأثير الجماهيري للمودودي
وعندما قامت الحرب بين باكستان والهند في جمادى الأولى 1385 هـ = سبتمبر 1965م، كان للمودودي والجماعة الإسلامية دور بارز في الشحذ المعنوي للجماهير ومساعدة مهاجري الحرب، كما ساهمت الجماعة بشكل إيجابي في الإمداد الطبي، فأقامت نحو عشرين مركزًا للإمداد الطبي في آزار كشمير، وألقى المودودي عدة خطابات عن الجهاد.
وفي رمضان 1386 هـ = يناير 1967م، قامت الحكومة باعتقال المودودي لمدة شهرين، وبعد أن أطلق سراحه ظل يمارس دوره الدعوي في شجاعة وإيمان، فكان من أبرز دعاة الحرية والوحدة، وظل يحذر الشعب من مساندة الجماعات الانفصالية حتى لا ينقسم الوطن، ويقع في حرب أهلية لا يعلم مداها إلا الله.
وفي رمضان 1392 هـ = نوفمبر 1972م، بعد نحو ثلاثين عامًا من الكفاح الطويل – طلب المودودي إعفاءه من منصبه كأمير للجماعة الإسلامية لأسباب صحية، وانصرف إلى البحث والكتابة، فأكمل تفهيم القرآن، وشرع في كتابة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي عام 1399 هـ = 1979م فاز المودودي بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، فكان أول من حصل على تلك الجائزة تقديرًا لجهوده المخلصة في مجال خدمة الإسلام والمسلمين.

مؤلفات الإمام المودودي
بلغ عدد مؤلفات المودودي (70) مصنفًا ما بين كتاب ورسالة، ومن أبرز تلك المؤلفات:
q الجهاد في الإسلام وقد ألفه سنة (1347 هـ = 1928م).
q الحضارة الإسلامية (أصولها ومبادئها): وقد كتبه سنة (1350 هـ = 1932م).
q نظرية الإسلام السياسية: كتبه سنة (1358 هـ = 1939م)
q تجديد وإحياء الدين: كتبه سنة (1359 هـ = 1940م).
q الاصطلاحات الأربعة الأساسية في القرآن: كتبه سنة (1360 هـ = 1940م).
q الإسلام والجاهلية: كتبه سنة (1360 هـ = 1941م).
q الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية: كتبه سنة (1364 هـ = 1945م).
q الدين الحق: كتبه سنة (1366 هـ = 1947م).
q نظام الحياة الإسلامي: كتبه سنة (1367 هـ = 1948م)
q حقوق أهل الذمة: كتبه سنة (1367 هـ = 1948م).
q مطالب الإسلام تجاه المرأة المسلمة: كتبه سنة (1372 هـ = 1953م).
q قضية القاديانية: كتبه سنة (1372 هـ = 1953م)
q تفسير تفهيم القرآن: ويقع في ستة أجزاء، وقد بدأ كتابته سنة (1360 هـ = 1941م)، وأتمه في سنة (1392هـ = 1972م).
q سيرة النبي صلى الله عليه وسلم : وقد شرع في تأليفه سنة (1392 هـ = 1972م)، وأتمه قبيل وفاته، وهو آخر مؤلفاته.

وقد حظيت مؤلفات المودودي بشهرة عريضة في جميع أنحاء العالم ولقيت قبولا واسعًا في قلوب المسلمين في شتى البقاع، فترجم الكثير منها إلى العديد من اللغات، حتى بلغ عدد اللغات التي ترجمت مصنفات المودودي إليها ست عشرة لغة، منها: الإنجليزية، والعربية، والألمانية، والفرنسية، والهندية، والبنغالية، والتركية، والسندية…، ونالت استحسان ورضى المسلمين على شتى مستوياتهم واتجاهاتهم.

وانطفأ المصباح
وفي غرة ذي القعدة 1399 هـ = 22 من سبتمبر 1979م انطفأت تلك الجذوة التي أضاءت الطريق إلى الرشد والهداية للكثير من المسلمين، ورحل المودودي عن عالمنا إلى رحاب ربه، ولكنه بقي بأفكاره وتعاليمه ومؤلفاته الجليلة ليظل قدوة للدعاة على مر العصور، ونبعًا صافيًا من منابع الإسلام الصافي والعقيدة الخالصة.

أهم مصادر الدراسة:
q أبو الأعلى المودودي: حياته وفكره العقدي: حمد بن صادق الجمال – دار المدني للطباعة والنشر والتوزيع – جدة (1401 هـ = 1986م).
q أبو الأعلى المودودي فكره ودعوته: د. سمير عبد الحميد إبراهيم – دار الأنصار – القاهرة: 1399 هـ = 1979م.
q أبو الأعلى المودودي والصحوة الإسلامية: د.محمد عمارة – دار الشروق بالقاهرة: 1407 هـ = 1987م.
q النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين: د. محمد رجب البيومي (الجزء الثالث) – سلسلة البحوث الإسلامية : السنة 13 الكتاب الأول: مجمع البحوث الإسلامية – القاهرة: (1402 هـ = 1982م)

moudar
24-Apr-2011, 10:30 AM
سيِّد قطب

معظم ما كُتب عن سيد قطب تَرَكَّزَ حول فكره وجهاده أو سجنه وتعذيبه وإعدامه، ولكنه لا يُلمّ بحياة هذا الشهيد وجوانبها الأدبية والإصلاحية، كما أنه يهمل فترة الضياع الروحي والصراع النفسي التي أعقبها انضمامه للحركة الإسلامية الإصلاحية، وتبنيه لقضية العدالة الإسلامية دون أن تعرف أن حياته سلسلة متصلة الحلقات لم تشهد تحولاً مفاجئًا أو تغييرًا غامضًا!.
نشأة قروية
ولد سيد قطب مولدًا خاصة لأسرة شريفة في مجتمع قروي (صعيدي) في يوم 9/10/1906م بقرية موشا بمحافظة أسيوط، وهو الابن الأول لأمه بعد أخت تكبره بثلاث سنوات وأخ من أبيه غير شقيق يكبره بجيل كامل. وكانت أمه تعامله معاملة خاصة وتزوده بالنضوج والوعي حتى يحقق لها أملها في أن يكون متعلمًا مثل أخواله
كما كان أبوه راشدًا عاقلاً وعضوًا في لجنة الحزب الوطني وعميدًا لعائلته التي كانت ظاهرة الامتياز في القرية، واتصف بالوقار وحياة القلب، يضاف إلى ذلك أنه كان دَيِّنًا في سلوكه.
ولما كتب سيد قطب إهداء عن أبيه في كتابه "مشاهد القيامة في القرآن" قال: "لقد طبعتَ فيّ وأنا طفل صغير مخافة اليوم الآخر، ولم تعظني أو تزجرني، ولكنك كنت تعيش أمامي، واليوم الآخر ذكراه في ضميرك وعلى لسانك.. وإن صورتك المطبوعة في مُخيلتي ونحن نفرغ كل مساء من طعام العشاء، فتقرأ الفاتحة وتتوجه بها إلى روح أبيك في الدار الآخرة، ونحن أطفالك الصغار نتمتم مثلك بآيات منها متفرقات قبل أن نجيد حفظها كاملات".
وعندما خرج إلى المدرسة ظهرت صفة جديدة إلى جانب الثقة بالذات من أمه والمشاعر النبيلة من أبيه وكانت الإرادة القوية، ومن شواهدها حفظه القرآن الكريم كاملاً بدافع من نفسه في سن العاشرة؛ لأنه تعود ألا يفاخره أبناء الكتاتيب بعد إشاعة بأن المدرسة لم تعد تهتم بتحفيظ القرآن.
وفي فورة الإحساس والثقة بالنفس كان لظروف النضال السياسي والاجتماعي الممهدة لثورة 1919 أثر في تشبعه بحب الوطن، كما تأثر من الثورة بالإحساس بالاستقلال وحرية الإرادة، وكانت دارهم ندوة للرأي، شارك سيد قطب فيها بقراءة جريدة الحزب الوطني، ثم انتهى به الأمر إلى كتابة الخطب والأشعار وإلقائها على الناس في المجامع والمساجد.
الاستقرار في القاهرة
ذهب سيد قطب إلى القاهرة في سن الرابعة عشرة وضمن له القدر الإقامة عند أسرة واعية وجهته إلى التعليم وهي أسرة خاله الذي يعمل بالتدريس والصحافة، وكان لدى الفتى حرص شديد على التعلم
إلا أنه في القاهرة واجه عقبات محصته تمحيصًا شديدًا جعلته يخرج من الحياة برؤية محددة قضى نحبه –فيما بعد- من أجلها.
والتحق سيد قطب أولاً بإحدى مدارس المعلمين الأولية –مدرسة عبد العزيز- ولم يكد ينتهي من الدراسة بها حتى بلغت أحوال الأسرة درجة من السوء جعلته يتحمل المسئولية قبل أوانه، وتحولت مهمته إلى إنقاذ الأسرة من الضياع بدلاً من استعادة الثروة وإعادة المجد.
واضطر إلى العمل مدرسًا ابتدائيًا حتى يستعين بمرتبه في استكمال دراسته العليا من غير رعاية من أحد اللهم إلا نفسه وموروثاته القديمة. وكان هذا التغير سببًا في الاحتكاك المباشر بالمجتمع الذي كان لا بد له من أسلوب تعامل يختلف عن أسلوب القرويين وتجربتهم.
فالمجتمع الجديد الذي عاش فيه انقلبت فيه موازين الحياة في المدينة السليمة، وبدت في القاهرة سوءات الاحتلال الأجنبي ومفاسد السياسة؛ حيث سادت عوامل التمزق الطبقي والصراع الحزبي وغدت المنفعة وما يتبعها من الرياء والنفاق والمحسوبية هي الروح التي تسري، ويصف عبد الرحمن الرافعي هذا المجتمع بأنه "مجتمع انهارت فيه الثقافة العربية أمام الثقافة الغربية التي تؤمن بالغرب حتى بلغت في بعض الأحيان حد التطرف في الإيمان بالغرب وبمبادئه إيمانًا مطلقًا". فكيف يواجهها هذا الشاب الناشئ المحافظ الطموح؟
كانت صلته بهذا المجتمع صلة تعليم، ثم أصبح الآن مشاركًا فيه، وعليه أن يختار ما بين السكون والعزلة، وبالتالي عدم إكمال تعليمه أو الحركة والنشاط، واختار سيد قطب المواجهة مع ما ينبت معها من عناصر الإصرار والتحدي وعدم الرضا بهذا الواقع المؤلم.
ارتحال فكري
واختار سيد قطب حزب الوفد ليستأنس بقيادته في المواجهة، وكان يضم وقتذاك عباس محمود العقاد وزملاءه من كتاب الوفد، وارتفعت الصلة بينه وبين العقاد إلى درجة عالية من الإعجاب لما في أسلوب العقاد من قوة التفكير ودقة التغيير والروح الجديدة الناتجة عن الاتصال بالأدب الغربي.
ثم بلغ سيد قطب نهاية الشوط وتخرج في دار العلوم 1933 وعين موظفًا –كما أمل وأملت أمه معه- غير أن مرتبه كان ستة جنيهات ولم يرجع بذلك للأسرة ما فقدته من مركز ومال؛ فهو مدرس مغمور لا يكاد يكفي مرتبه إلى جانب ما تدره عليه مقالاته الصحفية القيام بأعباء الأسرة بالكامل.
وهذه الظروف التي حرمته من نعيم أسلافه منحته موهبة أدبية إلا أن الأساتذة من الأدباء –كما يصفهم- كانوا: "لم يروا إلا أنفسهم وأشخاصهم فلم يعد لديهم وقت للمريدين والتلاميذ، ولم تكن في أرواحهم نسمة تسع المريدين والتلاميذ" كل هذا أدى إلى اضطرابه وإحساسه بالضياع إلى درجة –وصفها الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه "مذكرات سائح من الشرق" انقطعت عندها كل صلة بينه وبين نشأته الأولى وتبخرت ثقافته الدينية الضئيلة وعقيدته الإسلامية" ولكن دون أن يندفع إلى الإلحاد، وكان دور العقاد حاسمًا في ذلك.
وانتقل سيد قطب إلى وزارة المعارف في مطلع الأربعينيات، ثم عمل مفتشًا بالتعليم الابتدائي في عام 1944 وبعدها عاد إلى الوزارة مرة أخرى، وفي تلك الفترة كانت خطواته في النقد الأدبي قد اتسعت وتميزت وظهر له كتابان هما: "كتب وشخصيات"، "والنقد الأدبي – أصوله ومناهجه".
وبعد ميدان النقد سلك سيد قطب مسلكًا آخر بعيدًا: بكتابه "التصوير الفني في القرآن" الذي لاقى مقابلة طيبة من الأوساط الأدبية والعلمية فكتب: "مشاهد القيامة في القرآن" ووعد بإخراج: "القصة بين التوراة والقرآن" و"النماذج الإنسانية في القرآن"، و"المنطق الوجداني في القرآن"، و"أساليب العرض الفني في القرآن"، ولكن لم يظهر منها شيء.
وأوقعته دراسة النص القرآني على غذاء روحي لنفسه التي لم تزل متطلعة إلى الروح. وهذا المجال الروحي شده إلى كتابة الدراسات القرآنية فكتب مقالاً بعنوان "العدالة الاجتماعية بمنظور إسلامي" في عام 1944.
ولما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها زادت الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية سوءًا وفسادًا وكانت جماعة الإخوان المسلمين هي أوضح الجماعات حركة وانتشارًا حتى وصلت لمعاقل حزب الوفد كالجامعة والوظائف والريف، وأخذت تجذب بدعوتها إلى الإصلاح وقوة مرشدها الروحية المثقفين، وأخذت صلة سيد قطب بالجماعة تأخذ شكلاً ملموسًا في عام 1946 ثم ازدادت حول حرب فلسطين 1948.
وفي هذا الاتجاه ألف سيد قطب كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، وأهداه إلى الإخوان؛ ثم سافر إلى أمريكا وعند عودته أحسنوا استقباله، فأحسن الارتباط بهم وأكد صلته حتى أصبح عضوًا في الجماعة.
الرحلة إلى أمريكا
وجد سيد قطب ضالته في الدراسات الاجتماعية والقرآنية التي اتجه إليها بعد فترة الضياع الفكري والصراع النفسي بين التيارات الثقافية الغربية، ويصف قطب هذه الحالة بأنها اعترت معظم أبناء الوطن نتيجة للغزو الأوروبي المطلق.
ولكن المرور بها مكنه من رفض النظريات الاجتماعية الغربية، بل إنه رفض أن يستمد التصور الإسلامي المتكامل عن الألوهية والكون والحياة والإنسان من ابن سينا وابن رشد والفارابي وغيرهم لأن فلسفتهم – في رأيه – ظلال للفلسفة الإغريقية.
فكان من المنتظر حين يوم 3/11/1948 في بعثة علمية من وزارة المعارف للتخصص في التربية وأصول المناهج ألا تبهره الحضارة الأمريكية المادية ووجدها خلوا من أي مذهب أو قيم جديدة، وفي مجلة الرسالة كتب سيد قطب مقالا في عام 1951 بعنوان: "أمريكا التي رأيت" يصف فيها هذا البلد بأنه: "شعب يبلغ في عالم العلم والعمل قمة النمو والارتقاء، بينما هو في عالم الشعور والسلوك بدائي لم يفارق مدارج البشرية الأولى، بل أقل من بدائي في بعض نواحي الشعور والسلوك".
المصلح والأديب
امتلك سيد قطب موهبة أدبية قامت على أساس نظري وإصرار قوي على تنميتها بالبحث الدائم والتحصيل المستمر حتى مكنته من التعبير عن ذاته وعن عقيدته يقول: "إن السر العجيب – في قوة التعبير وحيويته – ليس في بريق الكلمات وموسيقى العبارات، وإنما هو كامن في قوة الإيمان بمدلول الكلمات وما وراء المدلول، وإن في ذلك التصميم الحاسم على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حية، المعنى المفهوم إلى واقع ملموس".
وكان سيد قطب موسوعيًا يكتب في مجالات عديدة إلا أن الجانب الاجتماعي استأثر بنصيب الأسد من جملة كتاباته، وشغلته المسألة الاجتماعية حتى أصبحت في نظره واجبًا إسلاميًا تفرضه المسئولية الإسلامية والإنسانية، وهذا يفسر قلة إنتاجه في القصة التي لم يكثر فيها بسبب انشغاله بالدراسات النقدية ومن بعدها بالدراسات والبحوث الإسلامية.
وطوال مسيرته ضرب سيد قطب مثل الأديب الذي غرس فيه الطموح والاعتداد بالنفس، وتسلح بقوة الإرادة والصبر والعمل الدائب؛ كي يحقق ذاته وأمله، اتصل بالعقاد ليستفيد منه في وعي واتزان، ولم تفتنه الحضارة الغربية من إدراك ما فيها من خير وشر، بل منحته فرصة ليقارن بينها وبين حضارة الفكر الإسلامي، وجمع بينه وبين حزب الوفد حب مصر ومشاعر الوطنية، وجمع بينه وبين الإخوان المسلمين حب الشريعة وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء مجتمع إسلامي متكامل. واستطاع بكلمته الصادقة أن يؤثر في كثير من الرجال والشباب التفوا حوله رغم كل العقبات والأخطار التي أحاطت بهم، وأصبح من الأدباء القلائل الذين قدموا حياتهم في سبيل الدعوة التي آمنوا بها.
العودة والرحيل
عاد سيد قطب من أمريكا في 23 أغسطس 1950 ليعمل بمكتب وزير المعارف إلا أنه تم نقله أكثر من مرة حتى قدم استقالته في 18 أكتوبر 1952، ومنذ عودته تأكدت صلته بالإخوان إلى أن دُعي في أوائل عام 1953 ليشارك في تشكيل الهيئة التأسيسية للجماعة تمهيدًا لتوليه قسم الدعوة،.
وخاض مع الإخوان محنتهم التي بدأت منذ عام 1954 إلى أن أُعدم في عام 1966. وبدأت محنته باعتقاله – بعد حادث المنشية في عام 1954(اتهم الإخوان بمحاولة إغتيال الرئيس المصرى جمال عبد الناصر) – ضمن ألف شخص من الإخوان وحكم عليه بالسجن 15 سنة ذاق خلالها ألوانًا من التعذيب والتنكيل الشديدين، ومع ذلك أخرج كتيب "هذا الدين" و"المستقبل لهذا الدين"، كما أكمل تفسيره "في ظلال القرآن".
وأفرج عنه بعفو صحي في مايو 1964 وكان من كلماته، وقتذاك: أن إقامة النظام الإسلامي تستدعي جهودًا طويلة في التربية والإعداد وأنها لا تجئ عن طريق إحداث انقلاب.
وأوشكت المحنة على الانتهاء عندما قبض على أخيه محمد قطب يوم 30/7/1965 فبعث سيد قطب برسالة احتجاج إلى المباحث العامة؛ فقبض عليه هو الآخر 9/8/1965 وقدم مع كثير من الإخوان للمحاكمة، وحكم عليه وعلى 7 آخرين بالإعدام، ونفذ فيه الحكم في فجر الإثنين 13 جمادى الأولى 1386 هـ الموافق 29 أغسطس 1966.
من مؤلفاته:
q طفل من القرية (سيرة ذاتية).
q المدينة المسحورة (قصة أسطورية).
q النقد الأدبي – أصوله ومناهجه.
q التصوير الفني في القرآن.
q مشاهد القيامة في القرآن.
q معالم على الطريق.
q المستقبل لهذا الدين.
q هذا الدين.
q في ظلال القرآن.
q كيف وقعت مراكش تحت الحماية الفرنسية؟
q الصبح يتنفس (قصيدة)
q قيمة الفضيلة بين الفرد والجماعة.
q حدثيني (قصيدة).
q الدلالة النفسية للألفاظ والتراكيب العربية.
q هل نحن متحضرون؟
q هم الحياة (قصيدة)
q وظيفة الفن والصحافة.
q العدالة الاجتماعية.
q شيلوك فلسطين أو قضية فلسطين.
q أين أنت يا مصطفى كامل؟
q هتاف الروح (قصيدة).
q تسبيح (قصيدة).
q فلنعتمد على أنفسنا.
q ضريبة الذل.
q أين الطريق؟

moudar
25-Apr-2011, 08:50 AM
مروان حمادة


درزي المذهب، كاثوليكي (وفرنسي) بالرضاعة، سني بالزواج، ارثوذكسي بالمصاهرة وماروني... بالأحفاد. ولد في بيروت، ترعرع ودرس متنقلا مع والده الدبلوماسي بين عواصم العالم، من باريس إلى لندن واثينا. خالط مدارس ارساليات ومدارس علمانية بألسن فرنسية وانكليزية، ثم عاد إلى موطنه وتخرج من الجامعة اليسوعية في الحقوق وشهادة في الاقتصاد.

محام، صحافي، اقتصادي، إداري، باحث، مثقف و... سياسي بامتياز منذ 1980 كوزير للسياحة في حكومة شفيق الوزان. دخل الصحافة الفرنكوفونية من بابها الواسع كنائب رئيس تحرير في جريدة {لوجور}، ومراسل {حربي} من اليمن، إلى الهند باكستان، إلى حرب تشرين 1973 إلى حرب... فيتنام. ثم غرق في شؤون وشجون جريدة {النهار} الى ان أصبح رئيسا لمجلس ادارتها. وبين هذه وتلك، {لامس} المحاماة، ومر على {طيران الشرق الأوسط} وأمضى فترة كباحث اقتصادي، قبل ان يتفرغ إلى السياسة إلى جانب وليد جنبلاط.

مروان حمادة، مواليد 1939، والده الدبلوماسي محمد علي حمادة، والدته فرنسية، أخته الأديبة والشاعرة الراحلة ناديا حمادة تويني زوجة غسان تويني وأخوه الزميل علي.
تزوج مرتين، الأولى من سهير حوري (1964) ورزقا ولدين كريم ورانية. والثانية من لينا مقدادي (1984)، دبلوماسية وكاتبة... وما تبقى من سيرته مجبول بمراحل الحرب اللبنانية وفظائعها.

بدءا من ما كان يعرف بـ{الحركة الوطنية}، مرورا بالاجتياح الاسرائيلي (1982)، {حرب الجبل} (1983)، {مفاوضات لوزان وجنيف} (1984-1983)، {الاتفاق الثلاثي} (1985)، {اتفاق الطائف} (1989) إلى... شؤون وشجون عهد اميل لحود... كان في كل هذه المحطات إلى جانب جنبلاط، من دون ان يكون منتميا إلى الحزب التقدمي الاشتراكي. يقترب أكثر مما يبتعد. يشتد في الشدائد، ويندفع في المهمات التوافقية والحوارية. وينكفىء أحيانا وراء الكواليس لتلطيف الأزمات الساخنة. دائم الحركة والنشاط. شاطر في تدوير الزوايا، يتقن شروط اللعبة اللبنانية وحدودها. كما يتقن أصول اللعبة مع زعيم المختارة...
إنطلق مندفعا في بداية الثمانينات مركزا على العلاقة مع سوريا، رافضا أي تشكيك فيها وفي المقاومة الفلسطينية وأي تحامل عليهما (النداء1981)، نادى بالحل العربي الديموقراطي الذي ترعاه سوريا في لبنان (البعث 1985) بعد التوقيع على الاتفاق الثلاثي في دمشق. ودعا بعد فشله إلى <<علاج الخطوات التقسيمية في بيروت الشرقية عبر ضرب المشروع الانفصالي قبل ان يتحول إلى اسرائيل ثانية في المنطقة، واعتبر لاحقا ان دعوة وليد جنبلاط إلى الوحدة مع سوريا حلا قوميا وتقدميا وعلى العرب مقاومة مشروع ميشال عون الديكتاتوري (الشرق 1989)...

في موازاة ذلك، قارب محنة الجبل في 1983 بحكمة وروية. العلاج كان برأيه {وحيد مركب من مزج الحقيقة بحسن النية المخلصة ومن مزج الصدق بصفاء الوطنية}، لافتا بذكاء إلى ان لرئيس الجميل صاحب دعوة ونظرية وفاقية وساع إلى اللحمة بين اللبنانيين، وهو المؤهل ليكون محورا يجمع القوى السياسية تحقيقا لأهداف محددة هي تحرير البلد وتطوير نظامه الديموقراطي.... (السفير 1982).

لم تغب عن مروان حمادة في اي لحظة أهمية التواصل والوحدة الداخلية. أظهر شديد حماس لاتفاق الطائف، غالى في التفاؤل. ففي بداية 1991 رأى ان استكمال بنود الطائف سيتم في النصف الأول من هذا العام...، وان أحداث الخليج ستعجل في تنفيذ القرار 425 القاضي بانسحاب اسرائيل من الجنوب. وعن إتفاق الطائف قال يومها انه تسوية وهذه التسوية لم يربح فيها أحد، كل واحد أخذ شيئا ما، أوجد حلولا منطقية متوازنة وقابلة للتطبيق. ويؤكد باستمرار ان اللبنانيين بجميع طوائفهم مجمعين على العلاقات المميزة مع سوريا.

ومع مرور السنوات، وغرق {الطائف} في أوحال {الترويكا} راح مروان يحذر من الالتفاف عليه مكررا مطالبته بتطبيقه قبل المطالبة بتعديله.
لم تغب طبعا عنه مسألة الطائفية، وهو المتعدد الطوائف ولا طائفة له. طالب دوما، وفي أكثر من مناسبة، بإلغاء الطائفية السياسية. حماسه دفعه إلى الاعتقاد ان آلية إلغاء الطائفية ستنطلق بعد انتخاب مجلس جديد، أي بعد انتخابات 1992، مشيرا في الوقت نفسه إلى ان الطائفة الدرزية لن تعود الى الثنائية في الجبل. ومنذ عام 1993 بدأ يسعى لزيارة البطريرك نصر الله صفير إلى الجبل.

وفي 1991، اعتبر ان انتشار الجيش في صيدا وضواحيها خطوة هامة على طريق تحرير جزين والجنوب اللبناني (تشرين السورية).
بعد الطائف، شارك حمادة بحكومات عدة، وتحديدا حكومات الحريري. من الصحة إلى المهجرين إلى الاقتصاد. كان خلالها بمثابة{حلال عقد} بين الحريري وجنبلاط، و{اطفأجي} على خط العلاقات بين بعبدا قريطم المختارة.

وفي 1997 نعى الترويكا مطالبا بتفعيل المؤسسات، ممهدا بذلك لما سيكون عليه موقف جنبلاط من مجيء لحود. وتحول إلى أشبه بـ{فدائي} في عهد اميل لحود. ففي عام 1998، ورغم معارضة جنبلاط وكتلته لرئاسة لحود قال للرأي العام (الكويتية) بعد يومين فقط ان لحود أفضل خيار للبنانيين والمطلوب معالجة مشكلة المسيحيين حتى ولو كانت... نفسية.

في تلك الفترة، كان خارج الحكم ومارس دور {كاسحة الألغام} أمام سيد المختارة، معلنا في آذار 1999 عن مبادرة جنبلاط للانفتاح على لحود، وفي نيسان أكد: نحن طلاب حوار مع الحكم والمعارضة، وأيضا مع لحود في مواجهة التحديات الاسرائيلية. كذلك بين لحود والحريري. سيّئو الظن يعتبرونه نصف حريري ونصف جنبلاطي. في أيار 2000، أعرب عن أمله الكبير بالتعاون بين عقلية لحود ودينامية الحريري. وفي كلام آخر أمل أن يكون لحود حياديا... والتحالف مع الحريري لتوسيع رقعة الخدمات....

في الأزمات، ينحاز بوضوح إلى جنبلاط من دون ان يقطع خيوط الاتصال مع كل الأطراف. خلال معركة التمديد، وفي ظل حملات التخوين التي انهالت على رئيس التقدمي، انبرى للرد على أحدهم قائلا: وليد جنبلاط لا يخوّن ممن كان مع شارون. وعن وليد قال ذات مرة أنه ليس صعبا... بل هو رقم صعب.
يجمع مروان بين المرونة والحكمة، بين الدبلوماسية ودماثة الخلق. يمثل الاعتدال في الموقف. ان ما يعبر عن شخصيته أفضل تعبير ما قاله هو عن نفسه ذات مرة في 1995: لم أكن يوما منعزلا عن أحد بفعل تركيبتي العائلية والثقافية والتربوية والاجتماعية، بل نحن في بيت تنصهر فيه تقريبا نصف الطوائف اللبنانية، بيت منفتح على الثقافة الغربية مع تمسكه بجذوره الضاربة في الثقافة العربية الأصيلة. أعيش الوفاق الوطني في بيتي وعائلتي... أتى الطائف بمسلمات لم يعد أحد يختلف عليها وزالت كلمة <<انعزال>> من القاموس السياسي وسقطت من العقول والنفوس.

أنه لبناني بامتياز! لماذا حاولوا اغتياله؟ هل لأنه يمثل كل هذه الحالات معا؟ هل لإيصال رسائل بالجملة؟ وهل كان إستهدافه بمفعول رجعي بعد ما نجا من أتون الحرب الأهلية، أم بمفعول استباقي ليكون الشرارة لفتنة جديدة؟.
بتاريخ 01/10/2004 انفجرت سيارة مفخخة نهار الجمعة مستهدفة موكب النائب مروان حمادة، ما أدى إلى إصابته بجروح، نقل على أثرها إلى المستشفى، وإلى مقتل مرافقه وجرح سائقه .

وتأتي محاولة الاغتيال هذه بعد أسابيع من التوتر السياسي والاتهامات المتبادلة، بين الموالين لسوريا وخط إميل لحود السياسي من جهة، ورافضي التمديد للحود والمعارضين لهيمنة الأجهزة الأمنية المتنامية على مرافق الدولة والحياة السياسية من جهة أخرى.

بت البلد
25-Apr-2011, 09:39 AM
http://up.nawafithna.com/download.php?imgf=nawafithna.com-12581269811.gif[/QUOTE]

الحزن النبيل
25-Apr-2011, 10:46 AM
معلومات قيمة لأدباء
ملؤ زمنهم أهازيج بحروف
ممتلئ بالأحساس والروعه والوصف

http://img509.imageshack.us/img509/4126/czcmy2.gif

moudar
26-Apr-2011, 09:46 AM
أبو الطيّب المتنبي

هو أبو الطيب المتنبي الشاعر الأشهر. اسمه أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي، وإنما سمي المتنبي لأنه على ما قيل ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم. فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلا ثم استتابه وأطلقه وكان قد قرأ على البوادي كلاما ذكر أنه قرآن أنزل عليه، ومن ذلك: والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، أن الكافر لفي أخطار، امض على سنتك، واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن اللّه قامع بك زيغ من ألحد في الدين وضل عن السبيل.


وكان إذا جلس في مجلس سيف الدولة وأخبروه عن هذا الكلام أنكره وجحده. ولما أطلق من السجن التحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين وثلاثمائة ومدح كافور الأخشيدي وأنوجور بن الأخشيد وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بالسيوف والمناطق، ولما لم يرضه هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلثمائة فوجه كافور خلفه عدة رواحل فلم تلحقه وقصد بلاد فارس ومدح عضد الدولة بن بويه الديلمي فأجزل صلته. ولما رجع من عنده عرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي في عدة من أصحابه فقاتله فقتل المتنبي وابنه مجسد وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية في موضع يقال له الصافية من الجانب الغربي من سواد بغداد.


ويقال إنه قال شيئا في عضد الدولة فدس عليه من قتله لأنه لما وفد عليه وصله بثلاثة آلاف دينار وثلاثة أفراس مسرجة محلاة وثياب فاخرة. ثم دس عليه من سأله أين هذا العطاء من عطاء سيف الدولة؟ فقال هذا أجزل إلا أنه عطاء متكلف، وسيف الدولة كان يعطي طبعا. فغضب عضد الدولة فلما انصرف جهز عليه قوما من بني ضبة فقتلوه بعد أن قاتل قتالا شديدا ثم انهزم فقال له غلامه أين قولك:

الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم

شاعر العرب، الذي تجسدت في شخصيته صفات العرب، وفي شعره تجسدت مزايا الشعر الأصيل، ويقول نفر من المؤرخين لولا سيف الدولة لما كان المتنبي، ويقول آخرون لولا المتنبي لم يكن سيف الدولة، لُقّب بمالئ الدنيا وشاغل الناس، حتى قبل أنه لم يحز شاعر شهرة المتنبي، فقد كان أوسع شعراء العرب شهرة على الإطلاق وأعظمهم في رأي كبار النقاد والأدباء، ترجمت بعض أشعاره وآرائه في الحياة إلى اللغة الإنكليزية بعنوان رباعيات أبي الطيب المتنبي، هو أحمد بن الحسين أبو الطيب ، ولد بالكوفة في محلة تسمى كندة كان أبوه سقاء فيها، رافق أباه إلى بلاد الشام، ثم تنقّل في البادية وأخذ عن أهلها فصاحة اللفظ وبلاغة العبارة، حفظ الكثير من شعر العرب، فاق معاصريه على الإطلاق منذ نشئته كبير النفس عالي الهمة طموحا، حتى بلغ من كبر نفسه أن دعى إلى بيعته بالخلافة، وهو حديث السن، بل أدعى النبّوة، وقبل أن يستحفل أمره خرج لؤلؤ أمير حمص ونائب الأخشيد فسجنه حتى تاب عن دعوته فأطلقه ، لكن لقب المتنبي ظل لصيقا به، ومنذ ذلك الحين، سعى إلى طلب الثروة، والمقام الرفيع بشِعره، متقربا من ذي النفوذ والسلطان، ناظما فيهم المدائح، مترددا عليهم في مختلف المناطق، ولزم سيف الدولة بن حمدان، صاحب حلب تسع سنوات، غادرها إلى مصر، وحاكمها آنذاك كان كافور الأخشيدي، وكان المتنبي يطمح في ولاية، فلم يوله كافور، فزوى عنه وجه، فهجئه هجاء لاذعا، قصد بغداد ولم يمدّح الوزير المهلّبي لأنه كان يترفع عن مدح الملوك، غضب عليه عضد الدولة فأرسل إليه فاتك بن أبي جهل الأسدي مع جماعته وهو في طريقة للكوفة كان مع المتنبي جماعته أيضا، فتقاتل الفريقان فلما رأى أبو الطيب الدائرة عليه هم بالفرار، ويقال أن غلامه قال له : يا أبا الطيب أما أنت القائل الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم، فقال له المتنبي : قتلتني قتلك اللَّه، فرجع وقاتل حتى قُتل هو وإبنه مُحسَد وغُلامه مُفلح، دارت هذه المعركة التي قُتل فيها المتنبي بالنعمانية ، وكان عند مقتله في الحادية والخمسين من عمره .

moudar
28-Apr-2011, 09:37 AM
أبو بكر الرازي

كان "أبو بكر محمد بن زكريا الرازي" عالما موسوعيا من طراز فريد، وقد برز في جميع فروع العلوم؛ فكتب في الطب والفلسفة والكيمياء والرياضيات وعلم الأخلاق والميتافيزيقا والموسيقى وغيرها.
فهو في الحقيقة علامة عصره؛ حيث كانت مؤلفاته العديدة مرجعًا للعلماء والدارسين خاصة في الطب، وظلت تلك المؤلفات تدرَّس في جامعات أوروبا على مدى قرون طويلة.

الرازي والقراءة
ولد أبو بكر الرازي بالري نحو سنة 250هـ = 864م، وعُرِفَ منذ نعومة أظفاره بحب العلم؛ فاتجه منذ وقت مبكر إلى تعلم الموسيقى والرياضيات والفلسفة، ولما بلغ الثلاثين من عمره اتجه إلى دراسة الطب والكيمياء، فبلغ فيهما شأوًا عظيما، ولم يكن يفارق القراءة والبحث والنسخ، وإن جل وقته موزع بين القراءة والبحث في إجراء التجارب أو الكتابة والتصنيف.
وكان حريصًا على القراءة مواظبًا عليها خاصة في المساء، فكان يضع سراجه في مشكاة على حائط يواجهه، وينام في فراشه على ظهره ممسكًا بالكتاب حتى إذا ما غلبه النعاس وهو يقرأ سقط الكتاب على وجهه فأيقظه ليواصل القراءة من جديد.
الرازي العالم الإنسان
وعرف الرازي بذكائه الشديد وذاكرته العجيبة، فكان يحفظ كل ما يقرأ أو يسمع حتى اشتهر بذلك بين أقرانه وتلاميذه.
ولم يكن الرازي منصرفًا إلى العلم كلية زاهدًا في الدنيا، كما لم تجعله شهرته متهافتًا عليها مقبلا على لذاتها، وإنما كان يتسم بقدر كبير من الاعتدال، ويروي أنه قد اشتغل .
وقد اشتهر الرازي بالكرم والسخاء، وكان بارا بأصدقائه ومعارفه عطوفا على الفقراء والمحتاجين، وبخاصة المرضى، فكان ينفق عليهم من ماله، ويجري لهم الرواتب والجرايات حيث كان غنيا واسع الثراء، وقد امتلك بعض الجواري وأمهر الطاهيات.

وقد كانت شهرة الرازي نقمة عليه؛ فقد أثارت عليه غيرة حساده، وسخط أعدائه، فاتهمه في دينه كل من خالفهم، ورموه بالكفر ووصفوه بالزندقة، ونسبوا إليه آراء خبيثة وأقوالا سخيفة، وهي دعاوى باطلة، وافتراءات ظالمة، وللرازي نفسه من المصنفات ما يفند تلك الدعاوى، ويبطل تلك الأباطيل، ومن كتبه في ذلك كتاب في أن للعالم خالقا حكيما، وكتاب أن للإنسان خالقا متقنا حكيما، وغيرهما من المؤلفات.
وقد بلغت مؤلفات الرازي 146 مصنفا: منها 116 كتابا، و30 رسالة، وظل طوال حياته بين القراءة والتصنيف، حتى قيل إنه إنما فقد بصره من كثرة القراءة، ومن إجراء التجارب الكيميائية في المعمل.

الرازي طبيب العرب الأول
يعد أبو بكر الرازي أعظم علماء المسلمين في الطب من ناحية الأصالة في البحث، والخصوبة في التأليف، فقد ألف كتبًا قيمة في الطب، وقد أحدث بعضها أثرًا كبيرا في تقدمه، وفي طرق المداواة والعلاج وتشخيص الأمراض.
وقد امتازت مؤلفات الرازي بالموسوعية والشمول، بما تجمعه من علوم اليونان والهنود بالإضافة إلى أبحاثه المبتكرة وآرائه وملاحظاته التي تدل على النضج والنبوغ، كما تمتاز بالأمانة العلمية الشديدة؛ إذ إنه ينسب كل شيء نقله إلى قائله، ويرجعه إلى مصدره.
ويأتي الرازي في المرتبة الثانية بعد ابن سيناء في الطب، وقد صرف جل وقته على دراسة الطب، وممارسته بعد أن ضعف بصره نتيجة عكوفه على إجراء التجارب الكيميائية العديدة في معمله.
وكان الرازي ذكيا فطنا رءوفا بالمرضى مجتهدا في علاجهم وفي برئهم بكل وجه يقدر عليه، مواظبا على النظر في غوامض صناعة الطب، والكشف عن حقائقها وأسرارها، حتى أطلق عليه "أبو الطب العربي".

ويعد الرازي من الرواد الأوائل للطب ليس بين العلماء المسلمين فحسب، وإنما في التراث العالمي والإنساني بصفة عامة، ومن أبرز جوانب ريادة الرازي وأستاذيته وتفرده في الكثير من الجوانب:
· أنه يعد مبتكر خيوط الجراحة المعروفة بالقصاب
· أول من صنع مراهم الزئبق
· قدم شرحا مفصلا لأمراض الأطفال والنساء والولادة والأمراض التناسلية وجراحة العيون وأمراضها.
· كان من رواد البحث التجريبي في العلوم الطبية، وقد قام بنفسه ببعض التجارب على الحيوانات كالقرود، فكان يعطيها الدواء، ويلاحظ تأثيره فيها، فإذا نجح طبقه على الإنسان.
· عني بتاريخ المريض وتسجيل تطورات المرض؛ حتى يتمكن من ملاحظة الحالة، وتقديم العلاج الصحيح له.
· كان من دعاة العلاج بالدواء المفرد (طب الأعشاب والغذاء)، وعدم اللجوء إلى الدواء المركب إلا في الضرورة، وفي ذلك يقول: "مهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد، فلا تعالج بدواء مركب".
· كان يستفيد من دلالات تحليل الدم والبول والنبض لتشخيص المرض.
· استخدم طرقًا مختلفة في علاج أنواع الأمراض.
· اهتم بالنواحي النفسية للمريض، ورفع معنوياته ومحاولة إزالة مخاوفه من خلال استخدام الأساليب النفسية المعروفة حتى يشفى، فيقول في ذلك: "ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبدا بالصحة ويرجيه بها، وإن كان غير واثق بذلك، فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس".
كما اشتهر الرازي في مجال الطب الإكلينيكي، وكان واسع الأفق في هذا المجال، فقد فرق بشكل واضح بين الجدري والحصبة، وكان أول من وصف هذين المرضين وصفا دقيقا مميزا بالعلاجات الصحيحة.
وقد ذاعت شهرته في عصره حتى وصف بأنه جالينوس العرب، وقيل عنه: "كان الطب متفرقا فجمعه الرازي؟".
ولقيت بعض كتبه الطبية رواجا كبيرا وشهرة عظيمة، وانتقلت نظرياته العلمية إلى أوروبا، وقد ترجم العديد من كتبه إلى اللغات الأوروبية، واعتمدت عليها جامعات أوروبا، وظلت مرجعها الأول في الطب حتى القرن السابع عشر مثل كتابه الحاوي في علم التداوي والذي ترجم إلى اللاتينية وطبع لأول مرة في بريشيا في شمال إيطاليا عام 891هـ = 1486م، وهو أضخم كتاب طبع بعد اختراع المطبعة مباشرة، ثم أعيد طبعه مرارًا في البندقية في القرن 10هـ = 16م، وقسم كتاب الحاوي في الطبعة اللاتينية إلى خمسة وعشرين مجلدا.
وتتضح في هذا المؤلف الضخم مهارة الرازي في الطب، وتتجلى دقة ملاحظاته وغزارة علمه وقوة استنتاجه.
وكتابه "الجدري والحصبة" أعيدت طباعته أربع مرات بين عامي 903هـ = 1498م، و1283هـ = 1866م.
أما كتابه "المنصوري" فقد طبع لأول مرة في "ميلانو" عام (886هـ = 1481م)، وأعيد طبعه مرات عديدة، وترجمت أجزاء منه إلى الفرنسية والألمانية.
وظلت تلك المؤلفات من المراجع الأساسية لدراسة الطب في أوربا حتى القرن (11هـ = 17م)، ولا تزال جامعة "برنستون" الأمريكية تحتفظ بكتب الرازي في قاعة من أفخم قاعاتها، أطلق عليها اسمه اعترافًا بفضله ومآثره على علم الطب في العالم أجمع.

مؤلفاته الطبية
للرازي العديد من المؤلفات الطبية التي كان لها أكبر الأثر في الارتقاء بهذا العلم وتطويره، وكانت له إنجازات عديدة فيه، ومن أبرز تلك المصنفات:
· الحاوي في علم التداوي.
· الجدري والحصبة.
· المنصوري في التشريح.
· الكافي في الطب.
· من لا يحضره الطبيب.
· الحصى في الكلى والمثانة.
· علل المفاصل والنقرس وعرق النسا.
· منافع الأغذية.
· دفع مضار الأغذية.
· سر الطب.
· المدخل إلى الطب.
· القولنج (الشلل).

جهوده في الطبيعيات:
كان الرازي عالمًا طبيعيًا مجدًا، يعتمد على البحث والاستقراء والتجربة والمشاهدة العلمية، بالإضافة إلى الرؤية العقلية والبصيرة الواعية وسعة الأفق.
فقد كتب الرازي عدة مؤلفات في "الهيولي" – المادة – وتوصل منذ وقت مبكر إلى أن المادة تتركب من أجزاء صغيرة، تنقسم بدورها إلى أجزاء دقيقة، تنتهي إلى أجزاء غاية في الدقة لا تقبل التجزئة، وهو ما يطلق عليه اليوم "الذرات".
ويقول الرازي: "إن تركيب الأجسام من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ، وسينتهي تفريق تركيب أجسام العالم – في آخر العالم – إلى تلك الأجزاء بعينها، وهذه هي الهَيُولَى المطلقة".
ويفرق الرازي بين الزمان المطلق والزمان المحدود، فالأول هو الأبد السرمدي، الذي لا أول له ولا نهاية، وهو ما عبر عنه بالدهر، أما الزمان بمعناه المحدود فهو الذي يقدر بحركة الأفلاك ودوران الشمس والكواكب، وما ينتج عنه من تعاقب الليل والنهار والفصول والأعوام.
ويقول الرازي: "إن الدهر هو عدد الأشياء الدائمة، والزمان هو عدد الأشياء الأمانية، وهذان العددان يعدان الأشياء فقط، أعني الحياة والحركة. فإن كل عادّ إما أن يعد جزءًا بعد جزء، وإما أن يعد الكل معًا".
فالعدد – عنده – اثنان فقط:
أحدهما: يعد الأشياء الدائمة الروحانية، وهو الدهر.
والآخر: يعد الأشياء الجزئية الواقعة تحت الزمان، وهو عدد حركات الفلك.
كذلك يميز "الرازي" بين نوعين من المكان:
- مكان مطلق: كالوعاء الذي يجمع أجسامًا.
- مكان مضاف: وهو مضاف إلى المتمكن (الجسم الذي يشغل مكانًا)، فإن لم يكن المتمكن لم يكن مكان.
وكان "الرازي" من أوائل الذين نادوا بكروية الأرض، وقال: إنها تفوق حجم القمر، وتقل كثيرًا عن حجم الشمس.
كما توصل إلى طريقة جديدة للتمييز بين المعادن عن طريق تعيين الثقل النوعي، وذلك من خلال تعيين ثقل حجم معين من المادة منسوبًا إلى نفس الحجم من الماء.
واستطاع بذلك التمييز بين معدني الذهب والفضلة بهذه الخاصية الطبيعية.
ولعل أهم إنجازات "الرازي" في مجال الطبيعيات، هو نقضه لنظرية الإبصار التي ظلت سائدة طوال القرون التي سبقته، والتي انتقلت إلى المسلمين عن الإغريق، وهي نظرية "إقليدس" القائلة بأن الإبصار يحدث نتيجة خروج شعاع من العين إلى الجسم المرئي، وقرر أن الإبصار يتم بخروج شعاع ضوئي من الجسم المرئي إلى العين، وهو ما أكده العلم الحديث بعد ذلك، وهو في ذلك أسبق من "ابن الهيثم" بعدة قرون.

مصنفات "الرازي" في الطبيعيات:
وقد ترك "الرازي" العديد من المؤلفات الرائدة في الطبيعيات، من أبرزها:
· كيفيات الإبصار.
· شروط النظر.
· علة جذب حجر المغناطيس للحديد.
· الهيولى الكبير (المادة)
· الهيولى المطلقة والجزئية.
· الخلاء والملاء (الزمان والمكان).
· هيئة العالم.
· سبب وقوف الأرض وسط الفلك.
· سبب تحرك الفلك على استدارة.

الرازي عالم الكيمياء
يعد "الرازي" من رواد علم الكيمياء، وقد أمضى شطرًا طويلاً من حياته في دراسة العلم، من خلال الممارسة العملية والتجريبية، وله فيه مؤلفات قيمة، حتى عده كثير من العلماء مؤسس الكيمياء الحديثة.
وقد اهتم "الرازي" بعلم الكيمياء؛ لأنه العلم الوحيد الذي يمكن الحصول على حقائق من خلال التجارب التي يجريها، وتقوده إلى استنتاج القوانين، ولكنه ما لبث أن ترك هذا المجال، بعد أن ضعف بصره، وتحول إلى دراسة الطب وممارسته وهو في نحو الأربعين من عمره.
وكان "الرازي" متبحرًا في ذلك العلم، واسع الاطلاع فيه، فلم يقف عند حد الاطلاع على إنتاج علماء اليونان والفرس والهنود فحسب، وإنما أضاف إلى ذلك ما وصل إليه بخبرته وممارسته وتجاربه ومشاهداته.
وقد حضَّر زيت الزاج أو الزاج الأخضر (حامض الكبريتيك) والكحول بتقطير المواد النشوية والسكرية المتخمرة.
كما عني "الرازي" بوصف المواد التي يجري عليها التجارب، والأدوات والآلات التي يستعملها، ثم طريقة العمل، كما وصف كثيرًا من الأجهزة العلمية التي كانت معروفة في عصره.
ومن الطريف أنه ربط الطب بالكيمياء، فكان ينسب الشفاء بفعل الأدوية التي يصفها الطبيب، إلى التفاعلات الكيميائية التي تتم في الجسم.
ويعد "الرازي" من تلاميذ "جابر بن حيان" العالم الكيميائي المعروف، وقد استطاع "الرازي" أن يطور كيمياء "جابر" وينظمها ويزيد عليها بما ابتكره من نظريات كثيرة ومشاهدات عديدة.

مؤلفات "الرازي" في الكيمياء
تعد مصنفات "الرازي" في الكيمياء علامة بارزة على طريق هذا العلم العريق؛ إذ تحوي الكثير من مشاهداته وملاحظاته وتجاربه واستنتاجاته، ومن تلك المؤلفات:
· سر الأسرار.
· التدبير.
· الإكسير.
· شرق الصناعة.
· نكت الرموز.
· الترتيب.
· رسالة الخاصة.
· الحجر الأصفر.
· الرد على الكندي في رده على الصناعة.

الرازي الفيلسوف المغبون
كما كان "الرازي" فيلسوفًا معروفًا، وله اهتمام بالعلوم العقلية، وكان يدعو العلماء وخاصة الأطباء إلى الأخذ من العلوم الطبيعية ودراسة العلوم الفلسفية والقوانين المنطقية، ويرى أن إغفال تلك العلوم يزري بالعلماء.
واختلف "الرازي" مع المشائين المسلمين في إمكان التوفيق بين الفلسفة والدين، وتأثر بآراء "سقراط"، واتبع "أرسطو" في الكثير من أفكاره وآرائه.
كما رد في كتاباته على بعض متكلمي المعتزلة مثل "الجاحظ" و"أبي قاسم البلخي"، وكثير ممن حاولوا إدخال البراهين العلمية في الدين.
وبالرغم من الاتجاه العلمي للرازي والنزعة القلية له والتي تحكم أسلوب تفكيره ونظره إلى حقائق الأمور ومشاهدات العلوم، فإنه رفض إقحام تلك النزعة على أمور الدين؛ لأن العقل البشري يقصر عن أمور كثيرة في الكون، ومن الخطأ تحكيمه مطلقًا في أمور الدين، وقد أثار ذلك حفيظة الكثير من العلماء ضده حتى رموه بالكفر واتهموه في دينه، حسدًا منهم وغيرة بعدما بلغ مكانة لدى العامة والخاصة.

ومن أبرز مؤلفاته في المجال:
· المدخل إلى المنطق.
· المدخل التعليمي.
· المدخل البرهاني.
· الانتقام والتحرير على المعتزلة.

وتوفي "الرازي" عن عمر بلغ نحو ستين عامًا في (5 من شعبان 311هـ= 19 من نوفمبر 923م).

moudar
29-Apr-2011, 11:16 AM
أبو تمام

إنه حبيب بن أوس الطائي المولود بقرية جاسم من أعمال دمشق عام 804 م. سافر أبوه إلى دمشق ليحترف الحياكة وعندما ترعرع أبو تمام سافر إلى مصر فكان يسقي الماء بجامع عمرو ويستقي من أدب العلماء والشعراء . حفظ الشعر منذ طفولته وصار يقلد الشعراء حتى أبدع في هذا المجال وتفرد فيه بعبقرية نادرة فأصبح شاعراً مطبوعا لطيف الفطنة دقيق المعنى له استخراجات عجائبية ومعان غريبة.


لم يتبع أبو تمام أساليب القدماء في بناء القصيدة وخرج بذلك على عمود الشعر وبلغ من الإجادة والروعة المبتكرة ما لم يبلغه شاعر آخر، وغادر مصر يغشى منازل الكرماء ويتفيأ ظل النعيم فأقبل عليه عشاق الأدب والمدح إقبالاً لم يترك لغيره مجالاً فيه، وله في ذلك مواقف طريفة تدل على ذكائه الحاد وسرعة بديهته ومن هذه المواقف أنه أنشد أحمد بن المعتصم فقال:

ما في وقوفك ساعة من بأس ..... تقضي ذمام الأربع الأدراس

إقدام عمرو في سماحة حاتم ..... في حلم أحنف في ذكاء اياس


فقال أبو يوسف الكندي الفيلسوف وكان حاضراً: " الأمير فوق ما وصفت وإنك شبهته بأجلاف العرب" .
فأطرق أبو تمام قليلاً ثم قال فوراً:

لا تنكروا ضربي له مَن دونه ..... مثلا شروداً في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره ..... مثلا من المشكاة والنبراس

فقال الخليفة أحمد بن المعتصم في دهشة: " مهما يطلب فأعطه فإن فكره يأكل جسمه كما يأكل السيف المهند غمده ، ولا يعيش كثيراً وولاه بريد الموصل " .

ومن يقرأ لأبي تمام يدرك أثر التقدم العلمي الذي ساد في عصره من العلوم المترجمة والفلسفة والحضارة الراقية فقد استوعب هذه الآثار واستنبط من ذلك طريقته في تجويد المعنى فجنح إلى الاستدلال بالأدلة العقلية والكنايات الخفية ، وتلاحظ كذلك في شعره ألفاظا متخيرة ضمّنها من الأمثال والحكم مما زاد من ثروة الأدب العربي ، وقد اختلف الناس حول شاعرية أبي تمام ، منهم من تعصب له وأفرط حتى فضله على كل سلف ، ومنهم من عمد إلى جيده فطواه والى رديئه فرواه ، وقد فضله الرؤساء والزعماء والأمراء في المدح وأجزلوا له العطايا .

ومن نصوصه المشهورة:

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ..... ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى ..... وحنينه أبدا لأول منزل

ومن قصائده التي تعتبر سجلاً لبطولة العرب وتاريخهم النضالي حين مدح المعتصم بعد فتح عَمّورية (إحدى حصون الروم) وكان المنجمون يدعون أن الزمان غير مناسب للفتح ولكن لم يبال المعتصم وغزا المدينة وحقق نصراً كبيراً ولذلك قال أبو تمام :

السيف أصدق أنباء من الكتب ..... في حَدّه الحَدّ بين الجِدّ واللعبِ
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ..... متونهن جلاء الشك والريَبِ


توفي أبو تمام عام 846 م

moudar
30-Apr-2011, 06:30 AM
إبن الشاطر
(704-777هـ / 1304 -1375م)
هو أبو الحسن علاء الدين علي بن إبراهيم بن محمد الأنصاري المعروف بابن الشاطر. عالم رياضيات وفلك اشتهر في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي. لقبه كثير من علماء عصره بالعلامة لنبوغه وأستاذيته على كثير من علماء عصره. ولد في دمشق وقضى معظم حياته في وظيفة التوقيت ورئاسة المؤذنين في المسجد الأموي بدمشق، ونال شهرة عظيمة بين علماء عصره في المشرق والمغرب كعالم فلكي.
توفي والد ابن الشاطر وهو في السادسة من عمره، فكفله جده ثم ابن عم أبيه وزوج خالته الذي علمه فن تطعيم العاج ، فكان يكنى بالمطعم. وقد أكسبته هذه المهنة ثروة كبيرة، لأن صناعة تطعيم العاج تحتاج إلى ذوق رفيع ومهارة ودقة في العمل. ثم إن هذا النوع من العاج لا يحتفظ به إلا أصحاب الثروة والجاه. فكان يمتلك دارا تعتبر من أجمل دور دمشق، مؤثثة بأفخر الأثاث، ومجهزة بكل وسائل الراحة والمتعة. كما مكنته ثروته العظيمة من زيارة كثير من بلاد العالم، منها مصر التي قضى فيها وقتا من الزمن، مما أتاح له دراسة علمي الرياضيات والفلك في القاهرة و الإسكندرية اللتين اشتهرتا كمراكز علمية في عصره.
برع ابن الشاطر في علمي الهندسة والحساب، ولكنه لم يلبث أن اتجه إلى علم الفلك فأبدع فيه، وهذا يظهر من ابتكاراته للعديد من الآلات مثل الأسطرلاب، وصنع آلة لضبط وقت الصلاة سماها "البسيط" ووضعها في إحدى مآذن المسجد الأموي في دمشق. كما قام بتصحيح للمزاول الشمسية التي بقيت تتداول لعدة قرون في كل من الشام ومصر والدولة العثمانية، وكانت مرجعا لضبط الوقت في العالم الإسلامي. كما قام تلبية لرغبة الخليفة العثماني مراد الأول بتأليف زيج يحتوي على نظريات فلكية ومعلومات جديدة. ومن ذلك قياسه زاوية انحراف دائرة البروج، وانتهى إلى نتيجة غاية في الدقة وهي 23 درجة و 31 دقيقة، علما بأن القيمة المضبوطة التي توصل إليها علماء القرن العشرين بواسطة الآلات الحاسبة هي 23 درجة و 31 دقيقة و 19.8 ثانية.
أما أهم إنجازات ابن الشاطر فهي تصحيحه لنظرية بطليموس التي ترى خطأ أن الأرض هي مركز الكون، وأن الأجرام السماوية تدور حول الأرض دورة كل 24 ساعة. وكان العالم كله في عهد ابن الشاطر يعتقد بصحة هذه النظرية التي لا تحتمل جدالا. ولقد أشار ابن الشاطر إلى أن الأرض والكواكب المتحيرة هي التي تدور حول الشمس بانتظام، و القمر يدور حول الأرض. وعلل ذلك بقوله: "إنه إذا كانت الأجرام السماوية تسير من الشرق إلى الغرب، فالشمس إحدى هذه الكواكب تسير، ولكن لماذا يتغير طلوعها وغروبها ؟ وأشد من ذلك أن هناك كواكب تختفي وتظهر سموها الكواكب المتحيرة . لذا الأرض والكواكب المتحيرة تدور حول الشمس بانتظام، والقمر يدور حول الأرض ".

ترك ابن الشاطر عددا من المؤلفات جلها في الفلك والرياضيات منها زيج نهاية الغايات في الأعمال الفلكيات، ورسالة في تعليق الأرصاد، ورسالة في نهاية السؤال في تصحيح الأصول، والزيج الجديد، وكتاب الأشعة اللامعة في العمل بالآلة الجامعة، وكتاب المختصر في الثمار البالغة في قطوف الآلة الجامعة، ورسالة إيضاح المصيب في العمل بالربع المجيب، وأرجوزة في الكواكب، ورسالة عن صنع الأسطرلاب، وكتاب المختصر في عمل الأسطرلاب، ورسالة النفع العام في العمل بالربع التام، ورسالة نزهة السامع في العمل بالربع الجامع، ورسالة كفاية القنوع في العمل بالربع المقطوع، رسالة العمل بالربع الهلالي، ورسالة الربع العلائي ، ورسالة في أصول علم الأسطرلاب

moudar
02-May-2011, 12:04 PM
إبن الفارض

ابن الفارض نسبه إلى بني سعد. ووالده حموي الأصل قدم مصر يقتنها، وكان يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام فلقب بالفارض. ويستدل أنه ( الوالد) كان رجل فضل وجاه يتصدر مجالس الحكم والعلم، حتى سئل أن يكون قاضي القضاة فامتنع ونزل عن الحكم. واعتزل الناس وانقطع إلى الله تعالى بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر إلى أن توفاه الله.

وفي مصر ولد شاعرنا، ولا شك أنه كان لوالده يد كبيرة في ثقافته وفي تكييف نزعاته النفسية. قال ابن العماد الحنبلي: " فنشأ تحت كنف أبيه في عفاف وصيانة وعبادة، بل زهد وقناعة وورع، وأسدل عليه لباسه وقناعه. فلما شب وترعرع اشتتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر".

وقد ظهر فيه منذ أوائل شبابه ميل إلى التدين والتلذذ بالتجرد الروحي على طريقة المتصوفين. فكان يستأذن والده في الانفراد للعبادة والتأمل. ويظهر أنه كان في جبل المقطم مكان خاص يعرف بوادي المستضعفين يختلف إليه المتجردون، فحبب إلى ابن الفارض الخلاء فيه، فتزهد وتجرد، وكان يأوي إلى ذلك المكان أحيانا. ثم انقطع عنه ولزم أباه. فلما توفي الوالد عاد الولد إلى التجريد والسياحة الروحية أو سلوك طريق الحقيقة فلم يفتح عليه بشيء ( أي لم يكشف له من المعرفة ما يستغني به ولعله يريد هنا لم يوح إليه من الشعر شيء). ثم قيض له رجل من الأتقياء أشار عليه أن يقصد مكة. فقصدها وأقام فيها مجاورا نحوا من 15 سنة. وهناك بين المناسك المقدسة نضجت شاعريته وكملت مواهبه الروحية. ثم عاد إلى مصر ، وكانت يومئذ تحت سيادة الأيوبيين ، وقد عنوا كل العناية بفتح المدارس والمعاهد فيها، فتجددت في أيامهم الروح الدينية والتعاليم السنية. حدث ذلك على أثر انتصاراتهم على الصليبيين تلك الانتصارات التي وطدت مركزهم في مصر والشام والحجاز، وتركت لهم في تاريخ الشرق الإسلامي ذكرى خالدة.

يجمع مؤرخوه على أنه كان ورعا وقورا طيب الأقوال والأفعال. والذي يراجع سيرته ويتفهم روح قصائده يتجلى له في نفسيته ثلاث مزايا بارزة:
أنه كان شديد التأثر(وخصوصا بالجمال) إلى درجة الانفعال العصبي يسحره جمال الشكل حتى في الجمادات. ومن ذلك ما يروونه عن تأثره بحسن بعض الجمال، أو ببرنية حسنة الصنعة رآها في دكان عطار. وقد يسحره جمال الألحان فإذا سمع إنشادا جميلا استخفه الطرب فتواجد ورقص ولو على مشهد من الناس.

نقل عن ولده أن الشيخ كان ماشيا في السوق بالقاهرة، فمر على جماعة يضربون بالناقوس ويغنون، فلما سمعهم صرخ صرخة عظيمة ورقص رقصا كثيرا في وسط السوق، ورقص جماعة كثيرة من المارين. وتواجد الناس إلى أن سقط أكثرهم إلى الأرض. ثم خلع الشيخ ثيابه ورمى بها إليهم وحمل بين الناس إلى الجامع الأزهر وهو عريان مكشوف الرأس وفي وسطه لباسه. وأقام في هذه السكرة ( النوبة العصبية ) ملقى على ظهره مسجى كالميت.

moudar
03-May-2011, 01:07 AM
إبن الهيثم

هو أبو علي الحسن بن الهيثم، والمهندس البصري المتوفى عام 430 هـ، ولد في البصرة سنة 354 هـ على الأرجح. وقد انتقل إلى مصر حيث أقام بها حتى وفاته. جاء في كتاب (أخبار الحكماء) للقفطي على لسان إبن الهيثم: (لو كنت بمصر لعملت بنيلها عملاً يحصل النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقصان). فوصل قوله هذا إلى صاحب مصر، الحاكم بأمر الله الفاطمي، فأرسل إليه بعض الأموال سراً، وطلب منه الحضور إلى مصر. فلبى إبن الهيثم الطلب وارتحل إلى مصر حيث كلفه الحاكم بأمر الله إنجاز ما وعد به. فباشر إبن الهيثم دراسة النهر على طول مجراه، ولما وصل إلى قرب أسوان تنحدر مياه النيل منه تفحصه في جوانبه كافة، أدرك أنه كان واهماً متسرعاً في ما ادعى المقدرة عليه، وأنه عاجز على البرّ بوعده. حينئذ عاد إلى الحاكم بالله معتذراً، فقبل عذره وولاه أحد المناصب. غير أن إبن الهيثم ظن رضى الحاكم بالله تظاهراً بالرضى، فخشي أن يكيد له، وتظاهر بالجنون، وثابر على التظاهر به حتى وفاة الحاكم الفاطمي. وبعد وفاته عاد على التظاهر بالجنون، وخرج من داره، وسكن قبة على باب الجامع الأزهر، وطوى ما تبقى من حياته مؤلفاً ومحققاً وباحثاً في حقول العلم، فكانت له إنجازات هائلة.

ويصفه إبن أبي أصيبعة في كتابه (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) فيقول: (كان إبن الهيثم فاضل النفس، قوي الذكاء، متفنناً في العلوم، لم يماثله أحد من أهل زمانه في العلم الرياضي، ولا يقرب منه. وكان دائم الاشتغال، كثير التصنيف، وافر التزهد...).
لإبن الهيثم عدد كبير من المؤلفات شملت مختلف أغراض العلوم. وأهم هذه المؤلفات: كتاب المناظر، كتاب الجامع في أصول الحساب، كتاب في حساب المعاملات، كتاب شرح أصول إقليدس في الهندسة والعدد، كتاب في تحليل المسائل الهندسية، كتاب في الأشكال الهلالية، مقالة في التحليل والتركيب، مقالة في بركار الدوائر العظام، مقالة في خواص المثلث من جهة العمود، مقالة في الضوء، مقالة في المرايا المحرقة بالقطوع، مقالة في المرايا المحرقة بالدوائر، مقالة في الكرة المحرقة، مقالة في كيفية الظلال، مقالة في الحساب الهندي، مسألة في المساحة، مسألة في الكرة، كتاب في الهالة وقوس قزح، كتاب صورة الكسوف، اختلاف مناظر القمر، رؤية الكواكب ومنظر القمر، سمْت القبلة بالحساب، ارتفاعات الكواكب، كتاب في هيئة العالم. ويرى البعض أن إبن الهيثم ترك مؤلفات في الإلهيات والطب والفلسفة وغيرها.
إن كتاب المناظر كان ثورة في عالم البصريات، فإبن الهيثم لم يتبن نظريات بطليموس ليشرحها ويجري عليها بعض التعديل، بل إنه رفض عدداً من نظرياته في علم الضوء، بعدما توصل إلى نظريات جديدة غدت نواة علم البصريات الحديث. ونحاول فيما يلي التوقف عند أهم الآراء الواردة في الكتاب:
1. زعم بطليموس أن الرؤية تتم بواسطة أشعة تنبعث من العين إلى الجسم المرئي، وقد تبنى العلماء اللاحقون هذه النظرية. ولما جاء إبن الهيثم نسف هذه النظرية في كتاب المناظر، فبين أن الرؤية تتم بواسطة الأشعة التي تنبعث من الجسم المرئي باتجاه عين المبصر.
2. بعد سلسلة من اختبارات أجراها إبن الهيثم بيّن أن الشعاع الضوئي ينتشر في خط مستقيم ضمن وسط متجانس.
3. اكتشف إبن الهيثم ظاهرة انعكاس الضوء، وظاهرة انعطاف الضوء أي انحراف الصورة عن مكانها في حال مرور الأشعة الضوئية في وسط معين إلى وسط غير متجانس معه. كما اكتشف أن الانعطاف يكون معدوماً إذا مرت الأشعة الضوئية وفقاً لزاوية قائمة من وسط إلى وسط آخر غير متجانس معه.
4. وضع إبن الهيثم بحوثاً في ما يتعلق بتكبير العدسات، وبذلك مهّد لاستعمال العدسات المتنوعة في معالجة عيوب العين.
5. من أهم منجزات إبن الهيثم أنه شرّح العين تشريحاً كاملاً، وبين وظيفة كل قسم منها.
6. توصل إبن الهيثم إلى اكتشاف وهم بصري مراده أن المبصر، إذا ما أراد أن يقارن بين بعد جسمين عنه أحدهما غير متصل ببصره بواسطة جسم مرئي، فقد يبدو له وهماً أن الأقرب هو الأبعد، والأبعد هو الأقرب. مثلاً، إذا كان واقفاً في سهل شاسع يمتد حتى الأفق، وإذا كان يبصر مدينة في هذا الأفق (الأرض جسم مرئي يصل أداة بصره بالمدينة)، وإذا كان يبصر في الوقت نفسه القمر مطلاً من فوق جبل قريب منه (ما من جسم مرئي يصل أداة بصره بالقمر)، فالقمر في هذه الحالة يبدو وهماً أقرب إليه من المدينة.

moudar
04-May-2011, 12:46 AM
إبن رشد

محمد وليد أحمد بن رشد الأندلسي البربري أبو الوليد " الحفيد " (520- 595 هـ= 1126-1198م)، المعروف بابن رشد، عالم مسلم ولد في قرطبة بالاندلس، من أسرة عرفت بالعلم والجاه. وتوفي في مراكش. يعدّ ابن رشد في حقيقة الأمر ظاهرة علمية مسلمة متعددة التخصصات، فهو فقيه مالكي، وهو قاضي القضاة في زمانه، وهو ذاته طبيب نطاسي تفوق على أساتذته حتى أن أستاذه ابن زهر قال عنه: "ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس"، وهو عينه فيلسوف عقلاني، وهو أيضا مترجم لأعمال أرسطو المرجعية للمسلمين، وهو أيضا فلكي ذو أعمال جليلة في المضمار، وهو نفسه المتكلّم الذي تصدى لنقد المتكلمين باسم توافق المعقول والمنقول وعلى رأسهم الإمام الغزالي.‏

عرفت عائلة ابن رشد بالمذهب المالكي، وجده أبو الوليد محمد (توفي 1126) كان كبير قضاة قرطبة تحت حكم المرابطين، وشغل والده ذات المنصب حتى مجيء الموحدين.

يعد ابن رشد من أهم فلاسفة الإسلام. دافع عن الفلسفة وصحح علماء وفلاسفة سابقين له كابن سينا والفارابي في فهم بعض نظريات أفلاطون وأرسطو. درس الكلام والفقه والشعر والطب والرياضيات والفلك والفلسفة، قدمه ابن طفيل لأبي يعقوب خليفة الموحدين عام 1182م فعينه طبيبا له ثم قاضيا في قرطبة.

تولّى ابن رشد منصب القضاء في أشبيلية، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، تلبية لرغبة الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف، وكان قد دخل في خدمته بواسطة الفيلسوف ابن طفيل، ثم عاد إلى قرطبة حيث تولى منصب قاضي القضاة، وبعد ذلك بنحو عشر سنوات التحق بالبلاط المراكشي كطبيب الخليفة الخاص.

لكن الحكمة والسياسة وعزوف الخليفة الجديد (أبو يوسف يعقوب المنصور 1184 - 1198) عن الفلاسفة، ناهيك عن دسائس الأعداء والحاقدين، جعل المنصور ينكب ابن رشد، قاضي القضاة وطبيبه الخاص، ويتهمه مع ثلة من مبغضيه بالكفر والضلال ثم يبعده إلى "أليسانه" (بلدة صغيرة بجانب قرطبة أغلبها من اليهود)، ولا يتورع عن حرق جميع مؤلفاته الفلسفية، وحظر الاشتغال بالفلسفة والعلوم جملة، ما عدا الطب، والفلك، والحساب.

وبعد أكل النيران لعصارة فكر ابن رشد إثر سخط اتهام بمروق الفيلسوف وزيغه عن دروب الحق والهداية، عاد الخليفة فرضي عن أبي الوليد وألحقه ببلاطه، ولكن ولكن كليهما قد توفيا في العام ذاته (1198 للميلاد)، في مراكش.

ملخص عن ابن رشد وفكره

ابن رشد أحد أهم الفلاسفة، ويشاع أن الفلسفة الإسلامية انتهت بوفاته، اسمه باللاتينية "أفيروس" "Averroes"، ولد في عاصمة الفكر الإسلامي قرطبة في الأندلس وكان أبوه قاضي وجده قاضي فدرس القانون، وأتاح له ذلك أن يكون قاضي لأشبيلية. درس الطب وعلم الكلام والفلسفة والفقه، لقب بالشارح الأكبر لأنه أفضل من شرح ما جاء به أرسطو.

كانت هناك ضغوط لقطع حبل الصلة بين الخليفة وابن رشد لأن الحركة السلفية آنذاك رأت أن العلوم المتصلة بالكفار مثل أرسطو حرام وحاربوه، حبس ابن رشد لكن لم يطل حبسه وانتقل إلى مراكش ومات هناك. أثّر ابن رشد في العالم الإسلامي والمسيحي وأوروبا وقد بحث عن أسباب انتهاء حضارة المسلمين في الأندلس فرأى أنها بسبب تراجع دور المرأة آنذاك. دارت حول شروحه نقاشات عديدة في جامعة السربون وترجمت كل شروح ابن رشد للعبرية. ولقد أكد ابن رشد على كروية الأرض. من مؤلفاته: شروح أعمال أرسطو، تهافت التهافت.

هناك 3 مسائل مهمة في ابن رشد وهي:

1. أنه يمثل ردة الفعل الفلسفية على الهجمة القوية على الفلسفة التي أقدم عليها الغزالي. فابن رشد يمثل محاولة رد اعتبار الفلسفة بعد أن أصابها الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة ووضع هذا الجهد في كتابه تهافت التهافت.
2. ابن رشد يجسد خير من شرح مؤلفات أرسطو، وشروح ابن رشد على أرسطو هي أفضل شروح نعرفها في تاريخ الفلسفة وهو شارح لأرسطو أكثر من كونه فيلسوفا مبدعا ذا فلسفة خاصة، بل إن البعض اعتبروه تلميذًا لأرسطو- رغم وجود 16 قرن بينهم- مع تبنيه معظم آرائه في الطبيعة وما وراء الطبيعة.
3. قدّم نظرية أو موقف متميز وخاص ومهم في مسألة العلاقة بين الشريعة والحكمة أي بين الدين والفلسفة وذلك في كتاب "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"، المسألة التي شغلت جميع الفلاسفة من الكندي، الفارابي، الغزالي، ابن سينا، وابن رشد. والغزالي وحده اعتقد أن الفلاسفة يخرجون عن الدين عندما كفّرهم في قضايا ثلاث وبدّعهم في سبع عشرة أخرى. إذ يستأنف ابن رشد موقف الكندي مع شيء من التعديل ويقول أن لا تعارض بين الدين والفلسفة، أي لا اختلاف بين الأمرين (الشريعة والحكمة)، وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهري بين ظاهر نص ديني وقضية عقليه، ويرى بأن حله متاح بالتأويل وفقا لقواعد وأساليب اللغة العربية.
عندما ننظر إلى كتاب فصل المقال لابن رشد نجد أن ابن رشد قد آخى بين الفلسفة والمنطق فجعلهما مرتبطتين.

تعريف ابن رشد للفلسفة: تعني المصنوعات التي يصنعها الصانع تدل عليه، وكلما عرفنا الموجودات معرفة أتم تكون معرفتنا بصانعها أتم. والشرع ندب (المندوب أي المستحب) إلى اعتبار الموجودات والنظر بها وبيان دلالتها. حيث دعا الشرع إلى اعتبار الموجودات لأن النظر في الموجودات نظر عقلي، وهناك أكثر من آية تشير إلى اعتبار الموجودات بالعقل

· "فاعتبروا يا أولي الأبصار"
· "أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض"
· "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت"
· "ويتفكرون في خلق السماوات والأرض"
وهذا النصوص- وفقًا لابن رشد- تشير إلى وجوب استعمال القياس العقلي.وبهذا يتضح تشديده على كلمات النظر، والاعتبار، والتفكر، والرؤية، ويعتبرها أدلة دينية على وجوب النظر العقلي في الموجودات. يفسر ابن رشد كلمة الاعتبار فيقول أننا من مقدمات معلومة نستنتج نتيجة مجهولة، أي من مقدمة كبرى فمقدمة صغرى نستنتج نتيجة، إذا سلمنا بالمقدمات الكبرى والصغرى ينتج عنها بالضرورة نتيجة، وبهذا الشكل سوّغ ابن رشد دراسة المنطق.

يميّز ابن رشد بين أنواع الأقيسة: القياس البرهاني: القياس الذي كلتا مقدمتاه صادقة. (وهو القياس السليم عنده) مثل: كل إنسان فانٍ..سقراط إنسان.. إذن سقراط فانٍ.

القياس الجدلي: القياس الذي إحدى مقدمتيه احتمالية أو كلتا مقدمتيه احتماليتان.

القياس المغالطي: هو القياس الذي فيه إحدى المغالطات.

أقر ابن رشد بشرعية المنطق، وأكد القياس بآية "واعتبروا يا أولي الأبصار". ويقول ابن رشد مثل قول الكندي في أننا يجب أن نأخذ الحقائق حتى لو كان قائلها من ملة غير ملتنا، وأن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع وأن الفرد لا يستطيع أن يحصل العلم وحده ويجب أن نستفيد من بعضنا البعض ومن السابقين. شرعيا، أوجب ابن رشد النظر العقلي في القضايا التي توصل إلى الله وينبغي أن يتوفر في من ينظر بهذه العلوم أمران:

· ذكاء الفطرة.
· العدالة الشرعية والفضيلة الخلقية.
ويقول ابن رشد إذا غوى (أي ضل وانحرف) غاوٍ بسبب النظر في الوجود لا يمكن أن ننكر الصنعة نفسها عن الأكفاء بالنظر فيها ودراستها لأن بعض غير الأكفاء للنظر قد أخطأ.

قال ابن رشد أيضا أن الناس مختلفون في جبلتهم فهناك أناس يجري عليهم القياس البرهاني وأناس القياس الجدلي. نظر ابن رشد إلى العلاقة بين الدين والفلسفة وخلاصة موقفه في المسألة:

إذا قررنا قضية مثل قضية العالم مخلوق، فلا يخلو هذا الوضع (أي خلق الوجود) أن يكون الشرع قد سكت عنه أو قال قولا ما. اليقين الفلسفي البرهاني حق ولا يمكن أن يتعارض مع حقيقة ذكَرَها الشرع:

· قول سكت عنه الشرع: يجوز الكلام فيه.
· قول قرر بشأنه الشرع قولا ما: إما قرر بشأنه قولا موافقا لما قدره العقل: فلا نتكلم فيه، أو إما قرر بشأنه قولا مخالفا لما قدره العقل: فنلجأ للتأويل.
تتلخص أطروحة ابن رشد في هذه المسألة في:

1. أن الشرع أوجب النظر بالعقل في الوجود و أوجب دراسة المنطق من ناحية مفسرا آية "واعتبروا يا أولي الأبصار". معنى الأبصار القياس، وأوجب النظر في الوجود من علل الموجودات.
2. الوجه الثاني أن هذا النظر ليس بدعة وينبغي أن نأخذ به و لا يمكن أن يتحقق لفرد واحد فهو إسهام لأفراد كثيرين فيجب أن نلجأ للأمم الأخرى.
3. العلاقة بين ما يقرره العقل البرهاني وما تتفق به الشريعة، كل منهما يعبر عن الحق، والقضايا البرهانية العقلية هي حق، وما نطق به الشرع حق، والحق لا يضاد الحق بل يؤكده ويشهد له، أي ليس هناك تناقض بين الحكمة (الفلسفة) والشريعة.
فيكون مرجع ابن رشد النهائي هو العقل

قيل عنه

يقول لويج رينالدي في بحث عنوانه "المدينة الإسلامية في الغرب":‏
"ومن فضل المسلمين علينا أنهم هم الذين عرّفونا بكثير من فلاسفة اليونان. وكانت لهم الأيدي البيضاء على النهضة الفلسفية عند المسيحيين. وكان الفيلسوف ابن رشد أكبر مترجم وشارح لنظريات أرسطو. ولذلك كان له مقام جليل عند المسلمين والمسيحيين على السواء. وقد قرأ الفيلسوف ورجل الدين النصراني المشهور توماس الأكويني، نظريات أرسطو بشرح العلامة ابن رشد. ولا ننسى أن ابن رشد هذا مبتدع مذهب "الفكر الحر". وهو الذي كان يتعشق الفلسفة، ويهيم بالعلم، ويدين بهما. وكان يعلمهما لتلاميذه بشغف وولع شديدين، وهو الذي قال عند موته كلمته المأثورة:"تموت روحي بموتِ الفلسفة وتحيا بالروبيض من الخنا وأشعا العسيسة في الكرا".

وفي كتابه "تاريخ موجز للفكر الحر" كتب المفكر الإنكليزي جون روبرتسون : "إن ابن رشد أشهر مفكر مسلم، لأنه كان أعظم المفكرين المسلمين أثراً وأبعدهم نفوذاً في الفكر الأوروبي، فكانت طريقته في شرح أرسطو هي المثلى".‏
وكتب المستشرق الإسباني البروفيسور ميغيل هرنانديز : "إن الفيلسوف الأندلسي ابن رشد سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة، وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التي قامت عليها النهضة الحديثة".‏
ورأى هرنانديز أن ابن رشد قدم رؤية أكثر شمولاً وإنسانية للمدينة الفاضلة. وكان يرى أن في الإمكان قيام كثير من المدن الفاضلة، تقوم بينها علاقات سلمية فاضلة -والمدينة هنا تكاد تعني الدولة تماماً- واعتقد أن قيام الحروب بين الدول هو نهاية العالم.

ويقول العلامة الخزرقي عليه رحمة الله :(إن ابن رشد أضاء للغربيين الطريق إلى فلسفة خيالية يسطع منها نور الترديد ). وشرح الترديد بقوله الترديد نقطة في أواسط الخنا.

من مؤلفات ابن رشد

تقع مؤلفات ابن رشد في أربعة أقسام: شروح ومصنفات فلسفية وعملية، شروح ومصنفات طبية، كتب فقهية وكلامية، وكتب أدبية ولغوية.

أحصى جمال الدين العلوي 108 مؤلف لابن رشد، وصلنا منها 58 مؤلفاً بنصه العربي. وابن رشد كان قد كتب المقالات، وألف الكتب، وشرح النصوص الكثيرة ولكنه اختص بشرح كل التراث "الأرسطي". وشروحه على أرسطو تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

· مختصرات وجوامع: وهي عبارة عما فهمه ابن رشد من "أرسطو" دون أن يتعلق الشرح بالنص مباشرة.
· تلاخيص: وتسمى أيضاً شروح صغرى: وهي عبارة عن مواكبة أرسطو دون إيراد متونه.
· شروح كبرى: وفيها يورد ابن رشد قول الحكيم، ثم يأتي بالشرح المسهب - وهاهي بعض الكتب المؤلفات المهمة بتواريخ كتابتها التقريبية:
الكليات 1162: كتاب في أصول الطب
بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1168: كتاب في أصول الفقه
تلخيص القياس 1166: شرح صغير
تلخيص الجدل 1168: شرح صغير
جوامع الحس والمحسوس 1170
تلخيص الجمهورية 1177: وهو تلخيص "لجمهورية أفلاطون". أصله العربي مفقود ولكنه ترجم في 1999
مقالة في العلم الإلهي 1178
فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال 1178: وهو تأصيل لشرعية الفلسفة. من أشهر كتبه
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة 1179: يحاول تصحيح العقيدة الإسلامية
شرح أرجوزة ابن سينا في الطب 1180
تهافت التهافت 1181: نقض كتاب الإمام الغزالي المسمى "تهافت الفلاسفة". من أشهر كتبه
شرح البرهان 1183: شرح كبير على أرسطو
شرح السماء والعالم 1188: شرح كبير على أرسطو
شرح كتاب النفس 1190: شرح كبير على أرسطو
شرح ما بعد الطبيعة 1192 - 1194: لعله أغنى شروحه، وأكثر إنتاجه إبداعاً.
مؤلفات إضافية: تلخيص كتاب المزاج لجالينوس، كتاب التعرّق لجالينوس، كتاب القوى الطبيعية لجالينوس، كتاب العلل والأعراض لجالينوس، كتاب الحمّيات لجالينوس، كتاب الاسطقسات لجالينوس، تلخيص أول كتاب الأدوية المفردة لجالينوس، تلخيص النصف الثاني من كتاب حيلة البرء لجالينوس، مقالة في المزاج، مقالة في نوائب الحمّى، مقالة في الترياق.

moudar
05-May-2011, 09:13 AM
إبن الأثير
كانوا ثلاثة إخوة، برزوا في علوم اللغة والأدب والتاريخ والحديث والفقه، واشتهر كل واحد منهم بـ"ابن الأثير"، وهم جميعا من أبناء بلدة "جزيرة ابن عمر" التابعة للموصل، وكان أبوهم من أعيان هذه البلدة وأثريائها، أما أكبرهم فهو مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد، فقيه محدث، اشتغل بدراسة القرآن والحديث والنحو حتى صار علما بارزا، وترك مؤلفات عظيمة أشهرها: "جامع الأصول في أحاديث الرسول" جمع فيه الكتب الصِّحَاح الستة، وتوفي سنة (606هـ= 1209م).
وأما أصغرهم فهو ضياء الدين أبو الفتح نصر الله، المعروف بضياء الدين بن الأثير، الكاتب الأديب، أتقن صنعة الكتابة، واشتهر بها بجودة أسلوبه وجمال بيانه، التحق بخدمة صلاح الدين وأبنائه في حلب ودمشق، وترك مصنفات أدبية قيّمة، أشهرها: "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، وهو من أهم الكتب التي تعالج فن الكتابة وطرق التعبير، وتوفي سنة (637هـ= 1239م).
أما أوسطهم فهو عز الدين بن الأثير المؤرخ الكبير، وهو موضع حديثنا.
المولد والنشأة
ولد علي بن أبي الكرم محمد بن محمد المعروف بعز الدين بن الأثير في (4 من جمادى الآخرة سنة 555هـ= 13 من مايو 1160م) بجزيرة ابن عمر، وعني أبوه بتعليمه، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم استكمل دراسته بالموصل بعد أن انتقلت إليها أسرته، وأقامت بها إقامة دائمة، فسمع الحديث من أبي الفضل عبد الله بن أحمد، وأبي الفرج يحيى الثقفي، وتردد على حلقات العلم التي كانت تُعقد في مساجد الموصل ومدارسها، وكان ينتهز فرصة خروجه إلى الحج، فيعرج على بغداد ليسمع من شيوخها الكبار، من أمثال أبي القاسم يعيش بن صدقة الفقيه الشافعي، وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي الصدمي. ورحل إلى الشام وسمع من شيوخها، ثم عاد إلى الموصل ولزم بيته منقطعا للتأليف والتصنيف.
ثقافته
في رحلته الطويلة لطلب العلم وملاقاة الشيوخ، والأخذ منهم، درس ابن الأثير الحديث والفقه والأصول والفرائض والمنطق والقراءات؛ لأن هذه العلوم كان يجيدها الأساتذة المبرزون ممن لقيهم ابن الأثير، غير أنه اختار فرعين من العلوم وتعمق في دراستهما هما: الحديث والتاريخ، حتى أصبح إماما في حفظ الحديث ومعرفته وما يتعلق به، حافظا للتواريخ المتقدمة والمتأخرة، خبيرا بأنساب العرب وأيامهم وأحبارهم، عارفًا بالرجال وأنسابهم لا سيما الصحابة.
وعن طريق هذين العلمين بنى ابن الأثير شهرته في عصره، وإن غلبت صفة المؤرخ عليه حتى كادت تحجب ما سواها. والعلاقة بين التخصصين وثيقة جدا؛ فمنذ أن بدأ التدوين ومعظم المحدثين العظام مؤرخون كبار، خذ مثلا الإمام الطبري، فهو يجمع بين التفسير والفقه والتاريخ، والإمام الذهبي كان حافظا متقنا، وفي الوقت نفسه كان مؤرخا عظيما، وكذلك كان الحافظ ابن عساكر بين هاتين الصفتين… والأمثلة كثيرة يصعب حصرها.
مؤلفاته
وقد توافرت لابن الأثير المادة التاريخية التي استعان بها في مصنفاته، بفضل صلته الوثيقة بحكام الموصل، وأسفاره العديدة في طلب العلم، وقيامه ببعض المهام السياسية الرسمية من قبل صاحب الموصل، ومصاحبته صلاح الدين في غزواته -وهو ما يسر له وصف المعارك كما شاهدها- ومدارسته الكتب وإفادته منها، ودأبه على القراءة والتحصيل، ثم عكف على تلك المادة الهائلة التي تجمعت لديه يصيغها ويهذبها ويرتب أحداثها حتى انتظمت في أربعة مؤلفات، جعلت منه أبرز المؤرخين المسلمين بعد الطبري وهذه المؤلفات هي:
الكامل في التاريخ، وهو في التاريخ العام.
والتاريخ الباهر في الدولة الأتابكية، وهو في تاريخ الدول، ويقصد بالدولة الأتابكية الدولة التي أسسها عماد الدين زنكي في الموصل سنة (521هـ = 1127م) وهي الدولة التي عاش في كنفها ابن الأثير.
وأسد الغابة في معرفة الصحابة، وهو في تراجم الصحابة.
واللباب في تهذيب الأنساب، وهو في الأنساب.
وبذلك يكون ابن الأثير قد كتب في أربعة أنواع من الكتابة التاريخية، وسنتعرض لاثنين منهما بإيجاز واختصار.
الكامل في التاريخ
وهو تاريخ عام في 12 مجلدًا، منذ الخليقة وابتداء أول الزمان حتى عصره، حيث انتهى عند آخر سنة (628هـ) أي إنه يعالج تاريخ العالم القديم حتى ظهور الإسلام، وتاريخ العالم الإسلامي منذ ظهور الإسلام حتى عصره، والتزم في كتابه بالمنهج الحولي في تسجيل الأحداث، فهو يسجل أحداث كل سنة على حدة، وأقام توازنًا بين أخبار المشرق والمغرب وما بينهما على مدى سبعة قرون وربع قرن، وهو ما أعطى كتابه طابع التاريخ العام أكثر أي تاريخ عام لغيره، وفي الوقت نفسه لم يهمل الحوادث المحلية في كل إقليم، وأخبار الظواهر الجوية والأرضية من غلاء ورخص، وقحط وأوبئة وزلازل.
ولم يكن ابن الأثير في كتابه ناقل أخبار أو مسجل أحداث فحسب، وإنما كان محللا ممتازا وناقدا بصيرا؛ حيث حرص على تعليل بعض الظواهر التاريخية ونقد أصحاب مصادره، وناقش كثيرا من أخبارهم.. وتجد لديه النقد السياسي والحربي والأخلاقي والعملي يأتي عفوا بين ثنايا الكتاب، وهو ما جعل شخصيته التاريخية واضحة تماما في كتابة على الدوام.
وتعود أهمية الكتاب إلى أنه استكمل ما توقف عنده تاريخ الطبري في سنة (302هـ) وهي السنة التي انتهى بها كتابه، فبعد الطبري لم يظهر كتاب يغطي أخبار حقبة تمتد لأكثر من ثلاثة قرون، كما أن الكتاب تضمن أخبار الحروب الصليبية مجموعة متصلة منذ دخولهم في سنة (491=1097) حتى سنة (628هـ= 1230)، كما تضمن أخبار الزحف التتري على المشرق الإسلامي منذ بدايته في سنة (616هـ= 1219م). وقد كتب ابن الأثير تاريخه بأسلوب نثري مرسل لا تكلف فيه، مبتعدا عن الزخارف اللفظية والألفاظ الغريبة، معتنيا بإيراد المادة الخبرية بعبارات موجزة واضحة.
أُسْد الغابة
وموضوع هذا الكتاب هو الترجمة لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم الذين حملوا مشعل الدعوة، وساحوا في البلاد، وفتحوا بسلوكهم الدول والممالك قبل أن يفتحوها بالطعن والضرب. وقد رجع ابن الأثير في هذا الكتاب إلى مؤلفات كثيرة، اعتمد منها أربعة كانت عُمُدًا بالنسبة له، هي: "معرفة الصحابة" لأبي نعيم، و"الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن الأثير، و"معرفة الأصحاب" لابن منده، و"الذيل على معرفة الأصحاب" لابن منده.
وقد اشتمل الكتاب على ترجمة (7554) صحابيا وصحابية تقريبا، يتصدره توطئه لتحديد مفهوم الصحابي؛ حتى يكون القارئ على بينه من أمره. والتزم في إيراد أصحابه الترتيب الألفبائي، ويبتدئ ترجمته للصحابي بذكر المصادر التي اعتمد عليها، ثم يشرع في ذكر اسمه ونسبه وهجرته إن كان من المهاجرين، والمشاهد التي شهدها مع الرسول صلى الله عليه وسلم إن وجدت، ويذكر تاريخ وفاته وموضعها إن كان ذلك معلوما، وقد طبع الكتاب أكثر من مرة.
وفاته
ظل ابن الأثير بعد رحلاته مقيما بالموصل، منصرفا إلى التأليف، عازفا عن المناصب الحكومية، متمتعا بثروته التي جعلته يحيا حياة كريمة، جاعلا من داره ملتقى للطلاب والزائرين حتى توفي في (شعبان 639هـ= 1232م).

moudar
06-May-2011, 07:47 AM
إبن خلدون
( 1332- 1406 )

هو عبد الرحمن محمد بن خلدون. ولد ونشأ في تونس، ودرس الأدب على أبيه ثم لم يلبث أن التحق صغيرا ككاتب للعالمة، بأمير تونس أبي إسحق الحفصي ( كانت وظيفة تقوم بكتابة الشارة السلطانية بين البسملة والنص ).

لم ترضه وظيفته هذه فقصد مراكش واتصل بسلطانها أبي عنان المريني فأصبح أمينا لسره سنة 1356، ولكنه خانه بمراسلته أبي عبد الله الحفصي أمي بجاية القديم المسجون في فاس وقد كشفت المؤامرة فطرح مترجمنا في السجن.

أطلق سراحه الوزير حسن بن عمر، بيد أن إبن خلدون انضم إلى أعدائه وحاربه تحت راية المنصور بن سليمان، ثم ما لبث أن خان المنصور وألّب عليه القبائل لمصلحة خصمه أبي سالم، الذي انتصر فأولى إبن خلدون أمانة سر الدولة. وتغير عليه السلطان فسعى إبن خلدون مع أحد الوزراء السابقين وقلبه، ولكن الوزير استأثر بالوزارة فغضب إبن خلدون وسافر إلى غرناطة حيث عاش مدة في بلاط ملكها إبن الأحمر ووزيره لسان الدين بن الخطيب.

ترك غرناطة ليعود عام 1365 إلى بجاية وقد تملكها صديقه القديم فولي رئاسة الوزارة. وحين قتل الأمير في حربه ضد إبن عمه فاوض إبن خلدون الغازي لتسليمه المدينة لقاء احتفاظه بالوزارة فكان له ذلك، ثم لم يلبث أن تغير عليه الأمير فاضطر أن يهرب.

ظل مدة يتنقل بين قبائل بني رياح يستميلها تارة إلى السلطان أبي حمو وأخرى يكلف باستمالتها إلى عبد العزيز المريني.. ولكن تقلباته الدائمة أحنقت الجميع عليه فسافر إلى الأندلس ولم يلق عند بني الأحمر ما كان ينتظره لأنهم علموا بمشايعته لوزيرهم السابق المغضوب عليه لسان الدين الخطيب.

عاد إلى إفريقيا فوجد نفسه بقبضة السلطان أبي حمو الذي كان إبن خلدون قد خانه سابقا باستمالته قبائل بني رياح، فكلفه السلطان بإعادة الكرة لاستمالتها مجددا ولكنه اعتذر وانصرف إلى التأليف مدة أربع سنوات فوضع في قلعة إبن سلامة مقدمة تاريخه وشرع بكتابة التاريخ. ثم تغير عليه صديقه مفتي تونس فأوغر صدر السلطان عليه واضطر إبن خلدون أن يسافر قصد الحج إلى مكة 1382. وصل إلى القاهرة وكانت شهرته قد سبقته فشرع يدرس في الأزهر ثم عين أستاذا للفقه المالكي ثم قاضيا للمذهب ولكن تشدده أثار الناس عليه فعزل. وفي هذه الأثناء وافاه نعي عائلته التي غرقت في طريقها إلى مصر.

حج الأماكن المقدسة ثم عاد إلى تولي القضاء ولكنه عزل وفي عام 1400 رافق الحملة المصرية لمحاربة تيمورلنك في الشام، واتصل بالغازي الذي أعجب بعلمه ودهائه في مفاوضته بشأن الصلح. وبعد أن أقام ضيفا عليه 35 يوما عاد إلى مصر وتولى القضاء المالكي عام 1401، ولكنه رأى في منافسة البساطي خصما قويا فكان كل منها يتولى المنصب بضعة أشهر حتى مات إبن خلدون عام 1406 وهو في منصبه للمرة السادسة.

لم يعرف التاريخ السياسي العربي رجلا ملئت حياته بالحوادث مثل إبن خلدون حتى ليمكننا القول أن أبرز صفاته هي: التقلب، الدهاء وحب الظهور، الثقة بالنفس، الذكاء، حب العمل والمغامرات السياسية.

أما آثاره: فقد ذكر له لسان الدين بن الخطيب عددا من الكتب ولكن لم يصل إلينا سوى تاريخه الكبير وكتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ويقع هذا الكتاب في سبعة مجلدات مرتبة حسب تعبير إبن خلدون نفسه، على مقدمة وثلاثة كتب، تتضمن الموضوعات التالية:

1- المقدمة: في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والالماع بمغالط المؤرخين.

2- الكتاب الأول: في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما لذلك من العلل والأسباب.
3- الكتاب الثاني: في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم، منذ بدء الخليقة إلى هذا العهد. ومن عاصرهم من مشاهير الأمم ودولهم مثل النبط والسريان والفرس وبني إسرائيل واليونان والروم والقبط والترك والفرنجة.

4- الكتاب الثالث: في أخبار البربر ومن إليهم من زناته، وذكر أوليتهم وأجيالهم وما كان لهم بديار المغرب خاصة من الملك والدول.

moudar
07-May-2011, 06:30 AM
الجاحظ

ولد عمرو بن بحر في مدينة البصرة، نشأ مثل جميع أبناء فقراء جنوب العراق بين الماء والنخيل، طلب العلم في سن مبكّرة، فقرأ القرآن ومبادئ اللغة على شيوخ بلده، ولكن اليتم والفقر حال دون تفرغه لطلب العلم، فصار يبيع السمك والخبز في النهار، ويكتري دكاكين الورّاقين في الليل، فما وقعت يده على كتاب إلا استوفى قراءته.

كان دميماً قبيحاً جاحظ العينين، ولكنّه لم يضق بدمامته، وعاش عمره كائناً اجتماعيّاً متفائلاً، يفرض احترامه على الجميع بسبب فصاحته وجمال أسلوبه، ونصاعة بيانه.

اتجه نحو بغداد وكانت مجمع أهل العلم والفضل، ومهوى أهل الفضائل والنهى، فتتلمذ على أبي عبيدة صاحب عيون الأخبار، والأصمعي الراوية المشهور صاحب الأصمعيّات، وأخذ النحو عن الأخفش، والكلام عن النظام بن إسحق.

وفي بغداد برز عمرو بن بحر بين أقرانه ككاتب بليغ، وسرعان ما تصدّر للتدريس، وتولّى ديوان الرسائل للخليفة المأمون.

امتاز أدبه بالعمق والأصالة والواقعيّة، وأسلوبه بالدقّة والإيجاز، والتلاؤم في مطابقة الكلام بمقتضى الحال، فجاءت عباراته واضحة بعيدة عن الابتذال والغموض.

وكان يميل إلى الفكاهة ويصور الواقع دون تستر أو محاولة للتجميل، فرسم طبقات المجتمع المتفاوتة التي خالطها، وبعد عن إستخدام الخيال والصور المجازية، وإعتمد في العرض علي الجدل المنطقي فأختار ألفاظاً دقيقة واضحة الأداء وبعد في ألفاظه عن الخشونة والغرابة.

وكان غزير التأليف، تربو كتبه على مائتي كتاب منها: (البيان والتبيين) في الأدب والإنشاء والخطابة، وهو أشرف كتبه، وأحسن تآليفه (كتاب الحيوان) سبعة أجزاء، وأجمل كتبه (البخلاء) وله (نظم القرآن) وسائر كتبه في غاية الكمال.

تركت طريقته في الكتابة التي تميّز بها على أساليب الكتّاب والمصنّفين العرب عدّة قرون، وفي مقدمة من تأثّر بأسلوبه ابن قتيبة الدينوري، والصولي، والثعالبي، ولا يزال أسلوبه من أجمل الأساليب الفنيّة وأكثرها إمتاعاً للقرّاء.

ويتحدّث كتّاب السير عن نهايته الحزينة في عام 868 م وقد هدّه شلل أقعده وشيخوخة صالحة، عندما سقطت الكتب التي أحبّها عليه في البصرة.

moudar
08-May-2011, 11:46 AM
أمرىء القيس

هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثور وهو كندة. شاعر جاهلي يعد أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل، مولده بنجد. كان أبوه ملك أسد وغطفان، ويروى أن أمّه فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير أخت كليب ومهلهل ابني ربيعة التغلبيين. وليس في شعره ما يثبت ذلك، بل إنه يذكر أن خاله يدعى ابن كبشة حيث يقول:

خالي ابنُ كبشة قد علمتَ مكانه - وأبو يزيدَ ورهطُهُ أعمامي


قال الشعر وهو غلام، وجعل يشبب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب، فبلغ ذلك أباه، فنهاه عن سيرته فلم ينته، فأبعده إلى حضرموت موطن أبيه وعشيرته، وهو في نحو العشرين من عمره. أقام زهاء خمس سنين، ثم جعل يتنقل مع أصحابه في أحياء العرب، يشرب ويطرب ويغزو ويلهو، إلى أن ثار بنو أسد على أبيه فقتلوه، فبلغه ذلك وهو جالس للشراب فقال: رحم الله أبي! ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً، لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليوم خمر وغداً أمر. وذهب إلى المنذر ملك العراق، وطاف قبائل العرب حتى انتهى إلى السموأل، فأجاره ومكث عنده مدة، ثم قصد الحارث بن شمر الغساني في الشام، فسيره الحارث إلى القسطنطينية للقاء قيصر الروم يوستينياس، ولما كان بأنقرة ظهرت في جسمه قروح فأقام فيها إلى أن مات.

وليس يعرف تاريخ ولادة امرئ القيس ولا تاريخ وفاته، ويصعب الوصول إلى تحديد تواريخ دقيقة مما بلغنا من مصادر. وتذهب بعض الدراسات الحديثة إلى أن امرأ القيس توفي بين عام 530م. وعام 540م. وأخرى إلى أنّ وفاته كانت حوالي عام 550م. وغيرها تحدّد عام 565م. إلاّ أن هناك بعض الأحداث الثابتة تاريخياً ويمكن أن تساعد على تحديد الفترة التي عاش فيها.

يقول ابن قتيبة إن قبَّاذ ملك الفرس ملَّك الحارث بن عمرو جدّ امرئ القيس على العرب. ويقول أهل اليمن إن تبّعاً الأخير ملَّكه وكان الحارث ابن أخته، فلما هلك قبَّاذ خلفه ابنه أنو شروان فملَّك الحيرة المنذر بن ماء السماء. ولا يبدو من تناقض بين ما يراه ابن قتيبة وما يرويه عن أهل اليمن فليس بمستبعد أن تبّعاً هو من ولَّى الحارث ملكاً في الشمال. وكندة تعود إلى أصول يمنية، وذلك لا يمنع من أن يكون قبَّاذ قوَّى ملك الحارث وبسط نفوذه على مناطق لم تكن خاضعة له من قبل. وهذا ما يذهب إليه الأصبهاني ناقلاً عن كثير من الروايات المتفقة على أن قبَّاذ طرد المنذر من الحيرة لأنه رفض الدخول معه في الدعوة التي قام بها مزدك في عهده والتي يدعو فيها إلى إباحة الحرم، على حدّ تعبير الأصبهاني، وشدَّد ملك الحارث الذي أخذ بالمزدكية عقيدة، ويبدو أنه ملَّك الحارث على الحيرة مكان المنذر. ويرجّح أن الحارث أخذ بالمزدكية لبسط نفوذه ونفوذ قومه على شبه الجزيرة حتى أصبح بإمكانه أن يولّي أبناءه الملك على مناطق شاسعة. ولما مات قبَّاذ أخذ الحكم ابنه أنو شروان وذلك عام 531م. وكان على خلاف مع أبيه في شأن مزدك وتعاليمه، فأعاد المنذر إلى الحيرة، وقاتل الحارث الذي هرب إلى أرض كليب ونجا. ولا يعرف تاريخ وفاة الحارث، وتختلف الروايات عن كيفية موته: فكلب يزعمون أنهم قتلوه، وكندة تزعم أنه مات خلال رحلة صيد، وآخرون يقولون إنه مكث في بني كلب حتى مات حتف أنفه. ويستنتج ممّا تقدم أن حجراً كان ملكاً على أسد قبل عام 531م. حين كان أبوه ما يزال في أوج سلطته. ولا خلاف على مولد امرئ القيس ببلاد أسد أي أنه ولد قبل عام 531م. وأي تاريخ محدَّد يوضع لولادته ليس أكثر من مجرَّد تخمين.

وكذلك الأمر بالنسبة لتاريخ وفاته الذي يمكن أن يرجّح من خلال استقراء الأحداث التاريخية المدوَّنة كما وصلتنا. فقد ثارت بنو أسد وقتلت حجراً أباه، ولا يعرف لهذا الحدث تاريخ، إلاّ أن معظم الروايات التي يوردها الأصبهاني تتفق على أن امرأ القيس كان شاباً عند مقتل أبيه. ويروي أبو عمرو الشيباني (م206هـ) أن امرأ القيس قاتل مع أبيه ضد بني أسد حين انهزمت كندة، وفرَّ على فرس له شقراء بينما يروي ابن السكيت (م245هـ) أنه كان في مجلس شراب يلعب النرد حين أتاه نعي أبيه ووصيته بالثأر. غير أن الهيثم بن عدي (م 206هـ) يذكر أن امرأ القيس لما قتل أبوه كان غلاماً قد ترعرع. ولكن هذه الباحثة لا تطمئن إلى صحة هذه الرواية لأن امرأ القيس قال معظم شعره اللاهي، بما في ذلك مطوَّلته، "قفا نبكِ" قبل مقتل أبيه، وليس ذلك بشعر غلام، بل شعر رجل ناضج. كما أن هذه الرواية لا تؤيِّدها الروايات الأخرى عن مقتل حجر التي تجعل من الشاعر إما مقاتلاً في جيش أبيه وإما لاهياً يقول: "ضيّعني صغيراً وحمَّلني دمه كبيراً" حسب رواية ابن الكلبي (م204هـ). كما أنها تنفي روايات سعيه للثأر لأبيه، المتفق عليها، فكيف يسعى غلامٌ ذلك المسعى الكبير.

وأما الحدث الذي يسهم، دون غيره، في تحديد الفترة التي توفي فيها امرؤ القيس، فهو ذهابه إلى القسطنطينية ولقاؤه قيصر الذي توجّه إليه لطلب المعونة في استرداد ملك أبيه، مستغلاً العداوة التاريخية بين الروم والفرس وصراعه مع المنذر بن ماء السماء الذي أعاده أنو شروان إلى الحيرة طارداً منها جدّه الحارث. وقد كانت بين امرئ القيس وبين المنذر حروب طويلة. وكان إمبراطور بيزنطية حينذاك يوستنيانوس، وهو آخر أعظم أباطرة بيزنطية، وقد حكم من عام 527م. إلى 565م.، وخاض حروباً امتدت طوال حياته ضد أنو شروان، وكانت أنطاكية والمناطق المحيطة بها مسرحاً لتلك الحروب. وقد تم توقيع أول معاهدة سلم بينهما عام 532م.، وسُمِّيت "معاهدة السلام الأبدي". غير أن الحرب عادت إلى الاشتعال وسقطت أنطاكية بيد الفرس عام 540م. وبقيت بأيديهم حتى عام 545م. حين وقَّعت بينهما اتفاقية هدنة. وتجدَّدت الحرب عام 551م، واتفق مجدَّداً على هدنة عام 557م، ولم تعد أنطاكية إلى بيزنطية إلاّ عام 561م. حين اتفق يوستنيانوس وأنو شروان على هدنة لمدّة خمسين سنة بشرط أن تدفع بيزنطية الجزية لفارس.

ولعلَّه يصحّ الاستنتاج ممَّا تقدّم أن امرأ القيس لم يذهب إلى القسطنطينية إلا بعد عام 561م، بعد انتهاء تلك الحروب وبعد عودة أنطاكية إلى الروم، لأن طريق رحلته إلى القسطنطينية تمرّ في تلك المناطق التي لن يجتازها وهي بأيدي أعدائه من الفرس وأنصارهم من العرب. وقد وفَّر امرؤ القيس نفسه دليلاً على الطريق التي سلكها في تلك الرحلة في قصيدته "سما لك شوق بعدما كان أقصرا"، وفيها يذكر بلاد الشام التي مرَّ بقراها ومدنها كحوران وبعلبك وحماه وخملى، ومنها إلى أراضي الإمبراطورية الرومانية الشرقية. ومن هنا تميل هذه الباحثة إلى تحديد تاريخ وفاة امرئ القيس، التي تجمع الروايات أنها حدثت في طريق عودته من القسطنطينية، بين عام 563م. و 564م. وقبل عام 565م، تاريخ وفاة يوستنيانوس.

ويذهب الرواة إلى أن قيصر بعث إليه في طريق عودته بحلّة مسمومة تقرّح جلده حين لبسها ومات، بعد أن كان قد أحسن وفادته زوَّده بجيش لمساعدته في استرداد ملك أبيه، وإن اختلفوا في الأسباب التي قادته إلى قتله. ورواية الحلّة المسمومة ظاهرة التهافت وكذلك قصة قتله والوشاية به، وليس في شعره ما يوحي بذلك. ويبدو أن امرأ القيس مات بمرض جلديّ يذكره في شعره، وقد عانى منه في السابق وإن لم يكن بالحدّة نفسها، وهو افتراض يدعمه بيت شعر قاله:

تأوَّبني دائي القديمُ فغلّسا - أُحاذِرُ أن يرتدَّ دائي فأُنْكَسا


عاش امرؤ القيس حياة غنيّة بالتجربة بين قطبي اللهو الحرب. وكان في عزّة ورخاء عيش حين كان أبوه ملكاً، يلهو ويشرب ويذهب إلى الصيد ويقول الشعر، إلى أن طرده أبوه فكان يسير في أحياء العرب مع شذّاذهم مواصلاً حياة اللهو والشرب والأكل والغناء. وبعد مقتل أبيه حرَّم على نفسه الخمر والنساء حتى يأخذ بثأره، وواصل السعي لاسترداد الملك المفقود. وسيرة امرئ القيس تكشف جوانب تاريخية مهمّة من تاريخ القبائل العربية في تلك الحقبة، من اليمن إلى أواسط شبه الجزيرة وشمالها، وتتضمّن صورة من صور الصراع المحتدم بين الروم والفرس وعملائهم من الغساسنة واللّخميين. وكان امرؤ القيس قد طاف في طول شبه الجزيرة وعرضها باحثاً عن أنصار لدعمه في سعيه للثأر لأبيه واسترداد ملكه أو هارباً من أعدائه. لقد استنصر أولاً بكراً وتغلب فنصروه وقاتلوا معه بني أسد حتى كثرت فيهم الجرحى والقتلى وهربوا، ولكنهم رفضوا أن يلحقوا ببني أسد حين أراد امرؤ القيس أن يتبعهم بحجة أنه قد أصاب ثأره. فذهب إلى اليمن واستنصر أزد شنوءة فأبوا أن ينصروه. فلحق بحمير فساعدته، واستأجر من قبائل العرب رجالاً وسار بهم إلى بني أسد، والتقاه المنذر ومعه جيوش من إياد وبهراء وتنوخ مع جيش من الأساورة أمدّه به أنو شروان. فتفرَّقت حمير وهرب هو وجماعنه، فنزل في رجل من بني حنظلة ولبث عنده حتى بعث المنذر إلى الرجل مائة من أصحابه يوعده بالحرب إن لم يسلِّم امرأ القيس وجماعته، ونجا امرؤ القيس وابنته هند ويزيد بن معاوية بن الحارث ابن عمه، والتجأ عند سعد بن الضباب الإيادي، ثم نزل في بني نبهان من طيء، وبعدها انتقل إلى رجل من بني ثعل من طيء استجار به فوقعت بين الثعلي وبعض أعداء امرئ القيس حرب فخرج من عندهم ونزل برجل من بني فزارة قيل إنه هو من نصحه بالذهاب إلى قيصر، وأرسله إلى السموأل بتيماء فاستودعه دروعه وماله وابنته وبقي معها ابن عمه. وبعث به السموأل إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني بالشام الذي أوصله إلى قيصر. والحارث، وهو الذي ملَّكه الإمبراطور البيزنطي على الشام ليقاتل أعداء الإمبراطورية وبالأخص أنصار الفرس من العرب وعلى رأسهم اللخميين ممثلين بالمنذر بن ماء السماء، عدو امرئ القيس، ليس من المستغرب أن يساعد عدوّ عدوّه على الوصول إلى غايته ليشتد في قتال ذلك العدو. ولا مجال لإثبات ما إذا كان قيصر قد دعمه بجيش كما قال الرواة العرب، وليس بمستبعد أن لا يفعل ذلك خصوصاً إذا قبلنا الافتراض بأن امرأ القيس توجَّه إليه بعد توقيع هدنة الخمسين سنة مع أنو شروان، بعد استرداد أنطاكية.

إن ما يبرز ممّا ذكرنا من أحداث هو أن هذه الفترة من تاريخ العرب كانت فترة صراع داخلي بين القبائل العربية المشتَّتة الولاء بين الروم والفرس، القوَّتين العظميين في ذلك الزمان، وقطبي الصراع السياسي العنيف في ذلك التاريخ، وكانت تلك المرحلة مرحلة انحسار سياسي واقتصادي واجتماعي في تاريخ شبه الجزيرة العربية، فاليمن سقط سنة 525م. تحت الاحتلال الحبشي، وسقطت بذلك مملكة كندة التي استمدَّت كيانها وقوّتها من اليمن، وتناثرت القبائل التي اتحدت تحت لوائها بعد أن كانت ? على حدّ قول برنارد لويس- بما حقَّقته من مكانة وانتصارات وتوسّع، أعظم اتحاد قبل الإسلام، بين قبائل الشمال والوسط، وصلت إلى ذروة نضجها في القرن السادس الميلادي، ولها تدين اللغة العربية الموحَّدة ويدين التراث الشعري الموحَّد، بنشأتهما وتطوّرهما. وقد أخفقت محاولة امرئ القيس في تجميع شتات تلك القبائل وإعادة بناء المملكة، وكانت محاولة فردية جاءت في وقت عمَّ فيه الانحلال والفوضى والانهيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وظلَّ الانحدار مستمراً، ولكنه كان ينطوي على بذور نهضة كبيرة فتَّقتها الدعوة الإسلامية ففجَّرت انبعاثاً حضارياً أصيلاً حقَّق للعرب وحدتهم السياسية ودولة امتدَّت من الصين إلى أواسط أوروبا.

وقال عنه ابن بليهد: بلدته (أي امرؤ القيس) ذو جرة قرية بمخلاف "السكاسك" في اليمن، وهو رجل كان كثير التنقل في أول شبابه، ولذلك ورد في شعره كثير من أسماء المواضع في مختلف أنحاء الجزيرة؛ فذكر مواضع من حضرموت، كدمون وعندل، ومواضع في شمال نجد كأسيس والطها وتيماء السموءل، ومواضع في عالية نجد الشمالية، كمنعِج وعاقِل؛ ومواضع في عالية نجد الجنوبية، كالدخول وحومل وتوضح والمقراة. ومن عادة الشعراء المتقدمين ذكر المواضع المتباعدة في القصيدة الواحدة. بل في البيت الواحد وقد وفد على قيصر ملك الروم، وهو يقول في هذه الرحلة:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه - وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا


وإذا كان الحديث يجر بعضه بعضاً فإني أحب أن أشير إلى غلط وقع فيه كثير من الباحثين في المواضع، وهو الاعتقاد بأن بلد الشاعر صاحب هذه المعلقة هي "مراة" المعروفة في الوشم، وأول من علمته وقع في هذا الخطأ كاتب نشر في جريدة "أم القرى" منذ ثلاث وعشرين سنة تقريباً رحلة بعنوان "الرحلة السلطانية". ثم أتى كاتب آخر فنشر رحلة أخرى في جريدة "صوت الحجاز" في سنتها الأولى، قال فيها إن "مراة" هي "المقراة" التي وردت في شعر امرئ القيس، ثم جاء كاتب ثالث فقال في كتاب مطبوع معروف: إن امرأ القيس ولد في "مراة" وآخر من علمته وقع في ذلك الخطأ: الأستاذ أحمد حسين في كتابه "مشاهداتي في جزيرة العرب". ومنشأ هذا الخطأ: أن "مراة" قد نسبت في بعض مؤلفات القدامى إلى امرئ القيس، ولكن اسم امرئ القيس اسم شائع في العهد الجاهلي، واشتهر به كثير من الشعراء وغيرهم، وللأستاذ حسن السندوبي بحث ممتع عن "المراقسة" طبعه مع ديوان امرئ القيس، وفي "المزهر" للسيوطي و "شعراء النصرانية" لليسوعي تفصيل عنهم. والذي وقع في مؤلفات أسلافنا من العلماء صحيح. ولكن امرأ القيس الذي تنسب إليه "مراة" ليس هو امرؤ القيس بن حُجر الكندي، صاحب المعلقة؛ فقد جاء هذا الخطأ من الاغترار بذكر "امرئ القيس" وإنما هو امرؤ القيس بن زيد مناة بن تميم، وتميم هم سكان الوشم في العهد القديم. فمراة لبني امرئ القيس، وثرمداء لبني سعد، وأثيفية لبني يربوع من بني حنظلة الذين منهم بلال الشاعر، وذات غسل لبني العنبر. وامرؤ القيس بن حجر الشاعر المشهور لم يسكن مراة المعروفة في بلاد الوشم.

وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن امرئ القيس في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: امرؤ القيس بن حجر، أقدم وأكثر شعراء الجاهلية الذين وصلت أعمالهم إلينا إثارة للاهتمام. كان عربياً نبيل الدم ينحدر من ملوك حمير من كندة، الذين حكموا جزءاً من اليمن تحت سلطة رئيس عائلتهم، توبا، التي عرف بها أو لقب إمبراطور اليمن. يقول أبو عبيدة، مؤرخ عاش في زمن هارون الرشيد إن هؤلاء قد حصلوا على ملكهم في أيام مملكة حمير، حيث انحدرت بعض القبائل من وائل ووجدوا أنفسهم في حالة من الفوضى لافتقارهم إلى رئيس كبير، فعقدوا اجتماعاً وقالوا:" صار للحمقى منا اليد الطولى وأكل القوي فينا الضعيف. لنذهب إلى توبا عله ينصب رئيساً علينا." فوضعهم تحت حكم قريبه حجر عقيل المرار الكندي وحكمهم حجر وأولاده من بعده. كان حجر والد امرؤ القيس الحفيد الأول لحجر الأول. الشيء نفسه حدث معه حيث اختارته قبيلة بني أسد وقطفان حاكماً عليهما. كان ملوك كندي آخر الذين حكموا اليمن من حمير وعادوا إلى موطنهم الأصلي حمير في حضرموت في آخر قرن قبل الإسلام.

والده حجر بن حارث أمير قبيلتي بني أسد وقطفان في اليمن. أنزل منزلة خاصة في خيمة والده كونه أصغر أخوته، وكذلك احتفت به نساء القبيلة في شبابه لوسامته وفطنته، ونسبت له كثير من المغامرات الغرامية بما في ذلك ما ذكره في معلقته. غضب والده عليه بسبب فضائحه وإفراطه في شعر الحب، فأرسله كما الحال والشباب في هذه الأيام ليرعى إبله في مكان بعيد في الصحراء، لكن هذا لم يستمر طويلاً. أهمل مهمته وقضى وقته في نظم الشعر عن دوابه وفرس والده، حتى أوكل إليه العمل كمجرد راعي خراف ما أعتبره امرؤ القيس إهانة عظيمة. جرح هذا كبرياءه فرفض وخرج في زمرة من الصعاليك حتى طرد أخيراً من مناطق نفوذ والده.

moudar
08-May-2011, 11:46 AM
وكان الرجال الذين يرتكبون أخطاء أخلاقية بحق القبيلة يطردون منها وينبذون من قبل أفراد القبيلة. ما زال هؤلاء الهاربين يشكلون عصابات من اللصوص الخارجين عن القانون حتى هذه الأيام، وهم أشد خطراً على المسافرين من غزوات البدو العادية. يعيشون في الجبال بين الصخور وفي الكهوف حيثما وجدت في الجزيرة. وصفهم دوفتي باسم " هبيلة " في كتابه " الصحراء العربية " يقول:" الهبيلة أشرار الصحراء الذين يخشاهم رجال القبائل البدو الرحل، كما يخشى الحضر وسكان الواحات البدو. الهبيلة عادة شباب أوغاد لا يملكون ماشية أو قطعان يعرضون أنفسهم لكل مخاطرة شرسة، لكن بعضهم رجال وحيدين مفعمين بالنشاط يحركهم مزاجهم غير الهادىء من كسلهم في ظل الخيام إلى التجوال خلسة كالذئاب بحثاً عن فريسة في البراري. يتحمل هؤلاء الخارجين عن القانون المصاعب الشاقة وغالباً ما تكون لهم صفات الوثنية المتوحشة. يقال إنهم لا يتركون أحداً حياً. إلى حد ما هم دوماً من الخدم الذين لا يفهمون بسهولة ويترصدون فريستهم تحت الصخور وفي الأدغال. خلال سنوات ترحاله والسنوات التي تلت، عندما كان في الخامسة والعشرين تقريباً، كتب معلقته الشهيرة، أول المعلقات.

كما تزوج في الفترة نفسها زوجته الأولى، لم يكن ذلك أقل أعماله الطائشة، إذ قيل إنه أقسم بعدم الزواج ثانية إلا أن يقابل المرأة التي تحل لغزاً ابتدعه. كان سؤال اللغز " ما ثمانية وأربعة واثنان ?" وكانت الإجابة التي يتلقاها عادة " الرقم 14 " حتى كان يوماً فيه مسافراً في نجد، وقابل في طريقه شيخاً مع ابنته الذكية التي حلت اللغز بقولها:" أما ثمانية فأطباء الكلبة، وأما أربعة فأحلاف الناقة وأما اثنان فثديا المرأة." فخطبها إلى أبيها فزوجه إياها وأنجب منها عدة أبناء وابنته هند. لا تعرف زوجة امرؤ القيس الأولى باستثناء أنها من عائلة كريمة. وشرطت هي عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال. فجعل لها ذلك وأن يسوق لها مائة من الإبل وعشر أعبد وعشرة وصائف وثلاث أفراس. ففعل ذلك. ثم أن بعث عبداً له إلى المرأة وأهدى إليها نحياً من السمن ونحياً من عسل وحلة من عصب. فنزل العبد ببعض المياه فنشر الحلة ولبسها فتعلقت بعشرة فانشقت. وفتح النحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا. ثم قدم على حي المرأة وهو خلوف. فسألها عن أبيها وأمها وأخيها ودفع إليها هديتها. فقالت له أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيداً ويبعد قريباً، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي يراعي الشمس وأن سماءكم انشقت وأن وعاءكم نضبا. فقدم الغلام على مولاه فأخبره. فقال: أما قولها إن أبي ذهب يقرب بعيداً ويبعد قريباً فإن أباها ذهب يحالف قوماً على قومه. وأما قولها ذهبت أمي تشق النفس نفسين، فإن أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به. وأما قولها: إن سماءكم انشقت فإن البرد الذي بعثت به انشق. أما قولها إن وعاءكم نضبا، فإن النحيين الذين بعثت بهما نقصا. فأصدقني. فقال : يا مولاي، إني نزلت بماء من مياه العرب. فسألوني عن نسبي فأخبرتهم إني ابن عمك ونشرت الحلة فانشقت وفتحت النحيين فأطعمت منهما أهل الماء. فقال: أولى لك!

ثم ساق مائة من الإبل وخرج نحوها ومعه الغلام. فنزل منزلاً. فخرج الغلام يسقي الإبل فعجز، فأعانه امرؤ القيس فرمى به الغلام في البئر، وخرج حتى أتى المرأة بالإبل وأخبرهم أنه زوجها. فقيل لها: قد جاء زوجك. فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا! ولكن انحروا له جزوراً وأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. فقالت: اسقوه لبناً جزوراً وهو الحامض فسقوه فشرب. فقالت: افرشوا له الفرث والدم. ففرشوا له فنام فلما أصبحت أرسلت إليه إني أريد أن أسألك. فقال: سلي عما شئت. فقالت: مما تختلج شفتاك? قال لتقبيلي إياك. قالت: فمم يختلج كشحاك? قال: لالتزامي إياك. قالت: فمما يختلج فخذاك? قال لتوركي إياك. قالت: عليكم العبد فشدوا أيديكم به. ففعلوا. قال: ومر قوم فاستخرجوا امرؤ القيس من البئر. فرجع إلى حيه. فاستاق مائة من الإبل وأقبل إلى امرأته. فقيل لها قد جاء زوجك. فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا، ولكن انحروا له جزوراً فأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. فلما أتوه بذلك قال: وأين الكبد والسنام والملحاء! فأبى أن يأكل. فقالت: اسقوه لبناً حارزاً. فأبى أن يشربه وقال: فأين الصريف والرثيئة! فقال: افرشوا له عند الرف والدم. فأبى أن ينام وقال: افرشوا لي فوق التلعة الحمراء واضربوا عليها خباء. ثم أرسلت إليه: هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاث. فأرسل إليها أن سلي عما شئت. فقالت: مما تختلج شفتاك? قال: لشرب المشعشعات. قالت: فمما يختلج كشحاك? قال: للبسي الحبرات. قالت: فمما تختلج فخذاك? قال لركضي المطهمات. فقالت: هذا زوجي لعمري! فعليكم به واقتلوا العبد. فقتلوه. ودخل امرؤ القيس بالجارية.

أتاه أثناء تجواله نعي أبيه وقد قتل في تمرد بني أسد. أوصى الوالد قبل موته بمواشيه وقطعانه لمن يأخذ بثأره من أبنائه ولا يبكي حين يأتيه خبر موته. بكى الأبناء الكبار كلهم، لكن امرؤ القيس كان منهمكاً في لعبة الداما عند وصول الخبر فلم يوله اهتماماً حتى أتم لعبته وربحها. ثم دون إشارة على أسى نهض وامتطى حصانه وعاد مع الرسل الذين جلبوا الخبر ليستعد للأخذ بالثار. هذا ما أراده حجر وبذلك حصل امرؤ القيس على الإرث.

وشكك بعض المعلقين الأوائل في أن هذا هو الاسم الحقيقي للشاعر الذي اسماه ابن قاسم المغربي "جنداه" مفسراً أن اسم امرؤ القيس كان مجرد اسم مستعار فقط. يقولون إن امرؤ القيس تعني "رجل الأسى" وإن الاسم المستعار أعطي للشاعر بسبب المحن التي واجهها. يقول الشيخ محمد عبده، أعظم دارس للعربية في عصرنا، إن هذا غير صحيح. يؤكد أن معنى امرؤ القيس ببساطة هو "الرجل" أي عبد قيس، أحد الآلهة الوثنية عند العرب، وإن الاسم استخدم دوماً كاسم علم مثلما يستخدم المسلمون الآن اسم عبد الله والمسيحيون عبد المسيح. صحيح أن قيس تحمل معنى الأسى أو المصاعب وربما كان الصنم يعني قديس الأسى الورع. يتكلم المؤرخون اليونانيون عن الشاعر ببساطة باسم قيس.

كان ما تبقى من تاريخ حياته، كما رواه صاحب كتاب الأغاني المصدر الرئيسي لمثل هذه القصص حكاية طويلة من المصاعب جلبتها عليه طاعته لوالده. عند عودته إلى اليمن، ناصره أقاربه من تغلب وبكر في قتاله فوراً- تنحدر القبيلتان من وائل وينتمي امرؤ القيس إلى تغلب من جهة أمه. إنهما القبيلتان اللتان شكت أمرهما إلى عمر بن هند، ما سبب في نظم معلقة عمر بن كلثوم والحارث- وأوقع اتحادهم الرعب في بني أسد، حتى أنهم أرسلوا رسلاً إلى امرؤ القيس عارضين، علاوة على الفدية المعتادة، تقديم أحد زعمائهم إليه ليفعل به ما يشاء. لكن بعد قضاء امرؤ القيس ليلة قلقة رفض في الصباح والدموع في عينيه كل مساومة. أعاد الرسل وهاجم بني أسد. حدث أن خيم هؤلاء مع قبيلته كنانة. ثم هجم قبل بزوغ الفجر تماماً مما أدى إلى ذبح رجال تغلب وبكر دون علم بعض أفراد من قبيلة كنانة التي لم تكن لها عداوة معهما. غضبت القبيلتان من امرؤ القيس حملاه مسؤولية الخطأ، مع ذلك تبعوا معه قبيلة بني أسد عند نبع ماء وهزموهم، وإن فر بعضهم أثناء الليل. أراد امرؤ القيس مطاردتهم، لكن تغلب وبكر رفضتا وتركتاه لائمتان " ويل لك، أنت رجل شؤم! " وعادتا إلى ديارهما. طلب امرؤ القيس مساعدة أقاربه الآخرين، لكنهم رفضوا تباعاً، وبمساعدة مرتزقة من القبائل فقط استطاع الأخذ بثأره. يقال إنه عندما أدرك بني أسد في " بباله " وبها صنم تعظمه العرب يقال له ذو الخلصة. متبعاً عادة عربية وثنية، استقسم عنده بقداحة وهي ثلاثة الآمر والناهي والمتربص. فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي ثم أجالها فخرج الناهي. فجمعها وكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال: مصصت بظر أمك! لو أبوك قتل ما عقتني " ثم خرج فظفر ببني أسد.

وصلت هذه الأخبار المنذر ملك الحيرة، فأرسل فرسان ضد امرؤ القيس الذي هرب من مكان إلى آخر ومن قبيلة إلى أخرى، من اليمن حتى نهر الفرات، باحثاً عن مأوى وحاملاً معه ما تبقى من إرث. كان يستقبل في كل مكان بالترحاب بسبب قصائده، لكن بخشية من غضب ملك الحيرة. جاء في ترحاله إلى تلال طي، وعجا وسلمى (جبل شمر الآن) فاستقبله زعيم طي استقبالاً حسناً، وزوجه من ابنة من قبيلة أم جندب التي كانت زوجته الثانية. يقال إنها كانت ذكية أيضاً وفي أحد الأيام، كانت تصغي من خلف ستارة إلى زوجها وشاعر غريم، علقمه، يلقيان بقصائد في مدح خيولهما، وكان الحكم من أفضل منهما. منحت الجائزة للغريب وحجتها أن امرؤ القيس افتخر بسرعة جواده لأنه يحثه بصوته وسوطه، بينما افتخر الآخر بأن جواده ليس بحاجة لهذا. غضب امرؤ القيس وطلقها في الحال وسافر بحثاً عن مكان إقامة جديد مريح، وعداوة المنذر تطارده.

وكان هناك ثأر عائلي بين ملوك كندة وملوك الحيرة سبب ذلك كما ذكر في كتاب الأغاني: في الأيام التي كان الحارث بن حجر ملك كندة والمنذر ملك الحيرة وكسرى كبعد الفيروز على عرش فارس، ظهر في البلاط الفارسي مدرساً اسمه مردك بمذهب جديد بشر بثنائية الله (كروح طيبة وأخرى شريرة) وكذلك بمشاعة الحريم وإلى حد ما لا ينبغي على رجل رفض تقديم زوجته لرجل آخر. اعتنق كبعد هذه المبادىء وطلب من المنذر وأتباعه اعتناقها أيضاً وكذلك الحارث.

أطاع الحارث طلبه، لكن المنذر رفض. لهذا السبب فصل كعبد المنذر من حكومته وعين الحارث حاكماً للحيرة مكانه. حدث أن كان كبعد جالساً مع زوجته يوماً، أم ابنه أنوشروان، وطلب مردك الملكة لإشباع شهوته. وافق كسرى، لكن أنوشروان نقم على إهانة أمه وتوسل مردك أن يتراجع حتى لو طلب منه تقبيل قدمه. أذعن مردك لذلك، غير أن المرارة بقيت في نفس أنوشروان. عند وفاة كبعد وتولي أنوشروان الحكم، انتقم من مردك وطائفته، الزنادقة، وقضى عليهم وأعاد المنذر إلى مملكته. كما أرسل فرسانه الفرس مع المنذر لإخراج الحارث من حكم الحيرة ومعهم رجال بني تغلب والبحرة وإياد وتبع المنذر الحارث حتى إلى أرض كليب، وأخذ بني تغلب من الحارث ثروته وثمانية وأربعين من رجال بيته، الذين ذبحهم المنذر في حفر الأملاك في أرض مزينا، وعلى هذا أنشد عمر بن كلثوم:

وسيد معشر قد توجوه - بتاج الملك يحمي المحجرينا


أخيراً بعد ترحال طويل لجأ إلى السموءل الذي بني لنفسه حصناً في واحة تيما شمال نجد، حيث كان بإمكانه تحدي كل القادمين. يقال إن امرؤ القيس كان ما زال يحمل خمسة أطقم قتال ورثها عن أجداده، لكل منها اسم، كما كانت سيوف الفرسان الأبطال المسيحيين. كان معه ابنته هند وابن عمه زيد. استقبل السموءل كل هؤلاء تحت حمايته وبقوا هناك حتى زادت ضغوط المنذر ولم يود امرؤ القيس توريط مضيفه في المشاكل وبناءً على نصيحته ذهب إلى القيصر في القسطنطينية.

كان وضع الحدود الشمالية للجزيرة العربية آنذاك مثلما هي اليوم أو قبل مئة سنة بين القبائل والإمبراطورية العثمانية. ادعى الإمبراطور، الذي لا يملك أي سلطة حقيقية جنوب فلسطين، دوماً ملكية الجزيرة بكاملها، بينما في الجزء الشرقي من الصحراء، ادعى كسرى فارس أن له سلطان على قبائل الفرات عبر وسائط ملوك الحيرة. وعليه، كان الإمبراطور الحامي الطبيعي ضد المنذر، ولم يكن طلب امرؤ القيس بلا طائل. مر عبر حكام فلسطين وسوريا وآسيا الصغرى إلى القسطنطينية، ووصل بلاط الإمبراطور حيث استقبل بكل حفاوة. أهله منصبه كأمير من عائلة كندي الملكية في حمير الدخول إلى الإمبراطور شخصياً ونزل في القصر مثلما كان الأمراء الأعوان المنفيين من نجد ينزلون في قصر يلدز. مع ذلك، لم يستمر حسن طالعه طويلاً حيث اتهم بعلاقة غرامية مع ابنة الإمبراطور، فأجبر على الرحيل ثانية عائداً صوب بلده، لكنه لم يعش حتى يراها. لحقه ضباط القيصر في أ نقرة وتظاهروا بتقديم هدية وداع له من سيدهم عبارة عن رداء شرف مسموم أدى إلى قتله، كما يقال سنة 565 ميلادية وهو في الخامسة والأربعين. كان قبره موجوداً حتى القرن الثاني الهجري.

كسب السموءل سمعة جيدة بين العرب لإخلاصه في هذه المغامرة. ضغط عليه خادم الإمبراطور الحارث ملك غسان لإعطائه الأطقم الخمسة المتروكة في عهدته في تيما، لكنه رفض ودفع حياة ابنه ثمناً لذلك، الذي قبض عليه الحارث كرهينة، وهكذا بقيت أمانته مضرب مثل بين العرب لوقت طويل.

يعرف وزن بيت معلقة امرؤ القيس بالبحر الطويل حيث ينتهي كل بيت بتفعيلة مزدوجة وبصوت " لي " يقول المستشرقون إنها الأنموذج الذي استخدمه باقي شعراء المعلقات تقريباً وأسس لمدرسة جديدة في الشعر العربي قبل ذلك. بين المعلقات السبع هي التي تحتوي على أهم العناصر الإنسانية والطبيعية وأقلها قدحاً، كما أنها الأسهل للفهم. باستثناء النقل المفاجيء من موضوع إلى آخر، ما هو مشترك بين المعلقات كلها، هناك قليل من الإرباك أو ما يصعب فهمه. يبدأ الشاعر بمغامراته الغرامية المروية بواقعية ثم يذهب إلى وصف الليل في الصحراء والسحر وامتطاء جواده، وقيادة الضباء والاحتفال عند الغروب. تنتهي القصيدة بصورة عاصفة مفاجئة بيت التلال، قطعة تعتبر أرفع مستوى من الشعر وصل إلينا من شعراء الصحراء. إنها أول وأسهل المعلقات السبع ومبنية بأقل فن واع لذاته.

وقال دبليو إى كولستون عن امرئ القيس في كتاب من تحريره وتقديمه عن الشعر العربي: كان ابن حجر بن الحارث أميراً من قبيلة كندة. اسمه الحقيقي صندج، سمي امرؤ القيس لكثرة ما ألم به من مصائب. أطلق الرسول عليه لقب "الملك الضليل" لكونه أفضل شعراء عرب الجاهلية، كما قال فيه أيضاً إن بإمكانه قيادته إلى المحن. يلمح إلى مغامراته الغرامية مع فتاة من قبيلة أخرى في معلقته. سخط والده عليه ونفاه من القبيلة. هام سنوات حيث عاش حياة مجنون بين عرب الصحراء، حياة محفوفة بالمخاطر تشوبها الفاقة، تتراوح بين الوقوف ببئر ماء إلى الاحتفال ورفاقه بلحم ناقة واحتساء خمر بينما تغني المطربات. وهكذا كان الشاعر منهمكاً في الشراب واللعب عندما جاءه رسول من قبيلته يعلمه بمقتل والده من قبل متمردين من رعيته. لم يجب أمرؤ القيس وقال لرفيقه الذي توقف عن اللعب " استمر " لكن عند نهاية اللعبة قال لرفيقه إنه لم يود إفساد لعبته، ثم التفت إلى الرسول واستمع إلى تفاصيل اغتيال والده وقال " ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً، اليوم خمر وغداً أمر".

زحف امرؤ القيس بجيش من قبيلتي تغلب وبكر (لم تكونا على خلاف آنذاك) إلى المتمردين الذين فروا خشية ثأره واحتموا بملك الحيرة، حينئذ تخلى أنصاره عنه فطلب العون من أمير الحمرية مرتضى الخير، الذي وعده بخمسة مئة رجل، لكنه مات ولم يبد خلفه حماساً لمساعدة الأمير التعيس.

التجأ امرؤ القيس إلى مطالعة طالعه، كما كانت عادة العرب في الجاهلية قبل اتخاذ قرار. سحب سهام الحظ الثلاثة " الأمر، الناهي، والمتربص" وكان المنع حظه ثلاث مرات. كسر الأسهم وألقى بها في وجه الصنم قائلاً:" لو أبوك قتل ما عقتني ".

حين وجد أنه لن يحصل على مساعدة من أمير اليمن، قصد بلاط الإمبراطور جوستينين، لكن لسوء حظه أن عربياً كان قد سبقه هناك وكان والد امرؤ القيس قد قتل والده، فلعب في عقل الإمبراطور وجعله يحقد على امرؤ القيس. غادر امرؤ القيس البلاط فلحقه رسول بثوب مسموم إلى أنقرة وما أن لبسه حتى أصيب بألم حاد وغطى جسده القرح ومات بعد حين. كانت آخر كلماته:


رب خطبة مسحنفره - وطعنة مثعنجرة


ومن رقيق شعره أخترنا لكم جزء من معلقته :

قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل
بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ
فتوضح فالمقراة لم يَعفُ رسمهاَ
لما نسجتْها من جَنُوب وشمالِ
ترى بَعَرَ الأرْآمِ في عَرَصاتِها
وقيعانها كأنه حبَّ فلفل
كأني غَداة َ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَلّوا
لدى سَمُراتِ الحَيّ ناقِفُ حنظلِ
وُقوفاً بها صَحْبي عَليَّ مَطِيَّهُمْ
يقُولون لا تهلكْ أسى ً وتجمّل
ودع عنك يوما قد مضى لسبيله
ولكن على ما غالك اليوم اقبلٍِِ
وإنَّ شفائي عبرة ٌ مهراقة ان سفحتها ٌ
فهلْ عند رَسمٍ دارِسٍ من مُعوَّلِ
كدأبكَ من أمِّ الحويَرثِ قبلها
وجارتها أمَّ الربابِ بمأسل
اذا قامتا تضوع المسك منهما
نسيم الصبا جاءت برياء القرنفل
فَفاضَت دُموعُ العَينِ مِنّي صَبابَةً
عَلى النَحرِ حَتّى بَلَّ دَمعِيَ مِحمَلي
ألا ربَّ يومٍ لك مِنْهُنَّ صالح
ولا سيّما يومٍ بدارَة ِ جُلْجُلِ
ويوم عقرتُ للعذارى مطيتي
فيا عَجَباً من كورِها المُتَحَمَّلِ
وياعجبا من حلها بعد رحلها
وياعجبا للجازر المتبذل
فظلَّ العذارى يرتمينَ بلحمها
وشحمٍ كهداب الدمقس المفتل
ويوم دخلتُ الخدرِ خدر عنيزة
فقالت لك الويلات إنكَ مُرجلي
تقولُ وقد مالَ الغَبيطُ بنا معاً
عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلِ
فقُلتُ لها سيري وأرْخي زِمامَهُ
ولا تُبعديني من جناك المعللِ
فمِثلِكِ حُبْلى قد طَرَقْتُ ومُرْضعٍ
فألهيتُها عن ذي تمائمَ محول

moudar
09-May-2011, 09:58 AM
ثعـلب الصـحراء

ثعلب هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي الشيباني الولاء المعروف بثعلب.

كان إمام الكوفيين في النحو واللغة قرأ على ابن الأعرابي والزبير بن بكار. وروى عنه الأخفش الأصغر وأبو بكر الأنباري وأبو عمرو الزاهد وغيرهم. كان حجة ثقة مشهورا بالحفظ والصلاح وصدق القول والتحفظ في اللغة ورواية الشعر. وكان الشيوخ يقدمونه عليهم وهو حديث السن لعلمه وفضله، وكان ابن الإعرابي إذا شك في شيء سأله عنه ثقة منه بغزارة حفظه.

قال ثعلب عن نفسه: ابتدأت في طلب العربية واللغة في سنة ست عشرة ومائتين ونظرت في حدود الفراء وسني ثماني عشرة سنة وبلغت خمسا وعشرين سنة وما بقيت على مسألة للفراء إلا وأنا أحفظها.

moudar
10-May-2011, 10:21 AM
سيف الدين قطز
كان المشهد الأخير من قصة بطل معركة عين جالوت حزينا مثيرا للشجن والتأمل، فبينما كان السلطان المظفر سيف الدين قطز في طريقه إلى القاهرة التي كانت تنتظره بالزينات وتستعد لاستقباله بما يليق، كان القدر يخفي له مؤامرة نفذها شركاؤه في النصر الذين استكثروا عليه أن يرى نشوة النصر في عيون مستقبليه، ويستشعر عظمة ما صنع لأمّته، فلقي حتفه على يد بيبرس في الصالحية في (16 من ذي القعدة 658هـ = 23 من أكتوبر 1260م). ويبدو للناظر في حوليات التاريخ التي احتفظت بتفاصيل حياة هذا البطل أنه قد جاء لأداء مهمة عظيمة ومحددة، فما إن أداها على خير وجه حتى توارى عن مسرح التاريخ بعد أن خطف الأبصار وجذب الانتباه إليه على قِصر دوره التاريخي، لكنه كان عظيما وباقيا، فاحتل مكانته بين كبار القادة وأصحاب المعارك الكبرى.
والتاريخ لا يعتد بحساب الأزمان والأيام، وإنما يعتد بحجم التأثير الذي يتركه الرجل وإن كانت حياته قصيرة؛ فكثير من خلفاء المسلمين وحكامهم أمضوا عشرات السنين دون أن يلتفت إليهم التاريخ أو ترتبط حياتهم بوجدان الناس ومشاعرهم، والدليل على ذلك أن عمر بن عبد العزيز تبوأ مكانته المعروفة في التاريخ بسنتين ونصف قضاهما في الحكم، وبقي ذكره حيا في القلوب، وعنوانا للعدل والإنصاف.

من الرق إلى الإمارة
تروي المصادر التاريخية أن الاسم الأصلي لسيف الدين قطز هو "محمود بن ممدود"، وأنه ابن أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه الذي تصدى بعد أبيه لهجمات المغول، وحقق عدة انتصارات عليهم، واسترد منهم بعض المدن التي استولوا عليها، لكنه لم يجد عونًا من الدولة العباسية، فتركته يصارعهم دون أن تمد إليه يدًا، حتى نجحت جحافل المغول سنة (628هـ = 1231م) في القضاء على دولته التي كانت تقع في إقليم كرمان الحالي في جنوبي إيران، ثم لقي حتفه وحيدًا شريدًا على يد أحد الأكراد.
كان قطز من بين الأطفال الذين حملهم المغول إلى دمشق وباعوهم إلى تجار الرقيق، ومضت حياته مثل غيره من آلاف المماليك الذين حملت مواهب بعضهم إلى القمة وتولي السلطة، أو قد تقصر مواهبهم فتبلغ بهم إلى أمير خمسة، أو تعلو قليلاً فيصبح أمير طبلخانة.
وتقص علينا المصادر التاريخية أن قطز كان مملوكًا في "دمشق" ضمن مماليك ابن الزعيم، ثم انتقل إلى القاهرة، وأصبح من جملة مماليك عز الدين أيبك التركماني، وترقى عنده حتى صار أكبر مماليكه وأحبهم إليه وأقربهم إلى قلبه.
ظهوره على مسرح الأحداث
بعد نهاية الحكم الأيوبي في مصر اتفقت كلمة المماليك على اختيار شجرة الدر سلطانة للبلاد، في سابقة لم تحدث في التاريخ الإسلامي إلا نادرًا، غير أن الظروف لم تكن مواتية لاستمرارها في السلطنة، على الرغم مما أبدته من مهارة وحزم في إدارة شؤون الدولة، فلم تجد بُدًّا من التنازل عن الحكم للأمير "عز الدين أيبك" أتابك العسكر الذي تزوجته وتلقب باسم الملك المعز.
ولم تسلس القيادة للسلطان الجديد في ظل ازدياد نفوذ زعيمهم "أقطاي" الذي تمادى في الاستخفاف بالملك المعز، ولا يظهر في مكان إلا وحوله رجاله ومماليكه في أبهة عظيمة كأنه ملك متوج، وبالغ في تحقيره للسلطان فلا يسميه إلا "أيبك"، وتطلعت نفسه إلى السلطنة، فاستشعر السلطان الخوف على عرشه بعد أن اشتد بغي أقطاي وكثرت مظالمه واستهانته بالرعية، فعزم على التخلص منه، وأعد خطة لذلك اشترك في تنفيذها أكبر مماليكه (قطز)، فكان ذلك أول ظهور له على صفحات التاريخ. ومن تلك اللحظة بدأ يشق طريقه نحو المقدمة.
الطريق إلى السلطنة
هيأت الأقدار الطريق لقطز لكي يصل إلى الحكم، فلم يكد يهنأ الملك المعز بالتخلص من غريمه أيبك ويقبض على بعض المماليك البحرية ويجبر بعضهم على الفرار من مصر، حتى دب صراع بينه وبين زوجته شجرة الدر، انتهى بمقتلهما، وتولى "نور الدين علي بن المعز أيبك" السلطنة، لكنه كان صبيًا يلهو ولا يصلح لمباشرة الحكم وتحمل المسئولية. وأصبحت مقاليد البلاد في يد "سيف الدين قطز" الذي بدأ نجمه في الظهور، وقام بنشر الأمن في البلاد والقضاء على المحاولات الفاشلة للأيوبيين لاسترداد مصر من أيدي المماليك، فزاد ذلك من قوة إحكامه على البلاد.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة ليقوم قطز بما ادخره له القدر من الشرف العظيم وتخليد اسمه بين كبار القادة والفاتحين، فكانت الأخبار السيئة تتوالى على القاهرة بسقوط بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله، وتحرك جحافل المغول نحو الشام التي تساقطت مدنها الكبرى في يد هولاكو. كانت هذه الأنباء تزيد القلق في مصر التي كانت تخشى عاقبة مصير الشام، في الوقت الذي كان فيه السلطان الصبي غافلاً، يقضي وقته في ركوب الحمير والتنزه في القلعة، ويلعب بالحمام مع الخدم!.
الاجتماع المصيري
أفاق الملك الناصر صاحب حلب ودمشق على الحقيقة المرة، وأدرك أهداف المغول، وهو الذي راسلهم ليضع يده في أيديهم ليساعدوه في استرداد مصر، فبعث بـ"ابن العديم" المؤرخ المعروف إلى مصر ليستنجد بعساكرها. فلما قدم إلى القاهرة عقد مجلسًا بالقلعة حضره السلطان الصبي وكبار أهل الرأي من الفقهاء والقضاة وفي مقدمتهم الشيخ "العز بن عبد السلام"، فسأله الحاضرون من الأمراء عن أخذ الأموال من الناس لإنفاقها على الجنود، فأجابهم بقوله: "إذ لم يبق شيء في بيت المال، وأنفقتم ما عندكم من الذهب والنفائس، وساويتم العامة في الملابس سوى آلات الحرب، ولم يبق للجندي إلا فرسه التي يركبها – ساغ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء"، واتفق الحاضرون على ضرورة المقاومة والجهاد.
لم يعد أمام قطز بعد أن ازداد خطر المغول، وأصبحوا على مقربة من مصر سوى خلع السلطان الصبي، فانتهز فرصة خروج الأمراء إلى الصيد في منطقة العباسية بالشرقية، وقبض على الملك المنصور واعتقله بالقلعة هو وأسرته في (24 من ذي القعدة 657هـ = 12 من نوفمبر 1259م)، وأعلن نفسه سلطانًا، وبدأ في ترتيب أوضاع السلطنة، واسترضى كبار الأمراء بأنه لم يقدم على خلع السلطان الصبي إلا لقتال المغول؛ لأن هذا الأمر لا يصلح بغير سلطان قوي، ومنّاهم بأن الأمر لهم يختارون من يشاءون بعد تحقيق النصر على العدو، وبدأ في اختيار أركان دولته وتوطيد دعائم حكمه استعدادًا للقاء المغول.
قتل رسل المغول
وبعد توليه السلطنة بقليل جاء رسل المغول يحملون رسائل التهديد والوعيد، ولم يكن أمام قطز: إما التسليم -مثلما فعل غيره من حكام الشام- أو النهوض بمسئوليته التاريخية تجاه هذا الخطر الداهم الذي ألقى الفزع والهلع في القلوب، فجمع قطز الأمراء وشاورهم في الأمر فاتفقوا على قتل رسل المغول؛ قطعًا لتردد البعض في الخروج للقتال، وإشعارا للعدو بالقوة والتصميم على القتال، وبعد قتل الرسل بدأ السلطان في تحليف الأمراء الذين اختارهم، وأمر بأن يخرج الجيش إلى الصالحية، ونودي في القاهرة وسائر إقليم مصر بالخروج إلى الجهاد في سبيل الله ونصرة الإسلام.
وفي هذه الأثناء كان الأمير بيبرس البندقداري قد قدم إلى مصر بعد أن طلب الأمان من الملك المظفر قطز، ووضع نفسه تحت تصرفه في جهاده ضد المغول، فأنزله السلطان بدار الوزارة، وأحسن معاملته، وأقطعه قليوب ومناطق الريف المجاورة لها.
اللقاء الحاسم في عين جالوت
سار السلطان قطز بجيوشه بعد أن هيأها للجهاد، وبذل الأرواح في سبيل نصرة الله؛ فوصل غزة، ثم اتخذ طريق الساحل متجهًا نحو بحيرة طبرية، والتقى بالمغول، وكانوا تحت قيادة "كيتوبوقا" (كتبغا) في معركة فاصلة في صباح يوم الجمعة الموافق (25 من رمضان 658هـ = 3 من سبتمبر 1260) عند عين جالوت من أرض فلسطين بين بيسان ونابلس، وانتصر المسلمون انتصارا هائلاً بعد أن تردد النصر بين الفريقين، لكن صيحة السلطان التي عمت أرجاء المكان "وا إسلاماه" كان لها فعل السحر، فثبتت القلوب وصبر الرجال، حتى جاء النصر وزهق الباطل.
وأعاد هذا الظفر الثقة في نفوس المسلمين بعدما ضاعت تحت سنابك الخيل، وظن الناس أن المغول قوم لا يُقهرون، وكان نقطة تحول في الصراع المغولي الإسلامي، فلأول مرة منذ وقت طويل يلقى المغول هزيمة ساحقة أوقفت زحفهم، وأنقذت العالم الإسلامي والحضارة الإنسانية من خطر محقق.
وكان من شأن هذا النصر أن فر المغول من دمشق وبقية بلاد الشام إلى ما وراء نهر الفرات، ودخل السلطان قطز دمشق في آخر شهر رمضان وأقام بقلعتها، وفي غضون أسابيع قليلة تمكن من السيطرة على سائر بلاد الشام، وأقيمت له الخطبة في مساجد المدن الكبرى حتى حلب ومدن الفرات في أعالي بلاد الشام، وتمكن من إعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع البلاد، وبعد أن اطمأن إلى ما فعل قرر العودة إلى مصر في (26 من شوال 658هـ = 4 من أكتوبر 1260م).
النهاية الأليمة
ولما بلغ السلطان قطز إلى بلدة "القصير" من أرض الشرقية بمصر بقي بها مع بعض خواصه، على حين رحل بقية الجيش إلى الصالحية، وضربت للسلطان خيمته، وهناك دبرت مؤامرة لقتله نفذها شركاؤه في النصر، وكان الأمير بيبرس قد بدأ يتنكر للسلطان ويضمر له السوء، وأشعل زملاؤه نار الحقد في قلبه، فعزم على قتل السلطان، ووجد منهم عونًا ومؤازرة، فانتهزوا فرصة تعقب السلطان لأرنب يريد صيده، فابتعد عن حرسه ورجاله، فتعقبه المتآمرون حتى لم يبق معه غيرهم، وعندئذ تقدم بيبرس ليطلب من السلطان امرأة من سبى المغول فأجابه إلى ما طلب، ثم تقدم بيبرس ليقبل يد السلطان شاكرًا فضله، وكان ذلك إشارة بينه وبين الأمراء، ولم يكد السلطان قطز يمد يده حتى قبض عليها بيبرس بشدة ليحول بينه وبين الحركة، في حين هوى عليه بقية الأمراء بسيوفهم حتى أجهزوا عليه، وانتهت بذلك حياة بطل عين جالوت.
وذكر المؤرخون أسبابًا متعددة لإقدام الأمير بيبرس وزملائه على هذه الفعلة الشنعاء، فيقولون: إن بيبرس طلب من السلطان قطز أن يوليه نيابة حلب فلم يوافق، فأضمر ذلك في نفسه. ويذهب بعضهم إلى أن وعيد السلطان لهم وتهديدهم بعد أن حقق النصر وثبّت أقدامه في السلطة كان سببًا في إضمارهم السوء له وعزمهم على التخلص منه قبل أن يتخلص هو منهم، وأيًا ما كانت الأسباب فإن السلطان لقي حتفه بيد الغدر والاغتيال، وقُتل وهو يحمل فوق رأسه أكاليل النصر

moudar
11-May-2011, 02:30 PM
عمر الخَـيَّام

حكيم وفلكي وعالم رياضيات وشاعر هو غياث الدين أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيام ولد في نيسابور عاصمة خراسان, بدأ تعليمه الأولي في إحدى مدارس نيسابور لتعلم القراءة والكتابة, ولما قوي واشتد ساعده رحل إلى سمرقند لدراسة الرياضيات, فأنجز نظاماً للأرقام أكثر اتساعاً من نظام الإغريق, فألف كتاباً بالعربية ( الجبر والمقابلة) ترجم إلى الفرنسية عام (1851). كما أوجد طريقة لاستخراج جذور الأرقام وعالج لأول مرة مسائل التكعيب في الجبر ولما برزت موهبته في علم الفلك إلى جانب شهرته في الرياضيات, استدعاه السلطان السلجوقي لتعديل التقويم, وكلفه ببناء برج فلكي في اصفهان , وإن إجادته للغة العربية والكتابة بها كانت حافزاً له لقراءة شعر المعري فكان له الأثر في شعر الرباعيات لغة وأسلوباً ومضموناً فلقب بالحكيم في الثقافتين الفارسية والعربية ولقبه الأوربيون بملك الحكمة.

وعندما دخل العرب الأندلس بدأ المؤلفون الأوربيون يتصلون بهم فنقل (انطوان غالان) مختارات من ألف ليلة وليلة إلى الفرنسية ثم ترجمت إلى اللغات الأوربية حيث تركت آثارها على أعمال (فولتير وغوته وغيرهما) كما ظهرت تأثيرات ترجمة أشعار حافظ والمعلقات السبع وحكايات شهرزاد في الأعمال الإبداعية الغربية. وقد ظلت الرباعيات مخطوطة في الشرق والغرب حتى منتصف القرن التاسع عشر حيث اكتشفها الأوربيون فيعتبر (ادوارد) الشاعر الإنكليزي من أهم الذين ترجموا رباعيات الخيام بأسلوبين مختلفين فكانت إحداهما الترجمة النثرية الحرفية التي التزمت بالمضمون الدقيق للنص, والأخرى الترجمة الشعرية التي وضعت المضمون في قالب الشعر الإنكليزي حيث بلغ عدد الرباعيات في ترجمته (105) رباعيات.أما اكتشافها عربياً فقد بدأ في العقد الثاني من القرن العشرين حينما نقلها إلى العربية (وديع البستاني) ومنذ ذلك الحين شهدت الرباعيات ترجمات إلى اللغة العربية منقولة عن اللغتين الفارسية والإنكليزية أنجزها كل من محمد السباعي, ومحمد الهاشمي, وأحمد رامي, وأحمد الصافي النجفي, وغيرهم وقد أجمع النقاد على أهمية الترجمة الشعرية لأحمد الصافي وترجمة أحمد رامي. ولما كانت رباعيات الخيام تبث الدعوة إلى اكتشاف جماليات الحياة والحب وتحرير العقل والحواس من الهموم والمخاوف والأوهام, فقد لاقى الخيام هجوماً على رباعياته واتهاماً بالزندقة من المتعصبين أمثال الرازي في كتابه (مرصاد العباد) الذي وصفه بأنه الدهري التائه في ميدان الضلال, أما الصوفيون فاعتبروا شعره أفاعي سامة وألَّبوا عليه العامة من الناس فخاف على دمه وأمسك من عنان لسانه وقلمه وذهب إلى الحج. وقد اختلف الباحثون في وصف شخصية الخيام فبعضهم يعتبره رجل علم لا علاقة له بالرباعيات لما فيها من أفكار حرة ودعوة إلى الحياة كما ورد في شعر من سبقوه أو عاصروه أو جاءوا بعده أمثال (رودكي, عسجدي, أنوري, حافظ, أبو نواس), والبعض يرى أن العالم يمكن أن يقول شعراً في الغزليات والخمريات والتأمل في حال الوجود وأسئلة الحياة والموت.
وهناك تشابه بين شعر الخيام والمعري من حيث نقاط الالتقاء والاختلاف بينهما فيبرز الالتقاء في طرح الأسئلة الجريئة المتأملة الحائرة في الحياة وسر الوجود بينما يظهر الخلاف واضحاً في زهد أبي العلاء وانصرافه عن الملذات التي يدعو الخيام إلى استنزافها. ومع هذا الاختلاف فإن ما يجمع بينهما هو الحكمة والذكاء.

فيعتبر كتاب ( هارولدلام) من أهم المراجع الموثقة والشاملة بخصوص حياته وأعماله العلمية والرباعيات.

وتكريماً له ولأعماله أسس نادٍ في لندن يحمل اسمه, مهمته الدعوة إلى المزيد من الاهتمام بأعمال الخيام ورباعياته, وقد أنجز الفنان الإيراني المولد من أصل أرمني (سركيس) رسوماً تخطيطية بارعة مع كل رباعية تستلهم الأجواء العاطفية والوجودية التي تبثها الرباعيات كما قدمت هوليود عام 1941 فيلماً روائياً باسمه رسم الصورة الحقيقية له. توفي في نيسابور عام 1123م ودفن فيها.

moudar
12-May-2011, 08:45 PM
عنترة بن شداد

هو عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن مخزوم بن ربيعة، وقيل بن عمرو بن شداد، وقيل بن قراد العبسي، على اختلاف بين الرواة. أشهر فرسان العرب في الجاهلية ومن شعراء الطبقة الولى. من أهل نجد. لقب، كما يقول التبريزي، بعنترة الفلْحاء، لتشقّق شفتيه. كانت أمه أَمَةً حبشية تدعى زبيبة سرى إليه السواد منها. وكان من أحسن العرب شيمة ومن أعزهم نفساً، يوصف بالحلم على شدة بطشه، وفي شعره رقة وعذوبة. كان مغرماً بابنة عمه عبلة فقل أن تخلو له قصيدة من ذكرها. قيل أنه اجتمع في شبابه بامرئ القيس، وقيل أنه عاش طويلاً إلى أن قتله الأسد الرهيفي أو جبار بن عمرو الطائي.
قيل إن أباه شدّاد نفاه مرّة ثم اعترف به فألحق بنسبه. قال أبو الفرج: كانت العرب تفعل ذلك، تستبعد بني الإماء، فإن أنجب اعترفت به وإلا بقي عبداً. أما كيف ادّعاه أبوه وألحقه بنسبه، فقد ذكره ابن الكلبي فقال: وكان سبب ادّعاء أبي عنترة إياه أنّ بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منهم واستاقوا إبلاً، فتبعهم العبسيّون فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم وعنترة يومئذ بينهم. فقال له أبوه: كرّ يا عنترة. فقال عنترة: العبد لا يحسن الكرّ، إنما يحسن الحلابَ والصرّ. فقال: كرّ وأنت حرّ فكرّ عنترة وهو يقول:

أنا الهجينُ عنتَرَه- كلُّ امرئ يحمي حِرَهْ

أسودَه وأحمرَهْ- والشّعَراتِ المشعَرَهْ

الواردات مشفَرَه

ففي ذلك اليوم أبلى عنترة بلاءً حسناً فادّعاه أبوه بعد ذلك والحق به نسبه. وروى غير ابن الكلبي سبباً آخر يقول: إن العبسيين أغاروا على طيء فأصابوا نَعَماً، فلما أرادوا القسمة قالوا لعنترة: لا نقسم لك نصيباً مثل أنصبائنا لأنك عبد. فلما طال الخطب بينهم كرّت عليهم طيء فاعتزلهم عنترة وقال: دونكم القوم، فإنكم عددهم. واستنقذت طيء الإبل فقال له أبوه: كرّ يا عنترة. فقال: أو يحسن العبدُ الكرّ فقال له أبوه: العبد غيرك، فاعترف به، فكرّ واستنقذ النعم.


وهكذا استحق عنترة حرّيته بفروسيته وشجاعته وقوة ساعده، حتى غدا باعتراف المؤرخين حامي لواء بني عبس، على نحو ما ذكر أبو عمرو الشيباني حين قال: غَزَت بنو عبس بني تميم وعليهم قيس بن زيهر، فانهزمت بنو عبس وطلبتهم بنو تميم فوقف لهم عنترة ولحقتهم كبكبة من الخيل فحامى عنترة عن الناس فلم يُصَب مدبرٌ. وكان قيس بن زهير سيّدهم، فساءه ما صنع عنترة يومئذ، فقال حين رجع: والله ما حمى الناس إلا ابن السّوداء. فعرّض به عنترة، مفتخراً بشجاعته ومروءته:


إنيّ امرؤٌ من خيرِ عَبْسِ منصِباً- شطْرِي وأَحمي سائري بالمُنْصُلِ


وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظتْ- ألفيت خيراً من مُعٍِّم مُخْوَلِ


والخيلُ تعلمُ والفوارسُ أنّني- فرّقتُ جمعَهُم بضربةِ فيصلِ


إن يُلْحَقوا أكرُرْ وإن يُسْتَلْحموا- أشدُد وإن يُلْفوا بضنْكٍ أنزلِ


حين النزولُ يكون غايةَ مثلنا- ويفرّ كل مضلّل مُسْتوْهِلِ


وعنترة- كما جاء في الأغاني- أحد أغربة العرب، وهم ثلاثة: عنترة وأمه زبيبة، وخُفاف بن عُميْر الشّريدي وأمّه نُدْبة، والسّليك بن عمير السّعْدي وأمه السليكة.
ومن أخبار عنترة التي تناولت شجاعته ما جاء على لسان النضر بن عمرو عن الهيثم بن عدي، وهو قوله: "قيل لعنترة: أنت أشجعُ العرب وأشدّه قال: لا. قيل: فبماذا شاع لك في هذا الناس قال: كنت أقدمُ إذا رأيت الإقدام عزْماً، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزماً ولا أدخل إلا موضعاً أرى لي منه مخرجاً، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطيرُ لها قلب الشجاع فأثنّي عليه فأقتله".


وعن عمر بن الخطاب أنه قال للحطيئة: كيف كنتم في حربكم قال: كنا ألف فارس حازم. وقال: وكيف يكون ذلك قال: كان قيس بن زهير فينا وكان حازماً فكنّا لا نعصيه. وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم. وكان فينا الربيع بن زياد وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه. وكان فينا عروة بن الورد، فكنا نأتمّ بشعره. فكنا كما وصفت لك. قال عمر: صدقت.


وتعدّدت الروايات في وصف نهايته، فمنها: أنّ عنترة ظل ذاك الفارس المقدام، حتى بعد كبر سنه وروي أنّه أغار على بني نبهان من طيء، وساق لهم طريدة وهو شيخ كبير فرماه- كما قيل عن ابن الأعرابي- زر بن جابر النبهاني قائلاً: خذها وأنا ابن سلمى فقطع مطاه، فتحامل بالرمية حتى أتى أهله ، فقال وهو ينزف:

وإن ابنَ سلمى عنده فاعلموا دمي- وهيهات لا يُرجى ابن سلمى ولا دمي

رماني ولم يدهش بأزرق لهذَمٍ- عشيّة حلّوا بين نعْقٍ ومخرَم

وخالف ابن الكلبي فقال: وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص. وفي رأي أبي عمرو الشيباني أنّ عنترة غزا طيئاً مع قومه، فانهزمت عبس، فخرّ عن فرسه ولم يقدر من الكبر أن يعود فيركب، فدخل دغلا وأبصره ربيئة طيء، فنزل إليه، وهاب أن يأخذه أسيراً فرماه فقتله. أما عبيدة فقد ذهب إلى أن عنترة كان قد أسنّ واحتاج وعجز بكبر سنّه عن الغارات، وكان له عند رجل من غطفان بكر فخرج يتقاضاه إيّاه فهاجت عليه ريح من صيف- وهو بين ماء لبني عبس بعالية نجد يقال له شرج وموضع آخر لهم يقال لها ناظرة- فأصابته فقتلته.

وأيّاً كانت الرواية الصحيحة بين هذه الروايات، فهي جميعاً تجمع على أن عنترة مات وقد تقدّم في السنّ وكبر وأصابه من الكبر ضعف وعجز فسهل على عدوّه مقتله أو نالت منه ريح هوجاء، أوقعته فاردته. وعنترة الفارس كان يدرك مثل هذه النهاية، أليس هو القائل "ليس الكريم على القنا بمحرّم". لكن يجدر القول بأنه حافظ على حسن الأحدوثة فظلّ فارساً مهيباً متخلّقاً بروح الفروسية، وموضع تقدير الفرسان أمثاله حتى قال عمرو بن معدي كرب: ما أبالي من لقيتُ من فرسان العرب ما لم يلقَني حرّاها وهجيناها. وهو يعني بالحرّين: عامر بن الطفيل، وعتيبة بن الحارث، وبالعبدين عنترة والسليك بن السلكة.
مات عنترة كما ترجّح الآراء وهو في الثمانين من عمره، في حدود السنة 615م. وذهب فريق إلى أنه عمّر حتى التسعين وأن وفاته كانت في حدود السنة 625م. أما ميلاده، بالاستناد إلى أخباره، واشتراكه في حرب داحس والغبراء فقد حدّد في سنة 525م. يعزّز هذه الأرقام تواتر الأخبار المتعلّقة بمعاصرته لكل من عمرو بن معدي كرب والحطيئة وكلاهما أدرك الإسلام.

وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن عنترة في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: من بين كل شعراء ما قبل الإسلام، كان عنترة، أو عنتر كما هو أكثر شيوعاً، أكثرهم شهرة، ليس لشعره بل لكونه محارباً وبطل قصة رومانسية من العصور الوسطى تحمل اسمه. وكان بالفعل فارساً جوالاً تقليدياً من عصر الفروسية، ومثل شارلمان والملك آرثر، صاحب شخصية أسطورية يصعب فصلها عن شخصيته في التاريخ.

وكان عنترة من قبيلة عبس، ابن شيخها شداد وأمه جارية حبشية أورثته بشرتها والطعن في شرعيته، عادة ما زالت سارية في الجزيرة عند البدو، كما أن قوانين الإسلام عجزت عن التخلص منها. لذا أحتقر وأرسل في صباه ليرعى إبل والده مع بقية العبيد. مع ذلك أحب ابنة عمه النبيلة عبلة، ووفقاً للعادة العربية تكون الأفضلية في زواجها لابن عمها، فطلب يدها، لكنه رفض ولم يتغلب على تعصبهم إلا لحاجة القبيلة الملحة لمساعدته في حربها الطويلة مع قبيلة ذبيان. عندما هددت مضارب القبيلة بالسلب، طلب شداد من عنترة الدفاع عنها، لكن عنترة الذي يمكنه وحده حماية القبيلة من الدمار والنساء من السبي لشجاعته، قال إن مكافأته الاعتراف به كابن وهكذا تم الاعتراف به وأخذ حقوقه كاملة رغم رفضها مراراً في السابق.

باستثناء حبه لعبلة وأشعاره لها، كانت حياته سلسلة متواصلة من الغزوات والمعارك والأخذ بالثأر ، ولم يكن هناك سلام مع العدو طالما هو على قيد الحياة. مات أخيراً قتيلاً في معركة مع قبيلة طيء قرابة العام 615. بعد تدخل الحارث تم إحلال السلام.

كتبت قصة حب عنترة في القرن الثاني الهجري، وهي تحمل ملامح شخصية قبل الإسلام المنحولة مع الجن والكائنات فوق الطبيعية التي تتدخل دوماً في شؤون البطل، إلا أنها مثيرة للاهتمام كسجل للعصر المبكر الذي كتبت فيه، وإن لم يكن قبل الإسلام، وما تزال أهم القصص الشرقية الأصيلة التي قامت عليها قصص المسيحيين الرومانسية في العصور الوسطى. منع طولها من ترجمتها كاملة إلى الإنجليزية، لكن السيد تريك هاملتون نشر مختارات كافية لأحداثها الرئيسة تعود إلى العام 1819، وذكر في استهلاله لها " الآن ولأول مرة تقدم جزئياً إلى الجمهور الأوروبي ." اشتهرت في الشرق بفضل رواية المواضيع المحببة فيها في أسواق القاهرة ودمشق، لكنها غير مفضلة لدى الدارسين الذين لم يتسامحوا مع البذاءة التي تسربت للنص. مع ذلك، تحتوي على شعر جيد إذا أحسن ترجمته إلى الإنجليزية. قدمها هاملتون كاملة بشكل نثري، نثر على الطريقة اللاتينية التقليدية، الشائع في إنجلترا آنذاك.

وقال كلوستون عن عنترة، في كتاب من تحريره وتقديمه عن الشعر العربي: ولد عنترة بن شداد، الشاعر والمحارب المعروف، من قبيلة بني عبس في بداية القرن السادس. كانت أمه جارية أثيوبية أسرت في غزوة، فلم يعترف به والده لسنوات طوال حتى أثبت بشجاعته أنه يستحق هذا الشرف. يوصف عنترة بأنه أسود البشرة وشفته السفلى مشقوقة.

وعد والد عنترة ابنه بعد أن هوجمت مضارب القبيلة فجأة وسلبت أن يحرره إذا أنقذ النساء الأسيرات، مهمة قام بها البطل وحده بعد قتله عدداً كبيراً من الأعداء. أعترف بعنترة إثر ذلك في القبيلة وإن لم تتردد النفوس الحسودة عن السخرية من أصل أمه.

حفظت أعمال عنترة البطولية وشعره شفوياً، وأثمرت قصة فروسية رومانسية تدور حول حياته ومغامراته، تتسم بالغلو في الأسلوب (الذي تاريخياً ليس له أساس من الصحة). يقول فون هامر " قد يعتبر العمل كله رواية أمينة للمبادىء القبلية العربية، خاصة قبيلة بني عبس، التي ينتمي إليها عنترة في عهد نيشوفان، ملك بلاد فارس.

يعيد موت عنترة - كما يرويه المؤلفون - صدى التقاليد التي يصعب أن تدهش، لكنها ربما ليست أقل انسجاماً مع قوانين الإنصاف الشعري كما وردت في القصة الرومانسية. يقال أثناء عودته مع قطيع من الإبل غنمه من قبيلة طيء، أن طعنه أحد أفرادها بحربة بعد أن تبعه خفية حتى واتته الفرصة للأخذ بثأره. كان جرحه قاتلاً ورغم أنه كان طاعن السن إلا أنه ملك قوة كافية ليعود إلى قبيلته حيث مات ساعة وصوله.

ومن ابيات غزله :

هَلْ غَادَرَ الْشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ أمْ هَل عَرَفْتَ الْدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ

يَا دارَ عَبْلَةَ بِالَجِوَاءِ تَكَلَّمِي وَعِمِي صَبَاحاً دارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي


وايضا ً:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوودت تقبيل السيوف لانها لمعت كبارق ثغرك المبتســـــــم

moudar
13-May-2011, 05:14 PM
الشيخ الإمام محمد عبده


مولده ونشأته:
نشأ في قرية (محلة نصر) إحدى قرى مديرية البحيرة بالريف المصري، وكان أبوه صاحب مكانة ملحوظة في القرية، وبعد إتمامه للقرآن الكريم أرسله والده إلى طنطا لاستكمال تعليمه، فعجز عن استيعاب العلوم والمعارف نظرا لأسلوب التدريس القديم، ولكن أبيه أصر على تعليمه مما أدى به إلى هروبه إلى خاله الذي أثر كثيرا في حياته، فزرع الزهد والتقوى في قلب محمد عبده وحبب إليه دراسة الدين، وتحول الشيخ محمد عبده إلى الأزهر فدرس النحو والفقه والتفسير، ولما كانت طريقة التدريس بالأزهر تقليدية فلم يلم آنذاك بالعلوم والمعارف الحديثة، ولكن خاله لفت أنظاره إلى أهمية هذه العلوم والمعارف .

وقد التقى بجمال الدين الأفغاني ووضعا معا أسس الإصلاح الديني في العالم الإسلامي كله.وكل ما كان يشغلهما من خلال دعوتهما للإصلاح هو يقظة العالم الإسلامي على مواجهة الغرب الذي يرغب في الاستيلاء على مصادر الثروات الطبيعية والبشرية في ديار الإسلام الممزقة التي يحكمها الجهل.
لذلك قاما بتوجيه دعوتهما إلى العقل المسلم ينفيان عنه الخرافة والتواكل والدروشة ، ويحررانه من عبودية الشكليات.

مواقفه السياسية:
انضم الشيخ محمد عبده في صفوف المعارضة للمطالبة بالحريات الدستورية وكان ذلك في عهد الخديوي إسماعيل، وما لبث أن خُلع إسماعيل وتولى ابنه الخديوي توفيق الذي شعر بخطر الرجلين، فقام بعزل جمال الدين الأفغاني إلى باريس، واشتدت معارضة محمد عبده للخديوي الجديد، ثم ضد الاحتلال الإنجليزي، فنُفي إلى بيروت، واستدعاه جمال الدين الأفغاني إلى باريس، وأسسا معا جمعية العروة الوثقى، وكانت ذات صبغة سياسية، ثم أصدرا معا جريدة العروة الوثقى عام 1884م وقد كان لهذه الجريدة أثر كبير في العالم الإسلامي ولكن لم يصدر منها سوى ثمانية عشر عددا وافترقا الرجلان ثانية وعاد الشيخ محمد عبده إلى بيروت.ثم عفا عنه الخديوي فرجع إلى مصر.

مؤلفـاته:
v رسالة التوحيد.
v شرح مقامات بديع الزمان الهمذاني.
v نهج البلاغة.
v الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية.

أعماله:
v تحديث الأزهر الشريف.
v إصلاح المحاكم الشرعية.
v الرد على طعون هانوتو ورينان ضد الإسلام.
v تفسير القرآن الكريم بعيدا عن التقليد، وبما يوافق روح العصر،ولكنه لم يتم العمل فيه، حيث وافته المنيّة.

لماذا يعد الشيخ محمد عبده من رواد النهضة في العصر الحديث؟
v لاهتمامه باللغة وتحرير الكتابة من رق التقليد والصنعة ولفظياتها.
v الاهتمام بالمعنى والبعد عن الزخارف اللغوية.
v تأثيره البالغ الذي أحدثه فيمن عاصروه ومن جاءوا من بعده.
v التوفيق بين الفكر الإسلامي وحضارة العصر ومناهجها العلمية.
v اهتمامه بإصلاح التربية والتعليم .
v تحرير العقول من الجهل والخرافات والأوهام، وملامسة قضايا العصر.
v القدرة على تطويع الجماليات اللفظية القديمة بما يخدم الأساليب اللغوية.
v لقد انطلق النثر على يد الشيخ محمد عبده انطلاقا متحررا نامية قدراته على استيعاب حقائق العصر في كل ميدان.

moudar
14-May-2011, 01:53 PM
ياقوت الحموي

هو الشيخ الإمام شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي. لا تذكر المراجع الأصيلة شيئاً عن تاريخ ميلاده، إلا أنه من الثابت مولده في مدينة حماة في سوريا، و الثابت أنه أخذ أسيراً من بلاد الروم وحمل إلى بغداد مع غيره من الأسرى، حيث بيع. فاشتراه تاجر غير متعلم ، يقال له عسكر الحموي، فنسب إليه، وسمي ياقوت الحموي.

ألحقه مولاه بأحد الكتاتيب ليتعلم، على أمل أن ينفعه وينفع الناس في ضبط الحسابات وحصر الأعمال التجارية. وقرأ ياقوت الصرف والنحو وسائر قواعد اللغة، وأستخدمه مولاه في الأسفار التجارية، ثم اعتقه. عندئذ راح ياقوت يكد ويكسب العيش عن طريق نسخ الكتب، وقد استفاد من هذا العمل فطالع العديد من الكتب واتسع أفقه العلمي. والمعروف أن الكتب المنسوخة كان يشتريها المهتمون بالقراءة وجمع الكتب، والأسواق كانت تعج بالكتبة والخطاطين وباعة الكتب.

وبعد مدة عاد ياقوت إلى مولاه الذي وكل إليه عمله وعطف عليه. وطلب منه السهر على أسفاره للتجارة. فأفاد ياقوت من رحلاته المتعددة فجمع المعلومات الجغرافية الفريدة. ثم سافر إلى حلب، مستغلاً تنقله لجمع المعلومات، ومن حلب انتقل إلى خوارزم فاستقر فيها إلى أن أغار جنكيزخان المغولي عليها عام 616 هـ. ففرّ ياقوت معدماً إلى الموصل، مخلفاً وراءه كل ما يملك. ثم سار إلى حلب وأقام في ظاهرها، إلى أن توفي في سنة 626 هـ.

أهم مؤلفات ياقوت الحموي كتابه المعروف (معجم البلدان) الذي ترجم وطبع عدة مرات. ويعالج المؤلف في كتابه هذا خمسة مواضيع رئيسية:

· ذكر صورة الأرض، وما قاله المتقدمون في هيئتها، والمتأخرون في صورتها.
· معنى الأقليم وكيفيته.
· البريد، الفرسخ، الميل، الكورة، وهي ألفاظ يكثر تكرارها.
· حكم الأرضين والبلاد المفتتحة في الإسلام.
· أخبار البلدان التي يختص ذكرها بموضع دون موضع.

moudar
15-May-2011, 09:27 AM
رفاعة الطهطاوي

إن تجربة الالتقاء الحضاري الشامل بين المجتمع العربي الإسلامي والحضارة الأوروبية في بداية القرن التاسع عشر الميلادي الموافق القرن الثالث عشر الهجري، وما خلفته من آثار ما زالت الأمة تتجرع مرارتها حتى الآن ـ لجديرة بالتأمل والتدبر وإمعان التفكير، ذلك لأنه قد صبغت وجهة العالم الإسلامي وحددت مساره النفسي والفكري والقيمي لفترة طويلة، وأفرزت عند الأمة هذا المسخ العقلاني القبيح المسمى بالعلمانية التي تسللت لحياة المسلمين واحتلت جانبًا كبيرًا من عقولهم وقلوبهم من حيث لا يعلمون، ولولا رحمة الله عز وجل لهذه الأمة ثم الدعوة والصحوة الراشدة التي صححت مسار الأمة بعدما كانت على شفا هلاك وغرق حتمي في مستنقع العلمانية النتن.
والجدير بالذكر أن كافة الانحرافات التي تتصدى لها الصحوة اجتماعيًا وأخلاقيًا وثقافيًا وإعلاميًا جاءت عند حدوث الصدمة الحضارية التي وقعت لبعض المسلمين عندما التقوا مع الحضارة الغربية، وهذه الصدمة أدت للانبهار والهزيمة النفسية والوعي المنقوص، والرغبة في رقي المسلمين كما ارتقى الغربيون، فوقع الخلل، وانحرف المسار، وتشوه التفكير، وانحرفت الأمة إلى طريق التبعية والتقليد الأعمى للغرب، فصارت حضارة المسلمين مثل حضارة القرود تقلد ما تراه ولا تعلم معناه، ونحن على هذه الصفحة نقلب دفاتر أول رائد للتغريب، وأول من تلقى الصدمة الحضارية، لنعلم مدى الأثر البالغ التي خلفته تلك الصدمة المشئومة.

في أتون المواجهات العسكرية العنيفة بين الشعب المصري المسلم في صعيد البلاد وبين قوات الحملة الفرنسية النابليونية وبالتحديد سنة 1216 هـ ولد رفاعة رافع بمدينة (طهطا) من أعمال مديرية (جرجا) بمحافظة المنيا، بعائلة تؤكد شرف انتسابها لآل البيت من الفرع الحسيني، وهذه الدعوة منتشرة بأرض مصر خصوصًا.

نشأ رفاعة كعادة أبناء جيله على حفظ القرآن الكريم حتى أتمه، وحفظ بعض المتون الشرعية المتداولة حتى توفي أبوه وهو صغير السن، فانتقل للدراسة بالجامع الأزهر، ولم تمر عليه بضع سنين حتى ظهرت نجابته وقوة فهمه وتحصيله العلمي حتى فاق أقرانه، وانتقل إلى طبقة المدرسين وهو في العشرين من عمره، ولكن ضيق ذات اليد كانت تكدر عليه صفو حياته وتعطل مسيرته العلمية وتفرغه للتدريس.

الشيخ المجهول:
ونعني به الشيخ (حسن العطار)، وكان من كبار علماء الأزهر، حتى إنه قد تولى مشيخة الأزهر في مرحلة من حياته، وكان هذا الشيخ أستاذ رفاعة في الأزهر، وكان له الأثر البالغ في حياة وتفكير رفاعة الطهطاوي رغم جهل الكثيرين بهذا الرجل، ويعتبر حسن العطار أول مشايخ الأزهر افتتانًا بالحضارة الغربية، أو بعبارة أدق أول مصدوم بها، وذلك عندما جاءت الحملة الفرنسية على مصر، واتصل حسن العطار برجالها وتأثر بما عندهم من علوم وتقدم، واشتغل بتعليمهم اللغة العربية، واندمج إلى حد كبير معهم وأنشد في رقيهم و أعيادهم الأشعار، وتوثقت العلاقة بين محمد علي وحسن العطار بعد رحيل الحملة الفرنسية، وأصبح محط ثقته وأحد الركائز التي يعتمد عليها محمد علي في مشروعة الحضاري الجديد القائم في الأصل على الحضارة الغربية.

كان حسن العطار يبث في عقول تلاميذه ـ ومنهم رفاعة الطهطاوي ـ ضرورة التغيير في أوضاع الأمة المسلمة ونقل الحضارة الغربية، ثم جاءت الفرصة عندما طلب محمد علي من حسن العطار أن يرشح له (إماما) يؤم البعثة المصرية العلمية المتوجهة إلى فرنسا في الصلاة والفتوى، فرشح العطارُ الطهطاوي لتلك المهمة، فتوجه الطهطاوي إلى فرنسا سنة 1241هـ / 1825م، وقد طلب حسن العطار من رفاعة طلبًا خاصًا ألا وهو: تدوين كل ما يراه ويسمعه أثناء هذه الرحلة التي استمرت ست سنوات.

الصدمة الأولى:
الرحلة التي قام بها رفاعة الطهطاوي كانت تمثل اللقاء الأول بين الفكر الإسلامي الأصيل التقليدي والحضارة الغربية في أوج عنفوانها وقوتها عقب الثورة الفرنسية الشهيرة، فوقعت الصدمة الأولى عند هذا الرجل صاحب الثقافة الإسلامية والحضارة التي نبذت لتوها الدين وتخلصت من سلطان الكنيسة بعد الثورة المعروفة، وكانت الحسرة تملأ قلب رفاعة عندما يرى التمدن والحضارة الجديدة قوية راقية مرتفعة ويرى أن المسلمين أولى بتلك القوة من بلاد الكفر، وأن المسلمين أولى من هؤلاء الكفرة بالأخذ بأسباب الحضارة. وهذه كانت بداية الصدمة؛ لأن المسار انحرف بعد ذلك.
مكث رفاعة الطهطاوي ست سنوات يسجل كل ما يراه ويكتبه ويعلق عليه وذلك في كتابه الشهير (تخليص الأبريز في تلخيص باريس) ووصل بعد هذه الرحلة ـ أو الصدمة الحضارية ــ لعدة قَناعات حددت بعد ذلك مسار حياته عندما رجع إلى مصر.

قَناعات الطهطاوي:
ضرورة التقريب بين الأحوال الإسلامية والأحوال الغربية خاصة فيما يتعلق بفكرة التشريع. فيقول في كتابه: (ومن زاول علم أصول الفقه، وفَقِهَ ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنة ـ يقصد أوروبا ـ إليها وجعلوها أساسًا لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم قلَّ أن تخرج عن تلك الأصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية).

وهو بذلك يجعل الشرع الحنيف على قدم سواء مع تشريعات أوروبا الوضعية، فيعتبر بذلك أول من مهد لدخول هذه التشريعات لبلاد المسلمين، وقد ظهر ذلك واقعيًا وعمليًا عندما عاد إلى مصر وقام بترجمة قوانين أوربا الوضعية ونقلها للعربية بناءً على أوامر محمد علي، وما أدى بعد ذلك لاستبدال الشريعة بهذه القوانين الوضعية.

تقديم مفهوم الوطنية من وجهة النظر الأوروبية للعالم الإسلامي لأول مرة بديار الإسلام، فقال في كتابه: (وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والولوع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم في القوة والمنعة يسمونه ـ أي الأوروبيون ـ محبة الوطن).
وهو بذلك يروج للوطنية على المسلمين السذج مما يمهد السبيل لقطع علائق المسلمين بعضهم ببعض بدعوى ابتعاد أوطانهم واختلافها.

نقل الحرية بالمعنى والمفهوم الفرنسي إلى بلاد المسلمين، بسبب حالة القهر والظلم التي مارسها الطاغية محمد علي على البلاد، مما جعل هذا الشيخ الوافد ينبهر بالحرية التي عليها الناس في أوروبا، فنراه يثني ويدافع عن مراقصة الرجال للنساء ويصفه بأنه نوع من الرياضة والأناقة والفتوة، ويقول عن الاختلاط بين الجنسين: 'ليس داعيًا إلى الفساد !!!!).
ضرورة تحرير المرأة الشرقية والمسلمة. ويكون بذلك أول من أثار هذه القضية بديار المسلمين، فسن بذلك أسوأ السنن حيث حمل بعده رجال راية (تحرير المرأة) على النمط الغربي، فخُلع الحجاب، وعم الفساد، وانتشر الاختلاط، وضاعت الأنساب.

الحيرة والتخبط:
إن أزمة رفاعة الطهطاوي حقًا تتلخص في الصدمة الحضارية الشديدة التي تلقاها عندما سافر إلى فرنسا، فهو لم ينحرف أو يضل أو يترك شيئًا من عقائده وصلواته، فهو قد ابتعد إيمانيًا عن فرنسا النصرانية، ولكنه اصطدم حضاريًا إلى حد التبعية والتقليد لحضارة فرنسا، ففشل في الجمع بينهما كما فعل الأوائل عندما فهموا ما عند الغير من العلوم وهضموها جيدًا ووظفوها وطوروها بما يخدم أمة الإسلام دون تقليد أو انبهار. ونلمس هذه الحيرة والتخبط في تفكير رفاعة الطهطاوي وأشعاره فمنها:

أيوجد مثل باريس ديـــار شموس العلم فيها لا تغيب
وليل الكفر ليس له صباح أما هذا وحـقكـــم عجيـــب

لقد كان رفاعة الطهطاوي أول من وضع الأفكار النظرية موضع التنفيذ وأنتج أعمالا فكرية تمهد لخطة اجتماعية عملية في التشريع، وفي التعليم، وفي السلوكيات، وكان موضع ثقة محمد علي وأولاده من بعده في تطبيق فكرة التغريب والتحديث الأوروبي في كل الميادين، حتى إن الخديوي 'إسماعيل' طلب منه أن يقنع علماء الأزهر وشيوخه بقبول التشريع الأوروبي الوضعي ودار بينهما هذا الحوار:
قال الخديوي إسماعيل: إنك منهم ونشأت معهم، وأنت أقدر على إقناعهم، أخبرهم أن أوروبا تضطرب إذا هم لم يستجيبوا إلى الحكم بشريعة نابليون.
قال رفاعة: إنني يا مولاي قد شخت، ولم يطعن أحد في ديني فلا تعرضني لتكفير مشايخ الأزهر إياي في آخر حياتي، وأقلني من هذا الأمر. فوافق إسماعيل.

انزوى رفاعة الطهطاوي في آخر حياته عن الساحة وترك مكان الصدارة الذي ظل يشغله طيلة خمسين سنة يترجم علوم وأفكار أوروبا والقوانين الوضعية ويرأس تحرير جريدة (الوقائع المصرية)، ويكتب المقالات، ويؤلف الكتب ويقنن الأفكار، حتى وافته المنية في 1 ربيع الآخر سنة 1289هـ/1873م.

رفاعة الطهطاوي هو المؤسس الأول لنهضة مصر الفكرية في القرن الماضي.
مولده ونسبه وحياته: ينتهي نسب رفاعة الطهطاوي، من أبيه إلى سيدنا الحسين، ومن أمه إلى الخزرج
وقد مكث رفاعة في فرنسا خمسة سنوات استقى فيها الكثير من العلوم والمعارف، وعاد إلى مصر وهو مملوء بالمعاني الجديدة فبدأ في إنشاء المدارس وترجمة الكتب وتبسيط العلوم والمعارف، ونشر الكتب، وتحرير المقالات الصحفية. وقد اكتسبت الصحافة على يديه تقدما في فن المقالة الصحفية، وتخرج على يديه جيل المترجمين الأوائل الذين أثروا الحياة الثقافية في مجالي الفكر والعمل.

أعماله :
إنشاء مدرسة الألسن وتأسيسها عام 1835م.
تحرير جريدة الوقائع المصرية.
تحرير مجلة روضة المدارس.
دعوته إلى التجديد والإيمان بقيم إنسانية جديدة في الفكر والعمل.
تخليص المرأة من ربقة الأوهام والمخاوف والتقاليد الجائرة. ودفعها إلى الحياة للمشاركة في بنائها.
من مؤلفاته:
v تخليص الإبريز في تلخيص باريز.
v مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية.
v المرشد الأمين للبنات والبنين.
v أنوار توفيق الجليل، في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل.
v نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز.
هذا بالإضافة إلى ما ترجمه من كتب لعل من أهمها:
مواقع الأفلاك في وقائع تليماك، الذي ترجمه عن كتاب فيلنون
telemaque de aventures Les

قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر، الذي ترجمه عن كتاب ديبنج
Apercu historique sur les moeurs et usages des nations
لماذا يُعد رفاعة علما من أعلام رواد النثر الحديث؟
v أغنى النثر بالمصطلحات ، وأطل به على حضارة العصر ومكتسباته العقلية والمادية.
v إغناء الفكر العربي الحديث والإشراف به على آفاق الحياة المعاصرة.
v تيسير اللغة وتطويعها وإغناء معجمها بمصطلحات الحضارة الحديثة.
v تبسيط التعبير والبعد عن التكلف والقيود.
v إدخال أسلوب العرض المباشر التقريري الواضح.

moudar
16-May-2011, 08:18 AM
الزعيم جمال عبد الناصر




ولد جمال عبد الناصر في 15 يناير 1918 في 18 شارع قنوات في حي باكوس الشعبي بالإسكندرية .

كان جمال عبد الناصر الابن الأكبر لعبد الناصر حسين الذي ولد في عام 1888 في قرية بني مر في صعيد مصر في أسره من الفلاحين، ولكنه حصل على قدر من التعليم سمح له بأن يلتحق بوظيفة في مصلحة البريد بالإسكندرية، وكان مرتبه يكفى بصعوبة لسداد ضرورات الحياة .

جمال عبد الناصر في المرحلة الابتدائية:
التحق جمال عبد الناصر بروضة الأطفال بمحرم بك بالإسكندرية ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبه في عامي 1923، 1924 .

وفى عام 1925 دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بالجمالية بالقاهرة وأقام عند عمه خليل حسين في حي شعبي لمدة ثلاث سنوات، وكان جمال يسافر لزيارة أسرته بالخطاطبه في العطلات المدرسية، وحين وصل في الإجازة الصيفية في العام التالي – 1926 – علم أن والدته قد توفيت قبل ذلك بأسابيع ولم يجد أحد الشجاعة لإبلاغه بموتها، ولكنه اكتشف ذلك بنفسه بطريقة هزت كيانه – كما ذكر لـ "دافيد مورجان" مندوب صحيفة "الصنداى تايمز" – ثم أضاف: "لقد كان فقد أمي في حد ذاته أمراً محزناً للغاية، أما فقدها بهذه الطريقة فقد كان صدمة تركت في شعوراً لا يمحوه الزمن. وقد جعلتني آلامي وأحزاني الخاصة في تلك الفترة أجد مضضاً بالغاً في إنزال الآلام والأحزان بالغير في مستقبل السنين ".

وبعد أن أتم جمال السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، أرسله والده في صيف 1928 عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية .



جمال عبد الناصر في المرحلة الثانوية:

التحق جمال عبد الناصر في عام 1929 بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عاماً واحداً، ثم نقل في العام التالي – 1930 – إلى مدرسة رأس التين الثانوية بالإسكندرية بعد أن انتقل والده إلى العمل بمصلحة البوسطة هناك .

وفى تلك المدرسة تكون وجدان جمال عبد الناصر القومي؛ ففي عام 1930 استصدرت وزارة إسماعيل صدقي مرسوماً ملكياً بإلغاء دستور 1923 فثارت مظاهرات الطلبة تهتف بسقوط الاستعمار وبعودة الدستور.

ويحكى جمال عبد الناصر عن أول مظاهرة اشترك فيها: "كنت أعبر ميدان المنشية في الإسكندرية حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض التلاميذ وبين قوات من البوليس، ولم أتردد في تقرير موقفي؛ فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أي شئ عن السبب الذي كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أنني في غير حاجة إلى سؤال؛ لقد رأيت أفراداً من الجماهير في صدام مع السلطة، واتخذت موقفي دون تردد في الجانب المعادى للسلطة.

ومرت لحظات سيطرت فيها المظاهرة على الموقف، لكن سرعان ما جاءت إلى المكان الإمدادات؛ حمولة لوريين من رجال البوليس لتعزيز القوة، وهجمت علينا جماعتهم، وإني لأذكر أنى – في محاولة يائسة – ألقيت حجراً، لكنهم أدركونا في لمح البصر، وحاولت أن أهرب، لكنى حين التفت هوت على رأسي عصا من عصى البوليس، تلتها ضربة ثانية حين سقطت، ثم شحنت إلى الحجز والدم يسيل من رأسي مع عدد من الطلبة الذين لم يستطيعوا الإفلات بالسرعة الكافية.

ولما كنت في قسم البوليس، وأخذوا يعالجون جراح رأسي؛ سألت عن سبب المظاهرة، فعرفت أنها مظاهرة نظمتها جماعة مصر الفتاة في ذلك الوقت للاحتجاج على سياسة الحكومة.

ويعود جمال عبد الناصر إلى هذه الفترة من حياته في خطاب له بميدان المنشية بالإسكندرية في 26/10/1954 ليصف أحاسيسه في تلك المظاهرة وما تركته من آثار في نفسه: "حينما بدأت في الكلام اليوم في ميدان المنشية. سرح بي الخاطر إلى الماضي البعيد ... وتذكرت كفاح الإسكندرية وأنا شاب صغير وتذكرت في هذا الوقت وأنا اشترك مع أبناء الإسكندرية، وأنا أهتف لأول مرة في حياتي باسم الحرية وباسم الكرامة، وباسم مصر... أطلقت علينا طلقات الاستعمار وأعوان الاستعمار فمات من مات وجرح من جرح، ولكن خرج من بين هؤلاء الناس شاب صغير شعر بالحرية وأحس بطعم الحرية، وآلي على نفسه أن يجاهد وأن يكافح وأن يقاتل في سبيل الحرية التي كان يهتف بها ولا يعلم معناها؛ لأنه كان يشعر بها في نفسه، وكان يشعر بها في روحه وكان يشعر بها في دمه". لقد كانت تلك الفترة بالإسكندرية مرحلة تحول في حياة الطالب جمال من متظاهر إلى ثائر تأثر بحالة الغليان التي كانت تعانى منها مصر بسبب

تحكم الاستعمار وإلغاء الدستور. وقد ضاق المسئولون بالمدرسة بنشاطه ونبهوا والده فأرسله إلى القاهرة.

وقد التحق جمال عبد الناصر في عام 1933 بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة، واستمر في نشاطه السياسي فأصبح رئيس اتحاد مدارس النهضة الثانوية.

وفى تلك الفترة ظهر شغفه بالقراءة في التاريخ والموضوعات الوطنية فقرأ عن الثورة الفرنسية وعن "روسو" و"فولتير" وكتب مقالة بعنوان "فولتير رجل الحرية" نشرها بمجلة المدرسة. كما قرأ عن "نابليون" و"الإسكندر" و"يوليوس قيصر" و"غاندى" وقرأ رواية البؤساء لـ "فيكتور هيوجو" وقصة مدينتين لـ "شارلز ديكنز".(الكتب التي كان يقرأها عبد الناصر في المرحلة الثانوية).

كذلك اهتم بالإنتاج الأدبي العربي فكان معجباً بأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقرأ عن سيرة النبي محمد وعن أبطال الإسلام وكذلك عن مصطفى كامل، كما قرأ مسرحيات وروايات توفيق الحكيم خصوصاً رواية عودة الروح التي تتحدث عن ضرورة ظهور زعيم للمصريين يستطيع توحيد صفوفهم ودفعهم نحو النضال في سبيل الحرية والبعث الوطني.

وفى 1935 في حفل مدرسة النهضة الثانوية لعب الطالب جمال عبد الناصر دور "يوليوس قيصر" بطل تحرير الجماهير في مسرحية "شكسبير" في حضور وزير المعارف في ذلك الوقت.

وقد شهد عام 1935 نشاطاً كبيراً للحركة الوطنية المصرية التي لعب فيها الطلبة الدور الأساسي مطالبين بعودة الدستور والاستقلال، ويكشف خطاب من جمال عبد الناصر إلى صديقه حسن النشار في 4 سبتمبر 1935 مكنون نفسه في هذه الفترة، فيقول: "لقد انتقلنا من نور الأمل إلى ظلمة اليأس ونفضنا بشائر الحياة واستقبلنا غبار الموت، فأين من يقلب كل ذلك رأساً على عقب، ويعيد مصر إلى سيرتها الأولى يوم أن كانت مالكة العالم. أين من يخلق خلفاً جديداً لكي يصبح المصري الخافت الصوت الضعيف الأمل الذي يطرق برأسه ساكناً صابراً على اهتضام حقه ساهياً عن التلاعب بوطنه يقظاً عالي الصوت عظيم الرجاء رافعاً رأسه يجاهد بشجاعة وجرأه في طلب الاستقلال والحرية... قال مصطفى كامل ' لو نقل قلبي من اليسار إلى اليمين أو تحرك الأهرام من مكانه المكين أو تغير مجرى [النيل] فلن أتغير عن المبدأ ' ... كل ذلك مقدمة طويلة لعمل أطول وأعظم فقد تكلمنا مرات عده في عمل يوقظ الأمة من غفوتها ويضرب على الأوتار الحساسة من القلوب ويستثير ما كمن في الصدور. ولكن كل ذلك لم يدخل في حيز العمل إلى الآن".

وبعد ذلك بشهرين وفور صدور تصريح "صمويل هور" – وزير الخارجية البريطانية – في 9 نوفمبر1935 معلناً رفض بريطانيا لعودة الحياة الدستورية في مصر، اندلعت مظاهرات الطلبة والعمال في البلاد، وقاد جمال عبد الناصر في 13 نوفمبر مظاهرة من تلاميذ المدارس الثانوية واجهتها قوة من البوليس الإنجليزي فأصيب جمال بجرح في جبينه سببته رصاصة مزقت الجلد ولكنها لم تنفذ إلى الرأس، وأسرع به زملاؤه إلى دار جريدة الجهاد التي تصادف وقوع الحادث بجوارها ونشر اسمه في العدد الذي صدر صباح اليوم التالي بين أسماء الجرحى. (مجلة الجهاد 1935).

وعن آثار أحداث تلك الفترة في نفسية جمال عبد الناصر قال في كلمة له في جامعة القاهرة في 15 نوفمبر 1952: "وقد تركت إصابتي أثراً عزيزاً لا يزال يعلو وجهي فيذكرني كل يوم بالواجب الوطني الملقى على كاهلي كفرد من أبناء هذا الوطن العزيز. وفى هذا اليوم وقع صريع الظلم والاحتلال المرحوم عبد المجيد مرسى فأنساني ما أنا مصاب به، ورسخ في نفسي أن على واجباً أفنى في سبيله أو أكون أحد العاملين في تحقيقه حتى يتحقق؛ وهذا الواجب هو تحرير الوطن من الاستعمار، وتحقيق سيادة الشعب. وتوالى بعد ذلك سقوط الشهداء صرعى؛ فازداد إيماني بالعمل على تحقيق حرية مصر".

وتحت الضغط الشعبي وخاصة من جانب الطلبة والعمال صدر مرسوم ملكي في 12 ديسمبر 1935 بعودة دستور 1923.

وقد انضم جمال عبد الناصر في هذا الوقت إلى وفود الطلبة التي كانت تسعى إلى بيوت الزعماء تطلب منهم أن يتحدوا من أجل مصر، وقد تألفت الجبهة الوطنية سنة 1936 بالفعل على أثر هذه الجهود.

وقد كتب جمال في فترة الفوران هذه خطاباً إلى حسن النشار في 2 سبتمبر 1935 قال فيه: "يقول الله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، فأين تلك القوة التي نستعد بها لهم؛ إن الموقف اليوم دقيق ومصر في موقف أدق...".

ووصف جمال عبد الناصر شعوره في كتاب "فلسفة الثورة" فقال: "وفى تلك الأيام قدت مظاهرة في مدرسة النهضة، وصرخت من أعماقي بطلب الاستقلال التام، وصرخ ورائي كثيرون، ولكن صراخنا ضاع هباء وبددته الرياح أصداء واهية لا تحرك الجبال ولا تحطم الصخور".

إلا أن اتحاد الزعماء السياسيين على كلمة واحدة كان فجيعة لإيمان جمال عبد الناصر، على حد تعبيره في كتاب "فلسفة الثورة"، فإن الكلمة الواحدة التي اجتمعوا عليها كانت معاهدة 1936 التي قننت الاحتلال، فنصت على أن تبقى في مصر قواعد عسكرية لحماية وادي النيل وقناة السويس من أي اعتداء، وفى حال وقوع حرب تكون الأراضي المصرية بموانيها ومطاراتها وطرق مواصلاتها تحت تصرف بريطانيا، كما نصت المعاهدة على بقاء الحكم الثنائي في السودان.

وكان من نتيجة النشاط السياسي المكثف لجمال عبد الناصر في هذه الفترة الذي رصدته تقارير البوليس أن قررت مدرسة النهضة فصله بتهمة تحريضه الطلبة على الثورة، إلا أن زملائه ثاروا وأعلنوا الإضراب العام وهددوا بحرق المدرسة فتراجع ناظر المدرسة في قراره.

ومنذ المظاهرة الأولى التي اشترك فيها جمال عبد الناصر بالإسكندرية شغلت السياسة كل وقته، وتجول بين التيارات السياسية التي كانت موجودة في هذا الوقت فانضم إلى مصر الفتاة لمدى عامين، ثم انصرف عنها بعد أن اكتشف أنها لا تحقق شيئاً، كما كانت له اتصالات متعددة بالإخوان المسلمين إلا أنه قد عزف عن الانضمام لأي من الجماعات أو الأحزاب القائمة لأنه لم يقتنع بجدوى أياً منها ،"فلم يكن هناك حزب مثالي يضم جميع العناصر لتحقيق الأهداف الوطنية".

كذلك فإنه وهو طالب في المرحلة الثانوية بدأ الوعي العربي يتسلل إلى تفكيره، فكان يخرج مع زملائه كل عام في الثاني من شهر نوفمبر احتجاجاً على وعد "بلفور" الذي منحت به بريطانيا لليهود وطناً في فلسطين على حساب أصحابه الشرعيين.



جمال عبد الناصر ضابطاً:
لما أتم جمال عبد الناصر دراسته الثانوية وحصل على البكالوريا في القسم الأدبي قرر الالتحاق بالجيش، ولقد أيقن بعد التجربة التي مر بها في العمل السياسي واتصالاته برجال السياسة والأحزاب التي أثارت اشمئزازه منهم أن تحرير مصر لن يتم بالخطب بل يجب أن تقابل القوة بالقوة والاحتلال العسكري بجيش وطني.

تقدم جمال عبد الناصر إلى الكلية الحربية فنجح في الكشف الطبي ولكنه سقط في كشف الهيئة لأنه حفيد فلاح من بني مر وابن موظف بسيط لا يملك شيئاً، ولأنه اشترك في مظاهرات 1935، ولأنه لا يملك واسطة.

ولما رفضت الكلية الحربية قبول جمال، تقدم في أكتوبر 1936 إلى كلية الحقوق في جامعة القاهرة ومكث فيها ستة أشهر إلى أن عقدت معاهدة 1936 واتجهت النية إلى زيادة عدد ضباط الجيش المصري من الشباب بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية أو ثروتهم، فقبلت الكلية الحربية دفعة في خريف 1936 وأعلنت وزارة الحربية عن حاجتها لدفعة ثانية، فتقدم جمال مرة ثانية للكلية الحربية ولكنه توصل إلى مقابلة وكيل وزارة الحربية اللواء إبراهيم خيري الذي أعجب بصراحته ووطنيته وإصراره على أن يصبح ضابطاً فوافق على دخوله في الدورة التالية؛ أي في مارس 1937.

لقد وضع جمال عبد الناصر أمامه هدفاً واضحاً في الكلية الحربية وهو "أن يصبح ضابطاً ذا كفاية وأن يكتسب المعرفة والصفات التي تسمح له بأن يصبح قائداً"، وفعلاً أصبح "رئيس فريق"، وأسندت إليه منذ أوائل 1938 مهمة تأهيل الطلبة المستجدين الذين كان من بينهم عبد الحكيم عامر. وطوال فترة الكلية لم يوقع على جمال أي جزاء، كما رقى إلى رتبة أومباشى طالب.

تخرج جمال عبد الناصر من الكلية الحربية بعد مرور 17 شهراً، أي في يوليه 1938، فقد جرى استعجال تخريج دفعات الضباط في ذلك الوقت لتوفير عدد كافي من الضباط المصريين لسد الفراغ الذي تركه انتقال القوات البريطانية إلى منطقة قناة السويس.

moudar
16-May-2011, 08:22 AM
وقد كانت مكتبة الكلية الحربية غنية بالكتب القيمة، فمن لائحة الاستعارة تبين أن جمال قرأ عن سير عظماء التاريخ مثل "بونابرت" و"الإسكندر" و"جاليباردى" و"بسمارك" و"مصطفى كمال أتاتورك" و"هندنبرج" و"تشرشل" و"فوش". كما قرأ الكتب التي تعالج شئون الشرق الأوسط والسودان ومشكلات الدول التي على البحر المتوسط والتاريخ العسكري. وكذلك قرأ عن الحرب العالمية الأولى وعن حملة فلسطين، وعن تاريخ ثورة 1919.

التحق جمال عبد الناصر فور تخرجه بسلاح المشاة ونقل إلى منقباد في الصعيد، وقد أتاحت له إقامته هناك أن ينظر بمنظار جديد إلى أوضاع الفلاحين وبؤسهم. وقد التقى في منقباد بكل من زكريا محيى الدين وأنور السادات.

وفى عام 1939 طلب جمال عبد الناصر نقله إلى السودان، فخدم في الخرطوم وفى جبل الأولياء، وهناك قابل زكريا محيى الدين وعبد الحكيم عامر. وفى مايو 1940 رقى إلى رتبة الملازم أول.

لقد كان الجيش المصري حتى ذلك الوقت جيشاً غير مقاتل، وكان من مصلحة البريطانيين أن يبقوه على هذا الوضع، ولكن بدأت تدخل الجيش طبقة جديدة من الضباط الذين كانوا ينظرون إلى مستقبلهم في الجيش كجزء من جهاد أكبر لتحرير شعبهم. وقد ذهب جمال إلى منقباد تملؤه المثل العليا، ولكنه ورفقائه أصيبوا بخيبة الأمل فقد كان معظم الضباط "عديمي الكفاءة وفاسدين"، ومن هنا اتجه تفكيره إلى إصلاح الجيش وتطهيره من الفساد. وقد كتب لصديقه حسن النشار في 1941 من جبل الأولياء بالسودان: "على العموم يا حسن أنا مش عارف ألاقيها منين واللا منين.. هنا في عملي كل عيبي إني دغرى لا أعرف الملق ولا الكلمات الحلوة ولا التمسح بالأذيال.

شخص هذه صفاته يحترم من الجميع ولكن.. الرؤساء. الرؤساء يا حسن يسوءهم ذلك الذي لا يسبح بحمدهم.. يسوءهم ذلك الذي لا يتملق إليهم.. فهذه كبرياء وهم شبوا على الذلة في كنف الاستعمار.. يقولون.. كما كنا يجب أن يكونوا. كما رأينا يجب أن يروا.. والويل كل الويل لذلك... الذي تأبى نفسه السير على منوالهم... ويحزنني يا حسن أن أقول إن هذا الجيل الجديد قد أفسده الجيل القديم متملقاً.. ويحزنني يا حسن أن أقول أننا نسير إلى الهاوية – الرياء – النفاق الملق - تفشى في الأصاغر نتيجة لمعاملة الكبار. أما أنا فقد صمدت ولازلت، ولذلك تجدني في عداء مستحكم مستمر مع هؤلاء الكبار...".

وفى نهاية عام 1941 بينما كان "روميل" يتقدم نحو الحدود المصرية الغربية عاد جمال عبد الناصر إلى مصر ونقل إلى كتيبة بريطانية تعسكر خلف خطوط القتال بالقرب من العلمين.

ويذكر جمال عبد الناصر: "في هذه المرحلة رسخت فكرة الثورة في ذهني رسوخاً تاماً، أما السبيل إلى تحقيقها فكانت لا تزال بحاجة إلى دراسة، وكنت يومئذ لا أزال أتحسس طريقي إلى ذلك، وكان معظم جهدي في ذلك الوقت يتجه إلى تجميع عدد كبير من الضباط الشبان الذين أشعر أنهم يؤمنون في قراراتهم بصالح الوطن؛ فبهذا وحده كنا نستطيع أن نتحرك حول محور واحد هو خدمة هذه القضية المشتركة".

وأثناء وجوده في العلمين جرت أحداث 4 فبراير 1942 حينما توجه السفير البريطاني – "السير مايلز لامسبون" – ليقابل الملك فاروق بسراي عابدين في القاهرة بعد أن حاصر القصر بالدبابات البريطانية، وسلم الملك إنذاراً يخيره فيه بين إسناد رئاسة الوزراء إلى مصطفى النحاس مع إعطائه الحق في تشكيل مجلس وزراء متعاون مع بريطانيا وبين الخلع، وقد سلم الملك بلا قيد ولا شرط.

ويذكر جمال عبد الناصر أنه منذ ذلك التاريخ لم يعد شئ كما كان أبداً، فكتب إلى صديقه حسن النشار في 16 فبراير 1942 يقول: "وصلني جوابك، والحقيقة أن ما به جعلني أغلى غلياناً مراً، وكنت على وشك الانفجار من الغيظ، ولكن ما العمل بعد أن وقعت الواقعة وقبلناها مستسلمين خاضعين خائفين. والحقيقة أنى أعتقد أن الإنجليز كانوا يلعبون بورقة واحده في يدهم بغرض التهديد فقط، ولكن لو كانوا أحسوا أن بعض المصريين ينوون التضحية بدمائهم ويقابلوا القوة بالقوة لانسحبوا كأي امرأة من العاهرات.

أما نحن. أما الجيش فقد كان لهذا الحادث تأثير جديد على الوضع والإحساس فيه، فبعد أن كنت ترى الضباط لا يتكلمون إلا عن النساء واللهو، أصبحوا يتكلمون عن التضحية والاستعداد لبذل النفوس في سبيل الكرامة.

وأصبحت تراهم وكلهم ندم لأنهم لم يتدخلوا – مع ضعفهم الظاهر – ويردوا للبلاد كرامتها ويغسلوها بالدماء.. ولكن إن غداً لقريب.. حاول البعض بعد الحادث أن يعملوا شئ بغرض الانتقام، لكن كان الوقت قد فات أما القلوب فكلها نار وأسى. عموماً فإن هذه الحركة أو هذه الطعنة ردت الروح إلى بعض الأجساد وعرفتهم أن هناك كرامة يجب أن يستعدوا للدفاع عنها، وكان هذا درساً ولكنه كان درساً قاسياً". (

رقى جمال عبد الناصر إلى رتبة اليوزباشى (نقيب) في 9 سبتمبر 1942. وفى 7 فبراير 1943 عين مدرساً بالكلية الحربية. ومن قائمة مطالعاته في هذه الفترة يتضح أنه قرأ لكبار المؤلفين العسكريين من أمثال "ليدل هارت" و"كلاوزفيتز"، كما قرأ مؤلفات الساسة والكتاب السياسيين مثل "كرومويل" و"تشرشل". وفى هذه الفترة كان جمال عبد الناصر يعد العدة للالتحاق بمدرسة أركان حرب.

وفى 29 يونيه 1944 تزوج جمال عبد الناصر من تحية محمد كاظم – ابنة تاجر من رعايا إيران – كان قد تعرف على عائلتها عن طريق عمه خليل حسين، وقد أنجب ابنتيه هدى ومنى وثلاثة أبناء هم خالد وعبد الحميد وعبد الحكيم. لعبت تحية دوراً هاماً في حياته خاصة في مرحلة الإعداد للثورة واستكمال خلايا تنظيم الضباط الأحرار، فقد تحملت أعباء أسرته الصغيرة - هدى ومنى - عندما كان في حرب فلسطين، كما ساعدته في إخفاء السلاح حين كان يدرب الفدائيين المصريين للعمل ضد القاعدة البريطانية في قناة السويس في 1951، 1952.

تنظيم الضباط الأحرار:
شهد عام 1945 انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية حركة الضباط الأحرار، ويقول جمال عبد الناصر في حديثة إلى "دافيد مورجان": "وقد ركزت حتى 1948 على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائي، والذين توفرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم الكافي للإقدام على التغيير اللازم. وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين نحاول أن نخرج مثلنا العليا العامة في هدف مشترك وفى خطة مشتركة".

وعقب صدور قرار تقسيم فلسطين في سبتمبر 1947 عقد الضباط الأحرار اجتماعاً واعتبروا أن اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب ضد هذا الانتهاك للكرامة الإنسانية والعدالة الدولية، واستقر رأيهم على مساعدة المقاومة في فلسطين.

وفى اليوم التالي ذهب جمال عبد الناصر إلى مفتى فلسطين الذي كان لاجئاً يقيم في مصر الجديدة فعرض عليه خدماته وخدمات جماعته الصغيرة كمدربين لفرقة المتطوعين وكمقاتلين معها. وقد أجابه المفتى بأنه لا يستطيع أن يقبل العرض دون موافقة الحكومة المصرية. وبعد بضعة أيام رفض العرض فتقدم بطلب إجازة حتى يتمكن من الانضمام إلى المتطوعين، لكن قبل أن يبت في طلبه أمرت الحكومة المصرية الجيش رسمياً بالاشتراك في الحرب. فسافر جمال إلى فلسطين في 16 مايو 1948، بعد أن كان قد رقى إلى رتبة صاغ (رائد) في أوائل عام 1948.

لقد كان لتجربة حرب فلسطين آثاراً بعيدة على جمال عبد الناصر فعلى حد قولة: "فلم يكن هناك تنسيق بين الجيوش العربية، وكان عمل القيادة على أعلى مستوى في حكم المعدوم، وتبين أن أسلحتنا في كثير من الحالات أسلحة فاسدة، وفى أوج القتال صدرت الأوامر لسلاح المهندسين ببناء شاليه للاستجمام في غزه للملك فاروق.

وقد بدا أن القيادة العليا كانت مهمتها شيئاً واحداً هو احتلال أوسع رقعة ممكنة من الأرض بغض النظر عن قيمتها الإستراتيجية، وبغض النظر عما إذا كانت تضعف مركزنا العام في القدرة على إلحاق الهزيمة بالعدو خلال المعركة أم لا.

وقد كنت شديد الاستياء من ضباط الفوتيلات أو محاربي المكاتب الذين لم تكن لديهم أية فكرة عن ميادين القتال أو عن آلام المقاتلين.

وجاءت القطرة الأخيرة التي طفح بعدها الكيل حين صدرت الأوامر إلىّ بأن أقود قوة من كتيبة المشاة السادسة إلى عراق سويدان التي كان الإسرائيليون يهاجمونها، وقبل أن أبدأ في التحرك نشرت تحركاتنا كاملة في صحف القاهرة. ثم كان حصار الفالوجا الذي عشت معاركه؛ حيث ظلت القوات المصرية تقاوم رغم أن القوات الإسرائيلية كانت تفوقها كثيراً من ناحية العدد حتى انتهت الحرب بالهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة " في 24 فبراير 1949.

وقد جرح جمال عبد الناصر مرتين أثناء حرب فلسطين ونقل إلى المستشفى. ونظراً للدور المتميز الذي قام به خلال المعركة فإنه منح نيشان "النجمة العسكرية" في عام 1949.

وبعد رجوعه إلى القاهرة أصبح جمال عبد الناصر واثقاً أن المعركة الحقيقية هي في مصر، فبينما كان ورفاقه يحاربون في فلسطين كان السياسيون المصريون يكدسون الأموال من أرباح الأسلحة الفاسدة التي اشتروها رخيصة وباعوها للجيش.

وقد أصبح مقتنعاً أنه من الضروري تركيز الجهود لضرب أسرة محمد على؛ فكان الملك فاروق هو هدف تنظيم الضباط الأحرار منذ نهاية 1948 وحتى 1952.

ووقد كان في نية جمال عبد الناصر القيام بالثورة في 1955، لكن الحوادث أملت عليه قرار القيام بالثورة قبل ذلك بكثير.

وبعد عودته من فلسطين عين جمال عبد الناصر مدرساً في كلية أركان حرب التي كان قد نجح في امتحانها بتفوق في 12 مايو 1948. وبدأ من جديد نشاط الضباط الأحرار وتألفت لجنة تنفيذية بقيادة جمال عبد الناصر، وتضم كمال الدين حسين وعبد الحكيم عامر وحسين إبراهيم وصلاح سالم وعبد اللطيف البغدادي وخالد محيى الدين وأنور السادات وحسين الشافعي وزكريا محيى الدين وجمال سالم، وهى اللجنة التي أصبحت مجلس الثورة فيما بعد عام 1950، 1951.

وفى 8 مايو 1951 رقى جمال عبد الناصر إلى رتبة البكباشى (مقدم) وفى نفس العام اشترك مع رفاقه من الضباط الأحرار سراً في حرب الفدائيين ضد القوات البريطانية في منطقة القناة التي استمرت حتى بداية 1952، وذلك بتدريب المتطوعين وتوريد السلاح الذي كان يتم في إطار الدعوى للكفاح المسلح من جانب الشباب من كافة الاتجاهات السياسية والذي كان يتم خارج الإطار الحكومي.

moudar
16-May-2011, 08:23 AM
وإزاء تطورات الحوادث العنيفة المتوالية في بداية عام 1952 اتجه تفكير الضباط الأحرار إلى الاغتيالات السياسية لأقطاب النظام القديم على أنه الحل الوحيد. وفعلاً بدئوا باللواء حسين سرى عامر - أحد قواد الجيش الذين تورطوا في خدمة مصالح القصر – إلا أنه نجا من الموت، وكانت محاولة الاغتيال تلك هي الأولى والأخيرة التي اشترك فيها جمال عبد الناصر، فقد وافقه الجميع على العدول عن هذا الاتجاه، وصرف الجهود إلى تغيير ثوري إيجابي.

ومع بداية مرحلة التعبئة الثورية، صدرت منشورات الضباط الأحرار التي كانت تطبع وتوزع سراً. والتي دعت إلى إعادة تنظيم الجيش وتسليحه وتدريبه بجدية بدلاً من اقتصاره على الحفلات والاستعراضات، كما دعت الحكام إلى الكف عن تبذير ثروات البلاد ورفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة، وانتقدت الاتجار في الرتب والنياشين. وفى تلك الفترة اتسعت فضيحة الأسلحة الفاسدة إلى جانب فضائح اقتصادية تورطت فيها حكومة الوفد.

ثم حدث حريق القاهرة في 26 يناير 1952 بعد اندلاع المظاهرات في القاهرة احتجاجاً على مذبحة رجال البوليس بالإسماعيلية التي ارتكبتها القوات العسكرية البريطانية في اليوم السابق، والتي قتل فيها 46 شرطياً وجرح 72. لقد أشعلت الحرائق في القاهرة ولم تتخذ السلطات أي إجراء ولم تصدر الأوامر للجيش بالنزول إلى العاصمة إلا في العصر بعد أن دمرت النار أربعمائة مبنى، وتركت 12 ألف شخص بلا مأوى، وقد بلغت الخسائر 22 مليون جنيهاً.

وفى ذلك الوقت كان يجرى صراعاً سافراً بين الضباط الأحرار وبين الملك فاروق فيما عرف بأزمة انتخابات نادي ضباط الجيش. حيث رشح الملك اللواء حسين سرى عامر المكروه من ضباط الجيش ليرأس اللجنة التنفيذية للنادي، وقرر الضباط الأحرار أن يقدموا قائمة مرشحيهم وعلى رأسهم اللواء محمد نجيب للرياسة، وقد تم انتخابه بأغلبية كبرى وبرغم إلغاء الانتخاب بتعليمات من الملك شخصياً، إلا أنه كان قد ثبت للضباط الأحرار أن الجيش معهم يؤيدهم ضد الملك، فقرر جمال عبد الناصر – رئيس الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار – تقديم موعد الثورة التي كان محدداً لها قبل ذلك عام 1955، وتحرك الجيش ليلة 23 يوليو 1952 وتم احتلال مبنى قيادة الجيش بكوبري القبة وإلقاء القبض على قادة الجيش الذين كانوا مجتمعين لبحث مواجهة حركة الضباط الأحرار بعد أن تسرب خبر عنها .

وبعد نجاح حركة الجيش قدم محمد نجيب على أنه قائد الثورة - وكان الضباط الأحرار قد فاتحوه قبلها بشهرين في احتمال انضمامه إليهم إذا ما نجحت المحاولة - إلا أن السلطة الفعلية كانت في يد مجلس قيادة الثورة الذي كان يرأسه جمال عبد الناصر حتى 25 أغسطس 1952 عندما صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بضم محمد نجيب إلى عضوية المجلس وأسندت إليه رئاسته بعد أن تنازل له عنها جمال عبد الناصر.

بيان الثورة:
وفى صباح يوم 23 يوليه وبعد احتلال دار الإذاعة تمت إذاعة بيان الثورة التالي:
"اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهل أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفى خُلقهم وفى وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.

أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب، وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف؛ لأن هذا ليس في صالح مصر، وإن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس، وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسئولاً عنهم، والله ولى التوفيق".

وبعد نجاح الثورة بثلاثة أيام – أي في 26 يوليه – أجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه أحمد فؤاد ومغادرة البلاد. وفى اليوم التالي أعيد انتخاب جمال عبد الناصر رئيساً للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار.

وفى 18 يونيه 1953 صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وبإسناد رئاسة الجمهورية إلى محمد نجيب إلى جانب رئاسته للوزارة التي شغلها منذ 7 سبتمبر 1952، أما جمال عبد الناصر فقد تولى أول منصباً عاماً كنائب رئيس الوزراء ووزير للداخلية في هذه الوزارة التي تشكلت بعد إعلان الجمهورية. وفى الشهر التالي ترك جمال عبد الناصر منصب وزير الداخلية – الذي تولاه زكريا محيى الدين – واحتفظ بمنصب نائب رئيس الوزراء.(قرار المجلس بإلغاء الملكية).


تعيين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة:
وفى فبراير 1954 استقال محمد نجيب بعد أن اتسعت الخلافات بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة، وعين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً لمجلس الوزراء. وفيما يلي البيان الذي أذاعه المجلس بأسباب ذلك الخلاف في 25 فبراير 1954:

"أيها المواطنون

"لم يكن هدف الثورة التي حمل لواءها الجيش يوم 23 يوليه سنة 1952 أن يصل فرد أو أفراد إلى حكم أو سلطان أو أن يحصل كائن من كان على مغنم أو جاه، بل يشهد الله أن هذه الثورة ما قامت إلا لتمكين المُثل العليا في البلاد بعد أن افتقدتها طويلاً نتيجة لعهود الفساد والانحلال.

لقد قامت في وجه الثورة منذ اللحظة الأولى عقبات قاسية عولجت بحزم دون نظر إلى مصلحة خاصة لفرد أو جماعة، وبهذا توطدت أركانها واطرد تقدمها في سبيل بلوغ غاياتها.

ولا شك أنكم تقدرون خطورة ما أقيم في وجه الثورة من صعاب، خاصة والبلاد ترزح تحت احتلال المستعمر الغاصب لجزء من أراضيها، وكانت مهمة مجلس قيادة الثورة في خلال هذه الفترة غاية في القسوة والخطورة، حمل أفراد المجلس تلك التبعة الملقاة على عاتقهم ورائدهم الوصول بأمتنا العزيزة إلى بر الأمان مهما كلفهم هذا من جهد وبذل.

ومما زاد منذ اللحظة الأولى في قسوة وخطورة هذه التبعة الملقاة على أعضاء مجلس قيادة الثورة أنهم كانوا قد قرروا وقت تدبيرهم وتحضيرهم للثورة في الخفاء قبل قيامهم أن يقدموا للشعب قائداً للثورة من غير أعضاء مجلس قيادتهم وكلهم من الشبان، واختاروا فعلاً فيما بينهم اللواء أركان حرب محمد نجيب ليقدم قائداً للثورة، وكان بعيداً عن صفوفهم، وهذا أمر طبيعي للتفاوت الكبير بين رتبته ورتبهم، وسنه وسنهم، وكان رائدهم في هذا الاختيار سمعته الحسنة الطيبة وعدم تلوثه بفساد قادة ذلك العهد.

وقد أخطر سيادته بأمر ذلك الاختيار قبل قيام الثورة بشهرين اثنين ووافق على ذلك.

وما أن علم سيادته بقيام الثورة عن طريق مكالمة تليفونية بين وزير الحربية فى ذلك الوقت السيد مرتضى المراغى وبينه وفى منزله حتى قام إلى مبنى قيادة الثورة واجتمع برجالها فور تسلمهم لزمام الأمور.

ومنذ تلك اللحظة أصبح الموقف دقيقاً؛ إذ أن أعمال ومناقشات مجلس قيادة الثورة استمرت أكثر من شهر بعيدة عن أن يشترك فيها اللواء محمد نجيب إذ أنه حتى ذلك الوقت وعلى وجه التحديد يوم 25 أغسطس سنة 1952 لم يكن سيادته قد ضم إلى أعضاء مجلس الثورة.

وقد صدر قرار المجلس فى ذلك اليوم بضمه لعضويته كما صدر قرار بأن تسند إليه رئاسة المجلس بعد أن تنازل له عنها البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر الذى جدد انتخابه بواسطة المجلس قبل قيام الثورة كرئيس للمجلس لمدة عام ينتهى فى أخر أكتوبر سنة 1952.

نتيجة لذلك الموقف الشاذ ظل اللواء محمد نجيب يعانى أزمة نفسية عانينا منها الكثير رغم قيامنا جميعاً بإظهاره للعالم أجمع بمظهر الرئيس الفعلى والقائد الحقيقى للثورة ومجلسها مع المحافظة على كافة مظاهر تلك القيادة.

وبعد أقل من ستة شهور بدأ سيادته يطلب بين وقت وآخر من المجلس منحه سلطات تفوق سلطة العضو العادى بالمجلس، ولم يقبل المجلس مطلقاً أن يحيد عن لائحته التى وضعت قبل الثورة بسنين طويلة إذ تقضى بمساواة كافة الأعضاء بما فيهم الرئيس فى السلطة، فقط إذا تساوت الأصوات عند أخذها بين فريقين فى المجلس فترجح الكفة التى يقف الرئيس بجانبها.

ورغم تعيين سيادته رئيساً للجمهورية مع احتفاظه برئاسة مجلس الوزراء ورئاسته للمؤتمر المشترك إلا أنه لم ينفك يصر ويطلب بين وقت وأخر أن تكون له اختصاصات تفوق اختصاصات المجلس، وكان إصرارنا على الرفض الكلى لكى نكفل أقصى الضمانات لتوزيع سلطة السيادة فى الدولة على أعضاء المجلس مجتمعين.

وأخيراً تقدم سيادته بطلبات محددة وهي:

أن تكون له سلطة حق الاعتراض على أى قرار يجمع عليه أعضاء المجلس، علماً بأن لائحة المجلس توجب إصدار أى قرار يوافق عليه أغلبية الأعضاء.

كما طلب أن يباشر سلطة تعيين الوزراء وعزلهم وكذا سلطة الموافقة على ترقية وعزل الضباط وحتى تنقلاتهم أى أنه طالب إجمالاً بسلطة فردية مطلقة.

ولقد حاولنا بكافة الطرق الممكنة طوال الشهور العشرة الماضية أن نقنعه بالرجوع عن طلباته هذه التى تعود بالبلاد إلى حكم الفرد المطلق، وهو ما لا يمكن نرضاه لثورتنا، ولكننا عجزنا عن إقناعه عجزاً تاماً وتوالت اعتكافاته بين وقت وأخر حتى يجبرنا على الموافقة على طلباته هذه، إلى أن وضعنا منذ أيام ثلاثة أمام أمر واقع مقدماً استقالته وهو يعلم أن أى شقاق يحدث فى المجلس فى مثل هذه الظروف لا تؤمن عواقبه.

أيها المواطنون

لقد احتمل أعضاء المجلس هذا الضغط المستمر فى وقت يجابهون فيه المشاكل القاسية التى تواجه البلاد والتى ورثتها عن العهود البائدة.

يحدث كل ذلك والبلاد تكافح كفاح المستميت ضد مغتصب فى مصر والسودان وضد عدو غادر يرابط على حدودها مع خوضها معركة اقتصادية مريرة وإصلاحاً لأداة الحكم وزيادة الإنتاج إلى أخر تلك المعارك التى خاضتها الثورة ووطدت أقدامها بقوة فى أكثر من ميدان من ميادينها.

واليوم قرر مجلس قيادة الثورة بالإجماع ما يلى:

أولاً: قبول الاستقالة المقدمة من اللواء أركان حرب محمد نجيب من جميع الوظائف التى يشغلها.

ثانياً: يستمر مجلس قيادة الثورة بقيادة البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر فى تولى كافة سلطاته الحالية إلى أن تحقق الثورة أهم أهدافها وهو إجلاء المستعمر عن أرض الوطن.

ثالثاً: تعيين البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس الوزراء.

ونعود فنكرر أن تلك الثورة ستستمر حريصة على مُثلها العليا مهما أحاطت بها من عقبات وصعاب، والله كفيل برعايتها إنه نعم المولى ونعم النصير، والله ولى التوفيق".

وسرعان ما تم تدارك مظاهر ذلك الخلاف فقبل مجلس قيادة الثورة عودة محمد نجيب إلى رئاسة الجمهورية في بيان صدر في 27 فبراير 1954.

ثم بدأت بعد ذلك أحداث الشغب التي دبرتها جماعة الإخوان المسلمين التي أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً مسبقاً بحلها في 14 يناير 1954، (قرار المجلس بحل جماعة الإخوان المسلمين) وقد تورط أيضاً بعض عناصر النظام القديم في هذه الأحداث.

ووقد تجلى الصراع داخل مجلس قيادة الثورة في هذه الفترة في القرارات التي صدرت عنه وفيها تراجعاً عن المضى في الثورة، فأولاً ألغيت الفترة الانتقالية التي حددت بثلاث سنوات، وتقرر في 5 مارس 1954 اتخاذ الإجراءات فوراً لعقد جمعية تأسيسية تنتخب بالاقتراع العام المباشر على أن تجتمع في يوليه 1954 وتقوم بمناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره والقيام بمهمة البرلمان إلى الوقت الذي يتم فيه عقد البرلمان الجديد وفقاً لأحكام الدستور الذي ستقره الجمعية التأسيسية. وفى نفس الوقت تقرر إلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحافة والنشر.

وثانياً: قرر مجلس قيادة الثورة تعيين محمد نجيب رئيساً للمجلس ورئيساً لمجلس الوزراء بعد أن تنحى جمال عبد الناصر عن رئاسة الوزارة وعاد نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة.

وأخيراً قرر مجلس قيادة الثورة في 25 مارس 1954 السماح بقيام الأحزاب وحل مجلس قيادة الثورة يوم 24 يوليه 1954 أي في يوم انتخاب الجمعية التأسيسية. (قرار المجلس بالسماح بقيام أحزاب).

وبالرغم من إلغاء مجلس قيادة الثورة لتلك القرارات في 29 مارس 1954 (قرار المجلس بإرجاء تنفيذ قرارات 25 مارس 1954) إلا أن الأزمة التي حدثت في مجلس قيادة الثورة أحدثت انقساماً داخله بين محمد نجيب يؤيده خالد محيى الدين وبين جمال عبد الناصر وباقي الأعضاء.

وقد انعكس هذا الصراع على الجيش، كما حاول السياسيون استغلاله وخاصة الإخوان المسلمين وأنصار الأحزاب القديمة الذين كانوا فى صف نجيب وعلى اتصال به.

وفى 17 أبريل 1954 تولى جمال عبد الناصر رئاسة مجلس الوزراء واقتصر محمد نجيب على رئاسة الجمهورية إلى أن جرت محاولة لاغتيال جمال عبد الناصر على يد الإخوان المسلمين عندما أطلق عليه الرصاص أحد أعضاء الجماعة وهو يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية في 26 أكتوبر 1954، وثبت من التحقيقات مع الإخوان المسلمين أن محمد نجيب كان على اتصال بهم وأنه كان معتزماً تأييدهم إذا ما نجحوا في قلب نظام الحكم. وهنا قرر مجلس قيادة الثورة في 14 نوفمبر 1954 إعفاء محمد نجيب من جميع مناصبه على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً وأن يستمر مجلس قيادة الثورة في تولى كافة سلطاته بقيادة جمال عبد الناصر.

وفى 24 يونيه 1956 انتخب جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية بالاستفتاء الشعبي وفقاً لدستور 16 يناير 1956 ـ أول دستور للثورة.

وفى 22 فبراير 1958 أصبح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وذلك حتى مؤامرة الانفصال التي قام بها أفراداً من الجيش السوري في 28 سبتمبر 1961.

وظل جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة حتى رحل في 28 سبتمبر 1970

moudar
17-May-2011, 10:03 AM
المقرئ الشيخ محمد صديق المنشاوي

هو نبتة الشيخ صديق المنشاوي وهو أول قاري تنتقل إليه الإذاعة لتسجل له ويرفض طلبها والاعتماد بها... كان لا يكف عن قراءة القرآن .. يتلوه في كل أحواله.. عندما استمع المسلمون في اندونيسيا لصوته أجهشهم البكاء.... وهو من مواليد مركز المنشأة محافظة سوهاج عام1920م من أسرة حملت رسالة تعليم القرآن وتحفيظه وتلاوته على عاتقها فأبوه المقريء الشيخ صديق المنشاوي الذي ذاع صيته في أنحاء مصر والوجه القبلي معلماً وقارئاً ومجوداً للقرآن وله تسجيلاته النادرة بإذاعات سوريا ولندن والتي تذاع بصوته حتى الآن وعمه الشيخ أحمد السيد وهو الذي رفض القراءة بالقصر الملكي فكان الشيخ محمد صديق المنشاوي هو نبت هذا الفضل القرآني وقد التحق بكتاب القرية وعمره أربع سنوات ورأى شيخه أبو مسلم خيراً كثيراً لسرعة حفظه وحلاوة صوته فكان يشجعه ويهتم به فأتم حفظه قبل أن يتم الثامنة من عمره فأصطحبه عمه الشيخ أحمد السيد معه إلى القاهرة ليتعلم القراءات وعلوم القرآن ونزل في ضيافة عمه وعند بلوغه الثانية عشرة درس علم القراءات على يد شيخ محمد مسعود الذي انبهر به وبنبوغه المبكر فأخذ يقدمه للناس في السهرات والليالي وظل الصبي محمد صديق على ذلك الحال حتى بلغ الخامسة عشر فأستقل عن شيخه ووالده بعد ذيوع صيته بمحافظات الوجه القبلي بصفة عامة ومحافظة سوهاج بصفة خاصة فزادت ثقته بنفسه وكان له عظيم الأثر في رحلته مع القرآن بعد ذلك.

الحاج سعودي محمد صديق.. في عام 1953م كتبت مجلة الإذاعة والتلفزيون في إحدى أعدادها عن الشيخ محمد صديق المنشاوي أنه أول مقريء تنتقل إليه الإذاعة.. فكيف كانت تلك الواقعة ؟ ولماذا انتقلت الإذاعة إليه؟ وهل كان يرفض القراءة لها؟

كان صيته وشهرته وحسن قراءته وتلاوته حديث الناس في مصر ولما علم المسؤلون بالإذاعة بتلك الموهبة أرسلوا إليه يطلبون منه أن يتقدم بطلب للإذاعة ليعقد له اختبار فإن اجتازه يعتمد مقرئاً بها فرفض الشيخ هذا المطلب وقال: لا أريد القراءة بالإذاعة فلست في حاجة إلى شهرتها ولا أقبل أن يعقد لي هذا الامتحان أبداً... فما كان من مدير الإذاعة في ذلك الوقت إلا أن أمر بأن تنتقل الإذاعة إلى حيث يقرأ الشيخ محمد صديق المنشاوي وبالفعل فوجئ الشيخ وكان يحي حفلاً رمضانياً في قرية إسنا بدار أحد الأثرياء لعائلة حزين بأن الإذاعة أرسلت مندوبها لتسجل قراءته وتلاوته وفي ذات الوقت كانت مجموعة أخرى من الإذاعة قد ذهبت لتسجل قراءة أبيه الشيخ صديق المنشاوي والذي كان يقرأ بقرية العسيرات بمحافظة سوهاج في بيت الحاج أحمد أبو رحاب وكانت تلك التسجيلات من جانب الإذاعة لتقييم صوتيهما فكانت تلك أول حادثة في تاريخ الإذاعة أن تنتقل بمعداتها والعاملين بها ومهندسيها للتسجيل لأحد المقرئين فكان ما قلته لحضرتك وفعلاً كتبت إحدى المجلات عن هذه الواقعة.

عندما قيم المسؤلون بالإذاعة الشريطين الذين سجلا للشيخ محمد صديق وأبيه أرسلوا إليهما لإعتمادهما إلا أنهما رفضا مرة ثانية... فكيف تم إذن اعتماد الشيخ محمد صديق المنشاوي بالإذاعة ولماذا أصر أبوه على موقفه؟

أثار هذا الموقف غضب المسؤولين بالإذاعة وكادت أن تصبح مشكلة كبيرة إلا أن أحد المقربين من الشيخ محمد صديق وكان ضابطاً كبيراً برتبة اللواء وهو عبد الفتاح الباشا تدخل في الأمر موضحاً للشيخ محمد أن هذا الرفض ليس له أي مبرر و لا يليق به خاصة وأن الإذاعة قد أرسلت إليه مهندسيها وفنييها لتسجل له بعد رفضه، وطالما أن المسؤلين قد أعطوه قدره وأنصفوه فليس هناك أي مبرر للرفض ولا بد أن يحسن معاملة المسؤلين كما أحسنوا معاملته، وبعد إلحاح شديد ذهب الشيخ محمد صديق المنشاوي للإذاعة واستكمل تسجيلاته وظل قارئاً بالإذاعة منذ ذلك إلى أن توفاه الله، أما والده فقال: يكفي الإذاعة المصرية من عائلة المنشاوي ولدي محمد.

ولهذا السبب أيضاً سجل بعض الشرائط لإذاعات سوريا ولندن؟

هو بالضبط كذلك فقد كانت شهرة الشيخ صديق السيد تملأ آفاق العلم العربي رغم أنه لم يقرأ بالإذاعة المصرية فطلبت منه إذاعتا سوريا ولندن تسجيل القرآن بصوته لهما... فرفض في البداية ولكنه بعد معاودة الاتصالات والإلحاح عليه وافق على تسجيل خمس أشرطة للقرآن بصوته للإذاعتين ولم يزد على ذلك وكان يقول: لولا إلحاحهم المستمر ما وافقت على تلك التسجيلات.

كيف استقبل الشيخ محمد صديق المنشاوي رفض أبيه للقراءة بالإذاعة المصرية؟

كان لا يعارض أباه أبداً ويحترم رأيه دون نقاش ولم يعلق على ذلك الأمر.

طلب الملك فاروق من الشيخ أحمد السيد عم الشيخ محمد صديق المنشاوي أن يكون قارئاً بالقصر الملكي... إلا أنه رفض.... لماذا؟

هو لم يرفض.. ولكنه اشترط على الملك أن تمتنع المقاهي عن تقديم المشروبات ولعب الطاولة اعتبارا من الساعة الثامنة مساء وقت إذاعة القرآن الكريم والذي كانت تنقله الإذاعة من القصر الملكي قائلاً للملك: إن للقرآن جلاله فهو كلام الله ولا يجب أن ينشغل الناس عنه وقت تلاوته بالسؤال عن المشروبات والحديث واللهو ولعب الطاولة فقال له الملك: ذلك يعني أن نكلف حارساً على كل مقهى وهذا أمر يتعذر علينا فقال الشيخ أحمد: كذلك فهذا أمر يتعذر علينا أيضاً وتلا قوله تعالى" وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلم ترحمون" فما كان من الملك إلا أن أجله وقدره ولم يجبره على القراءة بالقصر الملكي.

تزوج الشيخ محمد صديق المنشاوي مرتين فما سبب زواجه الثاني ؟

لقد تزوج عام 1938م من ابنة عمه وكان ذلك هو زواجه الأول وأنجب منها أربعة أولاد ولدين وبنتين ثم تزوج الثانية وكان عمره قد تجاوز الأربعين وكانت من مركز أخميم محافظة سوهاج وأنجب منها تسعة أبناء خمسة ذكور وأربع إناث وكانت زوجتاه تعيشان معاً في مسكن واحد يجمعهما الحب والمودة وكان يقول: الناس يحبونني ويتمنون مصاهرتي وقد توفت زوجته الثانية أثناء تأديتها فريضة الحج قبل وفاته بعام واحد.

كان قد أشيع أن صوت الشيخ محمد صديق المنشاوي ضعيف ولا يستطيع تبليغه لمستمعيه إلا من خلال ميكرفون.. فمن كان صاحب تلك الإشاعة ؟ وكيف استقبلها الشيخ محمد صديق؟

هي بالفعل كانت إشاعة ونكاية وحقداً من أحد المقرئين وقد حكى لنا بعض المخلصين من المقرئين عن واقعة أثبتت ما أقول حيث دعي الشيخ محمد لأحياء سهرة بمحافظة المنيا ودعي معه مقريء آخر وكان الحضور كثيرين جداً قد يزيد عددهم عن العشرة الآلاف جاءوا جميعاً ليستمعوا على القرآن بصوت الشيخ محمد فلما أحس ذلك المقريء بشغف الناس ومطالبتهم صاحب الدعوة بتعجل الشيخ محمد صديق بالتلاوة فما كان منه إلا أن أوصى عامل الميكرفون بافتعال عطل فني في الميكرفون وأطلق بين الناس شائعة أن صوت الشيخ محمد ضعيف جداً ولولا الميكرفون ما كان له هذا الصيت وعندما بدأ الشيخ محمد صديق يستعد للقراءة فوجيء بعامل الميكرفون يخبره بوجود عطل فني بالميكرفون يتعذر إصلاحه في حينه فاستشعر الشيخ محمد صديق بأن هناك مؤامرة لإحراجه وسط هذا الجمع الغفير فما كان منه إلا أن استعاذ من الشيطان الرجيم وأخذ يقرأ بين الناس ماشياً على قدميه تاركاً دكة القراءة والناس تتجاوب معه حتى أبهر الناس بقوة صوته فانخسأ هذا المقريء الحاقد تاركاً الحفل للشيخ محمد صديق المنشاوي الذي أحياه على تلك الحالة حتى ساعة متأخرة وعندما سألنا والدنا عن هذه الواقعة قال: لقد حدث ما قيل لكم، فسألناه عن اسم هذا المقرىء فقال: إن الله حليم ستار.

قيل أن نبوغ الشيخ محمد صديق المنشاوي المبكر في التلاوة سبب له· الكثير من المتاعب التي وصلت بالحاقدين عليه أن يدسوا له السم في الطعام... فكيف نجا من هذا الموت المحقق؟ ومن الذي دس له هذا السم؟

لقد حكى هذه الواقعة بنفسه ولو أن أحداً غيره قصها ما صدقته فقد جلس يحكي لجدي الشيخ صديق ونحن جلوس عنده أنه كان مدعواً في إحدى السهرات عام1963م وبعد الانتهاء من السهرة دعاه صاحبها لتناول الطعام مع أهل بيته على سبيل البركة ولكنه رفض فأرسل صاحب إليه بعضاً من أهله يلحون عليه فوافق وقبل أن يبدأ في تناول ما قدم إليه من طعام أقترب منه الطباخ وهو يرتجف من شدة الخوف وهمس في إذنه قائلاً: يا شيخ محمد سأطلعك على أمر خطير وأرجوا ألا تفضح أمري فينقطع عيشي في هذا البيت فسأله عما به فقال: أوصاني أحد الأشخاص بأن أضع لك السم في طعامك فوضعته في طبق سيقدم إليك بعد قليل فلا تقترب من هذا الطبق أو تأكل منه، وقد استيقظ ضميري وجئت لأحذرك لأني لا أستطيع عدم تقديمه إليك فأصحاب السهرة أوصوني بتقديمه إليك خصيصاً تكريماً لك، وهم لا يعلمون ما فيه ولكن فلان... ولم يذكر الشيخ اسمه أمامنا... أعطاني مبلغاً من المال لأدس لك السم في هذا الطبق دون علم أصحاب السهرة ففعلت فأرجوا ألا تبوح بذلك فينفضح أمري... ولما تم وضع الطبق المنقوع في السم عرفه الشيخ كما وصفه له الطباخ وادعى الشيخ ببعض الإعياء أمام أصحاب الدعوة ولكنهم أقسموا عليه فأخذ كسرة خبز كانت أمامه قائلاً: هذا يبر يمينكم ثم تركهم وانصرف.

ألم يفصح الشيخ محمد عن اسم ذلك الرجل الذي أراد قتله؟

كل الذي حدث أنه تعجب واندهش من أفعال ذلك الرجل وخاصة بعد علمه أنه مقريء ولكنه لم يذكر اسمه حتى أننا تعجبنا من عدم سؤال جدي لابنه عن اسم ذلك المقريء وأمام هذا الأمر لم يكن باستطاعتنا أن نسأل الشيخ محمد عنه مادام لم يفصح هو عنه.

لم يلتحق الشيخ محمد صديق المنشاوي بأي معهد لتعلم الموسيقى ولم يدرسها على يد أحد الموسيقيين فكيف اكتسب صوته هذا النغم في التلاوة؟

هي موهبة أنعم الله عليه بها وأذكر أن أحد الموسيقيين الكبار في فترة الستينات عرض عليه أن يلحن له القرآن قائلاً له: يا شيخ أنت الصوت الوحيد الذي يقبل الموسيقى في القرآن فقال له الشيخ محمد: يا سيدي لقد أخذت الموسيقى من القرآن فكيف تلحن أنت القرآن بالموسيقى فخجل الرجل من نفسه.

هل كان يستمع إلى الموسيقى أو إلى المطربين؟

كان كثيراً ما يستمع إلى الموسيقى وكان يحب الاستماع إلى صوت السيدة أم كلثوم ويقول أن في صوتها قوة رقيقة ونغم موسيقي كذلك كان يعشق صوت الشيخ طه الفشني وبخاصة أدائه الرفيع في الابتهالات والتواشيح الدينية وكان كثيراً ما يتصل به ويلتقيان ليقف معه على مواطن الجمال الموسيقي في صوته.

عندما دعي للقراءة في حفل يحضره الرئيس جمال عبد الناصر رفض رفضاً تاماً... فماذا عن علاقته بالرئيس جمال عبد الناصر؟ ولماذا رفض؟

لم تكن له علاقة بالرئيس جمال عبد الناصر ولكن الدعوة وجهها إليه أحد الوزراء قائلاً له: سيكون لك الشرف الكبير بحضورك حفل يحضره الرئيس عبد الناصر ففاجأه الشيخ محمد صديق بقوله: ولماذا لا يكون هذا الشرف لعبد الناصر نفسه أن يستمع إلى القرآن بصوت محمد صديق المنشاوي، ورفض أن يلبي الدعوة قائلاً: لقد أخطأ عبد الناصر حين أرسل إلي أسوأ رسله.

رغم ذيوع صيته واتساع شهرته إلا أنه عندما كان يجلس أمام بيته لا يعرفه الناس ويسألونه عنه... ألم يسبب ذلك له شيئاً من الضيق والحزن لعدم معرفة الناس به رغم تلك الشهرة؟

الشيخ محمد كان شديد التواضع وكان كثيراً ما يتحرر من عمامته ويرتدي جلباباً أبيض وطاقية بيضاء ويجلس أمام باب بيته فكان بعض الناس يعتقدون أنه بواب العمارة وخاصة وأن بشرته قمحية ولكن ذلك لم يكن يضايقه وذات مرة اقترب منه أحد الأخوة المسيحيين وكان جاراً لنا في المسكن فلما اقترب من الشيخ محمد صديق لم يعرفه وقال له: لو سمحت يا عم ما تعرفش الشيخ محمد صديق المنشاوي موجود في شقته ولا لأ فنظر إليه الشيخ محمد قائلاً له: حاضر يا بني انتظر لما أشوفو لك وبالفعل تركه الشيخ محمد صديق وصعد إلى شقته وارتدى العمة والجلباب والنظارة ثم نزل إليه وسلم عليه هذا الذي سأل عنه منذ لحظات ولم يقل له الشيخ عندما سأله أنه هو من يسأل عنه حتى لا يسبب له حرجاً لعدم معرفته به وهو صاحب الصيت والشهرة في العالم العربي وقضى لذلك الرجل مسألته.

كيف كانت علاقته بأهل بلدته بعد أن نال هذا القدر العظيم من الشهرة؟

كانت علاقته بأهل بلدته لا تنقطع وهذه عادات أهل الصعيد فكان عطوفاً بهم محباً لفقرائهم وأذكر أنه قال لنا ذات مرة أنه يريد عمل وليمة كبيرة لحضور بعض الوزراء وكبار المسؤلون على العشاء فتم عمل اللزوم ولكننا فوجئنا بأن ضيوفه كانوا جميعاً من الفقراء والمساكين من أهل البلدة وممن يعرفهم من فقراء الحي الذي كنا نعيش فيه.

دوالي المريء.... هي المرض اللعين الذي هاجم الشيخ محمد صديق المنشاوي في سن مبكرة.... فتوفى دون الخمسين من عمره.. فما هي قصته مع المرض؟

في عام 1966م أصيب رحمه الله بدوالي المريء وقد استطاع الأطباء أن يوقفوا هذا المرض بعض الشيء بالمسكنات ونصحوه بعدم الإجهاد وخاصة إجهاد الحنجرة إلا أنه كان يصر على الاستمرار في التلاوة وبصوت مرتفع حتى أنه في عامه الأخير الذي توفى فيه كان يقرأ القرآن بصوت جهوري بالدرجة الأمر الذي جعل الناس يجلسون بالمسجد الذي كان أسفل البيت ليستمعوا إلى القرآن بصوته دون علمه ولما اشتد عليه المرض نقل إلى مستشفى المعادي ولما علم الرئيس عبد الناصر بشدة مرضه أمر بسفره إلى لندن للعلاج على نفقة الدولة إلا أن المنية وافته قبل السفر في 20/6/1969م.

وهل كان الشيخ يعلم بخطورة مرضه ودنو أجله؟

كان يعلم بذلك تماماً وكان يشغل نفسه بقراءة القرآن وأذكر انه كان عندي بالمحل قبيل وفاته بشهر تقريباً وكان من عادته أن يعطي حذاءه لعامل الورنيش ليمسحه فلما رآه هذا العامل بالمحل أسرع إليه طالباً حذاءه ليمسحه كعادته لأن الشيخ يجزل له في العطاء إلا أن الشيخ محمد قال له: خذ هذه المرة حسابك من سعودي... فقال له عامل الورنيش: ليه يا مولانا.. فقال: لن أدفع مرة أخرى وكانت تلك آخر مرة يحضر فيها إلى المحل وكأنه يعلم بدنو أجله.

ما هو الأجر الذي كان يتقاضاه الشيخ محمد صديق المنشاوي بعد أن أصبح قارئاً مشهوراً؟

كان لا يطلب أجراً من أي إنسان وذلك كما عوده والده الشيخ صديق السيد فإذا ما دعي لأي سهرة يأخذ ما يعطى له دون أن ينظر في هذا المبلغ وقد أثار هذا الأمر انتقاد بعض المقرئين الذين طلبوا منه أن يرفع أجره حتى لا تضيع قيمته كمقريء له وزنه فأدرك ذلك الأمر مؤخراً حيث وجد أن الناس يقولون أنه يقبل أي شيء لأنه دون مستوى أقرانه من المقرئين فما كان منه إلا أن رفع أجره ولكن مع الذين لا يعرفهم ويخشى أن يشهروا به بهتاناً وزوراً.

في أي المساجد عينته وزارة الأوقاف بعد اعتماده مقرئاً في الإذاعة؟

بمسجد الزمالك بحي الزمالك وظل قارئاً لسورة الكهف به حتى توفاه الله.

امتنع الشيخ محمد صديق عن التدخين فأمره الأطباء بالعودة إلى التدخين مرة أخرى لماذا؟

لقد كان يدخن أكثر من علبتين سجائر في اليوم وقد تأثرت حنجرته بعض الشيء بهذا الدخان فأمتنع عن التدخين وأثناء تأديته لفريضة الحج عام1962م شعر ببعض الإجهاد فعرض نفسه على طبيب هندي مسلم نصحه بضرورة العودة مرة أخرى إلى التدخين لحاجة جسمه إلى النيكوتين الذي أعتاد عليه فعاد إلى التدخين مرة أخرى.

moudar
17-May-2011, 10:14 AM
وهل ذهب إلى طبيب مصري بعد عودته ليتأكد من صحة ذلك الأمر؟

كان كثيراً ما يذهب إلى الأطباء للاطمئنان على حنجرته وصوته وفي الحقيقة لم أسأله هذا السؤال إلا أنني لاحظت أن عودته إلى التدخين لم تكن بنفس شراهته في المرة الأولى قبل الإقلاع ولكن بدرجة أقل بكثير وإن كان ذلك دليلاً على موافقتهم له بالعودة إلى التدخين مرة أخرى وأعتقد أن التدخين قد أسهم بدور كبير في إصابة الشيخ بهذا المرض اللعين الذي لم يفلح معه العلاج.

كيف استقبل أبوه الشيخ صديق السيد نبأ وفاته؟

لم يتأثر على الإطلاق تأثر الخارجين عن الرضا بقضاء الله وقدره قائلاً: نحن نعيش كل يوم هذه الحقيقة فكيف لا نرضى وإنا لله وإنا إليه راجعون.

لماذا لم يسجل الشيخ محمد صديق المنشاوي القرآن مجوداً للإذاعة؟

لقد سجل الشيخ محمد صديق القرآن بصوته مجوداً للإذاعة ينقصه خمس ساعات تقريباًُ ولكن للأسف الشديد فإن المسؤلون في الإذاعة لا يهتمون بتسجيلات المقرئين وفي عام 1980م ذهبت للإذاعة ووجدت أن الشرائط المسجل عليها القرآن بصوت الشيخ محمد صديق تم تسجيل برامج أخرى عليها مثل ما يطلبه المستمعون أو خطاب الرئيس عبد الناصر وللأسف لم ننتبه لهذا الإهمال إلا عندما ذهبنا إلى الإذاعة لنحصل على نسخة من القرآن بصوته مجوداً.. أما فيما يتعلق بالقرآن المرتل فقد سجله للإذاعة كاملاً وحصلنا على نسخة منه.

ماذا عن علاقته بالشيخ محمد رفعت؟

كان يحبه حباً شديداً وقد تأثر بصوته وتلاوته وكان يقول لنا ذلك كذلك كان يحب الاستماع إلى القرآن بصوت من عاصروه من المقرئين دون استثناء فكان إذا جلس في البيت لا يترك الراديو باحثاً عن أية محطة إذاعية تذيع القرآن بصوت أحد المقرئين فكان يستمع إليهم جميعاً دون استثناء.

عندما سافر إلى اندونيسيا في أول زيارة له خارج مصر بكى أثناء تلاوته للقرآن... لماذا؟

كان في تلك الرحلة مرافقاً للشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد بدعوة من الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو فأرسل إلي خطاباً قال فيه: لم أر استقبالاً لأهل القرآن أعظم من استقبال الشعب الإندونيسي الذي يعشق القرآن بل ويستمع إليه في إنصات شديد ويظل هذا الشعب واقفاً يبكي طوال قراءة القرآن مما أبكاني من هذا الإجلال الحقيقي من الشعب الإندونيسي المسلم وتبجيله لكتاب الله.

هل كان الشيخ محمد يمارس الرياضة؟

نعم... كان يحب المشي وكان يترك سيارته يومياً أمام مسجد الإمام الحسين ويبلغ السائق بألا ينتظره ويعود للمنزل بحي حدائق القبة مشياً على الأقدام.

كان الشيخ محمد صديق مقلاً في ركوب سيارته.... فلماذا اشتراها إذن؟

اشترى السيارة عام 1955م ولم يكن له بها هوى ولكنها فقط كانت تعينه في تنقلاته خارج القاهرة أما فيما عدا ذلك فكان قليلاً ما يركبها.

هل ورث أحد أبناءه حلاوة صوته ومهنة القراءة في السهرات؟

كل أولاده يحفظون القرآن والحمد لله كاملاً ولكن لم يتمتع أحد منا بحلاوة الصوت باستثناء ولديه صلاح وعمر الأول يعمل محاسباً والثاني معيداً بجامعة الأزهر وهما دون الثلاثين من عمرهما ويتميزان بصوت طيب جميل وقد شهد لهما الكثير من المتخصصين في علوم القراءاتوهما يدرسان الآن علوم القراءات استعداداً لاحتراف هذه المهنة فيما بعد إن شاء الله.

ما هي الجوائز التي حصل عليها؟

منحه الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى وحصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية من سوريا.

وماذا عن تكريم الحكومة المصرية له؟

لم يحصل على أية تكريم من مصر حتى الآن وإن كانت الدولة كرمت والده الشيخ صديق السيد رحمه الله بعد وفاته عام 1985م فمنحته وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية.

بت البلد
17-May-2011, 11:38 AM
تسلم كتيييير يا مضر
ومنتظرين الجديد الجديد

ابوزينب المحسى
18-May-2011, 08:48 AM
فى سطور
بوست دسم .... بل كامل دسم
ابنى مضر
رائع بل أكثر من رائع
مزيد المزيد...
وحيياك ربى بغمام هطيييل

moudar
19-May-2011, 08:15 AM
المقرئ الشيخ مُحَمّد رفعت

الشيخ "محمد رفعت" أعظم صوت قرأ آيات الذكر الحكيم في القرن العشرين، استطاع بصوته العذب الخاشع أن يغزو القلوب والوجدان في قراءة عذبة خاشعة.. صوته يشرح الآيات، ويجمع بين الخشوع وقوة التأثير، فكان أسلوبًا فريدًا في التلاوة.
النشأة
وُلِد محمد رفعت، واسمه مركب، في حي "المغربلين" بالدرب الأحمر بالقاهرة يوم الإثنين (9-5-1882)، وكان والده "محمود رفعت" ضابطًا في البوليس، وترقّى من درجة جندي - آنذاك - حتى وصل إلى رتبة ضابط، وحينها انتقل إلى السكن في منزل آخر في "درب الأغوات"، بشارع "محمد علي"، وكان ابنه " محمد رفعت " مبصرًا حتى سن سنتين، إلا أنه أصيب بمرض كُفّ فيه بصره، وهناك قصة لذلك، فقد قابلته امرأة، وقالت عن الطفل: إنه ابن ملوك - عيناه تقولان ذلك، وفي اليوم التالي استيقظ الابن وهو يصرخ من شدة الألم في عينه، ولم يلبث أن فقد بصره.
ووهب "محمود بك" ابنه "محمد رفعت" لخدمة القرآن الكريم، وألحقه بكتّاب مسجد فاضل باشا بـ"درب الجماميز"، فأتم حفظ القرآن وتجويده قبل العاشرة، وأدركت الوفاة والده- مأمور قسم الخليفة في تلك الفترة- فوجد الفتى نفسه عائلا لأسرته، فلجأ إلى القرآن الكريم يعتصم به، ولا يرتزق منه، وأصبح يرتِّل القرآن الكريم كل يوم خميس في المسجد المواجه لمكتب فاضل باشا، حتى عُيِّن في سن الخامسة عشرة قارئًا للسورة يوم الجمعة، فذاع صيته، فكانت ساحة المسجد والطرقات تضيق بالمصلين ليستمعوا إلى الصوت الملائكي، وكانت تحدث حالات من الوجد والإغماء من شدة التأثر بصوته الفريد، وظلَّ يقرأ القرآن ويرتله في هذا المسجد قرابة الثلاثين عامًا؛ وفاءً منه للمسجد الذي بدأ فيه.
التكوين
لم يكتفِ الشيخ محمد رفعت بموهبته الصوتية الفذَّة، ومشاعره المرهفة في قراءة القرآن، بل عمق هذا بدراسة علم القراءات وبعض التفاسير، واهتم بشراء الكتب، ودراسة الموسيقى الرقيقة والمقامات الموسيقية، فدرس موسيقى "بتهوفن"، و"موزارت"، و"فاجنر"، وكان يحتفظ بالعديد من الأوبريتات والسيمفونيات العالمية في مكتبته.
وامتاز محمد رفعت بأنه كان عفيف النفس زاهدًا في الحياة، وكأنه جاء من رحم الغيب لخدمة القرآن، فلم يكن طامعًا في المال لاهثًا خلفه، وإنما كان ذا مبدأ ونفس كريمة، فكانت مقولته: "إن سادن القرآن لا يمكن أبدًا أن يُهان أو يُدان"، ضابطة لمسار حياته، فقد عرضت عليه محطات الإذاعة الأهلية أن تذيع له بعض آيات الذكر الحكيم، فرفض وقال: "إن وقار القرآن لا يتماشى مع الأغاني الخليعة التي تذيعها إذاعتكم".
وعندما افتُتحت الإذاعة المصرية الخميس (31-5-1934) كان الشيخ أول من افتتحها بصوته العذب، وقرأ: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا"، وقد استفتى قبلها الأزهر وهيئة كبار العلماء عما إذا كانت إذاعة القرآن حلالا أم حراما؟ فجاءت فتواهم بأنها حلال حلال، وكان يخشى أن يستمع الناس إلى القرآن وهم في الحانات والملاهي.
وقد جاء صوت الشيخ رفعت من الإذاعة المصرية نديًّا خاشعًا، وكأنه يروي آذانًا وقلوبًا عطشى إلى سماع آيات القرآن، وكأنها تُقْرأ لأول مرة، فلَمَع اسم الشيخ، وعشقت الملايين صوته، بل أسلم البعض عندما سمع هذا الصوت الجميل، ففي ذات يوم التقى "علي خليل" شيخ الإذاعيين، وكان بصحبته ضابط طيَّار إنجليزي- بالشيخ رفعت، فأخبره "علي خليل" أن هذا الضابط سمع صوته في "كندا"، فجاء إلى القاهرة ليرى الشيخ رفعت، ثم أسلم هذا الضابط بعد ذلك.
وقد تنافست إذاعات العالم الكبرى، مثل: إذاعة برلين، ولندن، وباريس، أثناء الحرب العالمية الثانية؛ لتستهل افتتاحها وبرامجها العربية بصوت الشيخ محمد رفعت؛ لتكسب الكثير من المستمعين، إلا أنه لم يكن يعبأ بالمال والثراء، وأبى أن يتكسَّب بالقرآن، فقد عُرض عليه سنة 1935 أن يذهب للهند مقابل (15) ألف جنيه مصري، فاعتذر، فوسّط نظام حيدر آباد الخارجية المصرية، وضاعفوا المبلغ إلى (45) ألف جنيه، فأصرَّ الشيخ على اعتذاره، وصاح فيهم غاضبًا: "أنا لا أبحث عن المال أبدًا، فإن الدنيا كلها عَرَضٌ زائل".
وقد عرض عليه المطرب "محمد عبد الوهاب" أن يسجِّل له القرآن الكريم كاملاً مقابل أي أجر يطلبه، فاعتذر الشيخ خوفًا من أن يمسَّ أسطوانة القرآن سكران أو جُنُب.

الشيخ الإنسان
ومع تمتع الشيخ بحس مرهف ومشاعر فياضة، فقد كان - أيضًا - إنسانًا في أعماقه، يهتزّ وجدانه هزًّا عنيفًا في المواقف الإنسانية، وتفيض روحه بمشاعر جياشة لا تجد تعبيرًا عن نفسها إلا في دموع خاشعات تغسل ما بالنفس من أحزان؛ فقد حدث أن ذهب لزيارة أحد أصدقائه المرضى، وكان في لحظاته الأخيرة، وعند انصرافه أمسك صديقه بيده ووضعها على كتف طفلة صغيرة، وقال له: "تُرى، من سيتولى تربية هذه الصغيرة التي ستصبح غدًا يتيمة؟"، فلم يتكلم محمد رفعت، وفي اليوم التالي كان يتلو القرآن في أحد السرادقات، وعندما تلا سورة الضحى، ووصل إلى الآية الكريمة: "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَر"، ارتفع صوته بالبكاء وانهمرت الدموع من عينيه كأنها سيل؛ لأنه تذكر وصية صديقه، ثم خصص مبلغًا من المال لهذه الفتاة حتى كبرت وتزوجت.
وعُرف عنه العطف والرحمة، فكان يجالس الفقراء والبسطاء، وبلغت رحمته أنه كان لا ينام حتى يطمئن على فرسه، ويطعمه ويسقيه، ويوصي أولاده برعايته، وهو إحساس خرج من قلب مليء بالشفقة والشفافية والصفاء، فجاءت نغماته منسجمة مع نغمات الكون من حوله.
كان منزله منتدى ثقافيًّا وأدبيًّا وفنًّيا، حيث ربطته صداقة قوية بمحمد عبد الوهاب، الذي كان يحرص على قضاء أغلب سهراته في منزل الشيخ بالسيدة زينب، وكثيرًا ما كانت تضم هذه الجلسات أعلام الموسيقى والفن، وكان الشيخ يُغني لهم بصوته الرخيم الجميل قصائد كثيرة، منها: "أراك عصيّ الدمع"، أما عبد الوهاب فكان يجلس بالقرب منه في خشوع وتبتل، وتدور بينهما حوارات ومناقشات حول أعلام الموسيقى العالمية.
كان بكَّاءً بطبعه، يقرأ على الهواء مرتين أسبوعيًّا من خلال الإذاعة (يومي الثلاثاء والجمعة) مدة (45) دقيقة في كل مرة، والدموع تنهمر من عينيه.
المرض
شاء الله أن يُصاب الشيخ محمد رفعت بعدة أمراض لاحقته وجعلته يلزم الفراش، وعندما يُشفى يعاود القراءة، حتى أصيب بمرض الفُواق (الزغطة) الذي منعه من تلاوة القرآن، بل ومن الكلام أيضًا؛ حيث تعرَّض في السنوات الثمانية الأخيرة من عمره لورم في الأحبال الصوتية، منع الصوت الملائكي النقي من الخروج، ومنذ ذلك الوقت حُرم الناس من صوته، فيما عدا ثلاثة أشرطة، كانت الإذاعة المصرية سجلتها قبل اشتداد المرض عليه، ثم توالت الأمراض عليه، فأصيب بضغط الدم، والتهاب رئوي حاد، وكانت أزمة الفُواق (الزغطة) تستمر معه ساعات.
وقد حاول بعض أصدقائه ومحبيه والقادرين أن يجمعوا له بعض الأموال لتكاليف العلاج، فلم يقبل التبرعات التي جُمعت له، والتي بلغت نحو (20) ألف جنيه، وفضَّل بيع بيته الذي كان يسكن فيه في حي "البغالة" بالسيدة زينب، وقطعة أرض أخرى؛ لينفق على مرضه. عندئذ توسط الشيخ "أبو العنين شعيشع" لدى "الدسوقي أباظة" وزير الأوقاف آنذاك، فقرَّر له معاشًا شهريًّا.
وشاء الله أن تكون وفاة الشيخ محمد رفعت في يوم الإثنين 9 مايو 1950، نفس التاريخ الذي وُلد فيه، عن ثمانية وستين عامًا قضاها في رحاب القرآن الكريم.
قالوا عن الشيخ محمد رفعت
قال عنه الأديب "محمد السيد المويلحي" في مجلة الرسالة: "سيد قراء هذا الزمن، موسيقيّ بفطرته وطبيعته، إنه يزجي إلى نفوسنا أرفع أنواعها وأقدس وأزهى ألوانها، وإنه بصوته فقط يأسرنا ويسحرنا دون أن يحتاج إلى أوركسترا".
ويقول عند الأستاذ "أنيس منصور": "ولا يزال المرحوم الشيخ رفعت أجمل الأصوات وأروعها، وسر جمال وجلال صوت الشيخ رفعت أنه فريد في معدنه، وأن هذا الصوت قادر على أن يرفعك إلى مستوى الآيات ومعانيها، ثم إنه ليس كمثل أي صوت آخر".
ويصف الموسيقار "محمد عبد الوهاب" صوت الشيخ محمد رفعت بأنه ملائكي يأتي من السماء لأول مرة، وسئل الكاتب الكبير "محمود السعدني" عن سر تفرد الشيخ محمد رفعت فقال: كان ممتلئًا تصديقًا وإيمانًا بما يقرأ.
أما الأستاذ "علي خليل" شيخ الإذاعيين فيقول عنه: "إنه كان هادئ النفس، تحس وأنت جالس معه أن الرجل مستمتع بحياته وكأنه في جنة الخلد، كان كيانًا ملائكيًّا، ترى في وجهه الصفاء والنقاء والطمأنينة والإيمان الخالص للخالق، وكأنه ليس من أهل الأرض".
ونعته الإذاعة المصرية عند وفاته إلى المستمعين بقولها: "أيها المسلمون، فقدنا اليوم عَلَمًا من أعلام الإسلام".
أما الإذاعة السورية فجاء النعي على لسان المفتي حيث قال: "لقد مات المقرئ الذي وهب صوته للإسلام"!!.

moudar
19-May-2011, 08:16 AM
الشيخ طاهر الجزائري

هو طاهر بن محمد صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني، المشهور بالجزائري. هاجر والده من الجزائر إلى دمشق سنة 1263هـ (1847)، وكان من بيت علم وشرف، تولى قضاء المالكية، حيث كان فقيهها في دمشق ومفتيها في الشام.

ولد طاهر الجزائري في دمشق سنة 1852، وتعلم في مدارسها، حيث دخل المدرسة الجقمقية الإعدادية وتتلمذ على الأستاذ عبد الرحمن البستاني، فأخذ عنه العربية والفارسية والتركية ومبادئ العلوم، كما قرا على أبيه أيضاً، ثم اتصل بعالم عصره الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني، ولازمه إلى أن وافاه الأجل، وكان شيخه الميداني فقيهاً عارفاً بزمانه واسع النظر، معروفاً بوقوفه على لباب الشريعة وأسرارها، وببعده عن البدع واتباع الأوهام والبعد عن حب الظهور والتفصح في المجالس، على قدم السلف الصالح بتقواه وزهده، وعلى نهجه سار تلميذه الجزائري فشب محباً للعلم على اختلاف فروعه خاصة علم الطبيعة، يفتش عن مصادره المطبوعة والمخطوطة ويقتنيها، ويتلقف بشوق ما يسمعه من أحاديث العلماء الذين تلقوا العلم في المدارس العالية أو الأجنبية، فإذا به يدخر حصيلة كبيرة قيمة من العلوم الطبيعية والفلكية والرياضية والتاريخية والأثرية إلى جانب ما وعاه من علوم العربية والفقه.

أتقن الجزائري اللغة العربية وأتقن الفارسية والتركية، ونظم بالفارسية كما نظم بالعربية، وتعلم الفرنسية وتكلم بها، وكذلك تعلم السريانية والعبرانية والحبشية، وكان يعرف القبائلية البربرية لغة موطنه، وتعلم كثيراً من الخطوط القديمة كالكوفي والمشجر والعبراني غيرها ليتسنى له دراسة الآثار.
غرُم الجزائري بالكتب المطبوعة والمخطوطة، وعرف الجيد من أصنافها، كما عرف طبقات المؤلفين وتراجم الرجال، وأماكن المخطوطات والنسخ المتفرقة منها في الخزائن الشرقية والغربية، وساعده على إتقان ذلك قوة حافظته.

تولى طاهر الجزائري التدريس في المدرسة الظاهرية بدمشق، والتقى بالوالي مدحت باشا الذي وجد عنده البغية التي يريدها من أجل إصلاح ولاية سورية ورآه ثقة. فهو يبحث عن أمثاله ليستعين بهم في نشر العلم وإصلاح التعليم، وخطط مع الشيخ طاهر لنهضة علمية واسعة، واتفقا على أن خير نهج يؤدي إلى النهضة يقوم على محو الأمية، وكون هذا بنشر التعليم الابتدائي من قبل هيئات أهلية لا تعتمد على الأساليب الحكومية، تجمع المال من الموسرين وتنفقها في الأغراض المقررة، فتثمر جهودها في أقصر وقت مادامت مؤيدة بعطف الوالي ونفوذه.

كان الشيخ الجزائري عضواً في جمعية علمية اجتماعية أسسها بعض العلماء والوجهاء في دمشق، أطلقوا عليها اسم (الجمعية الخيرية)، وقد اعتُمد على هذه الجمعية في تنفيذ خطة النهضة العلمية، فدأب أعضاؤها على توعية الناس وبث حب العلم والترغيب فيه بين الشباب، كما قامت الجمعية بترميم وتجهيز المدارس الموقوفة على طلب العلم، وكذلك ملحقات بعض الجوامع والتكايا، فتم في بضعة أشهر افتتاح نحو تسع مدارس في مدينة دمشق اثنتين منها للإناث.

عُين الشيخ طاهر الجزائري بناء على جهوده مفتشاً للمعارف في ولاية سورية، فبذل جهوداً إضافية جبارة في سبيل إصلاح أساليب التعليم، وكان يتعهد المعلمين بالنصح والإرشاد والتوجيه، ويسمع بشغف آراءهم في ابتكار أنجح الوسائل لتعليم الطلاب والدعوة إلى طلب العلم. وكان يسهر الليالي الطويلة عاكفاً على تأليف الكتب في مختلف العلوم الدينية والعربية والرياضية، مبسطاً أساليبها مختاراً ما تدل التجارب على نجاحه وسهولة تلقينه، وكان يشرف بنفسه على طبع كتبه في مطبعة الجمعية الخيرية.

عمل الشيخ طاهر الجزائري على تأسيس دور عامة للكتب في مختلف البلاد، فكان منها دار الكتب الوطنية الظاهرية ـ وهي اليوم ثروة كبرى من ثروات دمشق الوطنية ـ فجمع فيها البقية الباقية من الكتب والمخطوطات الموقوفة في مختلف الجوامع والمدارس، فهددته أكلة أوقاف المدارس بالقتل إن لم يكف عن جمع الكتب في مكان واحد، لأنه استولى بسيف الحكومة على جميع ما أبقته أيدي النهب من الكتب المخطوطة.

كذلك أسس الشيخ الجزائري بمساعدة آل الخالدي في القدس مكتبة وطنية باسم (المكتبة الخالدية) ضمت كتب الشيخ راغب الخالدي وكتب أسرته، وجمع فيها مخطوطات وكتب أخرى قيمة.

بعد أن سجن الوالي مدحت باشا، أُعفي الشيخ طاهر الجزائري من منصبه الحكومي، وعُرض عليه وظيفة أخرى لا يكون له فيها اتصال بالناس فأبى، ولزم بيته شاغلاً أوقاته بالمطالعة والتأليف، وعاش على بيع الكتب حتى آخر أيامه إلى من يرجو حفظها عندهم وعدم خروجها من الشام، كما واصل تتبع نوادر الكتب والمخطوطات، وكان يدون خلاصة ما يطلع عليه في مذكرات بلغت مجلدين ضخمين.

وكان يسافر بين حين وآخر إلى مختلف البلاد العثمانية والبلاد الشرقية والأوروبية، يجتمع بعلمائها ومفكريها باحثاً في كنوز المكتبات عن مخطوطات التراث العربي. كثر تردد طلاب العلم على الشيخ طاهر الجزائري، مما زاد نشاطه الاجتماعي، ونشر الدعوة للعلم، كما تحلقت حوله طبقة من شيوخ دمشق والعلماء النابهين فيها، فكان يتحفهم بالدروس العلمية والفكرية، والسياسية، ومركزه الأساسي الذي يقيم به دروسه كان مدرسة عبد الله باشا في دمشق.

قال الأمير الشهابي: (في تلك المدة التي قضاها الشيخ طاهر الجزائري بالشام، كان يتحلق حوله في دمشق صفوة من المتعلمين والنبهاء والمفكرين العرب، فتألفت من جمعهم أكبر حلقة أدبية وثقافية، كانت تدعو إلى تعليم العلوم العصرية، ومدارسة تاريخ العرب وتراثهم العلمي، وآداب اللغة العربية، والتمسك بمحاسن الأخلاق الدينية والأخذ بالصالح من المدنية الغربية).

فقد كان الشيخ الجزائري يدعو المسلمين إلى تعلم دينهم، والاحتفاظ بمقدساتهم وعاداتهم الحسنة والأخلاق القويمة، وأن يفتحوا قلوبهم لعلوم الأوائل والأواخر على اختلاف ضروبها، وكان يأخذ بأصح الأدلة من الكتاب والسنة ويجتهد بعدها، ولطالما أعطى الحق للمعتزلة والإباضية والشيعة في مسائل تفرد بها وضيقها أهل السنة، وكان يتفنن في بث الأفكار الصحيحة في العامة والناشئة.

قضى حياته يكافح الأمية، ويحارب التعصب، ويحرص على تعليم أولاد الأغنياء خاصة، لأن عندهم المال والجاه وبالتالي تأثيرهم في مجتمعهم أكبر، وحث على أن يتعلم المتعلمون صناعة أخرى، وكثيراً ما يقول: (تعلموا العلم، وتعلموا معه صناعة تعيشون بها حتى لا تقفوا على أرباب السلطان، تستجدون الوظائف والجرايات، فإذا احتاجت الحكومات إليكم أخذتكم لخدمتها، واعملوا بالنزاهة والاستقامة، وأخلصوا لها وللأمة القصد).

كما كانت له آراء شتى هدفها نهضة الأمة، والأخذ بالعلم والأخلاق، وإحياء التراث، وعدم التزلف للحكام ومهاجمة العلماء الجامدين الذين يغلقون باب الاجتهاد، وكان يحذر من الوقوع في حبائل الاستعمار.

كان الشيخ الجزائري يلقن مبادئه ويلقح العقول بأفكاره من حيث لا يشعر المتعلِّم، وكثيراً ما كان يغشى مجالس بعض العلماء الذين يتوسم فيهم صفاء السريرة، فيَظهر بمظهر المستفيد، وغايته إفادتهم خلال الدرس لتنشر أفكاره بطريق السراية من الأساتذة إلى التلاميذ.

وكان نهجه في التعليم التيسير على المتعلم، وإعطاءه لباب العلم دون التعمق بما لا يفيد، والأخذ بالتدريج من البسائط إلى المركبات، وكان يحب اختصار المطولات من كتب الفنون ليسهلها على المبتدئين، ولئن كان في مذهبه الديني مجتهداً فقد كان في تأليفه مقلداً يمشي على آثار القدماء، ولا يحب التوسع والتعليق على آراء المؤلفين المجددين.

كما كان الشيخ الجزائري يشجع على إنشاء الصحف السياسية والاجتماعية، والمجلات العلمية والأدبية، وكان يدعو إلى تناول الصحف النافعة ويبتهج بها، وله شغف بالاطلاع عليها وتتبعها، خصوصاً التي تكثر من الترجمة عند الغرب واقتطاف ثمرات علومه.

قال فيه تلميذه الشيخ سعيد الباني: (جمع بين المعقول والمنقول، ومزج القديم بالحديث، أخذ من كل علم لبابه، ونبذ لفاظته، فكنت تجد منه العالم الديني والمدني والرياضي والطبيعي والسياسي والأديب والمؤرخ والأثري والاجتماعي والأخلاقي والكاتب والشاعر، فكان عنده من كل علم خبر... فهو دائرة المعارف، ومفتاح العلوم، وكشاف مصطلحات الفنون، وقاموس الأعلام).

في سنة 1898 عُين الشيخ الجزائري مفتشاً لدور الكتب العامة في دمشق، فعاود سيرته الأولى مبشراً بمبادئه، فبث أفكاره بين معارفه ومؤيديه لمدة أربع سنوات، ثم لما كان اسم الشيخ لدى رجال الحكم في رأس الداعين إلى التحرر في وقت ازدادت في السياسة اضطراباً، رحل الشيخ الجزائري خفية إلى مصر التي كانت يومئذ تنعم بالاستقرار وبشيء من الحرية والأمن، حاملاً معه ما استطاع من كتب قيمة ومخطوطات نادرة.

اتصل الشيخ الجزائري في مصر بالعلماء الذين عرفوا فضله بغية الإفادة من خبرته، كما كانت بين الشيخ والمستشرقين صداقات يراسلهم ويراسلونه على اختلاف قومياتهم، وزاره كثير منهم في رحلاتهم إلى الشرق، يقتبس منهم ما ينفع المسلمين، ويُقبسهم ما يثبت سماحة الإسلام ومدنيته ومجد المسلمين وتمدنهم، وهذا ما جعله في عداد حلقات السلسلة التي تصل الشرق بالغرب، كما شهد له الكثيرون. كما شارك الجزائري في تحرير بعض الصحف المصرية، وكان يعكف في لياليه وأوقات فراغه على التأليف، فكان من أهم آثاره في تلك الفترة كتاب في الحديث (توجيه النظر إلى أصول الأثر)، جمع فيه زبدة ما جاء في كتب أصول الفقه ومصطلح الحديث من القواعد والفوائد بشكل يدل على سعة إطلاع وفهم عميق لأسرار الشريعة.

عاد إلى دمشق سنة 1919 بعد قيام الدولة العربية، فعينته الحكومة العربية مديراً عاماً لدار الكتب الوطنية الظاهرية، وانتخب عضواً في المجمع العلمي العربي، إلا أن أقامته لم تدم أكثر من أربعة أشهر، فقد اشتد به مرض الربو، فتوفي يوم الاثنين الموافق 5 كانون الثاني سنة 1920، ودفن في سفح قاسيون تنفيذاً لوصيته.
ترك الشيخ الجزائري الكثير من المؤلفات التي تدل على علمه الغزير وثقافته الواسعة، وطُبعت أكثرها في حياته وبإشرافه.

moudar
20-May-2011, 09:04 PM
الشيخ زايد بن آل نهيان من البداية وحتى تولي القيادة



مع نهاية الحرب العالمية الأولى وبالتحديد في عام 1918 ولد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وهو نفس العام الذي ولد فيه مجموعة من أعظم رجالات القرن العشرين مثل نيلسون مانديلا وجمال عبدالناصروتشاوشيسكو وستالين .. إذا فهذا العام بالذات شهد مولد رجال غيروا من مجرى التاريخ وغيروا من مجرى شعوبهم وأوطانهم ولكن لم يفعل أي من هؤلاء كما فعل زايد في بلده ولم يبني أي من هؤلاء كما بنى زايد !!

ولد زايد في في الجزيرة المطلة على الخليج العربي ( أبوظبي ) والتي أطلق عليها هذا الإسم كما تقول أغلب الروايات بسبب كثرة الظباء فيها ..




لم يولد الشيخ زايد بن سلطان وفي فمه ملعقة من ذهب ولم يتعود جسده ملمس ونعومة الحرير .. لقد فتح زايد عينيه على قومه وقد نالت منهم سنوات الحرمان والقهر وبدأت شخصيته كزعيم تتكون وسط هذا المجتمع الذي حرم من كل شيء إلا الكرامة والإباء فقد كان من شأن الظروف التاريخية والاجتماعية التي عاشها أبناء المنطقة قروناً عديدة أن تولد لديهم ضميراً وطنياً لا مجال للشك فيه وظلت رؤوس الآباء والأجداد الذين بنوا أكواخهم على شطآن خليج ما قبل النفط مرفوعة رغم الجوع الذي كاد أن يكون مقيماً في أحشائهم وتركوا رصيداً من التقاليد والمثل الراسخة المتكاملة .

وكان تمسك الأباء والأجداد بكرامتهم هو النبع الذي ارتوى منه الابناء ليشبوا وكلهم حرص على هذه الكرامة وكان هذا الحرص هو السياج الذي حمى التقاليد العربية والاصالة المتوارثة رغم كل الظروف حتى جاء الجيل الذي برز من بين فتيانه زايد بن سلطان والأمم تتواعد مع زعمائها كما يتواعد زعمائها مع القـــدر وبقدر قدرتها على الاحتفاظ في أعماقها بحيويتها وأصالتها فإنها تستطيع أن تبني وتشكل شخصية الزعيم الذي يجيئها دائماً في موعده .. مهما طال الزمن !!

كان لا يزال طفلاً صغيراً يمرح ويركض في رحاب قصر الحصن مقر الحكم في أبوظبي الذي بناه الشيخ شخبوط الأول عام 1793بعد انتقاله إلى ابوظبي من ليوا وقد ولد فيه الشيخ زايد بن سلطان الثاني وعاش فيه طفولته وشبابه ..

وفي السنوات المبكرة من حياة زايد كانت سورة الفاتحة هي أول ما تنامى إلى سمعه .. حتى إذا ما بدأ ينطق ويتكلم راح على الفور يردد آيات سورة الفاتحة كما يتلقنها تماماً ثم يحفظها عن ظهر قلب على ضوء مصباح خافت يشتعل بزيت الزيتون وشيئاً فشيئاً تدرج مع الآيات والسور وتعلم أن القرآن ليس كتاب دين فحسب بل تنظيم شامل لجميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأصبح له باستظهار آيات القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام ولع شديد ..

بنفس هذه المعالم وهذا الجو العام أصبح زايد في العين حاكماً منذ عام 1946 ليس بينه وبين شعبه حجاب فهم جميعاً يستطيعون الذهاب إليه ويقولون ما عندهم ويأكلون مما يأكل وتتشرب نفوسهم بمعنى ان يكون الحاكم منهم ولا يعلو فوقهم غلا بقدرته على نفعهم وهو الشيء الذي تحقق لهم بالفعل عندما تحولت العين في عهده وعلى يده إلى جنة خضراء .

لقد أحس زايد منذ أن تولى أمور العين وضواحيها بحاجة الشعب إلى إصلاحات كثيرة ورغبة مواطنيه في مثل الحياة الطيبة التي بدأت تدب حولهم في بلدان الخليج الأخرى وكان زايد لا يملك سوى القليل القليل من كلشيء حتى من الماء مصدر الحياة وعمادها ولكن ندرة الماء والمال والإمكانيات لم تفت في عضد زايد أو تقوده إلى اليأس فإن النفوس الكبيرة لا تعرف اليأس مهما صادفت من الصعاب والعقبات فبدأ زايد في إصلاح الافلاج القديمة التي مضى عليها الدهر وحفر آبار جديدة للتوسع في زراعة الأرض ومنها فلج الصاروج في مدينة العين وقد بناه في ظروف صعبة كفيلة بأن تثني ذوي الهمم العالية !!

ويكبر الشاب زايد وتكبر معه أحلامه ويتولى زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي عام 1966 بإجماع وموافقة من العائلة الحاكمة خلفاً لشقيقه شخبوط لتبدأ مرحلة جديدة من الإنجازات ويخرج من جزيرة أبوظبي على الخليج نور عظيم يصل إلى العالم بأكمله ... إنه نور الإمارات العربية المتحدة .. وما أجمله من نور !!

moudar
21-May-2011, 01:36 PM
هاشم الأتاسي

هو هاشم بن خالد بن محمد بن عبد الستار الأتاسي، ولد في حمص عام 1875 في بيئة دينية علمية، وتلقى علومه الابتدائية والثانوية فيها، ثم في المدرسة الملكية بالأستانة ونال إجازة في الإدارة، وتدرج في مناصب الإدارة في العهد العثماني ، إذ عُين مأموراً بمعية والي بيروت عام 1894، ثم قائم مقام عام 1897 ثم صار متصرفاً عام 1913، وعُين في حماه وعكا والأناضول، وكان ناجحاً فيها جميعاً بمقدرته ونزاهته وأخلاقه الرفيعة. ويذكر أنه كان منتسباً للجمعية العربية الفتاة لمناهضة أعمال التتريك للعرب.

في العهد الفيصلي اختير عضواً في المؤتمر السوري الأول عام 1919، ثم انتخب رئيساً له عام 1920. تولى رئاسة الوزراء مدة قصيرة أواخر أيام فيصل 30/5/1920 فكانت في أيامه معركة ميسلون حيث دخل الفرنسيون دمشق، فاستقال هاشم الأتاسي وعاد إلى حمص. وفي 25 أيار من العام نفسه اعتقله الفرنسيون لمدة أربعة أشهر في جزيرة أرواد ثم أطلقوا سراحه.

اختير هاشم الأتاسي رئيساً للكتلة الوطنية لدى تشكيلها عام 1927، وظل رئيساً لها حتى انشقاقها، والتي لعبت دوراً بارزاً في الحياة السياسية في ذلك الوقت. وفي نيسان 1928 انتخب نائباً عن حمص في الجمعية التأسيسية ثم رئيساً لها، وهي التي صاغت دستوراً عطل الانتداب الفرنسي أهم مواده بالمادة الملحقة (116) والتي أُضيفت إليه بحيث عطل مضمونها جوهر الدستور من حيث تركيزها على أمور كثيرة لا تصبح ناجزة إلا بعد اتفاق بين الحكومتين الفرنسية والسورية.
ترأس هاشم الأتاسي مؤتمراً وطنياً في 23/10/1927، أي أعقاب الثورة السورية مباشرة، واتخذ المؤتمر موقفاً شجاعاً كان استمراراً سياسياً للثورة السورية الكبرى، التي بدأت أحداثها تتراجع بعد التعب الشديد الذي أصاب الثوار وانقطاع المدد عنهم، والوساطات الفرنسية لوقف الثورة، والمفاوضة بين فرنسا والشعب السوري، وكان هذا المؤتمر قد أعلن في بيان شجاع استمرار المطالبة باستقلال سورية ووحدة أراضيها.
أُعيد انتخاب الأتاسي في مجلس النواب عام 1932 بالتزكية عن حمص، فقاد مجموعة النواب الوطنيين لإحباط التصديق على معاهدة رئيس الوزراء حقي العطم والمفوض الفرنسي ( دو مارتيل ) والتي وصفت بأنها : ( معاهدة سلم وصداقة بين فرنسا وسوريا المستقلة ذات السيادة ). وفي 22 كانون الثاني عام 1936 بدأ (دو مارتيل) مفاوضاته مع هاشم الأتاسي بصفته أبرز الزعماء الوطنيين وتقرر إرسال وفد منهم إلى باريس حيث يتفق مع وزارة الخارجية الفرنسية على دستور يضمن لسورية استقلالها ووحدتها بموجب معاهدة تعقد بين البلدين.

ذهب هاشم الأتاسي بصحبة عدد من الوطنيين في عام 1934 في مهمة وساطة بين السعودية واليمن اللتين كانت الحرب بدأت بينهما، وقد نجحت وساطتهم ووقفت الحرب.

ترأس هاشم الأتاسي الوفد السوري إلى المفاوضة في باريس عام 1936، وخرج بمعاهدة تضمنت تسع مواد تنص على مختلف أوجه التعاون بين دولتين حليفتين وعلى إسقاط المسؤوليات المترتبة على الحكومة الفرنسية، وانتقالها إلى الحكومة السورية فور وضع المعاهدة موضع التنفيذ... لكنها لم تأت على ذكر الانتداب ولا على موعد انتهائه وانسحاب الجيش الفرنسي من البلاد والاستقلال الناجز، وتضمنت المعاهدة أيضاً ثماني مواد تدور جميعها حول التعاون العسكري.
انتخب المجلس النيابي هاشم الأتاسي ـ رئيس الكتلة الوطنية ونائب حمص ـ رئيساً للجمهورية في كانون الأول عام 1936 وذلك بعد استقالت محمد علي العابد، وبقي في منصبه حتى استقالته في تموز عام 1939 عندما نقض الفرنسيون المعاهدة وأبطلوا النظام الجمهوري وتم سلخ لواء الاسكندرون وضمه إلى تركيا.
تولى هاشم الأتاسي حكومة انتقالية لإعادة الأوضاع الدستورية والاستقرار في البلاد بعد الانقلاب الثاني الذي قام به الزعيم سامي الحناوي في 14 آب 1949، إلى ما بعد انتخاب الجمعية التأسيسية. وبعد انتخاب الجمعية التأسيسية أعيد انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية عام 1950.
إلا أنه استقال احتجاجا على تدخل أديب الشيشكلي في شؤون الدولة، وعارض حكمه ورعى مؤتمراً من الأحزاب في حمص لمناهضته ونشر بيان باسمه، وبعد الإطاحة بحكم الشيشكلي أُسندت رئاسة الجمهورية إلى هاشم الأتاسي لاستكمال مدته الدستورية فاستمر حتى انتهت مدة ولايته في أيلول/1955، فاعتكف في داره بحمص إلى أن توفي في 6/12/1960، ودفن في حمص.

عرف هاشم الأتاسي بنقاء السيرة والنزاهة والإخلاص، وكان دائماً في مقدمة الصف الوطني صلابة ومركزاً واحتراماً، ومقدرة على معالجة الأمور باستقامة. وإذا لم يرتح ضميره إلى موقف، غادر الحكم بشجاعة وبلا تردد.

moudar
24-May-2011, 06:48 AM
إدريس السنوسي


لم تكن الحركة السنوسية مثل كثير من الطرق الصوفية تقصر اهتمامها على شئون العبادة غير ناظرة إلى أحوال الناس وقضاياهم، بل كانت حركة دين ودولة، وعلم وعمل، وتربية وجهاد. وكانت الزوايا التي أنشأتها في ليبيا وأفريقيا الغربية دور عبادة وتعليم ومراكز حياة واجتماع، ومقر حكم وسلطان.
وقد ترك السنوسيون منذ أن تأسست طريقتهم في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري أثرا واضحا، جعل الدولة العثمانية صاحبة الأمر في ليبيا وقتذاك تعتمد على جهود السنوسيين في حكومة البلاد الداخلية، ثم في مكافحة الاستعمار الذي بدأ يتغلغل في أفريقية الغربية.
وحين أغار الطليان على ليبيا سنة (1329هـ 1911م) حملت السنوسية راية الجهاد المقدس ضد العدو الغاصب أكثر من 30 عاما.
وقد عرفت السنوسية منذ بدء الحركة حتى نهايتها أربعة زعماء وقادة مصلحين تولوا أمورها ونشروا تعليمها، وهم: السيد محمد بن علي السنوسي مؤسس الحركة، وابنه السيد المهدي، والسيد أحمد الشريف، أما الرابع فهو إدريس السنوسي.

المولد والنشأة
ولد محمد إدريس ابن السيد المهدي ابن محمد السنوسي في (20 من رجب 1307هـ= 12 من مارس 1890م) في منطقة الجبل الأخضر ببرقة، ونشأ في كنف أبيه الذي كان قائما على أمر الدعوة السنوسية في ليبيا، وعلى يديه وصلت إلى ذروة قوتها وانتشارها.
وقد التحق إدريس السنوسي بالكتاب، فأتم حفظ القرآن الكريم بزاوية "الكفرة"، مركز الدعوة السنوسية، ثم واصل تعليمه على يد العلماء السنوسيين، ثم رحل إلى برقة سنة (1320هـ=1902م)، وتشاء الأقدار أن يتوفى في هذا العام أبوه "السيد المهدي" بعد أن بلغت الدعوة في عهده الذروة والانتشار، ووصل عدد "الزوايا" إلى 146 زاوية موزعة في برقة وطرابلس وفزان والكفرة ومصر والسودان وبلاد العرب، وانتقلت رئاسة الدعوة إلى السيد أحمد الشريف السنوسي، وصار وصيا على ابن عمه إدريس وجعله تحت عنايته ورعايته.

الغزو الإيطالي لليبيا
وعندما تعرضت ليبيا للغزو لإيطالي سنة 1329هـ 1911م تحمل السنوسيون عبء الدفاع عن شرف البلاد ورد العدو الغاصب على الرغم من التباين الواضح في العدد والعتاد بين الغزاة الإيطاليين والسنوسيين. ولم تكن الحامية العثمانية المرابطة في ليبيا البالغ عددها نحو 2210 قادرة على مواجهة جيش يبلغ نحو 40 ألف جندي؛ وهو ما جعل مسئولية الدفاع تقع على عاتق أهالي البلاد.
تحمل ومنذ أن احتل الإيطاليون البلاد لم تنقطع أعمالهم الوحشية ضد أهالي البلاد، وتجرد سلوكهم سواء في أثناء عملياتهم العسكرية أو بعدها من كل شعور إنساني، فاقترنت أعمالهم بفظائع مخزية جعلت من احتلالهم صفحات سوداء ليس فقط في تاريخ إيطاليا بل في تاريخ الإنسانية.
ولعل أفظع تلك الجرائم التي ارتكبها الإيطاليون ما كان بعد سقوط مدينة طرابلس حيث ارتكبوا مذبحة وحشية في ناحية المنشية، وقتلوا من الأهالي عددا يتراوح بين 4 و7 آلاف نسمة، ومثلوا بالكثيرين، وهتكوا أعراض النساء، وأمعنوا في التنكيل فيمن نجا، فنفوا 900 وألقوا أعدادا عظيمة من الرجال والنساء في غياهب السجون، وتذرع الإيطاليون لقيامهم بهذا العمل الوحشي بأن ادعوا زورا وبهتانا أن أهالي هذه المنطقة كان يقومون بعمليات اغتيال للجنود الغزاة.
وبعد انسحاب القوات العثمانية من طرابلس تحمل السيد أحمد الشريف السنوسي قيادة المجاهدين في ليبيا، ومواجهة المحتل الغاصب بكل ما يملك، وعلى الرغم من قلة عددهم وعتادهم فإنهم كانوا يوقعون في العدو خسائر هائلة، وكان المجاهدون قد عمدوا ألا يقاتلوا الإيطاليين في وقائع منظمة، واتجهوا إلى حرب العصابات الخاطفة، وكانت هذه الطريقة شديدة الفتك بالإيطاليين.
وفي أثناء هذه الفترة كان السيد إدريس السنوسي قد بلغ السن التي تمكنه من تحمل أعباء الدعوة السنوسية، ورأى بعض القادة السنوسيين أن يتولى إدريس قيادة الدعوة لكنه رفض هذا الأمر؛ احتراما لابن عمه وتقديرا له.

السنوسيون يهاجمون بريطانيا
وبعد قيام الحرب العالمية الأولى سحبت إيطاليا كثيرا من قواتها بليبيا بسبب اشتراكها في هذا الحرب، وفي الوقت نفسه رأى السنوسيون أن يساعدوا الدولة العثمانية التي دخلت الحرب أيضا، فقام السيد أحمد الشريف بحملة عسكرية على مصر، كان الغرض منها إرغام بريطانيا على القتال في حدود مصر الغربية، ومن ثم شغلها عن الحملة التركية الألمانية على قناة السويس، غير أن هذا الحملة فشلت، وعاد السيد أحمد شريف إلى بلاده منهزما، تاركا مهمة قيادة الدعوة السنوسية إلى ابن عمه محمد إدريس السنوسي، فاستطاع أن يقبض على الأمور بيد قوية ويضرب على أيدي المفسدين، واتخذ من مدينة "أجدابية" مقرا لإمارته الناشئة، وأخذ يشن الغارات على معسكرات الإيطاليين.
مفاوضات بين إدريس وإيطاليا
ولما أوشكت الحرب العالمية الأولى على الانتهاء، ولم تكن المعارك بين الليبيين والإيطاليين حاسمة، لجأ الطرفان إلى مائدة المفاوضات، وعقدا هدنة في سنة (1336هـ= 1917م) يعلنان فيها أنهما راغبان في وقف القتال والامتناع عن الحرب. وتضمنت هذه الهدنة عدة بنود، منها أن يقف الإيطاليون عند النقط التي كانوا يحتلونها، وأن يبقى على المحاكم الشرعية، وأن تفتح المدارس العملية والمهنية في برقة، وأن تعيد إيطاليا الزوايا السنوسية والأراضي التابعة لها، وأن تعفى من الضرائب، وفي مقابل ذلك يتعهد السنوسيون بتسريح جنودهم وتجريد القبائل من السلاح.
غير أن بنود هذه الهدنة لم تجد من ينفذها، فعاود الطرفان المفاوضات من جديد وعقدا اتفاقا جديدا سنة (1339هـ=1920م) عرف باتفاق "الرجمة" بموجبه قسمت برقة إلى قسمين: شمالي، وفيه السواحل وبعض الجبل الأخضر، ويخضع للسيادة الإيطالية، وجنوبي، ويشمل: الجغبوب، وأوجيلة، وجالوا، والكفرة، ويكون إدارة مستقلة هي الإمارة السنوسية، ويتمتع السيد محمد إدريس بلقب "أمير" مع حفظ حقه في التجول في جميع أنحاء برقة، ويتدخل في إدارة المنطقة الإيطالية متى شعر أن مصلحة أهالي البلاد تتطلب ذلك، وفي الوقت نفسه تعهد الأمير بأن يحل قواته العسكرية، على أن يحتفظ بألف جندي فقط يستخدمهم في شئون الإدارة وحفظ النظام.

إدريس زعيما للبلاد
لم تنجح هذه الاتفاقيات في تهدئة الأوضاع في البلاد وتوفير الاستقرار، وكانت أصابع إيطاليا وراء زرع بذور الشقاق في البلاد، وأدرك العقلاء أنه لا بد من توحيد الصف لمواجهة الغازي المحتل فعقد مؤتمر في "غربان" حضره زعماء الحركة الوطنية، وذلك في (ربيع الأول 1339هـ=نوفمبر 1920م)، واتخذ فيه القرار التالي: "إن الحالة التي آلت إليها البلاد لا يمكن تحسينها إلا بإقامة حكومة قادرة ومؤسسة على ما يحقق الشرع الإسلامي من الأصول بزعامة رجل مسلم منتخب من الأمة، لا يعزل إلا بحجة شرعية وإقرار مجلس النواب، وتكون له السلطة الدينية والمدنية والعسكرية بأكملها بموجب دستور تقره الأمة بواسطة نوابها، وأن يشمل حكمه جميع البلاد بحدودها المعروفة".
وقد انبثق عن هذا المؤتمر هيئة الإصلاح المركزية، قامت سنة (1341هـ= 1922) بمبايعة إدريس السنوسي أميرا للقطرين طرابلس وبرقة، وذلك من أجل توحيد العمل في الدفاع عن البلاد، والجهاد ضد المحتلين.
وكان قبول السنوسي لهذه البيعة وتوحيد الجهود هو ما تخشاه إيطاليا، وأدرك السنوسي بقبوله هذا أن إيطاليا لا بد أن تضمر الشر، وأنه صار هدفا، فذهب إلى مصر لمواصلة الجهاد من هناك، تاركا عمر المختار يقود حركة المقاومة فوق الأراضي الليبية، وكانت القضية الليبية تلقى عونا وتعاطفا من جانب المصريين.
وبعد أن استولى الفاشيون على الحكم في إيطاليا سنة (1341هـ= 1922م) اشتدت وطأة الاحتلال في ليبيا، وعادت المذابح البشرية تطل من جديد، واستولى المحتلون على الزوايا السنوسية وأعلنوا إلغاء جميع الاتفاقات التي عقدتها الحكومة الإيطالية مع السنوسيين، وكان من نتيجة ذلك أن اشتعلت حركة الجهاد، وكلما عجز المحتلون على وقف المقاومة أمعنوا في أساليب الإبادة، والإفناء ومحاربة اللغة العربية والإسلام، والعمل على تنصير المسلمين وإضعاف الدين والأخلاق.

السنوسي في مصر
وبعد أن استقر إدريس السنوسي في القاهرة أصبحت حركته محدودة بعد أن فرض عليه الاحتلال البريطاني في مصر عدم الاشتغال بالسياسة، وكان من حين إلى آخر يكتب في الصحف المصرية حول قضية بلاده.
ولم اشتعلت الحرب العالمية الثانية نشط إدريس السنوسي وعقد اجتماعا في داره بالإسكندرية حضره ما يقرب من 40 شيخا من المهاجرين الليبيين، وذلك في (6 من رمضان 1359هـ= 20 من أكتوبر 1939م) وانتهى الحاضرون إلى تفويض الأمير في أن يقوم بمفاوضة الحكومة المصرية والحكومة البريطانية لتكوين جيش سنوسي، يشترك في استرجاع الوطن بمجرد دخول إيطاليا الحرب ضد الحلفاء.
وبدأ الأمير في إعداد الجيوش لمساندة الحلفاء في الحرب، وأقيم معسكر للتدريب في إمبابة بمصر بلغ المتطوعون فيه ما يزيد عن 4 آلاف ليبي، كانوا فيما بعد عونا كبيرا للحلفاء في حملاتهم ضد قوى "المحور" في شمال أفريقيا، وساهموا مساهمة فعلية في الحرب، بالإضافة إلى ما قدمه المدنيون في ليبيا من خدمات كبيرة للجيوش المحاربة ضد إيطاليا.

عودة إدريس إلى ليبيا
ولما انتهت الحرب بهزيمة إيطاليا، وخروجها من ليبيا، عاد إدريس السنوسي إلى ليبيا في (شعبان 1364هـ= يوليو 1944م) فاستقبله الشعب في برقة استقبالا حافلا.
وما إن استقر في برقة حتى أخذ يعد العدة لنقل الإدارة إلى حكومته، فأصدر قرارا بتعيبن حكومة ليبية تتولى إدارة البلاد، وأصدر دستور برقة، وهو يعد وثيقة مهمة من وثائق التاريخ العربي الحديث، وقد تكفل هذا الدستور حرية العقيدة والفكر، والمساواة بين الأهالي وحرية الملكية، واعتبر اللغة العربية لغة الدولة الرسمية، ونص الدستور على أن حكومة برقة حكومة دستورية قوامها مجلس نواب منتخب.
وفي عام (1366هـ= 1946م) اعترفت إيطاليا باستقلال ليبيا، وبحكم السيد محمد إدريس السنوسي لها، ولم تكن إمارته كاملة السيادة بسبب وجود قوات إنجليزية وفرنسية فوق الأراضي الليبية.

ميلاد دولة ليبيا
ونتيجة لمطالبة الليبيين بضرورة الاحتفاظ بوحدة الأقاليم الثلاثة (برقة- طرابلس- فزان) تحت زعامة الأمير إدريس أرسلت الأمم المتحدة مندوبها إلى ليبيا لاستطلاع الأمر، وأخذ رأي زعماء العشائر فيمن يتولى أمرهم، فاتجهت الآراء إلى قبول الأمير إدريس السنوسي حاكما على ليبيا.
اتجه الأمير بعد أن توحدت البلاد تحت قيادته إلى تقوية دولته، فأسس أول جمعية وطنية تمثل جميع الولايات الليبية في (13 من صفر 1370هـ= 25 من نوفمبر 1950)، وقد أخذت هذه الجمعية عدة قرارات في اتجاه قيام دولة ليبية دستورية، منها أن "تكون ليبيا دولة ديمقراطية اتحادية مستقلة ذات سيادة على أن تكون ملكية دستورية، وأن يكون سمو الأمير السيد محمد إدريس السنوسي أمير برقة ملك المملكة الليبية المتحدة"، كما انصرفت إلى وضع دستور للمملكة، وأصدرته في (6 من المحرم 1371هـ= 7 من أكتوبر 1951م) متضمنا 204 مواد دستورية.
وبعد أن أعلن الملك إدريس السنوسي أن ليبيا أصبحت دولة ذات سيادة عقب إصدار الدستور انضمت إلى جامعة الدول العربية سنة (1373هـ= 1953م) وإلى هيئة الأمم المتحدة سنة (1375هـ= 1955م).

نهاية الملكية ووفاة السنوسي
ظل السنوسي ملكا على ليبيا حتى قامت ثورة الفاتح في 16 من جمادي الآخر 1389 = 1 سبتمبر 1969م بزعامة العقيد معمر القذافي فأطاحت بحكم الملك إدريس السنوسي، الذي انتقل إلى مصر لاجئا سياسيا، وظل بها مقيما حتى توفي في (12 من شعبان 1404هـ= 25 من مايو 1983م).

moudar
25-May-2011, 10:52 AM
إحسان عبد القدّوس
أبصر النور في الأول من كانون الثاني عام 1919 بالقاهرة الكاتب والروائي المصري إحسان عبد القدوس، نشأ في بيئة فنية فوالده مُحمَّد عبد القدوس كان ممثلا ومؤلفا وأمه اللبنانية إبنة مدينة طرابلس فاطمة اليوسف الشهيرة بروز اليوسف، التي عملت ممثلة فترة طويلة، ثم إنتقلت إلى الصحافة، حيث أفتتحت دار تحمل أسمها، وهي الدار التي خطا فيها إبنها إحسان أول خطواته في عالم الصحافة والأدب، حيث إلتقى في مكتب والدته بأحمد شوقي (أمير الشعراء) وعباس محمود العقاد، وغيرهم من مشاهير الأدب في مصر ، بعد تخرجه من كلية الحقوق في العام 1942، بدأ إحسان عبد القدوس عمله في الصحافة بمجلة والدته روز اليوسف مخبرا صحفيا وتنقل قبل أن يتولى رئاسة تحرير مجلة روز اليوسف، من القضايا الهامة والشهيرة التي فجّرها قضية الأسلحة الفاسدة مع الجيش المصري، عقب حرب فلسطين في الأربعينات، ومن خلال عرض هذه القضية تعرّف على الضابطين جمال عبد الناصر وأنور السادات، كما صادق خالد محي الدين، الذين كانوا يترددون على المجلة، وتعرض إحسان عبد القدوس بعد إثارة هذه القضية إلى أولى محاولات إغتياله بالطعن بالسكين من الخلف، إستمرت هذه المحاولات حتى بلغت أربع محاولات على مدى عمره، وقُدمت أعماله في السينما والتلفزيون والمسرح ومن قصصه التي تحولت إلى أفلام سينمائية:
v اللَّه معنا
v لا تطفئ الشمس
v في بيتنا رجل
v الخيط الرفيع
v أنا حرّة
v الطريق المسدود
v بئر الحرمان
v الوسادة الخالية
v أنف وثلاث عيون
v أبي فوق الشجرة
v دمي ودموعي وإبتسامتي
v بعيدا عن الأرض
v العذراء والشعر الأبيض
v لاأنام
وغيرها كثير، والكاتب إحسان عبد القدوس هو صاحب فكرة إنشاء نادي القصة والمجلس الأعلى للفنون والآداب، شاركه في التنفيذ صديقه الكاتب يوسف السباعي وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور، توفّي إحسان عبد القدوس في الثاني عشر من شهر كانون الثاني/يناير عام 1990 .

moudar
26-May-2011, 02:15 PM
بدر شاكر السياب
البداية السريعة على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي من البصرة، وعلى مسافة تقطعها السيارة في خمس وأربعين دقيقة تقع أبو الخصيب التي تمثل مركز قضاء تابع للواء البصرة يضم عددا من القرى من بينها قرية لا يتجاوز عدد سكانها ألفا ومائتي نسمة تقع على ما يسمى نهر أبو فلوس من شط العرب تدعى جيكور تسير إليها في طريق ملتوية تمتد بالماشي مدى ثلاثة أرباع الساعة من أبي الخصيب وهي الزاوية الشمالية من مثلث يضم أيضا قريتين أخريين هما بكيع وكوت بازل، قرى ذات بيوت من اللبن و الطين، لا تتميز بشيء لافت للنظر عن سائر قرى العراق الجنوبي.

فهي عامرة بأشجار النخيل التي تظلل المسارح المنبسطة ويحلو لأسراب الغربان أن تردد نعيبها فيها، و عند أطراف هذه القرى مسارح أخرى منكشفة تسمى البيادر، تصلح للعب الصبيان ولهوهم في الربيع والخريف، وتغدو مجالا للنوارج في فصل الصيف، فكل شخص يعمل في الزراعة ويشارك في الحصاد و الدراس، ويستعين على حياته بتربية الدجاج والأبقار، ويجد في سوق البصرة مجالا للبيع أو المقايضة، ويحصل على السكر و البن والشاي وبعض الحاجات الضرورية الأخرى لكي ينعم في قريته بفضائل الحضارة المادية، وإذا كان من الطامحين إلى (الوجاهة) فلا بأس أن يفتح ديوانا يستقبل فيه الزائرين من أهل القرية أو من الغرباء ليشاركوه في فضائل تلك الحضارة المادية.

السياب - دراسة في حياته وشعره

والبلدة التي ولد الشاعر في إحدى قراها و أكمل دراسته الأولى فيها والتي بقي يتردد إليها طيلة عمره القصير، برز فيها شعراء كثيرون، وان لم يشتهروا كشهرته، لضعف وسائل الأعلام ولخلود أكثرهم إلى السكينة ولعزوفهم عن النشر، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشعراء محمد محمود من مشاهير المجددين في عالم الشعر والنقد الحديث، ومحمد علي إسماعيل، زميل السياب في العالية وصاحب الشعر الكثير، وأبوه شاعر مشهور أيضا واسمه ملا علي إسماعيل، ينظم القريض والشعر العامي، والشاعر خليل إسماعيل توفي في 1961 الذي ينظم المسرحيات الشعرية ويخرجها بنفسه ويصور ديكورها بريشته.

والشاعر مصطفي كامل الياسين الدكتور و الموظف الكبير في الخارجية وعبد الستار عبد الرزاق الجمعة، وعبد الباقي لفته و عبداللطيف الدليسي وعبدالحافظ الخصيبي ومؤيد العبدالواحد الشاعر الوجدان بالرقيق ومن رواة شعر السياب، والشاعر الأستاذ سعدي يوسف هو من أبناء أبي الخصيب، ظهرت له عدة دواوين شعرية، ونال شهرة واسعة بين شعراء البلاد العربية، اشتهر كالسياب بشعره الحر ونذكر الشاعر الشعبي عبد الدايم السياب، من أقارب الشاعر ولشعره شهرة في المنطقة الجنوبية، والشاعر الشعبي كذلك عدنان دكسن وهو معلم.

ولد السياب في منطقة (بكيع) بكاف فارسية وجيكور محلة صغيرة فيها وهي كلمة فارسية تعني (بيت العميان) وتبعد عن أبي الخصيب بما يقارب الكيلوين و تقع القرية على شط العرب، وأمامها جزيرة جميلة اسمها (الطويلة) كثيرا ما كان السياب يقضي الساعات الطوال فيها، ونهر (بويب) الذي تغنى به الشاعر كثيرا، يسيل في أملاك عائلة السياب وهو يتفرع من النهر الكبير إنها قرية صغيرة اسمها مأخوذ من العبارة الفارسية (جوي كور) أي الجدول الأعمى وآل السياب يملكون أراضي مزروعة بالنخيل، وهم مسلمون سنيون عرفتهم جيكور لأجيال عدة. وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا من كبار الملاكين في جنوب العراق، فانهم كانوا يحيون حياة لائقة محترمة حسب المعايير المحلية إن أعضاء الأسرة من الذكور لا يزيدون على ثلاثين في الوقت الحاضر مصطفى السياب، في رسالة إلى المؤلف، بيروت 32 نيسان 1966 لكن الأسرة كان أكبر مما هي اليوم في أوائل القرن التاسع عشر إذ كانت تصم عائلة المير لكن كثيرين من أعضائها ماتوا في الطاعون الذي انتشر في العراق سنة 1831 وكان سياب بن محمد بن بدران المير أحد أعضائها، وكان قد فقد جميع أهله الأقربين.

وكلمة سياب بتشديدها بضم السين أو فتحها : اسم يطلق على البلح أو البسر الأخضر. لكن قصة تروى في العائلة تزعم أنه دعي بهذا الاسم لأنه فقد جميع أقربائه وسيب وحيدا. وهي تلفظ سياب في اللهجة المحلية بتسكين السين.

وفي عام تزوج شاكر بن عبد الجبار ابنة عمه كريمة، وكانت أمية في السابعة عشرة من عمرها. وأسكنها معه في دار والده على ما تقضي به العادات المرعية. وفي 1926 ولدت له ابنا دعاه (بدرا). وقد طار به فرحا وسجل تاريخ ميلاده حتى يتذكره، لكنه ما لبث أن فقده وبقي تاريخ ميلاد بدر مجهول ولم تكن إدارة البلاد في ذلك الوقت متفرغة لتنظيم تسجيل المواليد، ولا سيما في النواحي النائية. وفي 1928 ولدت له ابنا ثانيا دعاه عبدالله، وفي 1930 ولدت له ابنا ثالثا دعاه مصطفى وكان فخورا بأبنائه الثلاثة، واثقا من أنهم سيكبرون ويساعدونه في عمله لكن أحدا منهم ما ساعده كما كان ينتظر ويأمل
أما في البيت فقد كان بدر يلعب مع أصدقائه فيشاركه أخواه الأصغران. وكان الأماكن المحببة للعبهم بيت واسع قديم مهجور يدعى (كوت المراجيح) باللهجة المحلية

وكان هذا البيت في العهد العثماني يؤوي عبيد الأسرة (مصطفى السياب، من مقابلة مع المؤلف، بيروت 14 حزيران 1966) و من هنا أسمه، إذا معنى (المراجيح) المراقيق أي الرقي أو العبيد وقد دعاه بدر في شعره فيما بعد (منزل الأقنان) كانوا يلعبون في فنائه بالقفز على مربعات ودوائر تخطط على الأرض وما شابه ذلك من العاب القفز، واكن يلذ لهم كذلك أن يرووا عنه قصص الأشباح. وقد جعله بدر مقرا لجريدة خطية كان يصدرها مدة باسم (جيكور) تتناقلها أيدي صبيان القرية، ثم تعود في ختام المطاف لتجد محلها على الحائط في غرفة الإدارة وتشمل ذكرياته أقاصيص جده - على نحو مبهم- وقصص العجائز من عمة وجدة وغيرهما، و من أقاصيصهما حكاية عبد الماء الذي اختطف زينب الفتاة القروية الجميلة، وهي تملأ جرتها من النهر، ومضى بها إلى أعماق البحر و تزوجها، و أنجبت له عددا من الأطفال، ثم رجته ذات يوم أن تزور أهلها، فأذن لها بذلك، بعد أن احتفظ بأبنائه ليضمن عودتها، و لكنها لم تعد, فأخذ يخرج من الماء ويناديها ويستثر عاطفتها نحو الأطفال، و لكنها أصرت على البقاء، و أخيرا أطلق أهلها النار على الوحش فقتلوه، أما الأطفال فتختلف روايات العجائز حول مصيرهم كذلك تشمل ذكرياته لعبه على شاطئ بويب، وهو لا يفتأ يذكر بيتا في بقيع يختلف عن سائر البيوت، في أبهائه الرحبة، وحدائقه الغناء، ولكن اشد ما يجذب نظره في ذلك المنزل الإقطاعي تلك الشناشيل، وهي شرفة مغلقة مزينة بالخشب المزخرف و الزجاج الملون غير أن الشاعر حين يتحدث من بعد عن بيت العائلة في جيكور فإنما يعني البيت الذي ولد فيه وعاش فيه سنوات طويلة في ظل أمه، وقضى فترات متقطعة من صباه وشبابه الباكر في جنباته، وهكذا ينبسط اسم (جيكور) على القريتين إذا ليست بقيع في واقع الحال الا حلة من جيكور.

ولابد لنا من أن نشير إلى أن بعض الصحفيين زاروا هذا البيت في عام 1965 وكان مما قالوه في وصفه : البيت قديم جدا وعال، وقد تحللت جذور البيت حتى أصبحت كأسفل القبر، والبيت ذو باب كبير كباب حصن كتب عليه بالطباشير اسم ؛ عبد المجيد السياب
وهو الذي يسكن الآن في الغرفة الوحيدة الباقية كان البيت قبل عشر سنين يموج بالحركة والحياة، أما سبب هجر عائلة السياب لهذا البيت أو بالأحرى لجيكور فهو بسبب ذهاب الشباب إلى المدن بعد توظيفه" جريدة الثورة العربية، بغداد عدد 184 - 12 شباط 1965
دخل السياب في أول مراحله الدراسية مدرسة باب سليمان الابتدائية في أبي الخصيب، ثم انتقل إلى المحمودية الابتدائية التي أسسها المرحوم محمود باشا العبد الواحد في سنة 1910 في العهد العثماني، وبقيت تحمل اسمه حتى الآن وتخرج من هذه المدرسة في تاريخ 1-10-1938 ولدى مراجعة محمود العبطة سجلات المدرسة المحمودية ، عثر على معلومات خاصة بالشاعر نقلها من السجل رقم 6 وصفحة السجل 757 والمعلومات هي.

moudar
27-May-2011, 06:55 PM
بدر شاكر السياب 2

عاش بدر طفولة سعيدة غير إنها قصيرة سرعان ما تحطمت إذ توفيت أمه عام 1932 أثناء المخاض لتـترك أبناءها الثـلاثة وهى في الثالثة والعشرين من عمرها. وبدا بدر الحزين يتساءل عن أمه التي غابت فجأة، وكان الجواب الوحيد: ستعود بعد غد فيما يتهامس المحيطون به: أنها ترقد في قبرها عند سفح التل عند أطراف القرية وغابت تلك المرأة التي تعلق بها ابنها الصغير، وكان يصحبها كلما حنت إلى أمها، فخفت لزيارتها، أو قامت بزيارة عمتها عند نهر بويب حيث تملك بستانا صغيرا جميلا على ضفة النهر، فكان عالم بدر الصغير تلك الملاعب التي تمتد بين بساتين جيكور ومياه بويب وبينها ما غزل خيوط عمره ونسيج حياته وذكرياته وما كان أمامه سوى اللجوء إلى جدته لأبيه (أمينة) وفترة علاقته الوثيقة بأبيه بعد أن تزوج هذا من امرأة أخرى سرعان ما رحل بها إلى دار جديدة بعيدا عن بدر وأخـويه، ومع أن هذه الدار في بقيع أيضا، غير أن السياب أخويه انضموا إلى دار جده في جيكور القرية الأم، ويكبر ذلك الشعور في نفس بدر بأنه محروم مطرود من دنيا الحنو الأمومي ليفر من بقيع وقسوتها إلى طرفه تدسها جدته في جيبه أو قبلة تطبعها على خده تنسيه ما يلقاه من عنت وعناء، غير أن العائلة تورطت في مـشكلات كبيرة ورزحت تحت عبء الديون، فبيعت الأرض تدريجيا وطارت الأملاك ولم يبق منها إلا القليل يذكر بالعز القديم الذي تشير إليه الآن أطلال بيت العـائلة الشاهق المتحللة ويذهب بدر إلى المدرسة، كان عليه أن يسير ماشيا إلى قرية باب سليمان غرب جيكور لينتقل بعدها إلى المدرسة المحمودية الابتدائية للبنين في أبي الخصيب التي شيدها محمود جلبي العبد الواحد أحد أعيان أبي الخصيب، وكان بالقرب من المدرسة البيت الفخم الذي تزينه الشرفات الخشبية المزججة بالزجاج الملون الشناشيل و التي ستكون فيما بعد اسما لمجموعة شعرية متميزة هي شناشيل ابنة الجلبي- الجلبي لقب للأعيان الأثرياء- وفى هذه المدرسة تعلم أن يردد مع أترابه أهزوجة يرددها أبناء الجنوب عند هطول المطر، ضمنها لاحقا في إحدى قصائده :

يا مطرا يا حلبي عبر بنات الجلبي
يا مطرا يا شاشا عبر بنات الباشا

وفى هذه المرحلة المبكرة بدأ ينظم الشعر باللهجة العراقية الدارجة في وصف الطبيعة أو في السخرية من زملائه، فجذب بذلك انتباه معلميه الذين شجعوه على النظم باللغة الفصيحة، وكانت العطلة الصيفية التي يقضيها في جيكور مجلبة لسروره وسعادته إذ كان بيت العبيد الذي غدا الآن مهجورا، المكان المحبب للعبهم برغم ما يردده الصبية وخيالهم الفسيح عن الأشباح التي تقطنه وكانت محبة جدته أمينة تمنحه العزاء والطمأنينة والعطف غير انه سرعان ما فقدها إذ توفيت في أيلول 1942 ليكتب في رثائها قصيدة:

جدتي من أبث بعدك شكواي؟
طواني الأسى وقل معيني
أنت يا من فتحت قلبك بالأمس لحبي
أوصدت قبرك دوني
فقليل على أن اذرف الدمع
ويقضى على طول أنيني


وتفاقم الأمر إذ باع جده ما تبقى من أملاكه مرغما، إذ وقع صغار الملاك ضحية للمالكين الكبار و أصحاب مكابس التمر والتجار والمرابين وكان بدر يشعر بالظلم واستغلال القوى للضعيف وكانت طبيعته الرومانسية تصور له مجتمعا مثاليا يعيش فيه الناس متساوين يتعاون بعضهم مع بعض بسلام هذه النظرة المثالية عمقها شعور بدر بأن أسرته كانت عرضه للظلم والاستغلال فضلا عما لحق به إذ فقد أمه وخسر أباه و أضاع جدته وسلبت حبيبته منه وكان قد بدأ يدرك انه لم يكن وسيما هذا كله احتشد في أعماق روحه ليندلع فيما بعد مثل حمم بركان هائج تدفق شعرا ملتهبا في مدينة بغداد صيف 1943 أنهى بدر دراسته الثانوية، وقـبل في دار المعلمين العالية ببغداد (كلية التربية) وكان في السابعة عشرة من عمره ليقضى فيها أربعة أعوام وعثر (محمود العبطة) على درجات الشاعر في الصف الثالث من الدار المذكورة في مكتبة أبي الخصيب وبحيازة مأمورها الأستاذ عبد اللطيف الزبيدي، وهي من جملة الوثائق التي أودعتها زوجة المرحوم السياب ففي المكتبة عندما زار وفد من مؤتمر الأدباء العرب السادس ومؤتمر الشعر العربي، أبي الخصيب وقرية الشاعر جيكور وهي وريقة بحجم الكف مطبوعة على الآلة الكاتبة تشمل المعلومات التالية

نتائج الطلبة 1946 - 1947

إسم الطالب : بدر شاكر السياب

الصف والفرع : الثالث – اللغة الإنكليزية

اللغة العربية 97 / اللغة الإنكليزية 91/ اللغة الفرنسية 90/ الأدب الإنكليزي 76 /التاريخ الإنكليزي 72/ علم النفس 89/ التعليم الثانوي 84/ الترجمة 88/ المعدل 86

النتيجة : ناجح الثاني في صفه عميد دار المعلمين

كتب السياب خلال تلك الفترة قصائد مترعة بالحنين إلى القرية والى الراعية هالة التي احبها بعد زواج وفـيقة ويكتب قصائده العمودية أغنية السلوان و تحية القرية.. الخ

ويكسب في بغداد ومقاهيها صداقة بعض من أدبائها وينشر له ناجي العبيدي قصيدة لبدر في جريدته الاتحاد هي أول قصيدة ينشرها بدر في حياته تكونت في دار المعلمين العالية في السنة الدراسية 1944-1945 جماعة أسمت نفسها أخوان عبقر كانت تقيم المواسم و الحفلات الشعرية حيث ظهرت مواهب الشعراء الشبان، ومن الطبيعي تطرق أولئك إلى أغراض الشعر بحرية وانطلاق، بعد أن وجدوا من عميد الدار الدكتور متى عقراوي، أول عميد رئيس لجامعة بغداد و من الأساتذة العراقيين والمصريين تشجيعا

كان السياب من أعضاء الجماعة، كما كانت الشاعرة نازك الملائكة من أعضائها أيضا، بالإضافة إلى شاعرين يعتبران المؤسسين للجماعة هما الأستاذان كمال الجبوري والدكتور المطلبي، ولم يكن من أعضائها شعراء آخرون منهم الأستاذ حازم سعيد من مواليد 1924 وأحمد الفخري وعاتكة وهبي الخزرجي ويتعرف بدر على مقاهي بغداد الأدبية ومجالسها مثل مقهى الزهاوي ومقهى البلدية ومقهى البرازيلية وغيرها يرتادها مع مجموعة من الشعراء الذين غدوا فيما بعد (رواد حركة الشعر الحر) مثل بلند الحيدري وعبد الرزاق عبد الواحد ورشيد ياسين وسليمان العيسى وعبد الوهاب البياتي وغيرهم ويلتقي امرأة يحبها وهي لا تبادله هذا الشعور فيكتب لها


أبي.. منه جردتني النساء
وأمي.. طواها الردى المعجل
ومالي من الدهر إلا رضاك
فرحماك فالدهر لا يعدل

ويكتب لها بعد عشرين عاما- وكانت تكبره عمرا- يقول

وتلك.. لأنها في العمر اكبر
أم لأن الحسن أغراها
بأني غير كفء
خلفتني كلما شرب الندى ورق
وفتح برعم مثلتها وشممت رياها؟

غلام ضاو نحيل كأنه قصبة، ركب رأسه المستدير كحبة الحنظل، على عنق دقيقة تميل إلى الطول، وعلى جانبي الرأس أذنان كبيرتان، وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدب متدرج أنف كبير يصرفك عن تأمله العينين الصغيرين العاديتين على جانبيه فم واسع، تبز (الضبة) العليا منه ومن فوقها الشفة بروزا يجعل انطباق الشفتين فوق صفي الأسنان كأنه عما اقتساري وتنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه الحنطي فتدرك أن هناك اضطرابا في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقية علامة استفهام مبتورة وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أخريين قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيين وتزداد شهرة بدر الشاعر النحيل القادم من أقصى قـرى الجنوب، وكانت الفتيات يستعرن الدفتر الذي يضم أشعاره ليقرأنه، فكان يتمنى أن يكون هو الديوان


ديوان شعر ملؤه غزل
بين العذارى بات ينتقل
أنفاسي الحرى تهيم على
صفحاته والحب والأمل
وستلتقي أنفاسهن بها
وترف في جنباته القبل

يقول محمود العبطة: عندما أصدر الشاعر ديوانه الأول أزهار ذابلة في 1947 وصدره بقصيدة من الشعر العمودي مطلعها البيت المشهور(ديوان شعر ملوْه غزل
بين العذارى بات ينتقل)

اطلع على الديوان الشاعر التقدمي الأستاذ علي جليل الوردي، فنظم بيتا على السجية وقال للسياب، (كان الأولى لك أن تقول ديوان شعر ملوْه شعل بين الطليعة بات ينتقل)

وفى قصيدة أخرى يقول:

يا ليتني أصبحت ديواني
لأفر من صدر إلى ثان
قد بت من حسد أقول له
يا ليت من تهواك تهواني
ألك الكؤوس ولى ثمالتها
ولك الخلود وأنني فاني؟

ويتعرف السياب على شعر وود زورت وكيتس وشيلى بعد أن انتقل إلى قسم اللغة الإنجليزية ويعجب بشعر اليوت واديث سيتويل ومن ثم يقرأ ترجمة لديوان بودلير أزهار الشر فتستهويه ويتعرف على فتاة أضحت فيما بعد شاعرة معروفة غير أن عائق الدين يمنع من لقائهما فيصاب بإحباط آخـر، فيجـد سلوته في الانتماء السياسي الذي كانت عاقبته الفـصل لعـام دراسي كامل من كليته ومن ثم سجنه عام 1946 لفترة وجيزة أطلق سراحه بعدها ليسجن مرة أخرى عام 1948 بعد أن صدرت مجموعته الأولى أزهار ذابلة بمقدمة كتبها روفائيل بطي أحد رواد قصيدة النثر في العراق عن إحدى دور النشر المصرية عام 1947 تضمنت قصيدة هل كان حبا حاول فيها أن يقوم بتجربة جديدة في الوزن والقافية تجمع بين بحر من البحور ومجزوءاته أي أن التفاعيل ذات النوع الواحد يختلف عددها من بيت إلى آخر وقد كتب روفائيل بطي مقدمة للديوان قال فيها نجد الشاعر الطليق يحاول جديدا في إحدى قصائده فيأتي بالوزن المختلف وينوع في القافية، محاكيا الشعر الإفرنجي، فعسى أن يمعن في جرأته في هذا المسلك المجدد لعله يوفق إلى أثر في شعر اليوم، فالشكوى صارخة على أن الشعر الربي قد احتفظ بجموده في الطريقة مدة أطول مما كان ينتظر من النهضة الحديثة إن هذه الباكورة التي قدمها لنا صاحب الديوان تحدثنا عن موهبة فيه، وان كانت روعتها مخبوءة في اثر هذه البراعم - بحيث تضيق أبياته عن روحه المهتاجة وستكشف الأيام عن قوتها، و لا أريد أن أرسم منهجا مستقبلا لهذه القريحة الأصيلة تتفجر وتفيض من غير أن تخضع لحدود و القيود، ولكن سير الشعراء تعلمنا أن ذوي المواهب الناجحين، هم الذين تعبوا كثيرا، وعالجوا نفوسهم بأقصى الجهد، وكافحوا كفاح الأبطال، حتى بلغوا مرتبة الخلود ويتخرج السياب ويعين مدرسا للغة الإنجليزية في مدرسة ثانوية في مدينة الرمادي التي تبعد عن بغداد تسعين كيلومترا غربا، تقع على نهر الفرات. وظل يرسل منها قصائده إلى الصحف البغدادية تباعا، وفى يناير 1949 ألقي عليه القـبض في جيكور أثناء عطلة نصف السنة ونقل إلى سجن بغداد واستغني عن خدماته في وزارة المعارف رسميا فى25 يناير 1949 وافرج عنه بكفالة بعد بضعة أسابيع ومنع إداريا من التدريس لمدة عشر سنوات، فعاد إلى قريته يرجو شيئا من الراحة بعد المعاملة القاسية التي لقيها في السجن ثم توجه إلى البصرة ليعمل (ذواقة) للتمر في شركة التمور العراقية، ثم كاتبا في شركة نفط البصرة، وفى هذه الأيام ذاق مرارة الفقر والظلم والشقاء ولم ينشر شعرا قط، ليعود إلى بغداد يكابد البطالة يجتر نهاراته في مقهى حسن عجمي يتلقى المعونة من أصحابه اكرم الوتري ومحي الدين إسماعيل وخالد الشواف، عمل بعدها مأمورا في مخزن لإحدى شركات تعبيد الطرق في بغـداد وهكذا ظل يتنقل من عمل يومي إلى آخر، وفى عام 1950 ينشر له الخاقاني مجموعته الثانية (أساطير) بتشجيع من أكرم الوتري مما أعاد إلى روحه هناءتها وأملها بالحياة، وقـد تصدرتها مقدمة لبدر أوضح فيها مفهومه للشعر الجديد الذي يبشر به ويبدأ بدر بكتابة المطولات الشعرية مثل أجنحة السلام و اللعنات وحفـار القـبور والمومس العمياء وغيرها ويضطرب الوضع السياسي في بغداد عام 1952 ويخشى بدر أن تطاله حملة الاعتقالات فيهرب متخفيا إلى إيران ومنها إلى الكويت بجواز سفر إيراني مزور باسم (على آرتنك) على ظهر سفينة شراعية انطلقت من عبادان في يناير 1953، كتب عنها فيما بعد قصيدة اسمها فرار 1953 وهناك وجد له وظيفة مكتبية في شركة كهرباء الكويت حيث عاش حياة اللاجئ الذي يحن بلا انقطاع إلى أهله ووطنه، وهناك كتب أروع قصائده غريب على الخليج يقول فيها:

مازلت اضرب، مترب القدمين أشعث
في الدروب تحت الشموس الأجنبية
مـتخافق الأطمار
أبسط بالسؤال يدا نديه
صفراء من ذل وحمى
ذل شحاذ غريب بين العيون الأجنبية
بين احتقار، وانتهار، وازورار.. أوخطيه
والموت أهون من خطيه
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية
قطرات ماء.. معدنيه

moudar
28-May-2011, 10:25 PM
بدر شاكر السياب 3

ويعود إلى بغداد بعد انقضاء عدة اشهر يلتقي بأصدقائه القدامى في مقهى حسن، ويقطع صلته بالحركة السياسية التي كان ينتمي إليها بعد تجربته المريرة في الكويت مع بعض رفاقه السابقين الذين عاشوا معه في بيت واحد. ثم يصدر أمر وزاري بتعيينه في مديرية الاستيراد والتصدير العامة، ويستأجر بيتا متواضعا في بغداد ويستدعى عمته آسيه لترعى شؤونه اليومية تنشر له مجلة الآداب في يونيو 1954 أنشودة المطر تتصدرها كلمة قصيرة جاء فيها من وحي أيام الضياع في الكويت على الخليج العربي ويكتب بعدها المخبر تليها الأسلحة والأطفال وفي المغرب العربي ورؤيا فوكاي ومرثية الآلهة ومرثية جيكور وينشغل بالترجمة والكتابة، وتحل سنة1955 حيث يتزوج من إقبال شقيقة زوجة عمه عبد اللطيف، وهى معلمة في إحدى مدارس البصرة الابتدائية في العام نفسه نشر ترجماته من الشعر المعاصر في كتاب سماه قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث يحتوى على عشرين قصيدة لأليوت وستويل وباوند سبندر ودي لويس، ودي لامير و لوركا ونيرودا ورامبو وبريفير، وريلكه طاغـور وناظم حكمت وغيرهم.

وتقوم حرب السويس اثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ليكتب بعـدها السـيـاب قصيدته بور سعيد ألقاها في اجتماع عقد في دار المعلمين العالية ببغداد تضامنا مع شعب مصر وفي 2 ديسمبر 1956 تولد ابنته البكر غيداء، التي ستصبح مهندسة فيما بعد.

ويتعرف في شتاء1957 على مجلة جديدة ستلعب دورا هاما في مرحلته الفنية الجديدة تلك هي مجلة (شعر) اللبنانية كان محررها يوسف الخال وسرعان ما أصبح السياب أحد كتابها العديدين من دعاة التجديد في الشعر العربي مثل أدونيس وأنسي الحاج وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ، لتبدأ قطيعته مع مجلة الآداب التي تبنت نتاجه المدة السابقة وبدعوة من المجلة الجديدة يسافر إلى بيروت لاحياء أمسية شعرية تعرف خلالها على أدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبى شقرا وفؤاد رفقه ويوسف الخال، ويعود إلى بغداد أشد ثقة بشاعريته. واكثر إحساسا بالغبن في بلده حيث يجابه وعائلته مصاعب الحياة براتب ضئيل وتستهويه الأساطير التي دلها عليه (الغصن الذهبي) لجو فريزر والذي ترجم جبرا فصلا منه، فيكتب قصائد مثل المسيح بعد الصلب و(جيكور والمدينة) و(سربروس في بابل) و (مدينة السندباد) وهى قصائد تمتلئ بالرموز مثل المسيح ويهوذا وتموز وعشتار وسربروس والسندباد، ويجئ يوم 23 نوفمبر 1957 لتكتحل عينا الشاعر بابنه غيلان وقد كثف بدر فرحه بمولوده في قـصيـدته مرحى غيلان و فيها يقول:


بابا .. بابا
ينساب صوتك في الظلام إلى كالمطر الغضير
ينساب من خلل النعاس وأنت ترقد في السرير
من أي رؤيا جاء؟ أي سماوة؟ أي انطلاق؟
وأظل أسبح في رشاش منه، أسبح في عبير
أن أودية العراق
فـتـحت نوافـذ من رؤاك على سهادي
كل واد
وهبته عشتار الأزاهر والثمار
كأن روحي
في تربة الظلماء حبة حنطة
وصداك ماء أعلنت بعثي
يا سماء
هذا خلودي في الحياة
تكن معناه الدماء

وتأتى صبيحة 14 يوليو 1958 لتعلن عن نهاية الحكم الملكي على يد الجيش وتنسحب الجمهورية الوليدة من حلف بغداد تركيا، إيران، باكستان، العراق وتخرج من كتلة الإسترليني وتعلن قانون الإصلاح الزراعي وتطلق سـراح السجناء السياسيين، ويحس بدر أن ما تمناه طويلا قد تحقق، غير أن آمال بدر قد تهاوت اثر الانقسامات والاحترابات التي عصفت بالمجتمع آنذاك.

وفى السابع من أبريل 1959 فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات بأمر وزاري لتبدأ من جديد رحلة التشرد والفقر، كان نتاجها عدد من القصائد مثل العودة لجيكور و رؤيا في عام 1956 و المبغى .

في يوليو 1960 يذهب إلى بيروت لنشر مجموعة من شعره هناك، وتوافق وجوده مع مسابقة مجلة شعر لأفضل مجموعة مخطوطة فدفع بها إلى المسابقة ليفوز بجائزتها الأولى (1000 ل. ل) عن مجموعته أنشودة المطر التي صدرت عن دار شعر بعد ذلك وعاد إلى بغداد بعد أن ألغي فصله وعين في مصلحة الموانئ العراقية لينتقل إلى البصرة ويقطن في دار تابعة للمصلحة في الوقت نفسه بدأت صحته تتأثر من ضغط العمل المضني والتوتر النفسي، غير انه اعتقل ثانية في 4 فبراير 1961 ليطلق سراحه في 20 من الشهر نفسه، و أعيد تعيينه في المصلحة نفسها، غير أن صحته استمرت بالتدهور فقد بدا يجد صعوبة في تحريك رجليه كلتيهما وامتد الألم في القسم الأسفل من ظهره .

في 7 يوليو 1961 رزق بابنته آلاء في وقت ساءت فيه أحواله المالية، وغدا مثل قصبة مرضوضة. وحملته حالة العوز إلى ترجمة كتابين أمريكيين لمؤسسة فرانكلين، جرت عليه العديد من الاتهامات والشكوك.
ثم تسلم في العام نفسه دعوة للاشتراك في (مؤتمر للأدب المعاصر) ينعقد في روما برعاية المنظمة العالمية لحرية الثقافة، ويعود إلى بغداد ومن ثم إلى البصرة- محلة- المعقل- حيث الدار التي يقطنها منذ تعين في مصلحة الموانئ، يكابد أهوال المرض إذ لم يعد قادرا على المشي إلا إذا ساعده أحد الناس ولم يعد أمامه سوى السفر وهكذا عاد إلى بيروت في 18 أبريل 1962 أدخل مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، وبعد محاولات فاشلة لتشخيص مرضه غادر المستشفى بعد أسبوعين من دخوله إليه بعد أن كتب قصيدته الوصية يخاطب فيها زوجته إقبال:

يا زوجتي الحبيبه
لا تعذليني، ما المنايا بيدي
ولست، لو نجوت، بالمخلد
كوني لغيلان رضى وطيبه
كوني له أبا و أما وارحمي نحيبه


ويزوره اكـثر من طبيب في مرضه الميؤوس منه، وتنفد النقود التي تبرع بها أصدقاؤه له، وينشر له أصحابه ديوانه المعبد الفريق عن دار العلم للملايين لكن الدخل الضئيل الذي جناه منه لم يسد نفقات علاجه، وازدادت حاله سوءا وابتدأت فكرة الموت تلح عليه وهو ما نراه في قصيدة نداء الموت ليعود بعدها مدمرا نهاية سبتمبر 1962 تلاحقه الديون إلى البصرة، وتكفلت المنظمة العالمية لحرية الثقافة بنفقاته لعام كامل بعد أن رتبت له بعثة دراسية

يقول الدكتور إبراهيم جبرا:

في أواخر عام 1961 كانت وطأة المرض في بدء شدتها على الشاعر، حتى أخذ يفكر في أن لابد له من علاج في لندن قد يطول. ولما كان قد حصل على زمالة دراسية، كان الاقتراح أن ينخرط طالبا في جامعة إنكليزية للدراسة من أجل الدكتوراه في أثناء ذلك ينصرف أيضا لمعالجة مرضه. وكان عندها أن سعيت له مع صديقي المفكر العربي الأصل، الأستاذ ألبرت حوراني، الأستاذ في جامعة أكسفورد لقبوله بأسرع ما يمكن، وكان التأكيد على السرعة فأبدى الأستاذ حوراني حماسة للفكرة، و حاول أن يجد له مكانا في الجامعة غير أن قبوله لم يكن ليتم في الحال - والذين حاولوا أيجاد مكان لهم في أكسفورد يعلمون بالمدة الطويلة التي لابد من انقضائها أحيانا بين تقديم الطلب و القبول النهائي- ولما لم يكن ثمة مجال للانتظار ومرض بدر في تصاعد سريع أخذ يعيق عليه سيره، استطاع الأستاذ حوراني أن يجد له قبولا في جامعة درم وهي من جامعات شمال إنكلترا، المعروفة بدراساتها الشرقية وفي أوائل خريف 1962 سافر در إلى إنكلترا لأول مرة والمرض يكاد يقعده، وتوجه إلى مدينة درم، وهو شديد القلق و المخاوف على حالته الصحية .

في درم كتب قصيدة الليلة الأخيرة وكانت زيارته إلى درم تجربة مريرة في الوحدة والبرد والمرض، وهناك اسـتعان بعكاز اصطحبه إلى لندن حيث لزم غرفته فقيرا وحيدا بانتظار تحويل مصرفي من المنظمة العالمية لحرية الثقافة في باريس وبين الأمل واليأس والمراسلات المستمرة انقضت أيامه في المستشفى موحشة باردة حتى صدرت مجموعته منزل الأقنان في بيروت- مارس 1963 بعد أن غادر بدر المستشفى بأيام قليلة، ليكتب بعدها مجموعة قصائد اشهرها شناشيل ابنة الجلبي مستذكرا كعادته طفولته وصباه في جيكور وأبي الخصيب وبين أفياء النخيل الوارفة وظلال البساتين ومجارى الأنهار.

وفى15 مارس 1963 طار إلى باريس في طريق العودة إلى الوطن تحت إلحاح زوجته ورسائلها التي تصف الحالة المزرية التي ترزح تحت وطأتها العائلة، وفى باريس عرفه أصحابه بلا جـدوى على عـدد من الأطباء الفرنسيين، وفى 23 مارس 1963 غادر باريس على كرسي متحرك من مطار أورلي وقد ذكرت لوك نوران كيف جاءت هي وأدروار طربيه و ماري جورج و سيمون جارجي لتوديع بدر في المطار فبدا بدر لها وكأنه ذاهب ضد الزمن وضد الموت.
وعندما جاءت المضيفة لتأخذه إلى ذلك الجانب الغامض من المطار حيث لا يسمح بدخول أحد غير المسافرين، وعندما دفعت كرسيه الدراج إلى الباب فانفتحت دفتاه ثم أغلقتا مثل فخ، شعرنا بقلبنا يتوقف فقد اختفى بدر وهو عالق بابتسامة المضيفة بتجلد. كان قد التفت نحونا وهز يده ولكننا كنا نعلم أنه كان يغور في الفراغ. كان بدر يموت للمرة الأولى بالنسبة لنا، بينما ابتسامة الموت ترتسم على شفتي امرأة
ولم يمر أسبوعان على وصول بدر إلى البصرة، حتى فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات ابتداء من 4 نيسان 1963 بناء على مقتضيات المصلحة العامة، واستنادا لأحكام المادة 2-أ من قانون تطهير الجهاز الحكومي رقم 2 لسنة 1958 كانت هذه صدمة شديدة زادت من هموم بدر/ فكتب رسالة إلى لجنة الاعتراضات الخاصة بالمفصولين و المعزولين، وأرسلها إلى بغداد وفيها يحتج لبراءته و يؤكد ولاءه للعهد الجديد. ولكنه قبل النظر في أمره كان بلا عمل وبلا دخل وكانت أول قصيدة كتبها بعد رجوعه إلى البصرة:

هي ليلة في العراق
وعدت إلى بلادي، يالنقالات إسعاف
حملن جنازتي، ماتمدد فيها أثن رأيت غيلانا
يحدق ، بانتظاري، في السماء وغيمها السافي
و ما هو غير أسبوعين ممتلئين أحزانا
ويفجأني الن1ير بأن أعواما من الحرمان و الفاقة
ترصد بهي هنا، في غابة الخوذ الحديدية

moudar
29-May-2011, 10:02 AM
بدر شاكر السياب 4

بعد ذلك بدأ بدر يعمل كمراسل أدبي لمجلة حوار في العراق، بعد أن نال موافقة جون هنت، سكرتير المنظمة العالمية لحرية الثقافة في بباريس. وبدأ يرسل إلى توفيق صايغ محررها في بيروت، تقارير فصلية عن الحركة الأدبية في العراق،وكان يدفع له أربعين دولارا على التقرير

وصار ينشر شعره كذلك في هذه المجلة التي كانت تدفع لكتابها مبالغ طيبة. و كانت الأوساط الفكرية القومية قد بدأت ترتاب بها و تهاجمها على أنها أداة من أدوات الاستعمار الغربي وتسلله الثقافي.

ولم تتحسن صحته بدر على الرغم من أنه واصل اخذ الدواء الذي وصفه له الدكتور في باريس، وسال سيمون جارجي أن يرسل له المزيد منه. وكان يستصعب المشي الآن حتى بعكاز، وقد وقع على الأرض مرارا وهو يحاول المشي مجررا قدميه. و عندما مات أبوه في أوائل 1963، في عيد الأضحى، لم يستطع أن يذهب إلى المسجد لحضور جنازته. وكان يقضي معظم وقته في البيت.

ولم يكتب شعرا مدة طويل، ولكنه عمل على ترجمة فصول عينها له جبرا من كتاب الشعر و النثر الأمريكيان الذي كان سينشر في بيروت بتكليف من مؤسسة فرنكلين في بغداد باشتراك مترجمين آخرين.

وفي هذا الوقت قبل بدر أن يعالجه بدوي من الزبير، فكوى ساقيه وظهره بالنار ثم أعطاه بعض المراهم ليدهن بها أطرافه المشلولة. لم يكن لهذا (العلاج) فائدة وقبل بل بدر في يأسه كذلك أن يعالجه سادات البصرة من الرفاعية الذين كانوا يدعون العلم بالعلاج الروحاني، فحل عندهم يومين تحسنت صحته بعدهما، ربما بفعل الإيحاء الذاتي، لكن التحسن كان قصير الأجل. ولم يعد تعيين بدر في وظيفته السابقة في مصلحة الموانئ العراقية إلا في 11 تموز 1963

وكان صديقه مؤيد العبد الواحد يرافقه يوميا إلى العمل ومنه إلى البيت. لكن بدر لم يكن في الواقع قادرا على شيء يذكر من العلم في حالته السيئة تلك. و كتب إلى سيمون جارجي في 21 تشرين الأول 1963 يقول : إنتاجي الشعري، هذه الأيام، قليل جدا، وذلك لانعدام أية تجربة شعرية جديدة.

إنني نادرا ما أغادر الدار إلا إلى مقر عملي. كما أنى سئمت من الضرب على وتر أنا مريض فيما أكتب من شعر وقد فكر بدر، وهو يعيش ذكريات الماضي وينتج القيل من الشعر، أن يعيد شيء من شعر الباكر فاختار من أزهار ذابة- القاهرة 1948- و أساطير -النجف 1950- عددا من القصائد ولا سيما من المجموعة الأخيرة، فشذبها وهذبها وحذف منها قليلا، ونشرها في بيروت في تشرين الأول 1963 بعنوان أزهار وأساطير.

وكان مجرى الأحداث السياسية في العراق يسوء فحيث كان بدر يأمل أن يرى جبهة متضامنة تؤيد العهد الجديد الذي أطاح بقاسم، كان هناك صراع على السلطة. وكان البعثيون يحاولن السيطرة على البلاد، لكن الرئيس عبد السلام عارف والجيش أحبطا خططهم في تشرين الثاني 1963 وكان الصراع على السلطة يعتبر أهم من الوحدة الوطنية و تنفيذ الإصلاحات الواسعة التي وعدت بها ثورة 14 تموز 1958، وأعادت تأكيدها ثورة 14 رمضان 1382 8 شباط 1963 ، لكن بدرا كان قد بلغ به المرض حدا ما عاد به يقوى على الاهتمام. بل أنه كان يشعر كأنه أسير في سفينة قراصنة، أزيل ربانها وقام ثان طموح مكانه لن يلبث أن يزال أيضا، وهكذا باستمرار، وفي 29 تشرين الثاني 1963 كتب قصيدة أسير القراصنة يصف فيها حسرته لأنه مشلول، ويتمنى لو كان يستطيع المشي ويفضل ذلك على كونه شاعرا يعزف القيثار باسم الجراح ، ثم يقول لنفسه :


وأنت في سفينة القرصان عبد أسير دونما أصفاد تقبع في خوف وإخلاد تصغي إلى صوت الوغى والطعان
سال دم اندقت رقاب ومال
ربانها العملاق وقام ثان بعده ثم زال
فامتدت الأعناق لأي قرصان سيأتي سواه
و أي قرصان ستعلو يداه حينا على الأيدي ؟
وليأت من بعدي من بعدي الطوفان
تسمعها تأتيك من بعد يحملها الإعصار عبر الزمان

وكان بدر في غضون ذلك هدفا لحملات صحفية بسبب تناقضاته السياسية في الماضي وموقفه غير الملتزم في الحاضر. وكانت علاقاته بمجلة جوار والمنظمة العالمية لحرية الثقافة تذكر ضده وكان معظم الناس يحكم عليه أشد الحكم بناء على ما كتب أو ما كان يكتب ولكن قلائل كانوا يعلمون حقا مبلغ مرضه ومدى ضعفه، إذ كانوا لا يزالون يحسبون أنه عملاق الشعر العربي الحديث الذي يجب أن يكون دائما عند كلمته بينما لم يكن عند بدر الا أن يندب حظه ويتحسر على عمره الضائع ويرغب في الموت.

قال في رسالة إلى صديق :
( لا أكتب هذه الأيام إلا شعرا ذاتيا خالصا. لم اعد ملتزما. ماذا جنيت من الالتزام؟ هذا الفقر وهذا المرض؟ لعلي أعيش هذه الايام آخر أيام حياتي
إنني أنتج خير ما أنتجته حتى الآن. من يدري؟ لا تظن أنني متشائم، العكس هو الصحيح لكن موقفي من الموت قد تغير لم أعد أخاف منه، ليأت متى شاء. أشعر أنني عشت طويلا. لقد رافقت جلقامش في مغامراته، وصاحبت عوليس في ضياعه، وعشت التاريخ العربي كله ألا يكفي هذا؟ تمثال السياب

وكانت حالته الصحية تزداد سوءا كل يوم وكاد فقد القدرة على الوقوف الآن كان طريح الفراش في إجازة مرضية وقد بدأت تظهر له في منطقة الأليتين قرحة سريرية جعلت تتوسع لطول رقاده في السرير ولم يعد قادرا على ضبط حركتي التبول و إفراغ الأمعاء لضعف الأعصاب الاحساسية والعضلات الضابطة في جذعه الأسفل ومرت بامرأته أيام عصيبة وهي تتفانى في خدمته وتوفر أسباب الراحة له وعلى الرغم من أنه كان يتمتع بكامل قواه العقلية فانه كان أحيانا يتهمها بعدم العطف عليه

وفي كانون الثاني 1964 سمع بدر بوفاة الشاعر لويس مكنيس، فكتب قصيدة لهذه المناسبة. ولكنه لم يستطع أن يحجم عن الإشارة إلى مرضه وغربته عن زوجته وتمنى الموت. وكان يدخن كثيرا ويأكل قليلا جدا.

واذا به في 9 شباط 1964 في حالة صحية حرجة استدعت إدخاله إلى مستشفي الموانئ في البصرة، وهو يعاني ارتفاع حرارته إلى أربعين درجة مئوية، بالإضافة إلى عسر في التنفس مع ازرقاق الشفتين وسعال شديد وبعد الفحص تبين أنه مصاب بذات الرئة المزدوجة وبداية خذلان القلب، وإسهال شديد مع تقيؤ، وقرحة سريرة متعفنة قطرها 25 سنتيمترا في المنطقة الحرقفية، بالإضافة إلى شلل أطرافه السفلى وهزاله الشديد.

فوضع مدة أسبوع كامل تحت المعالجة الخاصة بالحالات الطارئة الحرجة في المستشفى الحكومي، وبعد أن زال الخطر عن حياته مباشرة، وبعد أن بدأت حالة قلبه ورئتيه تتحسن عولج لإزالة الإسهال الذي كان يزيد قرحته السريرية سوءا، دما بدأ الإسهال يزول اصبح في الإمكان معالجة قرحته السريرية، فتحسنت حالتها و أصبحت غير متقيحة. غير أن التئامها بطريقة نمو الأنسجة الذاتي كان مشكوكا فيه إلا بعملية رقع الجلد.

وقد كتب بدر بهذا الشأن رسالة مؤثرة إلى توفيق صايغ يسأله فيها أن يرسل مسحوقا طبيا لجراح الناغرة و الفاغرة يشتريه له من صيدليات بيروت وقد أعطي بدر كميات كبيرة من الأدوية المقوية، فضلا عن الكميات الإضافية من الحليب واللحوم والأسماك والفواكه، مع العلم أنه لم يكن في المستشفى إلا أسرة من الدرجة الثالثة التي لا تقدم لها هذه الأغذية وبمثل هذه الكميات فازداد وزن بدر اكثر من ثمانية كيلوغرامات، وبوشر باجرء تمارين رياضية بسطة لأطرافه السفلى. و كان الطبيب يعلم أن لا علاج لمرض التصلب المنتشر في النخاع الشوكي المسبب للشلل، ولكنه اقترح أن ينقل بدر إلى أحد مستشفيات بغداد ليوضع تحت إشراف طبيب أخصائي بأمراض الجهاز العصبي.

وفي أول نيسان 1964 انتهت المدة التي يحق لبدر فيها أن ينال إجازات مرضية واجازات اعتيادية براتب تام 54 دينارا عراقيا، وكذلك المدة التي يحق له فيها أن ينال إجازات مرضية بنصف راتب، بمقتضى أحكام قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960.

ولكنه لم يستطع أن يغادر المستشفى لاستئناف العمل في مصلحة الموانئ. لذلك بدأت مدة الإجازة المرضية بدون راتب التي يسمح بها القانون، وطولها 180 يوما وفي 8 نيسان 1964 أرسلت جمعية المؤلفين و الكتاب العراقيين ببغداد، وكان بدر عضوا فيها، رسالة إلى وزارة الصحة العراقية تتوسط لديها لمعالجة بدر وجوابا على استفسارات الوزارة، أرسلت الجمعية رسالة أخرى في 26 نيسان 1964 فيها معلومات عن حالة بدر المرضية ومعالجته في مستشفى الموانئ، مع رجاء حار بسرعة توفير الأخصائيين الطبيين لمساعدة بدر.

ولكن الرسميات في الدوائر الحكومية طالت، بحيث أن شهر حزيران 1964 كاد ينتهي قبل أن تتخذ ترتيبات لنقل بدر بالقطار إلى بغداد ليوضع في غرفة من الدرجة الأول ويعالج في مستشفى الشعب ببغداد وصدرت دعوة المستشفى بتاريخ 29 حزيران 1964، ولكنها لم تصل بدرا إلى في 5 تموز 1964 .

وكانت ترتيبات خاصة أخرى قد اتخذت قبل ذلك لمعالجة بدر في الكويت وذلك أن الشاعر الكويتي علي السبتي كان قد نشر نداء موجها لوزير الصحة الكويتي عبد للطيف محمد الثنيان يناشده فيه معالجة بدر في الكويت على حساب الحكومة الكويتية فرحب وزير الصحة بذلك وكان معجبا بشعر بدر فاتخذت الترتيبات لأن يجئ بدر إلى الكويت بالطائرة ليعالج في المستشفى الأميري.

في 5 تموز 1964، كتب بدر كلمة شكر واعتذار على رسالة الدعوة التي جاءت من مستشفى الشعب ببغداد يشرح الترتيبات السابقة مع الحكومة الكويتية. وفي 6 نموز طار إلى الكويت على إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية وكان وحده فاستقبله في المطار الكويتي صديقه علي السبتي مع أصدقاء آخرين. وادخل المستشفى الأميري في الحال ووضع في غرفة خاصة و أحيط بكل عناية واهتمام.

غير أن لا عناية ولا اهتمام مهما حسنا كان بإمكانهما أن يعيدا الصحة لبدر فقد كانت صحته في تأخر وانحدار متزايدين، وكان التصلب يسوء صعدا في نخاعه الشوكي ويزيد في إفساد وظائف جهازه العصبي، وساءت حالة قرحته السريرية بفقدان الإحساس في جذعه الأسفل وعدم قدرته على السيطرة على البراز و البول.
وكانت رجلاه الضامرتان بلا قوة، وقد أدى عدم استعمالهما إلى بداية فساد في العظام نفسها ولكنه كان متمالكا لجميع قواه العقلية، وكان برى أنه يعيش في حضن الموت.

ولم يكن في حاجة لأن يقول له أحد أن أيامه كانت معدودة. لماذا إذن اذلال الجسد، ولماذا آلام الروح؟ ليأت الموت سريع، وليأت فجأة.

وفي ليلة 9 تموز 1964 كتب قصيدة عنوانها في غابة الظلام بينما كان ساهرا يفكر بحالته الحزينة وبابنه غيلان يحلم بعودة والده، وختمها بقوله:


أليس يكفي أيها الإله
أن الفناء غاية الحياه
فتصبغ الحياة بالقتام ؟
سفينة كبيرة تطفو على المياه؟
هات الردى ، أريد أن أنام
بين قبور أهلي المبعثرة
وراء ليل المقبرة
رصاصة الرحمة يا اله

لقد بلغ به اليأس مبلغا حتى أنه طلب من الله رصاصة الرحمة، طلب موتا فجائيا ينهي شقاءه برحمة.

وكان يزوره في المستشفى يوميا كثيرون من أصدقائه مثل علي السبتي وناجي علوش، وإبراهيم أبوناب وفاروق شوشه وسلمى الخضراء الجيوسي مع زوجها. وكان وزير الصحة الكويتي وغيره من كبار الرسميين الكويتيين يزورونه كذلك، ولم يكن بدر وحيدا ، بل أنه في الواقع كان ينزعج أحيانا من طول جلسات الشعراء و الكتاب والصحفيين التي كانت تدوم إلى ساعات متأخرة من الليل.

وما أعظم ما كنت سعادته حين تسلم رسالة من زوجته في 3 آب 1964، فكتب قصيدة عنوانها (رسالة) يصف فيها شعوره بالقلق على أسرته. وفي ليلة 5 آب 1964 كان يفكر مشتاقا بابنتيه غيداء وآلاء وينتظر وصولهما مع غيلان وزوجته إقبال في اليوم التالي. فكتب قصيدة عنوانها (ليلة انتظار)، وفيها يقول:

غدا تأتين يا إقبال ، يا بعثي من العدم
ويا موتي ولا موت
ويا مرسى سفينتي التي عادت ولا لوح على لوح
ويا قلبي الذي إن مت أتركه على الدنيا ليبكيني
ويجأر بالرثاء على ضريحي وهو لا دمع ولا صوت
أحبيني ، إذا أدرجت في كفني .. أحبيني
ستبقى - حين يبلى كل وجهي ، كل أضلاعي
وتأكل قلبي الديدان ، تشربه إلى القاع
قصائد .. كنت أكتبها لأجلك في دواويني
أحبيها تحبيني

moudar
30-May-2011, 11:56 PM
بدر شاكر السياب

ووصلت إقبال و أولادها إلى الكويت في اليوم التالي ونزلوا في بيت علي السبتي خلال اقامتهم في الكويت. وكانت إقبال تزور زوجها في المستشفى كل يوم فتؤنسه وتخدمه
وكانت رؤية أطفاله تدمي قلبه على رغم ما كانت تدخل إليه من سعادة. فقد كان يعلم أنه مائت وتاركهم وراءه ولم يكن بدر الآن قادرا على كتابة الشعر بتدفق كالسابق. على الرغم من الحافز الأقوى على الكتابة وفي 14 آب 1964 كتب قصيدة (المعول الحجري) وفيها يقول:

رنين المعول الحجري يزحف نحو أطرافي
سأعجز بعد حين عن كتابة بيت شعر في خيالي جال
فدونك يا خيال مدى و آفاق ألف سماء
وفجر من نجومك ، من ملايين الشموس من الأضواء
وأشعل في دمي زلازال
لأكتب قبل موتي أو جنوني أو ضمور يدي من الإعياء
خوالج كل نفسي ، ذكرياتي ، كل أحلامي
و أوهاني
و اسفح نفسي الثكلى على الورق
ليقرأها شقي بعد أعوام وأعوام
ليعلم أ، أشقى منه عاش بهذه الدنيا
وآلى رغم وحش الداء والآلام و الأرق
و رغم الفقر أن يحيا

وينهي بدر قصيدته مودعا أصدقاءه وأحباءه، وهو يعلم أن مرضه لن يسمح له بمزيد من الحياة

وفي ليلة 21 سنة 1964 كتب قصيدة عنوانها ليلة وداع أهداها إلى زوجتي الوفية وفيها يعبر بدر عن حبه لزوجته وعطفه عليها وشعوره معها في وحدتها ويتمنى لو كان بمقدورها أن تشعر معه ويقول:

آه لو تدرين ما معنى ثوائي في سرير من دم
ميت الساقين محموم الجبين
تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي
تائها في واحة خلف دار من سنين
و أنين
مستطار اللب بين الأنجم

وعندما يتحدث عن حبه لها يتمنى لو كانت أقل غيرة و أكثر صراحة ويقول:


آه لو كنت كما كنت صريحه
لنفضنا من قرار القلب ما يحشو جروحه
ربما أبصرت بعض الحقد ، بعض السأم
خصلة من شعر أخرى أو بقايا نغم
زرعتها في حياتي شاعره
لست أهواها كما أهواك يا أغلى دم ساقى دمي
إنها ذكرى ولكنك غيرى ثائره
من حياة عشتها قبل لقانا
أوصدي الباب . غدا تطويك عني طائرة
غير حب سوف يبقى في دمانا

عادت زوجته و أطفاله إلى العراق في اليوم التالي وكان بدر خلال اقامته في المستشفى يكسب بعض المال بنشر قصائده في الصحف الكويتية التي كانت تدفع له جيدا. ومنه مجلة (الرائد العربي) التي كان يحرر فيها إبراهيم أبو ناب، فكانت تدفع له عشرة دنانير عن كل قصيدة وكان بدر في غضون ذلك يقوم باتصالات لنشر مجموعة جديدة من شعره لدي دار الطليعة في بيروت، بعنوان شناشيل ابنة الجلبي وكانت صحته قد هبطت هبوطا شديدا. وفقد الشهية للطعام وزاد هزاله. وعلى الرغم من تعاطي الأدوية المقوية فقد بلغ ضعفه درجه أصبح معها يجد صعوبة في الكلام أحيانا وقد أصيب بكسر في عنق عضل فخذه اليسرى بينما كانت المدلكة تقوم بتدليكه، وذلك لذوبان الكلس في العظام.

وفي أيلول 1964 أصيب مرتين بالنزلة الصدرية وصل فيها إلى حالة خطيرة كادت تودي بحياته لولا العلاجات التي أعطيت له بكميات كبيرة.

وفي أواخر أيلول 1964 عندما لم يكن بعد قد تغلب على نزلته الصدرية أرسلت له مصلحة الموانئ العراقية في البصرة رسالة تخبره فيها أنه ابتداء من بعد ظهر 27 أيلول 1964 انتهت مدة أجازته المرضية البالغة 180 يوما بدون راتب، وأنه لعدم استئنافه العمل أحيل على التقاعد استنادا لأحكام الفقرة 30ب من المادة 46 من قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960. ولم يكن أثر هذه الرسالة في بدر حسنا بالطبع.

وفي تشرين الأول 1964 بلغ الضعف حدا لم يعد منه قادرا على الأكل، واستوجبت الحالة تغذيته بواسطة أنابيب تدلى من أنفه. وقد أرسلت له جمعية المؤلفين و الكتاب العراقيين ببغداد منحة مالية قدرها مائة دينار عراقي في محاولة لمساعدته ماليا ومعنويا. بيد أن أية مساعدة لم تكن مجدية.

وبدأت تنتاب بدرا نوبات من الهذيان و التصورات الوهمية، فان هزاله وضعفه الشديد و اضطراب جهازه العصبي بدأت تؤثر في دماغه. وكان يستعيد صفاءه الفكري مدة ساعات ليعود بعدها إلى حالة من الاضطراب الفكري.

وقد وصفته الشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي في هذه الفترة ، فقالت: بدر إلى سرير المستشفى- المستشفى الأميري في الكويت- الغرفة رقم 1 ، وفي أنفه أنبوب الطعام، و الحياة تهجر جسمه الذي أذوته الجهود و الأوجاع، وعذبه ترقب الموت. انه يناديني نعم يا بدر. صوتي مرهق وخافت.
إذا ينطلق في هواء الغرفة الساخن الحزين. لقد كنت ارتجف. وأوشك على البكاء هل تعلمين؟ لقد ضاع دفتر شعري الجديد وبصوت لا يكاد يسمع إقبال لم تجئ. ثم بعد لحظات لقد ضاع مني كل شيء هراء قلتها له ألف مرةإن ما ملكت لا يضيع. ما كان أفقرنا لو ضاع منا ما أعطيت انهم لم يروك كما رأيتك أنا، في تلك النهاية البطيئة التي تحطم القلب الأنابيب و البثور ة الهذيان و الطعام الذي لم يمس لحظات الصفاء اللامعة ثم الكابوس و الانهيار، مودتك وحكاياتك و طلباتك الصغيرة، ينبوع الشعر الذي ظل يتفجر من قلبك

لقد عرفت لحظة الشعر في نفسك أطراف النقيضين: ينبوع الشعر، والانكسار المغدور البائس و انسحاقه في الموت.

ويقول الدكتور محمد أبو هنطش مدير المستشفى الأميري بالكويت ويروي إبراهيم أبو ناب أن بدرا حدثه كيف كان إبليس يحاول جره إلى النار، وكيف كان هو يقاوم ويمانع ويدافع عن نفسه، بأنه ليس الشخص المراد به ذلك.

ويقول ناجي علوش أنه كان يسمع بدرا يهذي بالجن و الأرواح ويقول راضي صدوق أن بدرا في لحظات صفائه الفكري، كان يعتذر لأصدقائه عما قد يكون قاله لهم خلال لحظات هذيانه وتصوراته الوهمية.

وكان بدر يدخن كثيرا ويشرب الشاي الثقيل. ولم يكتب شعرا مدة طويلة. وفي 10 تشرين الثاني 1964، كتب بدر قصيدة عنوانها عكاز في الجحيم وهي على ما يروى علي السبتي آخر ما كتب بدر من قصائد ولكن هناك قصيدة أخرى غير مؤرخة عنوانها إقبال و الليل يقول فؤاد طه العبد الجليل أخو زوجة بدر الذي نشر مجموعة بدر الأخيرة، إنها قد تكون آخر ما كتب بدر. وربما كتبت في حدود هذا التاريخ وفي القصيدة الأولى يلخص بدر تاريخ عذابه الذي سجنه في سريره وحد من انطلاقة عبقريته ويقول:

وبقيت أدور
حول الطاحونة من ألمي
ثورا معصوبا، كالصخرة، هيهات تثور
والناس تسير إلى القمم
لكني أعجز عن سير - ويلاه- على قدمي
وسريري سجني ، تابوتي، منفاي إلى الألم
و إلى العدم

ثم يقضي في قوله كيف كان يتوقع أن يقدر على المشي يوما ولو على عكازين. لكنه الآن يرغب أن يسعى على رأسه أو ظهره ليصل القبر ويشق دربه إلى الجحيم. ويصرخ في وجه موكلها


لم تترك بابك مسدودا ؟ ولتدع شياطين النار
تقتص من الجسد الهاري
تقتص من الجرح العاري
وتأت صقورك تفترس العينين و تنتهش القلبا
فهنا لا يشمت بي جاري
أو تهتف عاهرة مرت من نصف الليل على داري
بيت المشلول هنا ، أمسى لا يملك أكلا أو شربا
وسيرمون غدا بنتيه وزوجته دربا
وفتاة الطفل إذا لم يدفع متراكم إيجار
انثرني ويك أباديدا
وافتح بابك لا تتركه أمام شقائي مسدودا
ولتطعم جسمي للنار

وفي القصيدة الأخرى يلخص بدر في ليلة طويلة ساهرة حبه للعراق وجيكور ولأصدقائه وأقاربه، ولزوجته و أطفاله، ويوجه الكلام لزوجته فيقول :


يا أم غيلان الحبيبة صوبي في الليل نظره
نحو الخليج. تصوريني اقطع الظلماء وحدي
لولاك ما رمت الحياة، ولا حننت إلى الديار
حببت لي سدف الحياة، مسحتها بسنا النهار
لم توصدين الباب دوني؟ يا لجواب القفار
وصل المدينة حين أطبقت الدجى ومضى النهار
والباب أغلق فهو يسعى في الظلام بدون قصد

ثم ينهي بدر القصيدة بنغمة عاطفية فيقول :


إقبال مدي لي يديك من الدجى و من الفلاه
جسي جراحي و امسحيها بالمحبة و الحنان
بك أفكر لا بنفسي : مات حبك في ضحاه
وطوى الزمان بساط عرسك و الصبى في عنفوان

في كانون الأول 1964 كانت لحظات الصفاء في تفكير بدر تقل وتصبح نادرة ولحظات الاضطراب تكثر وتصبح متصلة تقريبا. ولم يتعرف على كثيرين من أصدقائه ومعارفه عندما كانوا يزورونه وبدأت تنتابه، بالإضافة إلى ذلك، حالات إغماء وفقدان الوعي كانت تدوم ساعات فإذا صحا كان كامل الوعي متمالكا لقواه العقلية لا ينقصه شيء سوى قواه الجسدية. و أخيرا، وفي يوم الخميس الموافق للرابع و العشرين كمن كانون الأول 1964 وقع في غيبوبة وفاضت روحه في الساعة الثالثة بعد الظهر فأبرق علي السبتي ينعي بدرا لأهلهن وأخبرهم أنه سيصطحب جثمانه إلى البصرة يوم الجمعة في 25 كانون الأول 1964 .

وكان اليوم يوما ماطرا لم تر المنطقة مثله مدة سنين عديدة. ورافق المطر السيارة التي حملت جثمان بدر من الكويت الى أن وصلت البصرة، في ذلك اليوم الذي كان العالم يحتفل فيه بعيد الميلاد. واستقبلها في البصرة مزيد من المطر وأخذ جثمان بدر بالسيارة إلى داره في شارع أجنادين بالمعقل. لكن الدار كانت خالية، إذا أن عائلته كانت قد خرجت منها بأمر حكومي في ذلك اليوم نفسه. فأخذ جثمان بدر بالسيارة إلى دار فؤاد طه العبد الجليل في محلة الأصمعي، ولكن لم يكن في البيت أحد، وقيل لعلي السبتي أن الجميع ذهبوا إلى المسجد لاستقبال الجثمان وحضور الجنازة وسيق الجثمان إلى المسجد حيث اجتمع قلة من الأهل و الأصحاب. وبعد صلاة الجنازة أخذ جثمان بدر إلى الزبير يرافقه بضعة رجال فقط، فووري التراب في مقبرة الحسن البصري غير بعيد عن قبر ذلك الرجل العظيم وكان المطر لا يزال ينهمر، ولكن لم يكن يرى في المنطقة نخيل.

moudar
31-May-2011, 09:05 PM
قاسم أمين

(1863م ـ 1908م)

مولده ونشأته: وُلد قاسم أمين على الأرجح في (19 جمادى الأولى 1280هـ=1 ديسمبر 1863م) لأب تركي وأم مصرية من صعيد مصر، من أسرة من أوساط المصريين، كان والده "محمد بك أمين" قبل مجيئه إلى مصر واستقراره بها واليا على إقليم "كردستان".
أتم تعليمه الابتدائي والثانوي والعالي في مدارسها، وأكمل دراسة القانون في (مونبلبيه) بفرنسا، وقضى فيها أربعة أعوام من سنة 1881 إلى 1885م يدرس المجتمع الفرنسي، ويطلع على ما أنتجه المفكرون الفرنسيون من المواضيع الأدبية والاجتماعية والسياسية، وراعه في فرنسا تلك الحرية السياسية التي تسمح لكل كاتب أن يقول ما يشاء حيث يشاء.

نهضته الاجتماعية: وبعد عودته من فرنسا إلى مصر، أقام مبدأ الحرية ومبدأ التقدم على أسس من الثقافة العربية المسلمة، وكان من رأي الإمام محمد عبده في الإصلاح، فقد رأى أن كثيراً من العادات الشائعة لم يكن أساسها الدين، وقد كتب في جريدة المؤيد تسعة عشر مقالاً عن العلل الاجتماعية في مصر، ورد على الدوق (دار كور) الذي كتب عن المصريين وجرحهم في كرامتهم وقوميتهم وطعن بالدين الإسلامي بكتاب ألفه سنة 1894م بعنوان (المصريون) وبحث في العلل التي كانت تعتري المجتمع المصري بأسلوب المصلح المشفق، وقد قضى أربع سنوات وهو يكتب في المؤيد في هذه المواضيع التي أطلق عليها (أسباب ونتائج) وفي أحيان (حكم ومواعظ).

دعوته لتحرير المرأة: كان يرى أن تربية النساء هي أساس كل شيء، وتؤدي إلى إقامة المجتمع المصري الصالح، وتخرج أجيالاً صالحة من البنين والبنات، فقام يعمل على تحرير المرأة المسلمة بوجه عام والمرأة المصرية بوجه خاص. وذاعت شهرته فقد كان قاضياً وتدرّج في مناصب القضاء حتى أصبح مستشاراً.

مؤلفاته: كان قاضياً وكاتباً وأديباً فذاً، ومصلحاً اجتماعياً اشتهر بأنه زعيم الحركة النسائية في مصر ومحرر المرأة المسلمة، كما اشتهر بدفاعه عن الحرية الاجتماعية وبدعوته لتحقيق العدالة، وبانشائه الجامعة المصرية، وبدعايته للتربية في سبيل النهضة القومية، وفي سنة 1898م اخرج كتابه (تحرير المرأة) وفي سنة 1900م كتابه في (المرأة الجديدة) وتكلم المترجم في كتابه الأول عن الحجاب وتعدد الزوجات والطلاق، وأثبت أن العزلة بين المرأة والرجل لم تكن أساساً من أسس الشريعة، وان لتعدد الزوجات والطلاق حدوداً يجب أن يتقيد الرجل بها، ثم دعا إلى تحرير المرأة لتخرج إلى المجتمع وتلمّ بشؤون الحياة، ولقيت هذه الآراء عاصفة من الاحتجاج والنقد، وقام الكتاب والقراء يردون على كتابه الأول الذي أثار جدلا، على أن المترجم لم يتزعزع أمام هؤلاء النقاد، فقد ظل سنتين يدرس الكتب والمقالات للرد عليها.

وطالب بكتابه الثاني (المرأة الجديدة) الذي أهداه إلى صديقه الزعيم سعد زغلول باشا بإقامة تشريع يكفل للمرأة حقوقها، وبحقوق المرأة السياسية.
لقد قاد المترجم المصلح الحركة الأولى وتبعه كثير من الزعماء، وكان للهدى الشعراوي كل الأثر في تنفيذ ما دعا إليه.

ودعا إلى تحرير اللغة العربية من التكلف والسجع، فقد كان أديباً فذاً، لكن أحداً لم يتفق معه على التحرر من حركات الإعراب، فماتت دعوته في مهدها.

وفاته: كانت أعصابه تتأثر بكل شيء يدور حوله، وهذه الشفقة هي التي عطفت قلبه على الفقير والجاهل والضعيف والمرأة، وفي الثالث والعشرين من شهر نيسان سنة 1908م اغتالته يد المنون وهو في الخامسة والأربعين من عمره، ولو امتد أجله إلى اليوم لرأى آثاراً لدعوته تتجلى في حياة الشرق العربي.

وقد ندبه سعد باشا زغلول، وفتحي باشا زغلول، وأراد أن يؤبناه، فكان تأبينهما ندباً وتعداداً وبكاء ونشيجاً أبكى معهما جميع من بلغ القبر من المشيعين، وذلك ما لم يعهد لسواه من الأموات.

moudar
04-Jun-2011, 08:40 AM
توفيق الحكيم

يُعد توفيق الحكيم أحد الرواد القلائل للرواية العربية والكتابة المسرحية في العصر الحديث؛ فهو من إحدى العلامات البارزة في حياتنا الأدبية والفكرية والثقافية في العالم العربي، وقد امتد تأثيره لأجيال كثيرة متعاقبة من الأدباء والمبدعين، وهو أيضا رائد للمسرح الذهني ومؤسس هذا الفن المسرحي الجديد؛ وهو ما جعله يُعد واحدا من المؤسسين الحقيقين لفن الكتابة المسرحية، ليس على مستوى الوطن العربي فحسب وإنما أيضا على المستوى العالمي.
ولد توفيق إسماعيل الحكيم بضاحية الرمل بمدينة الإسكندرية عام (1316هـ=1898م) لأب من أصل ريفي وأم من أصل تركي كانت ابنة لأحد الضباط الأتراك المتقاعدين، وترجع جذوره وأسرته إلى قرية "الدلنجات" بالقرب من "إيتاي البارود" بمحافظة البحيرة، وقد ورث أبوه عن أمه 300 فدان من أجود أراضي البحيرة، في حين كان إخوته من أبيه يعيشون حياة بسيطة ويكدون من أجل كسب قوتهم بمشقة واجتهاد.
عاش توفيق الحكيم في جو مترف، حيث حرصت أمه على أن يأخذ الطابع الأرستقراطي، وقد سعت منذ اللحظة الأولى إلى أن تكون حياة بيتها مصطبغة باللون التركي، وساعدها على ذلك زوجها.
في هذا الجو المترف نشأ توفيق الحكيم، وتعلقت نفسه بالفنون الجميلة وخاصة الموسيقى، وكان قريبا إلى العزلة؛ فأحب القراءة وبخاصة الأدب والشعر والتاريخ، وعاش الحكيم أيام طفولته في عزبة والده بالبحيرة، وعندما بلغ السابعة عشرة من عمره التحق بمدرسة دمنهور الابتدائية حتى انتهى من تعليمه الابتدائي سنة (1333هـ=1915م)، وقرر والده أن يلحقه بالمدرسة الثانوية ولم تكن بدمنهور مدرسة ثانوية؛ فرأى أن يوفده إلى أعمامه بالقاهرة ليلتحق بالمدرسة الثانوية في رعاية أعمامه، وقد عارضت والدته في البداية، ولكنها ما لبثت أن كفت عن معارضتها بعد حين.

وانتقل الحكيم ليعيش مع أعمامه في القاهرة والتحق بمدرسة محمد علي الثانوية، وفي تلك الفترة اشتعلت شرارة الثورة الشعبية المصرية سنة (1337 هـ = 1919م)، فشارك الحكيم وأعمامه مع جموع المصريين في تلك الثورة، فقبض عليهم واعتقلوا بالقلعة بتهمة التآمر على الحكم، وعندما علم أبوه بالخبر أسرع إلى القاهرة وسعى بأمواله وعلاقاته أن يفرج عن ابنه وإخوته، ولكن السلطات العسكرية لم تتساهل ومانعت بشدة الإفراج عن أي من المعتقلين، إلا أنه استطاع بعد جهد كبير أن ينقلهم من معسكر الاعتقال بالقلعة إلى المستشفى العسكري.
وبعد أن هدأت الأحداث بدأت السلطات العسكرية تفرج عن المعتقلين، وكان الحكيم وأعمامه من أول من أُفرج عنهم، فخرج من المعتقل، وقد تركت الحادثة أثرا قويا في نفسه بالنقمة على المستعمرين وشعورا دافقا بالوطنية والوعي التحرري.
وعاد الحكيم في سنة (1338 هـ=1920م) إلى دراسته، حيث نال إجازة الكفاءة ثم نال إجازة البكالوريا سنة (1339هـ=1921م)وبرغم ميل توفيق الحكيم إلى دراسة الفنون والآداب فإنه التحق بمدرسة الحقوق نزولا على رغبة أبيه، وتخرج فيها سنة (1343 هـ=1925م).
السفر إلى فرنسا
وخلال سنوات دراسته بالجامعة أخرج الحكيم عدة مسرحيات منذ عام (1340 هـ=1922م) مثلتها فرقة عكاشة على مسرح الأزبكية، وهي مسرحيات:
v العريس
v المرأة الجديدة
v خاتم سليمان
v علي بابا
فلما أنهى دراسته في كليه الحقوق قرر السفر إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا في القانون، ولكنه هناك انصرف عن دراسة القانون، واتجه إلى الأدب المسرحي والقصص، وتردد على المسارح الفرنسية ودار الأوبرا.
عاش توفيق الحكيم في فرنسا نحو ثلاثة أعوام حتى أواسط عام (1346هـ = 1928م) كتب خلالها مسرحية بعنوان "أمام شباك التذاكر".
ثم عاد إلى مصر ليلتحق بسلك القضاء في وظيفة وكيل نيابة، وتنقل بحكم وظيفته بين مدن مصر وقراها، وكتب خلال هذه الفترة التي استمرت إلى عام (1352هـ=1934م) يومياته الشهيرة "يوميات نائب في الأرياف"، وعددا من المسرحيات مثل مسرحية "أهل الكهف" و"شهرزاد" و"أهل الفن"، وعددا آخر من القصص مثل "عودة الروح" و"عصفور من الشرق" و"القصر المسحور
الحكيم كاتبا مسرحيا
وقد تألق الحكيم، واشتهر ككاتب مسرحي بعد النجاح الذي حققته مسرحية "أهل الكهف" التي نُشرت عام (1351هـ = 1933م)، التي مزج فيها بين الرمزية والواقعية على نحو فريد يتميز بالخيال والعمق دون تعقيد أو غموض.
وأصبح هذا الاتجاه هو الذي يكوِّن مسرحيات الحكيم بذلك المزاج الخاص والأسلوب المتميز الذي عُرف به.
ويتميز الرمز في أدب توفيق الحكيم بالوضوح وعدم المبالغة في الإغلاق أو الإغراق في الغموض؛ ففي أسطورة "إيزيس" التي استوحاها من كتاب الموتى- فإن أشلاء أوزوريس الحية في الأسطورة هي مصر المتقطعة الأوصال التي تنتظر من يوحدها، ويجمع أبناءها على هدف واحد.
و"عودة الروح" هي الشرارة التي أوقدتها الثورة المصرية، وهو في هذه القصة يعمد إلى دمج تاريخ حياته في الطفولة والصبا بتاريخ مصر، فيجمع بين الواقعية والرمزية معا على نحو جديد، وتتجلى مقدرة الحكيم الفنية في قدرته الفائقة على الإبداع وابتكار الشخصيات وتوظيف الأسطورة والتاريخ على نحو يتميز بالبراعة والإتقان، ويكشف عن مهارة تمرس وحسن اختيار للقالب الفني الذي يصب فيه إبداعه، سواء في القصة أو المسرحية، بالإضافة إلى تنوع مستويات الحوار لديه بما يناسب كل شخصية من شخصياته، ويتفق مع مستواها الفكرى والاجتماعي؛ وهو ما يشهد بتمكنه ووعيه.
ويمتاز أسلوب توفيق الحكيم بالدقة والتكثيف الشديد وحشد المعاني والدلالات والقدرة الفائقة على التصوير؛ فهو يصف في جمل قليلة ما قد لا يبلغه غيره في صفحات طوال، سواء كان ذلك في رواياته أو مسرحياته.
ويعتني الحكيم عناية فائقة بدقة تصوير المشاهد، وحيوية تجسيد الحركة، ووصف الجوانب الشعورية والانفعالات النفسية بعمق وإيحاء شديدين.
وقد مرت كتابات الحكيم بثلاث مراحل حتى بلغ مرحلة النضج، وهي:
المرحلة الأولى: وهي التي شهدت الفترة الأولى من تجربته في الكتابة، وكانت عباراته فيها لا تزال قلقلة، واتسمت بشيء من الاضطراب حتى إنها لتبدو أحيانا مهلهلة فضفاضة إلى حد كبير، ومن ثم فقد لجأ فيها إلى اقتباس كثير من التعبيرات السائرة لأداء المعاني التي تجول في ذهنه، وهو ما جعل أسلوبه يشوبه القصور وعدم النضج. وفي هذه المرحلة كتب مسرحية أهل الكهف، وقصة عصفور من الشرق، وعودة الروح.
المرحلة الثانية: وقد حاول في هذه المرحلة العمل على مطاوعة الألفاظ للمعاني، وإيجاد التطابق بين المعاني في عالمها الذهني المجرد والألفاظ التي تعبر عنها من اللغة.
ويلاحظ عليها أنها تمت بشيء من التدرج، وسارت متنامية نحو التمكن من الأداة اللغوية والإمساك بناصية التعبير الجيد. وهذه المرحلة تمثلها مسرحيات شهرزاد، والخروج من الجنة، ورصاصة في القلب، والزمار.
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة تطور الكتابة الفنية عند الحكيم التي تعكس قدرته على صوغ الأفكار والمعاني بصورة جيدة. وخلال هذه المرحلة ظهرت مسرحياته: "سر المنتحرة"، و"نهر الجنون"، و"براكسا"، و"سلطان الظلام"، و"بجماليون".
رائد المسرح الذهني
وبالرغم من الإنتاج المسرحي الغزير للحكيم، الذي يجعله في مقدمه كتاب المسرح العرب وفي صداره رواده، فإنه لم يكتب إلا عددا قليلا من المسرحيات التي يمكن تمثيلها على خشبة المسرح ليشاهدها الجمهور، وإنما كانت معظم مسرحياته من النوع الذي يمكن أن يطلق عليه "المسرح الذهني"، الذي كُتب ليُقرأ فيكتشف القارئ من خلاله عالما من الدلائل والرموز التي يمكن إسقاطها على الواقع في سهولة ويسر؛ لتسهم في تقديم رؤية نقدية للحياة والمجتمع تتسم بقدر كبير من العمق والوعي.
وهو يحرص على تأكيد تلك الحقيقة في العديد من كتاباته، ويفسر صعوبة تجسيد مسرحياته وتمثيلها على خشبة المسرح؛ فيقول: "إني اليوم أقيم مسرحي داخل الذهن، وأجعل الممثلين أفكارا تتحرك في المطلق من المعاني مرتدية أثواب الرموز... لهذا اتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح، ولم أجد قنطرة تنقل مثل هذه الأعمال إلى الناس غير المطبعة".
ولا ترجع أهمية توفيق الحكيم إلى كونه صاحب أول مسرحية عربية ناضجة بالمعيار النقدي الحديث فحسب، وهي مسرحية "أهل الكهف"، وصاحب أول رواية بذلك المعنى المفهوم للرواية الحديثة وهي رواية "عودة الروح"، اللتان نشرتا عام (1350 هـ=1932م)، وإنما ترجع أهميته أيضا إلى كونه أول مؤلف إبداعي استلهم في أعماله المسرحية الروائية موضوعات مستمدة من التراث المصري.
وقد استلهم هذا التراث عبر عصوره المختلفة، سواء كانت فرعونية أو رومانية أو قبطية أو إسلامية، كما أنه استمد أيضا شخصياته وقضاياه المسرحية والروائية من الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي المعاصر لأمته.
موقفه من الأحزاب والمرأة
وبالرغم من ميول الحكيم الليبرالية ووطنيته؛ فقد حرص على استقلاله الفكري والفني، فلم يرتبط بأي حزب سياسي في حياته قبل الثورة؛ فلما قامت ثورة يوليو 1952م ارتبط بها وأيّدها، ولكن في الوقت نفسه كان ناقدا للجانب الديكتاتوري غير الديمقراطي الذي اتسمت به الثورة منذ بدايتها.
كما تبني الحكيم عددا من القضايا القومية والاجتماعية وحرص على تأكيدها في كتاباته، فقد عُني ببناء الشخصية القومية، واهتم بتنمية الشعور الوطني، ونشر العدل الاجتماعي، وترسيخ الديمقراطية، وتأكيد مبدأ الحرية والمساواة.
ومع ما أشيع عن توفيق الحكيم من عداوته للمرأة فإن كتاباته تشهد بعكس ذلك تماما فقد حظيت المراة بنصيب وافر في أدب توفيق الحكيم، وتحدث عنها بكثير من الإجلال والاحترام الذي يقترب من التقديس.
والمرأة في أدب الحكيم تتميز بالإيجابية والتفاعل، ولها تأثير واضح في الأحداث ودفع حركة الحياة، ويظهر ذلك بجلاء في مسرحياته شهرزاد، وإيزيس، والأيدي الناعمة، وبجماليون، وقصة الرباط المقدس، وعصفور من الشرق، وعودة الروح.
وقد تقلد الحكيم العديد من المناصب فقد عمل مديرا لدار الكتب القومية المصرية، كما عين مندوبا دائما لمصر في منظمة اليونسكو، وكان رئيسا لاتحاد كتاب مصر، كما اختير رئيسا شرفيا لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام، ونال عددا من الجوائز والأوسمة الرفيعة منها جائزة الدولة التقديرية للآداب وقلادة النيل وقلادة الجمهورية.
توفي توفيق الحكيم في (29 من ذي الحجة 1407 هـ=27 من يوليو 1987م) عن عمر بلغ تسعين عاما، وترك تراثا أدبيا رفيعا وثروة هائلة من الكتب والمسرحيات التي بلغت نحو 100 مسرحية و62 كتابا.

moudar
05-Jun-2011, 10:21 AM
أحمـد الـزيــن

(1899م ـ 1947م)
لقد قسى عليه الدهر فحرمه نعمة النظر، فكان مكفوف البصر، صهرت الآلام عبقريته، فكان احد اعلام الشعر في هذا العصر، لقد تعذر علينا معرفة تاريخ ولادته وأصل اسرته، واستقصينا اخبار هذا الشاعر الكبير حتى تجمعت لدينا بعض المعلومات عن آثاره ومآثره، وقد توفي في العقد الخامس من عمره فيكون من مواليد عام 1899م على وجه التقدير.

تلقى علومه في الازهر وحصل على شهادته العالية 1925 م، وكان وهو طالب يتردد على الجامعة المصرية القديمة لسماع محاضراتها الأدبية، وفي سنة 1926م عين مصححاً بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية، وظل بها حتى نقل إلى المراقبة العامة للثقافة بوزارة المعارف.

كان المترجم العبقري موظفاً باليومية في دار الكتب المصرية، لا تحسب في أجره الضئيل أيام الاثنين العطلة الاسبوعية في دار الكتب والاجازات والاعياد، وظل مرتبه اليومي يزداد قرشاً طيلة مدة خدمته حتى وصل إلى ثلاثة واربعين قرشاً، يعطي منها ثمانية قروش لكاتبه الذي كان يلازمه للاستعانة في عمله بحكم حالته، وجاء اخيراً ملاك العمال فقفزت به أحكامه إلى الدرجة السادسة، وقد عدّ من العمال لانه يعمل باليومية مثلهم.

عاش هذا الشاعر العصامي الجبار صابراً على هذا الحال متجملاً بالتعفف، منطوياً على عزة نفسه يروح ويغدو وفي وجهه ماء الكرامة والكبرياء، وكان إلى عظم منزلته الأدبية كبير النفس، فلم يكن ليصغرها بطلب شيء لذاته، وربما رجا لغيره، ومن هنا ظل شعره بعيداً عن ان يكون سبباً من اسباب الحاجات، وظل مع ذلك يصدح على أيكة الشعر ويخرج الأدب المصفى في بلد يحترق فيه كرام الأدباء وينال خطوة اوليائه الهتافون ومن اليهم من سائر الوصوليين حتى داهمه المرض وقد طال به أمده، واختلف الاطباء في تعليل مرضه حتى نقد القليل الذي ادخره من اجرة تصحيح الكتب التي اشترك فيها خارج عمله الحكومي، ونفدت أثمان حلي الزوجة ثم قضى المترجم وخلف ثروة ادبية لا نفع فيها لليتيم الذي تركه في نحو العاشرة من عمره.

لقد كان المترجم شاعراً عبقرياً من شعراء العربية المبرزين في هذا العصر، قرأ له الناس قصائد ممتعة في الاهرام والرسالة والثقافة، وقد طبع في مستهل حياته الأدبية ديواناً سماه (قلائد الحكمة) أكثره أراجيز تدل على بدء معالجته للقريض كما يدل ذلك على تخميسه لقصيدة أمرىء القيس (قفا نبك)، وكان قد جمع شعره في ديوان مخطوط وأزمع إن يطبعه في الفرصة المواتية، ولكن شغلته متاعب العيش والمرض، ثم عاجلته المنية دون أن يحقق أمنيته.

كان يستمد شعره من نبع فياض هو نفسه الشاعرة، وكان يجل فنه ويقدسه، فلم يقصد به إلى منفعة ولم يتوسل به إلى كسب، وكان يقول الشعر يصور به نفسه ويعبر عن مشاعره، فقال كثيراً في الغزل العاطفي الرقيق، ولم يكن من المقلدين في الشعر والمزيفين للشعور، بل كان صادق الفن يصدر عن ذات نفسه ويعبر عن خالص وجدانه، وكان مرهف الحس دقيق الشعور واضح المعاني، يؤدي كل ذلك في ديباجة مشرقة وألفاظ عذبة، لا تجد له لفظاً مستكرهاً ومعنى ملتوياً، وكان يعني بالتوقيع الموسيقي في شعره، وأطلق عليه لقب (الراوية) لكثرة ما كان يحفظه ويرويه من أشعار العرب وأخبارهم.

كان له جهد جليل في تحقيق الآثار الأدبية وتصحيحها وإخراجها، وكان يعمل في ذلك بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية، وقد أخرج ستة أجزاء من (نهاية الارب) واخرج الجزء الأول من أشعار الهزليين، وكان يعمل في الثاني، واشترك مع الأستاذ أحمد أمين في إخراج كتاب (الامتاع والمؤانسة)، ومعه ومع الأستاذ إبراهيم الايباري في إخراج أربعة أجزاء من كتاب العقد الفريد، واشترك الثلاثة في إخراج ديوان حافظ بتكليف من وزارة المعارف، وأخرج ديوان إسماعيل صبري وقدمه بدراسة قيمة، ولعل آخر مطولاته القصيدة التي قالها في ذكر احمد تيمور باشا سنة 1945م.

لقد استأثرت به المنية بعد مرض طويل، وكانت وفاته يوم الأربعاء الخامس من شهر تشرين الثاني سنة 1947 م.

moudar
08-Jun-2011, 11:32 AM
جرجي زيدان

تعد حياة جورجي زيدان نموذجًا للعصامي الذي يشق حياته وسط طريق ملبد بالغيوم مليء بالثغرات، فيجتاز ذلك بالهمة العالية والإرادة الصلبة، والتطلع إلى المعالي، لا يصرفه عن ذلك فقر حل به، أو ظروف معاكسة، أو بيئة غير مواتية، يأتي إلى القاهرة فقيرا لا يملك من الدنيا شيئا، فيصنع لنفسه حياة عريضة وشهرة واسعة في ميدان الصحافة والأدب والتاريخ.

المولد والنشأة
ولد جورجي زيدان في بيروت في (10 من جمادى الآخرة 1278هـ = 14 من ديسمبر 1861م) لأسرة مسيحية فقيرة، كان عائلها رجلاً أميا يملك مطعمًا صغيرًا كان يتردد عليه طائفة من رجال الأدب واللغة، وطلاب الكلية الأمريكية. ولما بلغ الخامسة أرسله أبوه إلى مدرسة متواضعة ليتعلم القراءة والكتابة والحساب، حتى يستطيع مساعدته في إدارة المطعم وضبط حساباته، ثم التحق بمدرسة الشوام فتعلم بها الفرنسية، ثم تركها بعد فترة والتحق بمدرسة مسائية تعلم فيها الإنجليزية.
ولم ينتظم جورجي في المدارس، فتركها وعمل في مطعم والده، غير أن والدته كرهت له العمل بالمطعم، فاتجه إلى تعلم صناعة الأحذية وهو في الثانية عشرة ومارسها عامين حتى أوشك على إتقانها لكنه تركها، لعدم ملاءمتها لصحته.
ولم تشغله هذه الأعمال عن القراءة والاطلاع؛ فقد كان يبدي منذ صغره ميلا قويا إلى المعرفة، وشغفا بالأدب على وجه الخصوص، وتوثقت صلته بعدد كبير من المتخرجين في الكلية الأمريكية، ورجال الصحافة وأهل اللغة والأدب من أمثال يعقوب صروف، وفارس نمر، وسليم البستاني وغيرهم، وكان هؤلاء يدعونه إلى المشاركة في احتفالات الكلية، فهفت نفسه إلى الالتحاق بها مهما كلفه الأمر، أو بذل من جهد ومشقة، فترك العمل نهائيا سنة (1299هـ = 1881م) وانكب على التحصيل والمطالعة، راغبا في الالتحاق بمدرسة الطب، فتحقق له ذلك بعد اجتيازه اختبارا في بعض المواد العلمية عكف على تعلمها ثلاثة أشهر، وبعد أن أمضى في مدرسة الطب عاما كاملا تركها إلى مدرسة الصيدلة.

الهجرة إلى القاهرة
اعتزم جورجي زيدان الهجرة إلى القاهرة ليتم بها دراسة الطب، ولم يكن معه ما يكفي نفقات السفر، فاقترض من جار له ببيروت ستة جنيهات على أن يردها إليه حينما تتيسر له الأحوال، ولما نزل القاهرة في (ذي الحجة 1300هـ = أكتوبر 1883م) صرف عزمه عن الالتحاق بمدرسة الطب لطول مدة الدراسة، وأخذ يبحث عن عمل يتفق مع ميوله، فعمل محررا في صحيفة "الزمان" اليومية التي كان يملكها ويديرها رجل أرمني الأصل يدعى "علكسان صرافيان".
وكانت صحيفة الزمان الجريدة اليومية الوحيدة في القاهرة بعد أن عطل الاحتلال الإنجليزي صحافة ذلك العهد، وبعد نحو عام عُيّن مترجما في مكتب المخابرات البريطانية بالقاهرة عام (1301هـ = 1884م)، ورافق الحملة الإنجليزية التي توجهت إلى السودان لإنقاذ القائد الإنجليزي "غوردون" من حصار المهدي وجيوشه، ودامت رحلته في السودان عشرة أشهر عاد بعدها إلى بيروت في سنة (1302هـ = 1885م).

العودة إلى بيروت
وفي بيروت انضم إلى المجمع العلمي الشرقي الذي أنشئ في سنة (1299هـ = 1882م) للبحث في العلوم والصناعات، والإفادة منها بما يعود على البلاد بالنفع والخير، وتعلم اللغتين العبرية والسريانية، وهو ما مكّنه من تأليف أول كتبه "فلسفة اللغة العربية" سنة (1303هـ = 1886م)، وهو يعد أول جهد واضح بُذِل في تطبيق مبادئ فقه اللغة المقارن على اللغة العربية، وإن كان غير عميق التناول، وهو ما جعله يعيد فيه النظر مرة أخرى، ويعود إليه منقحا ومعدلا في طبعة جديدة أصدرها بعد ذلك في سنة (1322هـ = 1904م) بعنوان "تاريخ اللغة العربية"، ثم زار جورجي زيدان لندن، وتردد على مكتباتها ومتاحفها، ومجامعها العلمية، ثم عاد إلى القاهرة.

الاستقرار في القاهرة
استقر جورجي زيدان بالقاهرة، وتولى عقب عودته من لندن إدارة مجلة المقتطف، وظل بها عاما ونصف العام، وقد قدم استقالته من المجلة سنة (1306هـ = 1888م) ليشتغل بتدريس اللغة العربية بالمدرسة "العبيدية الكبرى" لمدة عامين، ثم تركها ليشترك سنة (1309هـ = 1891م) مع "نجيب متري" في إنشاء مطبعة، ولم تستمر الشركة بينهما سوى عام، انفضت بعده واحتفظ جورجي زيدان بالمطبعة لنفسه، وأسماها مطبعة الهلال، على حين قام نجيب متري بإنشاء مطبعة مستقلة باسم مطبعة المعارف، ثم أصدر جورجي زيدان في سنة (1304هـ = 1892م) مجلة الهلال، وكان يقوم بتحريرها بنفسه، إلى أن كبر ولده "إميل" وصار مساعده في تحريرها.

نشاطه الفكري
كان جورجي زيدان متمكنا من اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى جانب اللغة العربية، واسع الاطلاع بهما، وبخاصة فيما يتصل بالتاريخ والأدب العربيين، واتجهت مؤلفاته الأولى نحو هذا المضمار، وإن مالت نحو الدراسات التاريخية، فأصدر في سنة (1307هـ = 1889م) كتاب "تاريخ مصر الحديثة" في مجلدين، و"تاريخ الماسونية والتاريخ العام"، وهو موجز في تاريخ قارتي آسيا وأفريقيا، ثم توالت كتبه: تاريخ إنجلترا، تاريخ اليونان والرومان، جغرافية مصر وطبقات الأمم وغيرها، غير أن هذه الكتب لم تلفت إليه الأنظار، ولم تلق نجاحا يذكر، إلى أن أنشأ مجلة الهلال التي ارتبطت حياته بها ارتباطا وثيقا.

مجلة الهلال
وقد صدر العدد الأول من المجلة في (ربيع أول 1310هـ = 1892م) يحمل افتتاحية بقلم جورجي زيدان أوضح فيها خطته، وغايته من إصدارها، وقد عكف على تحريرها بنشاط لفت إليه الأنظار، وكان ينشر فيها كتبه على هيئة فصول متفرقة، وقد لقيت المجلة قبولا من الناس حتى لم يكد يمضي على صدورها خمس سنوات حتى أصبحت من أوسع المجلات انتشارا، وقد مد الله في عمرها حتى تجاوزت قرنا من الزمان، وكان يكتب فيها عمالقة الفكر والأدب في مصر والعالم العربي، ورأس تحريرها على مدى حياتها المديدة كبار الكتاب والأدباء، من أمثال: الدكتور أحمد زكي، والدكتور حسين مؤنس، والدكتور علي الراعي، والشاعر صالح جودت وغيرهم.

الروايات التاريخية
اشتهر جورجي زيدان برواياته التاريخية الشهيرة التي بدأها برواية "المملوك الشارد" التي صدرت في سنة (1309 = 1891م)، ثم تتابعت رواياته حتى بلغت اثنتين وعشرين رواية تاريخية، منها سبع عشرة رواية تعالج فترات من التاريخ الإسلامي، تمتد من الفتح الإسلامي إلى دولة المماليك، مثل: أرمانوسة المصرية، غادة كربلاء، فتح الأندلس، العباسة أخت الرشيد، الأمين والمأمون، شجرة الدر، استبداد المماليك.
وقد لقيت هذه الروايات رواجا واسعًا وإقبالاً هائلاً، وتُرجمت إلى الفارسية والتركية، والأذربيجانية، وغيرها من اللغات، وتنحصر أهمية هذه الروايات في أنها قدمت التاريخ في صورة سهلة ومشوقة، وبلغة جذابة تحمل القراء على متابعة تاريخهم دون مشقة أو ملل.
ومع ذلك فإن تلك الروايات لم تسلم من النقد فيما يتصل بالشكل والمضمون: أما من ناحية الشكل والمعالجة فإن الأحداث تقوم على علاقة غرامية بين بطلي القصة، وتحول الدسائس دون التقائهما واجتماعهما، وشخصيات رواياته متشابهة ونمطية فهو لا يهتم برسم شخصياته.
أما من حيث المضمون فلم يلجأ جورجي زيدان إلى الفترات المشرقة من التاريخ الإسلامي، بل اتجه إلى الفترات التي تمثل صراعًا بين مذهبين سياسييَن أو كتلتين متصارعتين على السلطة والنفوذ، ولم يتجه إلى التاريخ الإسلامي لإبراز أمجاده، وكان متأثرًا في ذلك بنظرة المؤرخين الغربيين إلى العالم الإسلامي، ويأتي في روايته ذكر "الدير" بصورة مفتعلة. وعلى الرغم من ذلك فإنه يعد المؤسس لهذا اللون من الروايات التي تجمع بين التعليم والتسلية والتاريخ.

أهم كتبه
يعد كتاب "تاريخ التمدن الإسلامي" الذي صدر في خمسة أجزاء في الفترة من (1320 – 1324هـ = 1902 – 1906م) أهم مصنفاته، وقد أفاد الرجل من قراءاته ودراساته في المؤلفات الغربية، ومناهج التأليف في التاريخ والحضارة، فضلاً عن مطالعاته الواسعة في المصادر العربية، وكان من يكتبون في تاريخ الإسلام يجرون على منهج رواة المسلمين القدامى مع شيء من التحسين، مثلما هو الحال في كتابات الشيخ "محمد الخضري"، ولم يكن لهم صلة بعالم الاستشراق أو وقوف على المناهج الحديثة.
وقد أثار الكتاب عند ظهور أجزائه الأولى نشاطًا واسع المدى في أبحاث التاريخ الإسلامي، وأقبل عليه الناس، وكانت الجامعة المصرية قد قامت وامتلأت قاعاتها بالطلاب، فانتبهت إلى مكانة جورجي زيدان وسعة علمه، فدعته إلى إلقاء سلسلة من المحاضرات في التاريخ الإسلامي، لكن حالت الظروف دون القيام بهذا العمل في الجامعة. وقد ترجم هذا الكتاب إلى عدة لغات شرقية، كما ترجم المستشرق الإنجليزي "مارجوليوث" الجزء الرابع منه إلى الإنجليزية، وعده عملاً أصيلاً غير مسبوق.
ويعد كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية" الذي صدر في أربعة أجزاء في الفترة (1329هـ – 1332 هـ = 1911 = 1914م) من أهم المراجع للمشتغلين بتاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة، وكانت فكرة تأليف هذا الكتاب قد شغلته منذ وقت مبكر، فنشر فصولاً في مجلة الهلال سنة (1312هـ = 1894م) تحت هذا العنوان، ثم وسّع هذه الفصول حتى جعل منها كتابًا مستقلاً، ويعد جورجي زيدان رائد هذا الميدان، وإن سبقته محاولات محددة لم يكن لها مثل تأثير كتابه.
وتأثر جورجي زيدان بمنهج المستشرقين في دراسة تاريخ الآداب العربية، وبخاصة كتاب بروكلمان المستشرق الألماني في كتاب "الأدب العربي" وغيره من مؤلفات المستشرقين، وقد وضع في الصفحات الأولى من كتابه أسماء المراجع الفرنسية والإنجليزية والألمانية التي رجع إليها ونهل منها.
ويعد كتابه "تراجم مشاهير الشرق" من أهم المراجع التي يستأنس بها كل باحث وكاتب يبحث عن الترجمة لعلم من أعلام الشرق في القرن التاسع عشر، والكتاب لا يختص بطائفة معينة من الناس، وإنما يجمع بين أعلام السياسة والأدب والإدارة والحكم وغيرهم.

وفاته
كان جورجي زيدان يعمل بانتظام شديد، وبعزيمة قوية، ينكب على القراءة والتدوين ست عشرة ساعة متوالية في اليوم، مكتفيًا من النوم بأربع ساعات في أخريات حياته، يسابق الزمن في إنجاز أعماله الضخمة، ووافته المنية وهو بين كتبه وأوراقه في مساء يوم الثلاثاء الموافق (27 من شعبان 1332هـ = 21 من يوليو 1914م)، وقد رثاه كبار الشعراء من أمثال شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران بقصائد مبكية.

moudar
14-Jun-2011, 03:03 PM
عباس محمود العقاد

تبوأ العقاد مكانة عالية في النهضة الأدبية الحديثة ندر من نافسه فيها، فهو يقف بين أعلامها، وكلهم هامات سامقة، علمًا شامخًا وقمة باذخة، يبدو لمن يقترب منه كالبحر العظيم من أي الجهات أتيته راعك اتساعه، وعمقه، أو كقمة الهرم الراسخ لا ترقى إليه إلا من قاعدته الواسعة، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره من المواهب والملَكَات، فهو كاتب كبير، وشاعر لامع، وناقد بصير، ومؤرخ حصيف، ولغوي بصير، وسياسي حاذق، وصحفي نابه، ولم ينل منزلته الرفيعة بجاه أو سلطان، أو بدرجات، وشهادات، بل نالها بمواهبه المتعددة، وهمته العالية، ودأبه المتصل، عاش من قلمه وكتبه، وترفع عن الوظائف والمناصب لا كرها فيها، بل صونًا لحريته واعتزازًا بها، وخوفًا من أن تنازعه الوظائف عشقه للمعرفة.
وحياة العقاد سلسلة طويلة من الكفاح المتصل والعمل الدءوب، صارع الحياة والأحداث وتسامى على الصعاب، وعرف حياة السجن وشظف العيش، واضطهاد الحكام، لكن ذلك كله لم يُوهِنْ عزمه أو يصرفه عما نذر نفسه له، خلص للأدب والفكر مخلصًا له، وترهب في محراب العلم؛ فأعطاه ما يستحق من مكانة وتقدير.

المولد والنشأة
في مدينة أسوان بصعيد مصر، وُلِدَ عباس محمود العقاد في يوم الجمعة الموافق (29 من شوال 1306هـ 28 من يونيو 1889)، ونشأ في أسرة كريمة، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة أسوان الأميرية، وحصل منها على الشهادة الابتدائية سنة (1321هـ= 1903م) وهو في الرابعة عشرة من عمره.
وفي أثناء دراسته كان يتردد مع أبيه على مجلس الشيخ أحمد الجداوي، وهو من علماء الأزهر الذين لزموا جمال الدين الأفغاني، وكان مجلسه مجلس أدب وعلم، فأحب الفتى الصغير القراءة والاطلاع، فكان مما قرأه في هذه الفترة "المُسْتَطْرَف في كل فن مستظرف" للأبشيهي، و"قصص ألف ليلة وليلة"، وديوان البهاء زهير وغيرها، وصادف هذا هوى في نفسه، ما زاد إقباله على مطالعة الكتب العربية والإفرنجية، وبدأ في نظم الشعر.
ولم يكمل العقاد تعليمه بعد حصوله على الشهادة الابتدائية، بل عمل موظفًا في الحكومة بمدينة قنا سنة (1323هـ= 1905م) ثم نُقِلَ إلى الزقازيق سنة (1325هـ= 1907م) وعمل في القسم المالي بمديرية الشرقية، وفي هذه السنة توفي أبوه، فانتقل إلى القاهرة واستقر بها.
الاشتغال بالصحافة
ضاق العقاد بحياة الوظيفة وقيودها، ولم يكن له أمل في الحياة غير صناعة القلم، وهذه الصناعة ميدانها الصحافة، فاتجه إليها، وكان أول اتصاله بها في سنة (1325هـ= 1907م) حين عمل مع العلامة محمد فريد وجدي في جريدة الدستور اليومية التي كان يصدرها، وتحمل معه أعباء التحرير والترجمة والتصحيح من العدد الأول حتى العدد الأخير، فلم يكن معهما أحد يساعدهما في التحرير.
وبعد توقف الجريدة عاد العقاد سنة (1331هـ= 1912م) إلى الوظيفة بديوان الأوقاف، لكنه ضاق بها، فتركها، واشترك في تحرير جريدة المؤيد التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، وسرعان ما اصطدم بسياسة الجريدة، التي كانت تؤيد الخديوي عباس حلمي، فتركها وعمل بالتدريس فترة مع الكاتب الكبير إبراهيم عبد القادر المازني، ثم عاد إلى الاشتغال بالصحافة في جريدة الأهالي سنة (1336هـ= 1917م) وكانت تَصْدُر بالإسكندرية، ثم تركها وعمل بجريدة الأهرام سنة (1338هـ= 1919م) واشتغل بالحركة الوطنية التي اشتغلت بعد ثورة 1919م، وصار من كُتَّابها الكبار مدافعًا عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، وأصبح الكاتب الأول لحزب الوفد، المدافع عنه أمام خصومه من الأحزاب الأخرى، ودخل في معارك حامية مع منتقدي سعد زغلول زعيم الأمة حول سياسة المفاوضات مع الإنجليز بعد الثورة.
وبعد فترة انتقل للعمل مع عبد القادر حمزة سنة (1342هـ= 1923م) في جريدة البلاغ، وارتبط اسمه بتلك الجريدة، وملحقها الأدبي الأسبوعي لسنوات طويلة، ولمع اسمه، وذاع صيته واُنْتخب عضوا بمجلس النواب، ولن يَنسى له التاريخ وقفته الشجاعة حين أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، فارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلا: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه"، وقد كلفته هذه الكلمة الشجاعة تسعة أشهر من السجن سنة (1349هـ= 1930م) بتهمة العيب في الذات الملكية.
وظل العقاد منتميًا لحزب الوفد حتى اصطدم بسياسته تحت زعامة مصطفى النحاس باشا في سنة (1354هـ= 1935م) فانسحب من العمل السياسي، وبدأ نشاطُه الصحفي يقل بالتدريج وينتقل إلى مجال التأليف، وإن كانت مساهماته بالمقالات لم تنقطع إلى الصحف، فشارك في تحرير صحف روزاليوسف، والهلال، وأخبار اليوم، ومجلة الأزهر.
مؤلفات العقاد
عُرف العقاد منذ صغره بنهمه الشديد في القراءة، وإنفاقه الساعات الطوال في البحث والدرس، وقدرته الفائقة على الفهم والاستيعاب، وشملت قراءاته الأدب العربي والآداب العالمية فلم ينقطع يومًا عن الاتصال بهما، لا يحوله مانع عن قراءة عيونهما ومتابعة الجديد الذي يصدر منهما، وبلغ من شغفه بالقراءة أنه يطالع كتبًا كثيرة لا ينوي الكتابة في موضوعاتها حتى إن أديبًا زاره يومًا، فوجد على مكتبه بعض المجلدات في غرائز الحشرات وسلوكها، فسأله عنها، فأجابه بأنه يقرأ ذلك توسيعًا لنهمه وإدراكه، حتى ينفذ إلى بواطن الطبائع وأصولها الأولى، ويقيس عليها دنيا الناس والسياسة.
وكتب العقاد عشرات الكتب في موضوعات مختلفة، فكتب في الأدب والتاريخ والاجتماع مثل: مطالعات في الكتب والحياة، ومراجعات في الأدب والفنون، وأشتات مجتمعة في اللغة والأدب، وساعات بين الكتب، وعقائد المفكرين في القرن العشرين، وجحا الضاحك المضحك، وبين الكتب والناس، والفصول، واليد القوية في مصر.
ووضع في الدراسات النقدية واللغوية مؤلفات كثيرة، أشهرها كتاب "الديوان في النقد والأدب" بالاشتراك مع المازني، وأصبح اسم الكتاب عنوانًا على مدرسة شعرية عُرفت بمدرسة الديوان، وكتاب "ابن الرومي حياته من شعره"، وشعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ورجعة أبي العلاء، وأبو نواس الحسن بن هانئ، واللغة الشاعرية، والتعريف بشكسبير.
وله في السياسة عدة كتب يأتي في مقدمتها: "الحكم المطلق في القرن العشرين"، و"هتلر في الميزان"، وأفيون الشعوب"، و"فلاسفة الحكم في العصر الحديث"، و"الشيوعية والإسلام"، و"النازية والأديان"، و"لا شيوعية ولا استعمار".
وهو في هذه الكتب يحارب الشيوعية والنظم الاستبدادية، ويمجد الديمقراطية التي تكفل حرية الفرد، الذي يشعر بأنه صاحب رأي في حكومة بلاده، وبغير ذلك لا تتحقق له مزية، وهو يُعِدُّ الشيوعية مذهبًا هدَّامًا يقضي على جهود الإنسانية في تاريخها القديم والحديث، ولا سيما الجهود التي بذلها الإنسان للارتفاع بنفسه من الإباحية الحيوانية إلى مرتبة المخلوق الذي يعرف حرية الفكر وحرية الضمير.
وله تراجم عميقة لأعلام من الشرق والغرب، مثل "سعد زغلول، وغاندي وبنيامين فرانكلين، ومحمد علي جناح، وعبد الرحمن الكواكبي، وابن رشد، والفارابي، ومحمد عبده، وبرناردشو، والشيخ الرئيس ابن سينا".
وأسهم في الترجمة عن الإنجليزية بكتابين هما "عرائس وشياطين، وألوان من القصة القصيرة في الأدب الأمريكي".
إسلاميات العقاد
تجاوزت مؤلفات العقاد الإسلامية أربعين كتابًا، شملت جوانب مختلفة من الثقافة الإسلامية، فتناول أعلام الإسلام في كتب ذائعة، عرف كثير منها باسم العبقريات، استهلها بعبقرية محمد، ثم توالت باقي السلسلة التي ضمت عبقرية الصديق، وعبقرية عمر، وعبقرية علي، وعبقرية خالد، وداعي السماء بلال، وذو النورين عثمان، والصديقة بنت الصديق، وأبو الشهداء وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وفاطمة الزهراء والفاطميون.
وهو في هذه الكتب لا يهتم بسرد الحوادث، وترتيب الوقائع، وإنما يعني برسم صورة للشخصية تُعرِّفنا به، وتجلو لنا خلائقه وبواعث أعماله، مثلما تجلو الصورة ملامح من تراه بالعين.
وقد ذاعت عبقرياته واُشتهرت بين الناس، وكان بعضها موضوع دراسة الطلاب في المدارس الثانوية في مصر، وحظيت من التقدير والاحتفاء بما لم تحظ به كتب العقاد الأخرى.
وألَّف العقاد في مجال الدفاع عن الإسلام عدة كتب، يأتي في مقدمتها: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، والفلسفة القرآنية، والتفكير فريضة إسلامية، ومطلع النور، والديمقراطية في الإسلام، والإنسان في القرآن الكريم، والإسلام في القرن العشرين وما يقال عن الإسلام.
وهو في هذه الكتب يدافع عن الإسلام أمام الشبهات التي يرميه بها خصومه وأعداؤه، مستخدمًا علمه الواسع وقدرته على المحاجاة والجدل، وإفحام الخصوم بالمنطق السديد، فوازن بين الإسلام وغيره وانتهى من الموازنة إلى شمول حقائق الإسلام وخلوص عبادته وشعائره من شوائب الملل الغابرة حين حُرِّفت عن مسارها الصحيح، وعرض للنبوة في القديم والحديث، وخلص إلى أن النبوة في الإسلام كانت كمال النبوات، وختام الرسالات وهو يهاجم الذين يدعون أن الإسلام يدعو إلى الانقياد والتسليم دون تفكير وتأمل، ويقدم ما يؤكد على أن التفكير فريضة إسلامية، وأن مزية القرآن الأولى هي التنويه بالعقل وإعماله، ويكثر من النصوص القرآنية التي تؤيد ذلك، ليصل إلى أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الأشياء.
وقد رد العقاد في بعض هذه الكتب ما يثيره أعداء الإسلام من شبهات ظالمة يحاولون ترويجها بشتى الوسائل، مثل انتشار الإسلام بالسيف، وتحبيذ الإسلام للرق، وقد فنَّد الكاتب هذه التهم بالحجج المقنعة والأدلة القاطعة في كتابه "ما يقال عن الإسلام".
شاعرية العقاد
لم يكن العقاد كاتبًا فذا وباحثًا دؤوبًا ومفكرًا عميقًا، ومؤرخًا دقيقًا فحسب، بل كان شاعرًا مجددًا، له عشرة دواوين، هي: يقظة الصباح، ووهج الظهيرة، وأشباح الأصيل، وأعاصير مغرب، وبعد الأعاصير، وأشجان الليل، ووحي الأربعين، وهدية الكروان، وعابر سبيل، وديوان من دواوين، وهذه الدواوين العشرة هي ثمرة ما يزيد على خمسين عامًا من التجربة الشعرية.
ومن أطرف دواوين العقاد ديوانه "عابر سبيل" أراد به أن يبتدع طريقة في الشعر العربي، ولا يجعل الشعر مقصورًا على غرض دون غرض، فأمور الحياة كلها تصلح موضوعًا للشعر، ولذا جعل هذا الديوان بموضوعات مستمدة من الحياة، ومن الموضوعات التي ضمها الديوان قصيدة عن "عسكري المرور" جاء فيها:
متحكم في الراكبـــين وما لــــه أبدًا ركوبة
لهم المثوبة من بنــانك حين تأمر والعقـــوبة
مُر ما بدا لك في الطـريق ورض على مهل شعوبـه
أنا ثائر أبدًا وما فـــي ثورتي أبدًا صعـــوبة
أنا راكب رجلي فـــلا أمْرٌ عليَّ ولا ضريبــة

تقدير العقاد
لقي العقاد تقديرا وحفاوة في حياته من مصر والعالم العربي، فاخْتير عضوًا في مجمع اللغة العربية بمصر سنة (1359هـ= 1940م) فهو من الرعيل الأول من أبناء المجمع، واخْتير عضوًا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ونظيره في العراق، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة (1379هـ= 1959م).
وتُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأخرى، فتُرجم كتابه المعروف "الله" إلى الفارسية، ونُقلت عبقرية محمد وعبقرية الإمام علي، وأبو الشهداء إلى الفارسية، والأردية، والملاوية، كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية.
وكان أدب العقاد وفكره ميدانًا لأطروحات جامعية تناولته شاعرًا وناقدًا ومؤرخًا وكاتبًا، وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسمه على إحدى قاعات محاضراتها، وبايعه طه حسين بإمارة الشعر بعد موت شوقي، وحافظ إبراهيم، قائلا: "ضعوا لواء الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم صاحبه".
وقد أصدرت دار الكتب نشرة بيلوجرافية وافية عن مؤلفات العقاد، وأصدر الدكتور حمدي السكوت أستاذ الأدب العربي بالجامعة الأمريكية كتابًا شاملا عن العقاد، اشتمل على بيلوجرافية لكل إنتاج العقاد الأدبي والفكري، ولا تخلو دراسة عن الأدب العربي الحديث عن تناول كتاباته الشعرية والنثرية.
واشْتُهر العقاد بصالونه الأدبي الذي كان يعقد في صباح كل جمعة، يؤمه تلامذته ومحبوه، يلتقون حول أساتذتهم، ويعرضون لمسائل من العلم والأدب والتاريخ دون الإعداد لها أو ترتيب، وإنما كانت تُطْرح بينهم ويُدلي كل منهم بدلوه، وعن هذه الجلسات الشهيرة أخرج الأستاذ أنيس منصور كتابه البديع " في صالون العقاد".
وفاة العقاد
ظل العقاد عظيم الإنتاج، لا يمر عام دون أن يسهم فيه بكتاب أو عدة كتب، حتى تجاوزت كتُبُه مائةَ كتاب، بالإضافة إلى مقالاته العديدة التي تبلغ الآلاف في بطون الصحف والدوريات، ووقف حياته كلها على خدمة الفكر الأدبي حتى لقي الله في (26 من شوال 1383هـ= 12 من مارس 1964م).

moudar
15-Jun-2011, 09:19 AM
محمد مأمون الشناوي
شهد الأزهر الشريف محاولات جادة في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري لإصلاح نظم التعليم به، وتطوير مناهجه، وتيسير الالتحاق به، ومواكبته ركب العصر، والإفادة من التحديث مع المحافظة على طابعه المعروف، وتوالى صدور القوانين التي تنظم كل هذا، وكان من أعظم قوانين إصلاح الأزهر ما صدر سنة (1349هـ = 1930م) بشأن تنظيم الدراسة بالأزهر؛ حيث جعل مدة الدراسة بالأزهر أربع سنوات للمرحلة الابتدائية، وخمس سنوات للمرحلة الثانوية، واستبدل بالقسم العالي ثلاث كليات؛ هي: كلية الشريعة وتولى مشيختها لأول مرة محمد مأمون الشناوي، وكلية اللغة العربية وتولى مشيختها إبراهيم حمروش، وكلية أصول الدين وتولى مشيختها عبد المجيد اللبان.
وشاءت الأقدار أن يتولى الشيخان الأولان مشيخة الجامع الأزهر فيما بعد.

المولد والنشأة
وُلد محمد مأمون الشناوي في (11 من شعبان 1295هـ = 10 من أغسطس 1878م)، في قرية "الزرقا" بمحافظة "الدقهلية"، ونشأ في بيت علم وصلاح، فأبوه كان عالمًا جليلا معروفًا بالتقوى والصلاح، وأخوه الأكبر سيد الشناوي تخرج في الأزهر، وعمل بالقضاء الشرعي، وترقى في مناصبه حتى أصبح رئيسًا للمحكمة العليا الشرعية.
وبعد أن أتم حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة التحق بالأزهر، وانتظم في حضور حلقات العلم التي تُعقد في أرجائه، غير أن الطالب الصغير فاجأه أسلوب التعليم بالأزهر، ودراسة المتون، والشروح والحواشي والتقارير؛ فضاق بكل هذا، ولم يحتملها عقله فأعرض عنها، وقرر أن يعود إلى بلدته ويهجر الدراسة، غير أن أباه هدأ من روعه، وبثّ فيه الثقة، فعاد إلى الدراسة، وواصل التعليم في جد ومثابرة، فانفتحت له مغاليق العلوم، وفهم ما كان غامضًا؛ حتى صار موضع رضا شيوخه وأساتذته. واتصل بالإمام محمد عبده والشيخ أبي الفضل الجيزاوي، ولقي منهما كل رعاية وتشجيع، حتى حصل على شهادة العالمية سنة (1324 هـ = 1906م).

في معترك الحياة
وبعد التخرج عُين مدرسًا بمعهد الإسكندرية الديني الذي كان قد أنشئ في سنة (1321 هـ = 1903م). واتبع التعليم فيه نظام التدريس في الجامع الأزهر، ثم نُقل إلى العمل قاضيًا بالمحاكم الشرعية، ولم يمنعه جلال المنصب من المشاركة في العمل الوطني إبان ثورة 1919م، التي عمَّ لهيبها البلاد، وأجَّجها حماس الناس ووطنيتهم، ثم اشترك مأمون الشناوي في إشعال الثورة بلسانه وقلمه؛ فكان يرتجل الخطب الحماسية في المساجد والكنائس والمنتديات، وينظم المظاهرات ويمشي في طليعتها، ويكتب المقالات في الصحف والمجلات.
ثم اختير إمامًا للسراي الملكية، وظل به خمس سنوات، وكان يُراعى فيمن يتولى هذا المنصب غزارة العلم وسعة الأفق، وأن يكون محل تقدير واحترام، ثم عُيِّن في سنة (1349هـ = 1930م) شيخًا لكلية الشريعة؛ فكان أول من تولى مشيختها في تاريخ الأزهر، وقد نجح في قيادة كليته وتنظيم الدراسة بها، ثم نال في سنة (1353هـ = 1934م) عضوية "جماعة كبار العلماء"، وكانت أكبر هيئة علمية شرعية في العالم الإسلامي، ولا ينال شرف عضويتها إلا الجهابذة من علماء الأزهر، وممن عُرفوا بسعة العلم والمعرفة، ثم عُين في سنة (1364هـ = 1944م) وكيلا للجامع الأزهر، ورئاسة لجنة الفتوى بالجامع الأزهر.

قبل المشيخة
ولما تُوفِّي الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر سنة (1365هـ = 1945م) اتجهت الأنظار إلى ثلاثة من كبار علماء الأزهر؛ ليكون أحدهم شيخًا للجامع الأزهر، والثلاثة هم: محمد مأمون الشناوي، وإبراهيم حمروش الذي تولى مشيخة كلية الشريعة بعد الشناوي، والشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية، رئيس جماعة كبار العلماء، غير أن الملك فاروق لم يكن راغبًا في تولي أحدهم المشيخة، وتطلع إلى شيخ جليل هو مصطفى عبد الرازق ليتولى منصب المشيخة، وهو جدير بالمنصب لعلمه وفضله، لكن تعيينه في هذا المنصب مخالف لقانون الأزهر الذي ينص على أن يكون اختيار شيخ الجامع الأزهر من بين "جماعة كبار العلماء"، ولم يكن مصطفى عبد الرازق حينئذ عضوا في تلك الجماعة المرموقة.
وحاولت الحكومة المصرية تعديل قانون الجماعة بحيث يسمح بإعطاء عضويته للشيخ مصطفى عبد الرازق، فاصطدمت بالثلاثة الكبار من علماء الأزهر الذين أصروا على الرفض، ولم يكن رفضهم اعتراضًا على شخص مصطفى عبد الرازق أو تقليلا من شأنه، ولكن كان ذلك حفاظًا على القانون، ودفعًا لطغيان السلطة التي تريد أن تعبث بهيبة علماء الأزهر ومكانتهم.
وقدم الثلاثة استقالتهم من مناصبهم، وتمكنت الحكومة من تعديل قانون الجماعة بحيث يُسمح بترشيح مصطفى عبد الرازق لمشيخة الجامع الأزهر، وعُين بالفعل في المنصب الكبير في (22 من المحرم 1365 هـ = 27 من ديسمبر 1945م)، وتشاء الأقدار ألا تطول مدته في المشيخة فلم يكد يمر عليه عام حتى لقي ربه في (24 من ربيع الأول 1366هـ = 15 من فبراير 1947م)، وأن يتولى المعترضون الثلاثة المشيخة على التوالي، ويكون محمد مأمون الشناوي أولهم في تولي المشيخة.

مشيخة الجامع الأزهر
تولى الإمام محمد مأمون الشناوي مشيخة الأزهر في (2 من ربيع الأول 1367هـ = 18 من يناير 1348م)، واستقبل رجال الأزهر نبأ تعيينه استقبالا طيبا، وكان الشيخ الجليل عند حسن ظن علماء الأزهر وطلابه؛ فنهض بالأزهر، وأولاه عنايته التي ظهرت نتائجها في ارتفاع ميزانية الأزهر، والقضاء على العصبيات الحزبية التي كادت تُحدث فتنة في الأزهر، بعد أن تدخلت الأحزاب السياسية في شؤون الأزهر وترشيح بعض شيوخه، ثم بدأ الشيخ يُمكِّن للأزهر في مصر والعالم الإسلامي، فعمل على زيادة المعاهد الدينية في مصر، وحرص على ألا تخلو مدن مصر الكبرى من معهد أزهري، فأنشأ خمسة معاهد كبرى في (المنصورة والمنيا وسمنود ومنوف وجرجا)، وعُني بكليات الأزهر عناية تامة، ونقلها إلى المباني الجديدة التي خُصصت لها.
وعمل على تقوية الروابط بين الأزهر والعالم الإسلامي، فأوفد البعوث العلمية المختلفة إلى أنحاء العالم الإسلامي؛ تنشر العقيدة الصحيحة، ومبادئ الإسلام السمحة، وشرائعه الغراء، وتقرب ما بين الطوائف المختلفة، وتنزع ما يكون بينها من أسباب الفرقة والخلاف، وفي الوقت نفسه فتح أبواب الأزهر أمام الوافدين من الطلبة المسلمين من باكستان والهند والملايو وإندونيسيا وغيرها، حتى بلغت البعوث في عهده ما يزيد على ألفي طالب أُعدت لهم أماكن الدراسة والإقامة.
كما أرسل بعثة من نوابغ العلماء إلى إنجلترا لدراسة اللغة الإنجليزية والتمكن منها؛ تمهيدًا لإرسالهم إلى البلاد الإسلامية العديدة التي لا تجيد التخاطب إلا بهذه اللغة.
وسعى الشيخ بما له من مكانه سامية إلى وزارة المعارف؛ لتجعل مادة الدين الإسلامي أساسية في التعليم، وفتح مجالات التدريس في الوزارة أمام خريجي الأزهر، وتدخل بقوة لدى الحكومة لإلغاء البغاء الرسمي الذي كان وصمة عار في جبين مصر، فنجحت مساعيه، وأُلغي هذا العمل الفاضح.
وكان للشيخ مواقف أخرى محمودة، يأتي على رأسها موقفه من فلسطين؛ حيث ذكر المسلمين بوجوب الجهاد لنصرة فلسطين ودعاهم هم وحكامهم إلى الوقوف في وجه الهجمة الصهيونية حتى يؤدوا هذه الفريضة ويذكرهم التاريخ بخير.
وفاة الشيخ
ظل الشيخ يعمل في دأب، ويواصل جهوده في صبر وتأنٍّ حتى دهمه المرض؛ فألزمه الفراش، وظل طريحه حتى لبى نداء الله في (21 من ذي القعدة 1369هـ = 4 من سبتمبر 1950م)، وخلفه في منصبه الإمام عبد المجيد سليم.

moudar
16-Jun-2011, 12:09 PM
ناصيف اليازجي
هو ناصيف بن عبد الله بن جنبلاط اليازجي، ولد عام 1800 في قرية كفرشيما في لبنان. كانت أسرته في بداية القرن السابع عشر تقطن قرى حوران فهاجر أفراد منها إلى مدينة حمص وراحوا يكتبون للولاة والحكام فأطلق عليهم اسم الكاتب وهو بالتركية (اليازجي). وفي أواخر القرن السابع عشر هاجر أفراد من هذه الأسرة الكبيرة إلى غربي لبنان وعلى رأسهم (سعد اليازجي)، فأصبح كاتباً للأمير (أحمد المعني) آخر حاكم للبنان من المعنيين، ونال حظوة عنده فلقبه (بالشيخ) لوجاهته وعلمه، وأصبح هذه اللقب يدور مع أفراد الأسرة. خلال القرن الثامن عشر كتب آل اليازجي للأمراء الأرسلانيين والشهابيين. وكان عبد الله اليازجي والد ناصيف كاتباً للأمير حيدر الشهابي في قرية كفرشيما، كما كان طبيباً على مذهب ابن سينا، وكان يحب الأدب ويميل إليه.

تلقى الشيخ ناصيف اليازجي علومه الأولية على أبيه وأنهاها على راهب ماروني، إلى جانب مطالعاته الوافرة لعظيم الكتب، فجمع بذلك الصرف والنحو والبيان واللغة والشعر، وأتقن المنطق وتم له اطلاع واسع على الطب والفلسفة والموسيقى والفقه، وقد ألف في تلك العلوم جميعاً ما عدا القفه احترماً وتهيباً، وهو إلى هذا شاعر زجال، نظم الأزجال عفو الخاطر في صباه، وفاق من تقدمه في نظم الشعر التاريخي على حساب الجمل، ولم يبزه في ذلك إلا الشيخ عبد الله البستاني.

تألق نجم الشيخ ناصيف وهو بعد في السادسة عشرة من عمره بما كان ينظمه، وعني بالخط عناية خاصة فجوده وبرع به، فوصل خبره إلى البطريك أغناطيوس فدعاه ليكتب له في دير (القرقفة) الواقع على هضبة من هضبات كفرشيما، فبقي عنده مدة سنتين رجع بعدها إلى قريته ليواصل الدرس والمطالعة وقرض الشعر. وترامت شهرته في أنحاء لبنان فاستدناه الأمير بشير الشهابي الكبير حاكم لبنان وجعله من كتاب ديوانه، وراح اليازجي ينظم في الأمير شعراً كثيراً، تلقفته الأيدي وأحبته الأسماع، وأذاعت شهرته وصيته، فاكتسب بذلك رضى الأمير وعطفه، وأتاح له ذلك الاتصال بوزراء الدولة وعلماء ذلك العصر وأعيان البلاد.

عاد اليازجي إلى بيروت عام 1840 بعد أن أُرغم الأمير الشهابي على مغادرة البلاد، فاتصل بالمرسلين الأمريكيين يصحح مطبوعاتهم ولاسيما الكتاب المقدس الذي كان باشر بترجمته الدكتور عال سميث ودخل عضواً في الجمعية السورية وهي إذ ذاك أشبه ما تكون بمجمع علمي، فالتف حوله الكثير ليفيدوا من معرفته المدهشة للعربية ومن ثقافته الواسعة في النحو والبيان، فتتلمذوا عليه وجعله الأمريكان أستاذاً في مدارسهم وسار ذكره في البلاد العربية قاطبة وراسله كبار الشعراء.

عام 1863 استقدم بطرس البستاني ناصيف اليازجي للتعليم في المدرسة الوطنية التي افتتحها في بيروت واشتغل معه بتصحيح الجزء الأول من كتاب (محيط المحيط)، ولما أنشئت المدرسة البطريكية كان الشيخ ناصيف من أساتذتها المبرزين، وكان يقوم بالتدريس في المدرستين المذكورتين معاً، وبعد مدة دعي إلى التدريس في الكلية الإنجيلية السورية (الجامعة الأمريكية فيما بعد)، فدرس فيها اللغة العربية وآدابها واتصل به المستشرقون من كل مكان، وبلغت شهرته خارج سورية كما هي داخلها. وانصرف إلى وضع كتب جليلة يعلم بها الجيل في النحو والصرف والبيان على أساليب العصر، وخرج على الناس بشروح ومتون تعد من أثمن ما ترك العلماء تقريباً للأفهام وبعداً عن الأوهام والإبهام، إذ رفع مستوى الكتابة من ركاكة التركيب وغثاثة الانحطاط إلى متانة التعبير ، وتجلى فيها السهولة والانسجام والصفاء، فأصبحت كتبه نبراساً للعقول في ختام عصر الانحطاط وفجر النهضة الأدبية.

وقد أخذ الشيخ ناصيف اليازجي على نفسه تهذيب اللغة، وعمل على تقريب متناولها فحببها إلى القلوب وأصبح من محركي الحركة القومية العربية، إذ حمل الناس على المساهمة في إحياء تراث اللغة ونشره، فكان ذلك منه دعوة غير مباشرة للوعي القومي العربي وإيقاظاً للفكر العربي الهاجع.
واقتصر اليازجي فيما وضع من المؤلفات المختلفة على التقليد والتخليص والتبسيط ومجاراة العرب الأقدمين فيما صنفوا وألفوا فكان في كل ما نظم وكتب مقلداً لمن سبقه.
ومن صفاته التي ازدان بها وتنوقلت عنه، أنه لم يكن يبت حكماً لم يتحققه، ولا يؤكد خبراً ما لم يتمحصه، ولا يثبت رواية لم يعد النظر إليها، وكان هذا أدبه في حديثه وكتاباته وذلك لحصافة في عقله وشهامته في خلقه. وقد نقل عنه أنه كان قليل الكلام ولاسيما بما لا يعنيه، فلم يُسمع له في قصائده أو رسائله أنه هجا أحداً.
ويتحدث عنه معاصروه: أنه كان واسع الاطلاع، كثير النكات والنوادر، يروي القصة بتواريخها وأسماء أصحابها وأمكنتهم، ومن غريب ذاكرته ما يروى: أنه كان إذا نظم الشعر لا يكتبه بيتاً بيتاً بل كان ينظم القصيدة في ذاكرته ثم يكتبها. ويقال أنه كان قوي الذاكرة إلى حد الغرابة، يحفظ زبدة كل كتاب يقرؤه فيرسخ في ذهنه فلا تذهب به الأيام، وقلما طالع كتاباً واحتاج إلى مطالعته مرة ثانية ولا ريب أن هذه المزية التي خص بها كانت من الأسباب المهمة التي ساعدته على البلوغ إلى ما بلغ من العلم وسعة المعارف.

قيل أنه كان يحفظ القرآن آية بعد آية. وشعر المتنبي بيتاً بعد بيت لا يخل بحرف ولم يسمع بيتاً من الشعر إلا عرف من قائله وربما ذكر السبب الذي قيل من أجله، وقد وعى في صدره أيام العرب وأشعارها ونوادر أخبارها.

ويروى عنه أنه كان يذكر أموراً كثيرة وأحاديث غريبة وقعت له أو سمعها يوم كان عمره خمس سنوات. وكان مولعاً بالصوت الجميل والغناء الحسن حتى أنه كان يلقن التواشيح لأحد تلامذته، ـ وكان ذا صوت حسن ـ لينشدها على أصولها.

وإلى جانب ذلك كله كان ناصيف اليازجي محافظاً على لهجة قومه وتقاليد أهل بلاده في الطعام واللباس والجلوس وسائر العادات، فكان لا يطيب له إلا أن يغني بأغاني قومه، ويحذو حذوهم في كل شيء، فيلبس العمامة على رأسه والجبة والقطفان على بدنه ويضع الدواة تحت منطقته.
ظل الشيخ ناصيف اليازجي يدرس ويعلم ويؤلف حتى أصيب بفالج شل شطره الأيسر، وفي أثناء مرضه أصيب بفقد ابنه حبيب بكر أولاده وهو بعد في شرخ الشباب، فمات بعده بقليل متأثراً من شدة حزنه عليه، وكان ذلك عام 1871.
ترك ناصيف اليازجي عدة مؤلفات هي:
q ـ طوق الحمامة.
q ـ قطب الصناعة في أصول المنطق والتذكرة في أصول المنطق.
q ـ الحجر الكريم في الطب القديم.
q ـ فاكهة الندماء في مراسلات الأدباء.
q ـ رسالة تاريخية في أحوال لبنان في عهده الإقطاعي.
q ـ العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب. هذبه وأكمله ابنه إبراهيم اليازجي.

moudar
18-Jun-2011, 09:35 AM
رفيق العظم

هو رفيق بن محمود بن خليل العظم، ولد عام 1867 في مدينة دمشق، في أسرة عريقة رفيعة المكانة واسعة الجاه مترفة. والده الأديب الشاعر محمود العظم لم يصرفه إلى الدراسة في المدارس الحكومية العثمانية، وإنما دفعه إلى شيوخ العصر يتردد إليهم ويأخذ عنهم، فتعلق بكتب الأدب ودواوين الشعر وهو مازال صغيراً، ثم انصرف إلى كتب النحو والصرف والمعاني والبيان، لازم العلماء والأدباء وبعض المتصوفة، وأقبل على الأساتذة سليم البخاري وطاهر الجزائري وتوفيق الأيوبي، ونزع كما ينزعون إلى البحث في الاجتماع والتاريخ والأدب، وتعلق بالإصلاح وكتب فيه لما وجد من أحوال العصر الإدارية والسياسية.

اجتمع رفيق العظم إلى أحرار العثمانيين وتعلم اللغة التركية، وتقرب من الجمعيات السياسية السرية ووقف على العنف والاستبداد والاستعمار، فأخذ ينتقد ويقبح في جرأة وصراحة لفتت الأنظار إليه.

زار رفيق العظم مصر سنة 1892ومنها انتقل إلى الأستانة ثم عاد إلى دمشق، ليغادرها عام 1894 إلى مصر هرباً من مضايقة السلطات لأحرار البلاد، وفي القاهرة تعرف العظم على أعلام البلاد، واتصل بحلقة الإمام محمد عبده، وفي هذه الحلقة كبار الكتاب والمفكرين أمثال قاسم أمين وفتحي زغلول وحسن عاصم. فأفاد من مجالسهم وكذلك اتصل بالشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد، وعرف مصطفى كامل ومحمد فريد من زعماء الإصلاح في مصر، فاختمرت في نفسه فكرة الإصلاح السياسي والاجتماعي.

كما انصرف العظم إلى الكتابة والتصنيف، وأخذ ينشر المقالات والدراسات في التاريخ والأدب والاجتماع والإصلاح في كبريات الجرائد: الأهرام، والمقطم، واللواء وفي أشهر المجلات: المقتطف الهلال، والمنار، والموسوعات فوثقت صلاته بعلماء وكتاب وسياسي مصر.

كما انصرف العظم إلى تأسيس الجمعيات السياسية، فأنشأ مع صحبه (جمعية الشورى العثمانية) الحرة، وفيها كبار الشخصيات من عرب وأتراك وجركس وأرمن، وكانت لها صحيفتها يحرر القسم العربي فيها. وكانت هذه الجمعية قبل ذلك تطبع المنشورات وتذيع البيانات في الوطن العربي وفي غيره. وتنبهت الجمعية (الاتحاد والترقي) إلى خطر هذه الجمعية وأثرها، فسعت إلى التقرب منها والاعتماد عليها في مقاومة الظلم والطغيان ولكن الشعار كان يختلف في كل منهما، والأهداف تباعد بينهما... فجماعة الاتحاد والترقي كانوا يعتمدون على العنصرية التركية في رفع الجنس الطوراني، أما جماعة الشورى فكانوا يريدون الحرية للشعوب.

لذا سعى رفيق العظم مع صديقه الشيخ رشيد رضا في تكوين جمعية عربية سرية، هدفها التأليف بين أمراء الجزيرة العربية، والسعي في جمع شمل العرب لحفظ حقوق العرب في الدولة العثمانية، والعمل لمستقبل يعيد إليهم أمجادهم وتاريخهم. وقد ساق إلى تأليف هذه الجمعية ما ظهر من ضعف الدولة العثمانية بعد انكسارها في حرب البلقان، وبدا خطر وقوعها في براثن الغربيين، فنهض العظم مع زملائه من الساسة في تأسيس حزب اللامركزية، لئلا يصيب الأقطار العربية خطر الانهيار الذي يقع على العاصمة، وليصبح كل قطر في منجى من السقوط فريسة للأوربيين.

وظل رفيق العظم يعمل في الأحزاب وفي السياسة لخير قومه وأمته وبلاده حتى ساءت صحته، فلما قامت الثورة العربية وتسلمت الحكومة الفيصلية مقاليد البلاد، عاد العظم إلى دمشق زائراً فاستقبلته البلاد خير استقبال، وعرضت عليه أن يتقلد بعض الرئاسات الكبرى، فاعتذر لسوء صحته، ولزهده في المناصب، وعاد إلى القاهرة ولازم داره.

وقد أُعجب المجمع العلمي العربي في دمشق بكتابات العظم وروعة أسلوبه وجميل خدماته للعربية، فانتخبه عضواً مراسلاً إكباراً لأياديه، ولكنه لم يتح له أن يشارك في أعماله، وإنما أوصى بمكتبته كلها هدية إلى المجمع العلمي العربي، وهي في نحو ألف مجلد، كلها من أنفس الكتب. توفي في القاهرة سنة 1925.
من آثاره:
q ـ كتاب (الدروس الحكمية للناشئة الإسلامية).
q ـ كتاب (البيان في أسباب التمدن والعمران).
q ـ رسالة (البيان في كيفية انتشار الأديان).
q ـ (الجامعة الإسلامية في أوروبا).
q ـ (السوانح الفكرية في المباحث العلمية).
q ـ (أشهر مشاهير الإسلام) كتب منه أربعة أجزاء طبعت مراراً، ولكنه لم يتمه، واستفاضت به الشهرة في أقاصي البلاد ودانيها.
q ـ (تنبيه الافهام إلى مطالب الحياة الاجتماعية في الإسلام).
q ـ مجموعة آثار رفيق العظم، عني بجمعها شقيقه عثمان العظم.

من آثاره الخطية ديوان شعر محفوظ في دار الكتب الظاهرية. وشرع بوضع كتب لم يتمها منها: تاريخ السياسة الإسلامية، ورسالة في الخلاف بين الترك والعرب كتب منها 67 صفحة. وله الكثير من المقالات في النواحي الاجتماعية والسياسية نشرت في كبريات المجلات والجرائد.

moudar
19-Jun-2011, 10:09 AM
عبد الرحمن الكواكبي
ولد عبد الرحمن الكواكبي عام 1854 في ولاية حلب، والده السيد أحمد بهائي بن محمد بن مسعود الكواكبي، وأحد أجداده (إسماعيل الصفوي) مؤسس الأسرة الصفوية الشيعية في تبريز، والتي حكمت إيران قرابة قرن ونصف من الزمان.

جاء السيد أحمد بهائي مهاجراً من بلاد فارس إلى حلب، حيث تزوج من سيدة حلبية أنجبت نسل الأسرة الكواكبية، كان علمه واسعاً مما جعل منه حجة في علم الميراث، وأميناً لفتوى الولاية مدة من الزمن، وعضواً بمجلس إدارة الولاية وقاضياً لها، ومستودع سر الناس ومحرر عقودهم وصكوك معاملاتهم. كان خطيباً وإماماً في مسجد جده (أبي يحيى)، ومديراً ومدرساً بالمدرسة الكواكبية، والمدرسة الشرقية والجامع الأموي بحلب.

أما أم عبد الرحمن فهي السيدة عفيفة بنت مسعود آل النقيب، ابنة مفتي أنطاكية، توفيت عند بلوغ الكواكبي السادسة من عمره، فاحتضنته خالته ثلاثة أعوام عندها بمدينة أنطاكية، وكانت سيدة فاضلة استفاد الكواكبي من كبر عقلها ونفسها الشيء الكثير، كما قامت بتعليمه اللغة التركية، وفي أنطاكية تتلمذ الكواكبي على يد عم أمه السيد (نجيب النقيب) الذي شغل منصب الأستاذ الخاص للأمير المصري الخديوي عباس حلمي الثاني.

درس عبد الرحمن الكواكبي في المدرسة الكواكبية في حلب، حيث كان أبوه مديراً ومدرساً فيها، فدرس العلوم العربية والشرعية إلى جانب المنطق والرياضة والطبيعة والسياسة، كما أحب قراءة المترجمات عن اللغة الأوروبية، وبعد تخرجه من المدرسة الكواكبية ونيله الإجازات وأعلى الشهادات، اشتغل بالتدريس مدة وكان عمره عشرين سنة.

ولما كانت الصحافة وسيلة ومنبراً رفيعاً من منابر الإصلاح، فقد كتب الكواكبي في صحيفة الفرات التي كانت تحرر بالعربية والتركية، وأنشأ صحيفة (الشهباء) مع السيد هاشم العطار، وأخذت مقالاته النارية العميقة توقظ ضمائر مواطنيه، وتفضح الاستبداد آنذاك، فأغلقها الوالي العثماني (كامل باشا). ولم يستسلم الكواكبي فأنشأ جريدة الاعتدال، وواصل فيها تقديم آرائه وأفكاره، لكنها هي الأخرى أغلقتها الحكومة لجرأة صاحبها في انتقاد سياستها.

في سنة 1879 عُين الكواكبي عضواً فخرياً في لجنة المعارف، ولجنة المالية في ولاية حلب، كما عُين عضواً في لجنة الأشغال العامة، ثم أخذت أعماله ومسئولياته تمتد إلى العديد من اللجان والمناصب في مجموعة كبيرة من القطاعات، منها تعيينه عضواً في لجنة المقاولات، ورئاسة قلم المحضرين في الولاية، وعضوية اللجنة المختصة بامتحان المحامين. ثم أصبح مديراً فخرياً للمطبعة الرسمية بحلب، ثم الرئيس الفخري للجنة الأشغال العامة ثم دخل إلى ساحة القضاء عضواً بمحكمة التجارة بالولاية بأمر من (وزارة العدلية) العثمانية، عًين رئيساً للغرفة التجارية ورئيساً للمصرف الزراعي، ثم عُين رئيساً لكتاب المحكمة الشرعية بالولاية، وفي سنة 1896 أصبح رئيساً لكل من غرفة التجارة ولجنة البيع في الأراضي الأميرية.

رحل إلى مصر واستقر هناك وكتب في كثير من الصحف المصرية والعربية. ساح في سواحل أفريقيا الشرقية وسواحل آسيا الغربية وبعض بلاد العرب والهند حتى سواحل الصين، وكان في كل بلد ينزلها يدرس حالتها الاجتماعية والاقتصادية في مختلف المجالات.

يعتبر الكواكبي رائداً من رواد التعليم، حيث دعا إلى إصلاح أصول تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية وتسهيل تحصيلها والجد وراء توحيد أصول التعليم وكتب التدريس، وقدم الكثير من الأسس لاعتمادها في مجال التربية والتعليم، ودعا إلى فتح باب محو الأمية، وبين دور المدارس في إصلاح المجتمع. كما ركز على أهمية تعليم المرأة كي تجيد رسالتها في الحياة.

كما يعتبر الكواكبي أحد أعلام الحركة الإصلاحية، فوجه جهوده إلى العمل الأخلاقي، وكافح العادات السيئة والتقاليد البالية، ونقد المعتقدات الفاسدة، وبذل السعي المتواصل لنشر الفضائل والتمسك بها للنهوض بأخلاق المجتمع، فقام بتشكيل الجمعيات والنوادي في القرى والمدن لتقوم بدور التوعية والتثقيف للجمهور، كما رد فساد الأخلاق إلى انحلال الرابطة الدينية والاجتماعية وفقد التناصح وغياب الأخلاق (فلمثل هذا الحال لا غرو أن تسأم الأمة حياتها فيستولي عليها الفتور، وقد كرت القرون وتوالت البطون ونحن على ذلك عاكفون، فتأصل فينا فقد الآمال وترك الأعمال والبعد عن الجد والارتياح إلى الكسل والهزل، والانغماس في اللهو تسكيناً لآلام أسر النفس والإخلاد إلى الخمول والتسفل طلباً لراحة الفكر المضغوط عليه من كل جانب... إلى أن صرنا ننفر من كل الماديات والجديات حتى لا نطيق مطالعة الكتب النافعة ولا الإصغاء إلى النصيحة الواضحة، لأن ذلك يذكرنا بمفقودنا العزيز، فتتألم أرواحنا، وتكاد تزهق روحنا إذا لم نلجأ إلى التناسي بالملهيات والخرافات المروحات، وهكذا ضعف إحساسنا وماتت غيرتنا، وصرنا نغضب ونحقد على من يذكرنا بالواجبات التي تقتضيها الحياة الطيبة، لعجزنا عن القيام بها عجزاً واقعياً لا طبيعياً). أم القرى.

كان عبد الرحمن الكواكبي واحداً من المفكرين العرب الذين كشفوا عن أسباب الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، وقارن ذلك بحالة التقدم التي وصل إليها الأوربيون في العصور الحديثة، والتي مكنتهم من الهيمنة على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي.

قال في كتابه أم القرى: (إن مسألة التقهقر بنت ألف عام أو أكثر، وما حفظ عز هذا الدين المبين كل هذه القرون المتوالية إلا متانة الأساس، مع انحطاط الأمم السائرة عن المسلمين في كل الشؤون، إلى أن فاقتنا بعض الأمم في العلوم والفنون المنوَّرة للمدارك، حزبت قوتها فنشرت نفوذها على أكثر البلاد والعباد من مسلمين وغيرهم، ولم يزل المسلمون في سباتهم إلى أن استولى الشلل على كل أطراف جسم المملكة الإسلامية.

نشر الكواكبي آراءه وأفكاره في أهم كتابيه، أم القرى: وهو كتاب يدور موضوعه حول مؤتمر تخيله الكواكبي ليعرض فيه آراءه الإصلاحية في قالب جذاب يستهوي النفوس، وأغلب مواضيعه في نقد الشعوب الإسلامية.

أما كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، مواضيعه في نقد الحكومات الإسلامية (الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان؛ التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء؛ بلا خشية حساب ولا عقاب). (ويقولون إن المستبدين من السياسيين يبنون استبدادهم على أساس من هذا القبيل أيضاً؛ لأنهم يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي والتشامخ الحسي، ويذللونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال حتى يجعلونهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم، كأنما خلقوا من جملة الأنعام نصيبهم من الحياة ما يقتضيه حفظ النوع فقط). (أنفع ما بلغه الترقي في البشر هو إحكامهم أصول الحكومات المنتظمة، وبناؤهم سداً متيناً في وجه الاستبداد وذلك بجعلهم لا قوة فوق الشرع، ولا نفوذاً لغير الشرع، والشرع هو حبل الله المتين، وبجعلهم قوة التشريع في يد الأمة، والأمة لا تجتمع على ضلال، وبجعلهم المحاكم تحاكم السلطان والصعلوك على السواء.

في عز العطاء والنضال، ويوم نضجت أفكار الكواكبي وبدأ عطاؤه وتأثيره الذي وجد فيه الأتراك معولا يدك تسلطهم، وينبه الناس إلى فساد أحوالهم، ويدفعهم للثورة والتحرر ابتغاء للتقدم. في القاهرة وُضع السم للكواكبي في طعامه، وكانت وفاته في سنة 1902.
تتركز أعمال الكواكبي الفكرية في:
q الصحافة، حيث كتب المقالات والأبحاث الكثيرة في الكثير من الصحف العربية التي عاصرها.
q كتبه أم القرى، وطبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.

moudar
20-Jun-2011, 03:39 PM
عبد الوهاب البياتي



ولد عام 1926 في العراق في حي بالقرب من مسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني في بغداد، حيث عاش طفولته وصباه وتابع دراسته الثانوية حتى عام 1944
من عام 1944-1950 التحق بكلية دار المعلمين العليا ببغداد وتخرج منها حاملا الليسانس في اللغة العربية وآدابها. اشتغل مدرسا في المدارس الثانوية وبدأ بإصدار أول دواوينه منها :

· ملائكة وشياطين

· أباريق مهشمة

· كتاب عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي


بالإضافة إلى اشتراكه في تحرير مجلة الثقافة الجديدة، وفصل بعدها من وظيفته في عشية دخول العراق إلى خلف بغداد واعتقل في معسكرات الاعتقال السعيدية، حيث غادر العراق إلى سوريا ثم بيروت ثم القاهرة.


اشتغل الشاعر محرراً في جريدة الجمهورية القاهرية، ومثل العراق في مؤتمر التضامن الآسيوي الإفريقي الذي عقد في القاهرة. كما أنه زار فرنسا لتمثيل البلاد العربية في مؤتمر الكتاب والفنانين العالمي الذي عقد في فينا بدعوة من مجلس السلام العالمي عام 1958.

بعد قيام ثورة تموز 1958، عاد إلى العراق وأسندت إليه مهمة مدير التأليف والترجمة والنشر في وزارة المعارف العراقية.


انتخب عضوا في الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء العراقيين، كما أنه زار الكويت لتمثيل العراق في مؤتمر الأدباء العربي الذي عقد هناك. بالإضافة إلى أنه زار ألمانيا الديمقراطية بدعوة من مجلس السلم الألماني لحضور احتفالات مجلس السلم العالمي لمرور عشر سنوات على حركة السلم في ألمانيا الديمقراطية. في طريق عودته إلى العراق زار سويسرا ثم بلغاريا بدعوة من اتحاد الكتاب البلغاريين، وعين مستشارا ثقافيا في سفارة الجمهورية العراقية في موسكو.


أقام في الاتحاد السوفياتي 1959-1964، وفي عام 1961 ترك العمل في السفارة واشتغل أستاذا في جامعة موسكو ثم باحثا علميا في معهد شعوب آسيا التابع لأكاديمية العلوم السوفياتية.

من أهم مؤلفاته:

· أشعار في المنفى

· الموت في الحياة

· تجربتي الشعرية

· عيون الكلاب الميتة

· بكائية إلى شمس حزيران والمرتزقة

· الكتابة على الطين

· النار والكلمات

· يوميات سياسي محترف


ومعظم هذه المؤلفات ترجم إلى لغات عدة، ووضع الملحن السوفياتي أوسبنسكي موسيقى مستوحاة من " 15 قصيدة من فينا " وهي من قصائد الشاعر المنشورة في ديوانه : ( كلمات لا تموت).

moudar
21-Jun-2011, 10:22 AM
الشيخ عز الدين القسَّام


ولد الشيخ عز الدين القسَّام في بلدة جبلة جنوب اللاذقية بسوريا عام 1882 في بيت متدين حيث كان والده يعمل معلمًا للقرآن الكريم في كتَّاب كان يملكه.
سافر القسَّام وهو في الرابع عشر من عمره مع أخيه فخر الدين لدراسة العلوم الشرعية في الأزهر، وعاد بعد سنوات يحمل الشهادة الأهلية، وقد تركت تلك السنوات في نفسه أثراً كبيراً حيث تأثر بكبار شيوخ الأزهر من أمثال الشيخ محمد عبده، وبالحركة الوطنية النشطة التي كانت تقاوم المحتل البريطاني والتي نشطت بمصر بعد فشل الثورة العرابية.
وعاد الشيخ القسَّام إلى جبلة عام 1903، واشتغل بتحفيظ القرآن الكريم في كتَّاب والده، وأصبح بعد ذلك إماماً لمسجد المنصوري في جبلة، وهناك ذاع صيته بخطبه المؤثرة وسمعته الحسنة.
قاد أول مظاهرة تأييداً لليبيين في مقاومتهم للاحتلال الإيطالي، وكون سرية من 250 متطوعاً، وقام بحملة لجمع التبرعات، ولكن السلطات العثمانية لم تسمح له ولرفاقه بالسفر لنقل التبرعات.
باع القسَّام بيته وترك قريته الساحلية وانتقل إلى قرية الحفة الجبلية ذات الموقع الحصين ليساعد عمر البيطار في ثورة جبل صهيون (1919 - 1920). وقد حكم عليه الاحتلال الفرنسي بالإعدام غيابياً.
بعد إخفاق الثورة فرَّ الشيخ القسَّام عام 1921 إلى فلسطين مع بعض رفاقه، واتخذ مسجد الاستقلال في الحي القديم بحيفا مقراً له حيث استوطن فقراء الفلاحين الحي بعد أن نزحوا من قراهم، ونشط القسَّام بينهم يحاول تعليمهم ويحارب الأمية المنتشرة بينهم، فكان يعطي دروساً ليلية لهم، ويكثر من زيارتهم، وقد كان ذلك موضع تقدير الناس وتأييدهم.
والتحق بالمدرسة الإسلامية في حيفا، ثم بجمعية الشبان المسلمين هناك، وأصبح رئيساً لها عام 1926. كان القسَّام في تلك الفترة يدعو إلى التحضير والاستعداد للقيام بالجهاد ضد الاستعمار البريطاني، ونشط في الدعوة العامة وسط جموع الفلاحين في المساجد الواقعة شمال فلسطين.
تميزت دعوة القسَّام في تلك الفترة بوضوح الرؤية، حيث كان يعتبر الاحتلال البريطاني هو العدو الأول لفلسطين، ودعا في الوقت نفسه إلى محاربة النفوذ الصهيوني الذي كان يتزايد بصورة كبيرة، وظل يدعو الأهالي إلى الاتحاد ونبذ الفرقة والشقاق حتى تقوى شوكتهم، وكان يردد دائماً أن الثورة المسلحة هي الوسيلة الوحيدة لإنهاء الانتداب البريطاني والحيلولة دون قيام دولة صهيونية في فلسطين.
وكان أسلوب الثورة المسلحة أمراً غير مألوف للحركة الوطنية الفلسطينية آنذك، حيث كان نشاطها يتركز في الغالب على المظاهرات والمؤتمرات.
واستطاع تكوين خلايا سرية من مجموعات صغيرة لا تتعدى الواحدة منها خمسة أفراد، وانضم في عام 1932 إلى فرع حزب الاستقلال في حيفا، وأخذ يجمع التبرعات من الأهالي لشراء الأسلحة. وتميزت مجموعات القسَّام بالتنظيم الدقيق، فكانت هناك الوحدات المتخصصة كوحدة الدعوة إلى الجهاد، ووحدة الاتصالات السياسية، ووحدة التجسس على الأعداء، ووحدة التدريب العسكري.
ولم يكن القسَّام في عجلة من أمر إعلان الثورة، فقد كان مؤمناً بضرورة استكمال الإعداد والتهيئة، لذا فإنه رفض أن يبدأ تنظيمه في الثورة العلنية بعد حادثة البراق 1929 لاقتناعه بأن الوقت لم يحن بعد.
تسارعت وتيرة الأحداث في فلسطين في عام 1935، وشددت السلطات البريطانية الرقابة على تحركات الشيخ القسَّام في حيفا، فقرر الانتقال إلى الريف حيث يعرفه أهله منذ أن كان مأذوناً شرعياً وخطيباً يجوب القرى ويحرض ضد الانتداب البريطاني، فأقام في منطقة جنين ليبدأ عملياته المسلحة من هناك. وكانت أول قرية ينزل بها هي كفردان، ومن هناك أرسل الدعاة إلى القرى المجاورة يشرحون للأهالي أهداف الثورة، ويطلبون منهم التطوع فيها، فاستجابت أعداد كبيرة منهم.
اكتشفت القوات البريطانية مكان اختبائه في قرية البارد في 15/11/1935، لكن الشيخ عز الدين استطاع الهرب هو و15 فرداً من أتباعه إلى قرية الشيخ زايد، ولحقت به القوات البريطانية في 19/11/1935 فطوقتهم وقطعت الاتصال بينه وبين القرى المجاورة، وطالبته بالاستسلام، لكنه رفض واشتبك مع تلك القوات، وأوقع فيها أكثر من 15 قتيلاً، ودارت معركة غير متكافئة بين الطرفين لمدة ست ساعات، سقط الشيخ القسَّام وبعض رفاقه شهداء في نهايتها، وجرح وأسر الباقون.
وكان لمقتل الشيخ القسَّام الأثر الأكبر في اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 وكانت نقطة تحول كبيرة في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية بعد ذلك.

وكان لاستشهاد الشيخ البطل دويٌّ هائل في فلسطين خاصة، وبلاد الشام ومصر عامة، ودُفن جثمانه الطاهر في قرية (الشيخ) قرب (حيفا) ورثاه وبكى عليه المجاهدون، والوطنيون، والشعراء، والأدباء، والسياسيون، والعلماء العاملون .

هكذا كانت حياة الشيخ القسَّام جهاداً متواصلاً في سورية وفلسطين، وبطولة نادرة، ورجولة عزّ وجود مثيلها، وكان بهذا رائد المجاهدين في بلاد الشام.

وبقي اسم القسَّام حيّاً في نفوس تلاميذه وتلاميذ تلاميذه إلى يومنا هذا ... ونحن الآن نرى ونسمع ونقرأ عن بطولات تلاميذ مدرسة القسَّام، وندعو الله لهم أن ينصرهم على الأعداء والعملاء نصراً مؤزراً، ليحرروا فلسطين المقدسة من دنس الكفرة والفجّار من اليهود والصهاينة والمتصهينين، وليس هذا على الله بعزيز.

moudar
22-Jun-2011, 10:44 AM
الشيخ أحمد ياسين

تمتع الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بمنزلة روحية وسياسية متميزة في صفوف المقاومة الفلسطينية؛ وهو ما جعل منه واحدا من أهم رموز العمل الوطني الفلسطيني طوال القرن الماضي.
ولد أحمد إسماعيل ياسين عام 1938 في قرية الجورة، قضاء المجدل جنوبي قطاع غزة، وهو العام الذي شهد أول ثورة مسلحة ضد النفوذ الإسرائيلي المتزايد داخل الأراضي الفلسطينية. ومات والده وعمره لم يتجاوز 5 سنوات.
عايش أحمد ياسين الهزيمة العربية الكبرى المسماة بالنكبة عام 1948، وكان يبلغ من العمر آنذاك 12 عاما، وخرج منها بدرس أثر في حياته الفكرية والسياسية فيما بعد، مؤداه أن الاعتماد على سواعد الفلسطينيين أنفسهم عن طريق تسليح الشعب أجدى من الاعتماد على الغير، سواء كان هذا الغير الدول العربية المجاورة أو المجتمع الدولي.
التحق أحمد ياسين بمدرسة الجورة الابتدائية وواصل الدراسة بها حتى الصف الخامس، لكن النكبة التي ألمت بفلسطين وشردت أهلها عام 1948 لم تستثنِ هذا الطفل الصغير فقد أجبرته على الهجرة بصحبة أهله إلى غزة، وهناك تغيرت الأحوال وعانت الأسرة شأنها شأن معظم المهاجرين آنذاك- مرارة الفقر والجوع والحرمان، فكان يذهب إلى معسكرات الجيش المصري مع بعض أقرانه لأخذ ما يزيد عن حاجة الجنود ليطعموا به أهليهم وذويهم.
وترك الشيخ ياسين الدراسة لمدة عام (1949-1950) ليعين أسرته المكونة من 7 أفراد عن طريق العمل في أحد مطاعم الفول في غزة، ثم عاود الدراسة مرة أخرى.

حادثة خطيرة
في السادسة عشرة من عمره تعرض أحمد ياسين لحادثة خطيرة أثرت في حياته كلها منذ ذلك الوقت ، فقد أصيب بكسر في فقرات العنق أثناء لعبه مع بعض أقرانه عام 1952، وبعد 45 يوما من وضع رقبته داخل جبيرة من الجبس اتضح بعدها أنه سيعيش بقية عمره رهين الشلل الذي أصيب به في تلك الفترة.
وكان الشيخ ياسين يعاني -إضافة إلى الشلل التام- من أمراض عديدة منها فقدان البصر في العين اليمنى بعدما أصيبت بضربة أثناء جولة من التحقيق على يد المخابرات الإسرائيلية فترة سجنه، وضعف شديد في قدرة إبصار العين اليسرى، والتهاب مزمن بالأذن وحساسية في الرئتين وبعض الأمراض والالتهابات المعوية الأخرى.
أنهى أحمد ياسين دراسته الثانوية في العام الدراسي 57/1958 وعمل مدرساً، وكان معظم دخله من مهنة التدريس يذهب لمساعدة أسرته.
شارك أحمد ياسين وهو في العشرين من عمره في المظاهرات التي اندلعت في غزة احتجاجا على العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر عام 1956، وأظهر قدرات خطابية وتنظيمية ملموسة، حيث نشط مع رفاقه في الدعوة إلى رفض الإشراف الدولي على غزة، مؤكدا ضرورة عودة الإدارة المصرية إلى هذا الإقليم.

سطوع نجمه
كانت مواهب أحمد ياسين الخطابية قد بدأت تظهر بقوة، ومعها بدأ نجمه يلمع وسط دعاة غزة، الأمر الذي لفت إليه أنظار المخابرات المصرية العاملة هناك، فقررت عام 1965 اعتقاله ضمن حملة الاعتقالات التي شهدتها الساحة السياسية المصرية التي استهدفت كل من سبق اعتقاله من جماعة الإخوان المسلمين عام 1954.
وظل ياسين حبيس الزنزانة الانفرادية قرابة شهر، ثم أُفرج عنه بعد أن أثبتت التحقيقات عدم وجود علاقة تنظيمية بينه وبين الإخوان.
وقد تركت فترة الاعتقال في نفس ياسين آثارا مهمة لخصها بقوله: "إنها عمقت في نفسه كراهية الظلم، وأكدت (فترة الاعتقال) أن شرعية أي سلطة تقوم على العدل وإيمانها بحق الإنسان في الحياة بحرية".
بعد هزيمة 1967 التي احتلت فيها إسرائيل كل الأراضي الفلسطينية بما فيها قطاع غزة استمر الشيخ أحمد ياسين في إلهاب مشاعر المصلين من فوق منبر مسجد العباسي الذي كان يخطب فيه لمقاومة المحتل، وفي الوقت نفسه نشط في جمع التبرعات ومعاونة أسر الشهداء والمعتقلين، ثم عمل بعد ذلك رئيسا للمجمع الإسلامي في غزة.
وكان الشيخ أحمد ياسين يعتنق أفكار جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر على يد الإمام حسن البنا عام 1928، والتي تدعو إلى فهم الإسلام فهما صحيحا، والشمول في تطبيقه في شتى مناحي الحياة.
وقد أزعج النشاط الدعوي للشيخ أحمد ياسين السلطات الإسرائيلية فاعتقلته مرة ثانية عام 1982، ووجهت إليه تهمة تشكيل تنظيم عسكري وحيازة أسلحة، وأصدرت عليه حكما بالسجن 13 عاما، لكنها عادت وأطلقت سراحه عام 1985 في إطار عملية لتبادل الأسرى بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "القيادة العامة".
اتفق الشيخ أحمد ياسين عام 1987 مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي الذين يعتنقون أفكار الإخوان المسلمين في قطاع غزة على تكوين تنظيم إسلامي لمحاربة الاحتلال الإسرائيلي بغية تحرير فلسطين، أطلقوا عليه اسم "حركة المقاومة الإسلامية" المعروفة اختصارا باسم "حماس".
وكان للشيخ ياسين دور مهم في الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت آنذاك، والتي اشتهرت بانتفاضة المساجد.
مع تصاعد أعمال الانتفاضة بدأت السلطات الإسرائيلية التفكير في وسيلة لإيقاف نشاط الشيخ أحمد ياسين، فقامت في أغسطس 1988 بمداهمة منزله وتفتيشه وهددته بالنفي إلى لبنان.
وعندما ازدادت عمليات قتل الجنود الإسرائيليين واغتيال العملاء الفلسطينيين قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في 18-5-1989 باعتقاله مع المئات من أعضاء حركة حماس.
وفي 16-10-1991 أصدرت إحدى المحاكم العسكرية حكما بسجنه مدى الحياة، وجاء في لائحة الاتهام أن هذه التهم بسبب التحريض على اختطاف وقتل جنود إسرائيليين وتأسيس حركة حماس وجهازيها العسكري والأمني.
حاولت مجموعة فدائية تابعة لكتائب عز الدين القسام -الجناح العسكري لحماس- الإفراج عن الشيخ ياسين وبعض المعتقلين المسنين الآخرين، فقامت بخطف جندي إسرائيلي قرب القدس يوم 13-12-1992، وعرضت على إسرائيل مبادلته نظير الإفراج عن هؤلاء المعتقلين، لكن السلطات الإسرائيلية رفضت العرض وقامت بشن هجوم على مكان احتجاز الجندي؛ وهو ما أدى إلى مصرعه ومصرع قائد الوحدة الإسرائيلية المهاجمة ومقتل قائد مجموعة الفدائيين.
وفي عملية تبادل أخرى في أول أكتوبر عام 1997 جرت بين الأردن وإسرائيل في أعقاب المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في العاصمة الأردنية عمان وإلقاء السلطات الأمنية الأردنية القبض على اثنين من عملاء الموساد سلمتهما لإسرائيل مقابل إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين.

مواقف مرنة
وعاد الشيخ ياسين إلى قطاع غزة متبنياً مواقف مرنة تجاه السلطة الفلسطينية، وقد حظي مرارا باحترام رئيس السلطة الفلسطينية وكبار القادة؛ حيث كان دائما من المنادين بالوحدة الوطنية وتحسين العلاقات مع السلطة، ومع ذلك فإنه رفض بشدة مشاركة حركته في الحكومة الفلسطينية التي تشكلت تحت غطاء أوسلو.
وفي أعقاب إحدى عمليات التفجير القوية التي نفذتها حركة حماس في قطاع غزة في شهر أكتوبر 1998، فرضت السلطة الفلسطينية الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين، وهو القرار الذي عارضه الكثير من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني أنفسهم إلى جانب الشارع الفلسطيني العام.
وفي شهر مايو عام 1998 قام الشيخ أحمد ياسين بحملة علاقات عامة واسعة لحماس في الخارج؛ حيث قام بجولة واسعة في العديد من الدول العربية والإسلامية ومنها إيران، نجح خلالها في جمع مساعدات معنوية مادية كبيرة للحركة؛ حيث قدرات المساعدات آنذاك بنحو 50 مليون دولار.
وقد أثارت هذه الجولة إسرائيل آنذاك حيث قامت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية باتخاذ سلسلة قرارات تجاه ما وصفته "بحملة التحريض ضد إسرائيل في الخارج"، التي قام بها الشيخ أحمد ياسين.
وقالت إسرائيل آنذاك أن الأموال التي جمعها الشيخ ياسين ستخصص للإنفاق على نشاطات وعمليات الجناح العسكري "كتائب القسام" وليس على نشاطات حركة حماس الاجتماعية في الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع، التي تشمل روضات للأطفال ومراكز طبية ومؤسسات إغاثة خيرية وأخرى تعليمية.
وقد سارعت إسرائيل إلى رفع شكوى إلى الولايات المتحدة للضغط على الدول العربية بالامتناع عن تقديم المساعدة للحركة، وطالبت شخصيات إسرائيلية آنذاك بمنع الشيخ ياسين من العودة إلى قطاع غزة، ولكنه عاد بعد ذلك بترتيب مع السلطة الفلسطينية.
وقد أكد الشيخ ياسين مرارا طوال هذه السنوات بأن الدولة الفلسطينية في فلسطين قائمة لا محالة، وأن تحرير فلسطين قادم، وذلك عبر برنامج الجهاد الذي تتبناه الحركة بشكل إستراتيجي.
وتعرض الشيخ أحمد ياسين في 6-9-2003 لمحاولة اغتيال إسرائيلية حين قصفت مروحيات إسرائيلية شقة في غزة كان يوجد بها الشيخ وكان يرافقه إسماعيل هنية. ولم تكن إصاباته بجروح طفيفة في ذراعه اليمنى بالقاتلة.
وأخيراً أقدمت إسرائيل اليوم الإثنين 22-3-2004 على اغتيال الشيخ ياسين حيث قصفت طائرات إسرائيلية الشيخ وهو عائد من صلاة الفجر من المسجد القريب من منزله، فيما يهدد بتفجير الأوضاع في الأراضي الفلسطينية.

moudar
23-Jun-2011, 10:25 PM
ياسر عرفات

يعتبر الرئيس ياسر عرفات من شخصيات الصراع العربي الإسرائيلي المحورية والتي ارتبط اسمها بالقضية الفلسطينية طوال العقود الخمسة الماضية، ولا يزال عنصرا فاعلا في الساحة السياسية ومحركا رئيسيا لأحداثها.
aالميلاد والنشأة
لا يعرف على وجه اليقين مكان ولادة محمد عبد الرؤوف القدوة الحسيني الذي اشتهر فيما بعد باسم ياسر عرفات أو أبو عمار، والأغلب أنه ولد في القاهرة في الرابع والعشرين من أغسطس/آب 1929، وهو الابن السادس لأب كان يعمل في التجارة، وهاجر إلى القاهرة عام 1927 وعاش في حي السكاكيني. وعندما توفيت والدته وهو في الرابعة من عمره أرسله والده إلى القدس وهناك بدأ وعيه يتفتح على أحداث ثورة 1936.
aتعليمه وحياته الاجتماعية
في عام 1937 عاد مرة أخرى إلى القاهرة ليعيش مع عائلته، ثم التحق بكلية الهندسة في جامعة الملك فؤاد (القاهرة حاليا) حيث تخصص في دراسة الهندسة المدنية وتخرج فيها عام 1951، وعمل بعدها في إحدى الشركات المصرية. وأثناء فترة دراسته كون رابطة الخريجين الفلسطينيين التي كانت محط اهتمام كبير من جانب وسائل الإعلام المصرية آنذاك، واشترك إلى جانب الجيش المصري في صد العدوان الثلاثي عام 1956. تزوج ياسر عرفات في سن متأخرة من السيدة سهى الطويل وأنجب منها بنتا واحدة.
aالتوجهات الفكرية
ينتمي ياسر عرفات إلى جيل القوميين العرب الذي ظهر في الخمسينيات ولعب أدوارا مهمة في الستينيات والسبعينيات. وقد بدأ حياته في خنادق المقاومة للاحتلال الإسرائيلي وكان يرفض فكرة التفاوض مع الاحتلال شأنه في ذلك شأن بقية الفصائل الفلسطينية، ثم عاد والتزم المفاوضات سبيلا للتوصل إلى إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967. وأسفرت فترة التسعينيات عن اتفاقية أوسلو وإنشاء سلطة فلسطينية في بعض مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة.
وفي سبتمبر/أيلول 2001 اندلعت انتفاضة الأقصى زيارة أرييل شارون للمسجد الأقصى وحالة اليأس والإحباط التي عمت الشارع الفلسطيني من المفاوضات التي لم تحقق له حلم الدولة الفلسطينية واستعادة الأراضي المحتلة وعودة اللاجئين. وبدا ياسر عرفات في أوائل عام 2002 مساندا للانتفاضة رغم تصريحاته المتكررة بإدانة العمليات التي تستهدف المدنيين من كلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
aحركة فتح
سافر ياسر عرفات إلى الكويت عام 1958 للعمل مهندساً، وهناك كون هو وصديقه خليل الوزير (أبو جهاد) عام 1965 خلية ثورية أطلق عليها اسم "فتح" وهي اختصار لحركة تحرير فلسطين، وأصدر مجلة تعبر عن هموم القضية الفلسطينية أطلق عليها اسم "فلسطيننا"، وحاول منذ ذلك الوقت إكساب هذه الحركة صفة شرعية فاتصل بالقيادات العربية للاعتراف بها ودعمها، ونجح بالفعل في ذلك فأسس أول مكتب للحركة في الجزائر عام 1965 مارس عبره نشاطا دبلوماسيا.
aفي حرب 1967
برز اسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بقوة عام 1967 حينما قاد بعض العمليات الفدائية ضد إسرائيل عقب عدوان 1967 انطلاقاً من الأراضي الأردنية. وفي العام التالي اعترف به الرئيس المصري جمال عبد الناصر ممثلا للشعب الفلسطيني.
aرئاسة منظمة التحرير
انتخب المجلس الوطني الفلسطيني ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في عام 1969 التي تأسست عام 1964 خلفاً ليحيى حمودة، وبدأ مرحلة جديدة في حياته منذ ذلك الحين.
aخطاب تاريخي بالأمم المتحدة
ألقى الزعيم الفلسطيني خطابا تاريخيا هاما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 1974 أكد فيه أن القضية الفلسطينية تدخل ضمن القضايا العادلة للشعوب التي تعاني من الاستعمار والاضطهاد، واستعرض الممارسات الإسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، وناشد ممثلي الحكومات والشعوب مساندة الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والعودة إلى دياره. وفي ختام كلمته قال "إنني جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي.. الحرب تندلع من فلسطين والسلم يبدأ من فلسطين".
aأيلول الأسود
وقعت اشتباكات بين قوات المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني عام 1970 أسفرت عن سقوط ضحايا كثر من كلا الجانبين فيما عرف بأحداث "أيلول الأسود". وبعد وساطات عربية قررت المقاومة الفلسطينية في العام التالي برئاسة ياسر عرفات الخروج من الأردن لتحط الرحال مؤقتا في الأراضي اللبنانية.
aفي لبنان
شنت إسرائيل هجمات عنيفة على قواعد المقاومة الفلسطينية في لبنان في الفترة بين عامي 1978 و1982، فقد دمرت عام 1978 بعض قواعد المقاومة وأقامت شريطاً حدودياً بعمق يتراوح بين أربعة وستة كيلومترات أطلقت عليه اسم الحزام الأمني. ثم كان الاجتياح الكبير الذي احتلت به ثاني عاصمة عربية بعد القدس ودمرت أجزاء كبيرة من بيروت عام 1982، وفرض حصار لمدة عشرة أسابيع على المقاومة الفلسطينية، واضطر ياسر عرفات للموافقة على الخروج من لبنان تحت الحماية الدولية.
aفي تونس
كانت المحطة الثالثة لأبو عمار والمقاومة الفلسطينية بعد عمان وبيروت في تونس بعيدا عن خطوط التماس، ورغم بعد المسافة بين تونس والأراضي الفلسطينية فإن يد جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) وصلت إلى أبرز العناصر الفاعلة في المنظمة، إذ اغتالت خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد). وتميزت تلك الفترة بمحاولات عرفات الدؤوبة للمحافظة على وحدة منظمة التحرير الفلسطينية.
aإعلان الدولة الفلسطينية
اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر/ تشرين الثاني 1988 قراراً بقيام الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف استناداً إلى الحقوق التاريخية والجغرافية لفلسطين، وأعلن كذلك في العاصمة الجزائرية عن تشكيل حكومة مؤقتة.
aالاعتراف بإسرائيل
شهد عقد الثمانينيات تغيرات كبيرة في فكر المنظمة، فقد ألقى ياسر عرفات مرة أخرى خطابا شهيرا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/ كانون الأول 1988 أعلن فيه اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود، وأدان الإرهاب بكافة أشكاله، وأعلن عن مبادرة سلام فلسطينية تدعو إلى حق دول الشرق الأوسط بما فيها فلسطين وإسرائيل وجيرانها في العيش بسلام. وبعد هذا الإعلان توالت اعترافات العديد من دول العالم بالدولة الفلسطينية المستقلة.
aرئيساً للدولة الفلسطينية
وافق المجلس المركزي الفلسطيني على تكليف ياسر عرفات رئاسة الدولة الفلسطينية المستقلة في أبريل/ نيسان 1989، ولدفع عملية السلام أعلن عرفات أوائل عام 1990 أنه يجري اتصالات سرية مع القادة الإسرائيليين بهذا الخصوص.
aحرب الخليج الثانية
وفي هذه الحرب أخذ أبو عمار ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1990 موقفا فُسر حينذاك بأنه مؤيد للعراق في غزوه للكويت، مما انعكس بصورة سلبية على القضية الفلسطينية، وكانت له عواقب وخيمة على العاملين الفلسطينيين في دول الخليج، وبالتالي على الانتفاضة الفلسطينية التي كانت مشتعلة في الأراضي المحتلة منذ عام 1987.
aاتفاق أوسلو
وبعد حرب الخليج ودخول العرب في مؤتمر مدريد للسلام وقع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين عام 1993 اتفاق أوسلو، وخلّف نتائج هامة على مسيرة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ تمخض هذا الاتفاق عن وجود كيان فلسطيني جديد على الأراضي الفلسطينية سمي بالسلطة الوطنية الفلسطينية. وكان أهم ما في اتفاق أوسلو إضافة إلى اعترافه بالدولة الإسرائيلية على الحدود التاريخية لفلسطين أنه أوجد شرعية جديدة للعملية التفاوضية.. شرعية تقوم على الاتفاقيات الثنائية وليس على القرارات الدولية الصادرة. وفي القاهرة وقع ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين عام 1994 على "اتفاق القاهرة" لتنفيذ الحكم الذاتي الفلسطيني في غزة وأريحا.

aالعودة إلى غزة
وبعد 27 عاما قضاها ياسر عرفات في المنفى متنقلاً بين الدول العربية عاد إلى غزة رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية في يوليو/ تموز 1994.
aجائزة نوبل
وفي العام التالي (1994) حصل ياسر عرفات على جائزة نوبل للسلام بالاشتراك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين ووزير خارجيته شمعون بيريز .
aاتفاق طابا
وقع عرفات بمدينة طابا المصرية في 24 سبتمبر/ أيلول 1995 بالأحرف الأولى على اتفاق توسيع الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبعدها انتخب في 20 يناير/ كانون الثاني 1996 رئيساً لسلطة الحكم الذاتي في أول انتخابات عامة في فلسطين حيث حصل على نسبة 83%.
aاتفاق واي ريفر
استمر الزعيم الفلسطيني في المسيرة السلمية رغم تعنت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واستمرارها في بناء المستوطنات، وكان التوقيع على اتفاقية واي ريفر في الولايات المتحدة الأميركية في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 1998.
aكامب ديفيد الثانية
ثم جرت مباحثات كامب ديفد الثانية التي عُقدت على أثرها في النصف الثاني من شهر يوليو/ تموز 2000 قمة ثلاثية جمعت عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك والرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في منتجع كامب ديفد لبحث القضايا العالقة مثل القدس والمستوطنات واللاجئين، وانتهت القمة بعد أسبوعين بالفشل لعدم التوصل إلى حل لمشكلة القدس وبعض القضايا الأخرى.
aرفض مقترحات كلينتون
أعلن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يوم الاثنين 8/1/2001 رفضه للمقترحات الأميركية التي قدمها الرئيس بيل كلينتون للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي والتي تضمنت التنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتحويل القدس إلى مدينة مفتوحة فيها عاصمتان واحدة لليهود والأخرى للفلسطينيين.
بدا ياسر عرفات منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية في مطلع 1965 شخصا غامضا، مجهول الهوية، يمسك زمام الأمور بين يديه بإحكام ، ولفترة ليست ببعيدة فإن كثيرا من الفلسطينيين لم يكونوا يعرفون اسمه الحقيقي أو حتى مكان مولده ، اشتهر محمد ياسر عبد الرؤوف القدوة الحسيني بياسر عرفات منذ فجر الثورة وحتى اليوم .
وعلى الرغم من العمل الطويل للثورة الفلسطينية فإن فك رموز ياسر عرفات الشخصية، ليست بالأمر الهين، فمن يعرفه جيدا قد لا يستطيع البوح بأسراره. سعت "العربية نت" لفك الرموز المحيطة بعرفات، واستنطاق ملامحه الشخصية وتجاربه الذاتية في اطاره كإنسان... وسياسي...وزعيم...وفلسطيني.
والتقت "العربية.نت" يحي رباح، سفير فلسطين في اليمن سابقا، وأحد المقربين من عرفات، الذي رافقه في رحلة النضال منذ فجر الثورة حتى اليو. يقول رباح إن حظه لم يكن عابسا، إذ تعرف على الرئيس عرفات في 1968 في مقر إذاعة صوت العاصفة الناطقة باسم حركة فتح في ذلك الوقت، والتي كان مقرها (4 شارع الشريفين، في مدينة القاهرة) وقد كان هذا المقر أصلا لأول إذاعة مصرية. ويضيف "منذ ذلك الوقت انجذبت إلى هذه الشخصية، وكلما كنت اقترب منه أكثر، كنت اكتشف قوة إضافية وصفة هائلة في هذه الشخصية".
فيما بعد انتقلت إلى العمل في ساحات أخرى –يقول رباح- في الأردن والجزائر وسوريا ولبنان، ثم للعمل في القوات العسكرية للثورة الفلسطينية في العرقوب في جنوب لبنان وشمال سوريا، وخلال عملي في القوات العسكرية ازدادت معرفتي بالرئيس عرفات وازداد التصاقي به، وبعد ذلك عدت مرة أخرى إلى الإعلام وعملت مديرا عاما للإذاعات الفلسطينية، ثم سفيرا لفلسطين في الجمهورية اليمنية.
a محاولات الاغتيال
تعرض عرفات طوال مسيرته النضالية إلى العديد من محاولات الاغتيال بلغت أكثر من 13 محاولة اثنتان منها بالسم .ويقول رباح : "ما اعرفه أكثر من 30 محاولة اغتيال.
وفي احد المرات القي القبض على مدير مكتبه اسمه أبو السعيد الذي أخفى السم في جيبه 6 شهور، وكان مطلوب منه أن يضعه في طعام عرفات، وكان هو الرجل الأقرب الذي يشرف على تفاصيل حياته، وكان الموساد الإسرائيلي قد استطاع تجنيده، وان يكلفه بالاغتيال، وقد كانوا يدبرون طرقا للالتقاء بأبي السعيد في الخارج، ومن ثم يأخذونه داخل إسرائيل لتدريبه على المهام التي يقوم بها، وبقي الجاسوس الخطير في صراع بينه وبين نفسه لمدة 6 شهور إلى أن انكشف أمر صلاته بالمخابرات اللبنانية، وكانت إسرائيل تأمر جواسيسها دائما بان يتغطوا بالعمل مع جهاز مخابرات عربي لأنهم يعرفون أننا حينما نلقي القبض على جاسوس عربي، فان ذلك يثير حساسية معنا تدفع بعدم إعدامه، ولكن اتضح فيما بعد انه له أيضا علاقة بالمخابرات الإسرائيلية وكان مكلفا باغتيال عرفات بالسم، وتم إعدامه في مقر قيادة ثكنة الـ17 في بيروت.
ولكن هناك عشرات محاولات الاغتيال للرئيس عرفات بالسم أو بالقصف، وأصبح عرفات في حصار بيروت لا يستطيع التحرك في الأيام الأخيرة، فما أن يخرج من بناية حتى تكون قد جاءت الإخباريات وتقصف تلك البنايات التي كان يقضي فيها يوما أو بعض يوم، وكانوا يبحثون عنه بالطائرات لكي يغتالوه، أيضا عاش عرفات فترات صعبة في حياته نتيجة المعلومات التي كانت تؤكد له انه ملاحق بالاغتيال.
ففي سنة من السنوات قضى بضعة شهور يأخذ طعامه وماءه معه عندما يسافر إلى دول بعينها، مدعيا انه يمر بحالة صحية معينة وان الأطباء وصفوا له هذا الطعام وهذا الشراب، حتى لا يضطر أن يأكل من طعام تلك الدول التي يزورها لأنه كان لديه معلومات انه مدرج على قائمة الاغتيال، وكان عندما يأوي إلى النوم بعد أكثر من 20 ساعة من العمل يعلم أن رأسه موضوع على مخدة من المتفجرات، لا يعرف إذا كانت ستنفجر الآن أم لا، وعاش كل حياته على جناح وتوقعات الخطر".




محطات في تاريخ أبو عمّار

* عام 1964 ومع إنشاء "فتح" تفرغ عرفات بالكامل للإشراف عليها، لتدشن الحركة في عام 1965 أولى عملياتها العسكرية الهجومية ضد إسرائيل.
غير أنه في عام 1967، استطاعت إسرائيل في حربها مع العرب أن تحقق انتصارات جديدة مكنتها في أسبوع واحد من شهر يونيو/ حزيران من احتلال مرتفعات الجولان من سوريا والضفة الغربية من الأردن، وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء من مصر.
* في حزيران/يونيو 1968 الميثاق الوطني الذي يعلن الكفاح المسلح وسيلة وحيدة لتحرير فلسطين .
* في شباط/فبراير 1969، انتخبت المنظمات والفصائل الفلسطينية المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية عرفات رئيسا للمنظمة لها.
وأعادت حركة فتح تمركزها في الأردن، ولكن تحت قيادة عرفات، حيث تمكنت المنظمة وفصائل فلسطينية مختلفة من تنفيذ سلسلة هجمات، بما فيها خطف طائرات مدنية في أوروبا والشرق الأوسط.
وقد سببت هجمات منظمة التحرير تلك العديد من المشاكل للعاهل الأردني الراحل الملك حسين، الذي أجبر الفصائل الفلسطينية على مغادرة الأردن بعد أحداث دامية عام 1970.
* استقرت المنظمة في لبنان بعد خروجها من الأردن، حيث استمرت في شن غاراتها على إسرائيل.

moudar
23-Jun-2011, 10:26 PM
a ذاكرة حديدية
ويرصد رباح مزايا عرفات التي يصفها بالخارقة إذ عرف عنه القدرة الفائقة على العمل والحركة المستمرة بحيث انه كان دائما يعمل أكثر من 20 ساعة في اليوم الواحد، وتمتعه بذاكرة خرافية تحفظ ملايين من التفاصيل وأسماء الناس، وكان لا ينسى وجها رآه على الإطلاق.
ويشير رباح إلى جوانب أخرى في شخصية عرفات تتمثل بطاقة الإيمان والشجاعة الهائلة التي يمتلكها، يستذكر رباح عن الفترة التي كان يعمل خلالها في قواته العسكرية في جنوب لبنان مفوضا سياسيا للقوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية في جنوب لبنان "كان الرئيس عرفات يأتي لزيارتنا بشكل مفاجئ أثناء المعارك بيننا وبين القوات الإسرائيلية في بعض المناطق، وكنا نرجوه حرصا على سلامته أن لا يصل إلى الخطوط الأولى ومواقع الاشتباك، ونقول له أننا سنضعك في الصورة وعلى تفاصيل العمليات، لكنه كان يرفض ذلك رفضا شديدا، ويذهب إلى موقع كل معركة والى كل مكان تدور فيه الاشتباكات بنفسه".
ويستذكر رباح كذلك المعارك التي كانت تدور في النبطية عام 1979 أن موكب عرفات وصل عن طريق الزهراني النبطية، بينما كان في انتظاره الحاج إسماعيل جبر على الطريق، وكان الحاج إسماعيل في ذلك الوقت قائدا للقوات المشتركة في جنوب لبنان، وقلنا له إن قصف الطائرات الإسرائيلية والمدفعية الإسرائيلية على موقعنا كثيف جدا، نرجوك أن لا تذهب إلى النبطية، لكنه أصر، وعدنا نحن معه مرة أخرى إلى موقع المعركة، وفي ذلك اليوم أصيب بشظايا صغيرة في وجهه ويديه نتيجة القصف، ولأن الإسرائيليين تمكنوا من مراقبة موكبه وهو يتقدم باتجاه الموقع ، اضطررنا تحت كثافة القصف أن نوجه موكبه في اتجاه ، وأخذناه نحن في سياراتنا باتجاه .
ويستذكر رباح أيضا أن عرفات خلال عملية ما تسمى عملية الليطاني عام 78 -الاجتياح الإسرائيلي المحدود لمناطق من جنوب لبنان - كان يصل إلى أقصى خطوط الاشتباك، "وفي احدى المرات رأينا الأخ أبو جهاد والأخ أبو الوليد يحاولان معه مغادرة النقطة التي يقف فيها لأنه كان عرضة لأكثر درجات الخطر، حيث كان يقف على جسر القاسمية على مداخل مدينة صور الذي يعتبر آخر نقطة للاقتراب من القوات الإسرائيلية، وبصعوبة بالغة تدخلنا برجائنا الشديد إلى أن تمكن من مغادرة هذا المكان بعد أن وعدناه أن نقوم بتنفيذ كافة التعليمات التي أصدرها إلينا".
كان عرفات دائما وفقا لرباح يجسد القول التاريخي لكل زعيم كبير (اتبعوني) ولا يقول اذهبوا وإنما يقول اتبعوني أنا ذاهب أمامكم، وفعلا كان من خلال زيارته لأشد المواقع خطورة يعطي مثلا ونموذجا لآلاف من المقاتلين الذين جاؤوا طوعا وتركوا قراهم وبلادهم وإعمالهم وجامعاتهم، وكانوا دائما بحاجة إلى زعيم يعطيهم هذا الإلهام وهذه القوة المعنوية".
a فراسة نادرة
وإلى جانب حرص عرفات على تقدم مواقع القتال ومتابعة مجريات المعارك من داخل الميدان، فقد تمتع بحدس قوي وفراسة نادرة. وكما يقول رباح فإن عرفات يملك هذا الحدس الشديد سواء الأمني أو الحدث، ويستذكر رباح انه قبل شهرين أو ثلاثة أشهر من الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 "زارنا عرفات في الجنوب، وذهبنا معه إلى صور، حيث أصر على الالتقاء مع عدد كبير جدا من الكوادر من الذين هم على رأس قواتهم وكتائبهم، وأصر على أن يتصور معنا جميعا صورا جماعية وفردية قائلا: لا احد يعرف إذا كان أصحاب هذه الصور سيلتقون ثانية أم لا".
ويتابع رباح "العجيب انه بعد قرابة 3 شهور وقع الاجتياح الإسرائيلي الكبير للبنان، وحصار بيروت واجتياحها، واستشهد عشرات من الذين كانوا في تلك الصور معه الرئيس، وتفرقت بهم السبل وكانت نبوءاته صادقة ودقيقة جدا"
كانت لعرفات قراءة واسعة ودقيقة جدا للأوضاع السياسية وكثيرا ما كان يحدثنا –يواصل رباح- في جلساته معنا ما الذي سيجري من أحداث، وكنا نحن نستغرب، ولكن التجارب أثبتت على الدوام صدق تقديراته نتيجة الذكاء الشديد ، والقدرة على المتابعة التفصيلية لانغماسه الكلي في عمله.
a في سفوح جبل الشيخ
كان عرفات يؤمن أن الاتصال المباشر هو أفضل الطرق لتوصيل الرسالة واستقراء الأوضاع وكما يقول رباح فإن عرفات يكاد يكون المبتدع الأول والاهم لنظرية الاتصال المباشر؛ لانه كان يعرف أن مشكلة الشعب الفلسطيني وعقدته الرئيسة هي في الشتات الواسع على مدار الكون، وكان عبر نظرية الاتصال المباشر يسعى دائما لان يكون على صلة مع هذا الشتات ، وكان حين يذهب إلى بنغلادش أو الهند أو دول أمريكا اللاتينية يحرص على أن يرى الفلسطينيين هناك حتى لو كانوا على أصابع اليد الواحدة ، حتى أنه كان يصر على أن يذهب إلى المواقع التي يصعب الوصول إليها.
فكان على سبيل المثال كلما أتى لزيارتنا في جنوب لبنان في قاطع النبطية يصر على أن يذهب إلى قلعة الشقيف، وكان يصعد على قمة القلعة التي يصعد إليها الشباب بالكاد، لكي يسلم على المقاتلين الموجودون في مواقعهم وخنادقهم، وكانت أيضا لدينا مواقع صعبة جدا بالغة الصعوبة في السفوح الغربية لجبل الشيخ، في رويسات العلم وغيرها، وكان يصر على أن يصل إلى أولئك المقاتلين الموجودين في المواقع، حتى في فصل الشتاء حين كانت الثلوج متراكمة.
"وكان أيضا على صلة شديدة بالآلاف من هؤلاء المقاتلين الذين يعملون تحت قيادته، كان يتابع صحتهم وأخبار عائلاتهم، ويسال عن أولادهم إذا كانوا يعانون من بعض المشاكل المرضية أو غير ذلك".
a شديد الاعتزاز بشعبه
كان لدى الرئيس عرفات كما يصفه رباح اعتداد وثقة كبيرة جدا بالشعب الفلسطيني والانسان الفلسطيني، ويفتخر دائما حين يقارن أعداد الحاصلين من الفلسطينيين على شهادات عليا بمن حصلوا عليها في إسرائيل أو دول أخرى، ويشعرنا بالتفوق، وكان عندما يجد أديبا فلسطينيا له كتاب شهير أو ديوان شهير يأخذ نسخا منه ويوزعه على الآخرين في زياراته لهم حتى لو كانوا رؤساء أو ملوكا أو أمراء، ويسعد لان يقدم لهم كتاب الشاعر الفلاني أو رواية هذا الأديب الفلاني، وكان اعتزازه بكل إبداع فلسطيني وكل نبوغ فلسطيني لا حدود له، ويفخر دائما بأن يأخذ بعض هؤلاء النابغين الفلسطينيين معه في طائرته لكي يقدمهم إلى شخصيات أخرى في العالم.
aتقشف ممزوج برقة في الطباع
يكاد عرفات يكون متقشفا في حياته الشخصية إلى أقصى الحدود كما يقول رباح، وقد فرض شروطا قاسية على حياته. كان لفترات طويلة من الزمن يرتدي بعض قطع الملابس التي أخذها من زملائه الشهداء في اللجنة المركزية، "وكان يقول لنا هذا السروال الذي ألبسه، سروال الشهيد أبو صبري، أو أن هذا القميص أخذته من فلان الفلاني، وكان في بعض الأحيان إذا تمزقت بعض ملابسه يحيكها بنفسه ويصلح أزرارها، وكان دائما معه عدة الخياطة في حقيبة أدواته الخاصة المليئة بكمية متنوعة من الحبوب والأدوية التي يعالج بها نفسه".
ومراعاة لصحته ووزنه وكي يتمكن دائما من أن يكون في اللياقة الملائمة، كان يعيش تحت نظام غذائي قاس، في بعض الأحيان كان لا يأكل سوى بضع جرامات في اليوم الواحد ويعرف كل من تناول الغذاء أو العشاء أو الإفطار معه أن من بين عاداته الثابتة انه يطعم جميع الجالسين حوله من الطبق الذي أمامه، ويناولهم الطعام بيده، ويجعلهم يشعرون بالقرب الشديد منه بحسب رباح.
و"كان لعرفات نقطة ضعف خاصة جدا تجاه الأطفال، فلم يكن يتوانى حتى ونحن في اشد الضائقات المالية عن تقديم المساعدات لعلاج الأطفال مهما كانت التكاليف باهظة ، وكان يقول أن هؤلاء الأطفال لهم الأولوية ، حتى عندما كنا كمنظمة أو كثورة فلسطينية نمر بضائقات مالية كان لا يتخلى عن هذا الدور وينفذه رغم بعض الاحتجاجات" طبقا لما قال رباح.
ولم يفرط عرفات على الإطلاق بعائلات أعدائه وخصومه، الذين تمردوا عليه وانقلبوا عليه ووجهوا له الأذى والإهانات، ويقول عن ذلك "هم شيء وأولادهم وعائلاتهم شيء آخر"، ويستمر في صرف مستحقات تلك العائلات ، ويقدم المساعدات ، أو يسال عن أحوالهم ، و"لا تنسى أن ياسر عرفات ابتدع قانونا إنسانيا مثيرا للاعتزاز والافتخار ، وهو انه ظل يصرف مستحقات ومخصصات عائلات الجواسيس، كان يقول أن هؤلاء الأولاد لا يجب أن يتحملوا أوزار آبائهم".
a حرب أكتوبر
كانت لعرفات لديه رؤى تعتبر خارقة، فبعد نكسة 67 حين حلت بالعرب تلك الهزيمة المجلجلة جاءه بعض قادة الفصائل الفلسطينية وطلبوا منه إلغاء الثورة وقالوا: إذا كانت الدول العربية القوية قد احتلت في بضع ساعات فماذا سنفعل نحن كمناضلين صغار بأسلحة بالكاد احدنا يملك بارودة فردية صغيرة. لكنه اخذ قرارا باستمرار الثورة وثبت أن ذلك القرار باستمرار الثورة رغم فداحة الخسائر هو الذي أعاد الحياة ليس فقط للقضية الفلسطينية بل حرض الأمة العربية على اتخاذ قرار حرب الاستنزاف وإزالة آثار العدوان التي تجسد في انتصار حرب أكتوبر عام 1973.
بعد الهزيمة الكارثية التي حلت بالعرب عام 67 –يستذكر رباح- حين احتلت إسرائيل في بضع ساعات لضفة الغربية وقطاع غزة والجولان والحمة السورية وصحراء سيناء، صار هناك نوع من انهيار الثقة بالنفس التي سادت العالم العربي، وكان مجرد لبس الزي العسكري يعتبر مهانة في العالم العربي، وكان المواطنون يتندرون بالدعابات القاسية عندما يرون ضابطا يلبس بزته العسكرية ويضع الرتب على أكتافه، كانوا يسلخونه بالسنة حداد نتيجة حالة اليائس والإحباط".
وفي هذه المرحلة، لا أحد يستطيع إلا أن يقر ويعترف بأن الذي قاد عملية النهوض المعنوي في هذه الأمة، هو رجل اسمه ياسر عرفات، أصر أن يلبس زيه العسكري، وأن يتحرك في دمشق وبيروت بسيارته "الفولوكس فاجن" المموهة والمرقطة بالطين، حتى أن قيادة الأركان في البلدين في ذلك الوقت طلبت منه أن يتخلى عن الزي العسكري، وأنه لا داعي لتمويه السيارة تمويها عسكريا، لأن الحالة المعنوية كانت في الحضيض، إلا أنه أصر على ذلك وشكل بذلك رافعة معنوية.
وفي أعقاب النكسة أيضا، قال موشيه دايان قولته المشهورة: " إنني جالس بجوار هاتف منزلي انتظر من القادة العرب إعلان الاستسلام"، لكن ردا على هذا الانتظار بدأ عرفات بهؤلاء الفدائيين البسطاء ذوي التجهيزات البسيطة حرب استنزاف ضد إسرائيل، وجعلها لا تستمع بالنصر ولا تشعر بالراحة والطمأنينة، وبدأ ببناء القواعد العسكرية على طول خط نهر الأردن في القاطع الشمالي في الأغوار الشمالية والوسطى والجنوبية التي انتشر فيها الفدائيون، وقاموا بعمليات كثيرة في اليوم الواحد في العمق الإسرائيلي وعلى الحدود، وعمليات قصف بما توفر لديهم، وعمليات بـ"الآر. بي.جي" وكل أنواع الأسلحة التي كانوا يمتلكونها.
نشر عرفات هذه القواعد في الجولان، وبدأ عبر ممر جبل الشيخ ينشر بعض بدايات هذه القواعد في لبنان في منطقة العرقوب، وفي بقية مناطق الجنوب اللبناني، وهذا يؤكد بالدليل القاطع على أن أول من قام بعمليات حرب الاستنزاف ضد إسرائيل وجعل إسرائيل لا تشعر بالراحة والطمأنينة للانتصار التي حققته عام 67 هو ياسر عرفات، وكان هذا هو المدخل للجيوش العربية لأن تحذو حذوه.
من هنا بدأت فكرة حرب الاستنزاف التي تبناها جمال عبد الناصر، والقيادة السورية، ومعروف أن المصريين أنفسهم قاموا بتكوين منظمة "سيناء العربية" على حد قول رباح، وقاموا بعد ذلك بعمليات في سيناء، وتواصلت وهذه الحرب حتى أعيد على ضوئها بناء الجيش المصري الذي حقق انتصار عام73".


aعرفات في القرارات الصعبة
اتخذ ياسر عرفات قرارا يتجاوز المقاييس العسكرية والموضوعية المعروفة للبشر حين قرر خوض معارك الكرامة في (21-3-1968) وكان يرى الفرق المدرعة الإسرائيلية تتقدم على هذه المجموعة القليلة من الفدائيين الذين كانوا يملكون رشاش دوشكا واحد فقط في الكرامة في غور الأردن، وهو يعرف أن موازين القوى مختلة بشكل صاخب، ولكنه أصر على أن يأخذ قرارا بخوض المعركة، وكان من بين الذين عارضوا ذلك القرار بشدة وانسحبوا احمد جبريل.
"وقعت المعركة وانتصرنا فيها وكانت هي الفعل الأول الذي أعاد الثقة للأمة العربية بأنها قادرة على الانتصار بعد 9 أشهر من الهزيمة المدوية في عام 67، وكانت أول انتصار عربي اثبت للأمة العربية أنها فعلا قادرة أن تتحمل فداحة الجرح وان تصنع الانتصار من جديد" كما يشير رباح.
aعرفات الدكتاتور
ورغم أن الكثيرين من الذين عملوا مع عرفات ، وكانوا على اتصال مباشر معه يؤكدون أنه كان يمسك بخيوط اللعبة وأن أحدا لم يكن يملك أي قرار ، لدرجة وصفه بالدكتاتور، وأن من يتخذ القرار هو فقط ياسر عرفات ، وأن أي تفويض باتخاذ قرار لأي شخص لابد أن يكون بأمره ، إلا أن رباح يؤكد من جانبه أن عرفات لم يكن فرديا في قراراته .ويقول رباح "الرئيس عرفات كان يعمل على الأقل 20 ساعة يوميا ، وقد قضى معظم عمره ليس له عائلة ، فلم يكن له زوجة ولا أولاد ولا بيت بمعنى البيت ، فلم يكن هناك شيء يشغله على الإطلاق عن العمل ، لذلك كان متفرغا لهذه القضية ولأعبائها".
عرفات كان قادرا أن يكون الملهم وان يصنع من حوله إجماعا لايتوفر لأشخاص أو إطارات أخرى، لذلك كان من يقبلون به لا يقبلون بغيره بسهولة، لأنهم يرونه طوال اليوم والنهار يعمل من اجل هذه القضية، لا يملك شيئا سواها، وعندما تفرغ للعمل بشكل نهائي لهذه القضية كان لديه شركتي مقاولات في الكويت، ترك كل ذلك وجاء لكي يرتدي البزة العسكرية ويضع مسدسه على وسطه الذي لا يفارقه لآخر لحظة، لذلك كان وجوده ضروريا وملحا، وهذا لا يعني أنه لم يعط صلاحيات لأحد، على العكس، كان عرفات يدفعنا دفعا إلى أن نأخذ صلاحيات، وكان يكبرنا ويعطي إضاءة ويسلط هذا "البروجكتور"على أشخاصنا لكي نقوم بالأعباء المكلفين بها ، فقد أرسلنا سفراء ولم يكن احدنا قد قرأ ولو صفحة واحدة عن أصول الدبلوماسية ، ولكنه بالثقة والمتابعة أقنعنا ودب فينا روح المعنوية أننا نصلح أن نكون سفراء رائعين.
قوة شخصية عرفات لا تعني انه كان شخصا فرديا، على العكس كان هو الذي يشجعنا على الاختلاف معه –يقول رباح- وكان يفرح بنا حين نختلف معه، وكان يرعى هذه الخلافات لان هناك طبعا فرقا بين الخلافات في الرأي وبين الخروج من البيت الفلسطيني، فهو صاحب شعار فتح العظيم "دع ألف زهرة تتفتح في البستان الفلسطيني" وكان يسعى دائما إلى أن تتفتح الزهور في الحديقة الفلسطينية وألا تغادرها وتذهب إلى حدائق أخرى".

aإعلامي من الطراز الأول
وعلى الرغم من أن عرفات لم يكن خطيبا بليغا، إلا أنه كان يمتلك قلوب مستمعيه بكلمات بسيطة، وشعارات استمدها من وحي الثورة الفلسطينية ومراحل تكوينها، كما كان يستدل في كثير من خطاباته المرتجلة بأحاديث نبوية محددة "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ..." ، وآيات محددة من القرآن الكريم :"ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين" .
وكان عرفات مع كل هذا إعلاميا بارزا، تجلى حسن استخدامه للإعلام من خلال استقطاب عدد كبير من مراسلي وسائل الإعلام. يقول رباح : "عرفات رجل موهوب في الدعوة إلى الفكرة التي يريدها ، وبالتالي كان لديه باع طويل وصداقات واسعة النطاق على الصعيد الإعلامي العربي والدولي ، وقبل أن تعلن فتح عن نفسها في 1-1-65 ، قام عرفات بأعاجيب على الصعيد الإعلامي ، وعلى سبيل المثال ، في احد مهرجانات الشباب لم يكن هناك شيء اسمه فلسطين ، وبالتالي لم يكن هناك دعوة لفلسطين حتى تشارك في هذا المهرجان الذي كان في دولة أوروبية ، فذهب عرفات وتسلل من بين أسلاك وسياج الملعب الكبير الذي يجري فيه العرض ، وفوجئ به الجميع وهو يقف بين الطوابير التي تسير وهو يحمل العلم الفلسطيني ، وكان من الصعب جدا بعد أن التقطت تلك الصورة أن يخرجه من هذا الاستعراض" .
"كما أن عرفات ذهب لزيارة كثير من دول العالم أهمها الصين والتقى مع " ماوتسيتونغ" دون أن يكون رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا رئيسا لفلسطين، ولا حتى كرئيس لفتح ، ذهب وهو ما زال يعد الفكرة" .
"كما التقى عرفات وهو على رأس فرع رابطة اتحاد طلاب فلسطين في القاهرة مع العديد من الرؤساء، وشرح لهم هذه القضية ، وكانت قدرته على الدعوة لقضيته وخلق إعلام حيوي ومستمر موهبة فذة" .

moudar
23-Jun-2011, 10:26 PM
aسها الطويل في حياة الرئيس
كان عرفات قد عزف عن الزواج بسبب إنشغاله في القضية الفلسطينية، لكن تغيرا مفاجئا طرأ على حياته الخاصة حينما قرر الزواج قبل قيام السلطة بفترة وجيزة، وكان لهذا الزواج دلالات تحدث عنها رباح بقوله : "عندما تبلورت الأمور وصار مؤتمر مدريد، قرر الرئيس عرفات الزواج ، ووجد فرصة أن يقدم نفسه أيضا ليس فقط الرئيس المناضل، وإنما الرئيس المناضل الزوج والأب ورب العائلة ، وقد اختار سها الطويل التي كانت مستشارته الاقتصادية ، وهي متعلمة ، ولم تكن صغيرة جدا ، ولم يتزوج فتاة عمرها 16 سنة ، بل كانت سيدة ناضجة ، وخريجة ومؤهلة ، وقرر أن يقدم هذا الوجه من وجوهه المتعددة ، وكان هذا شيئا حسنا ، وفي المقابل لم يضر به احدا على الإطلاق ، وهو حقه حق طبيعي" .
aانتفاضة الأقصى
اندلعت انتفاضة الأقصى الحالية ضد الاحتلال الإسرائيلي بعد الزيارة الاستفزازية التي قام بها أرييل شارون في ظل تنامي الحديث عن هيكل سليمان والحفريات التي تتم تحت المسجد الأقصى والخوف المتزايد من إلحاق الضرر به. وقد تعامل رئيس الوزراء الإٍسرائيلي السابق إيهود باراك بعنف مع هذه الانتفاضة ولم يستطع إخمادها، وفي عهد أرييل شارون -الذي اختاره الناخب الإسرائيلي لتحقيق الأمن بعد أن عجز باراك عن تحقيقه- استمرت عمليات الانتفاضة واستمرت القوات الإسرائيلية في محاولات قمعها بعنف أشد أدى إلى استشهاد أكثر من ألف فلسطيني ومقتل ما يزيد على 300 إسرائيلي، وفي كل ذلك كانت الحكومة الإسرائيلية تحمل السلطة الفلسطينية وياسر عرفات مسؤولية ما يحدث، وساءت علاقات أبو عمار بالولايات المتحدة الأميركية التي تبنت وجهة النظر الإسرائيلية بوصفه لم يتخذ ما يجب من إجراءات لوقف ما تسميه الإرهاب، وتعالت الأصوات داخل الحكومة الإسرائيلية الداعية إلى طرد عرفات أو تصفيته جسديا أو اعتقاله ومحاكمته.
وقد حاصرته قوات الاحتلال الإسرائيلي في مقره الرئاسي في أواخر شهر مارس/آذار 2002 عقب الاجتياح الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية، ثم سمحت له لاحقاً بالتحرك في نطاق ضيق داخل الضفة الغربية، ثم عادت مؤخراً وفرضت عليه الحصار مجدداً.
* في عام 1974 ألقى عرفات خطابا - للمرة الأولى - أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تم منحت المنظمة صفة "مراقب في الأمم المتحدة"، وبذلك كان عرفات أول ممثل لمنظمة غير حكومية يلقي خطابا أمام الجمعية العامة.
جاء هذا الخطاب بعد ايام من اعتراف الجامعة العربية بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
* بعد اجتياح الجيش الإسرائيلي لبيروت عام 1982، ومحاصرته منظمة التحرير هناك لأكثر من 80 يوما، خرج عرفات إلى تونس، حيث استأنف مع رفاقه العمل من هناك.
يوم 24 حزيران/ يونيو 1983 .
* في نفس العام 1983 خاض حربا ضروسا مع قوات انشقت عن حركة فتح مدعومة من الجيش السوري في مدينة طرابلس اللبنانية الشمالية الامر الذي دفعه للرحيل مرة ثانية عن لبنان مع جزء كبير من قواته.
* الاول من تشرين الاول اكتوبر 1985: نجا عرفات من غارة اسرائيلية على مقره في تونس .
* 7 كانون الاول 1987: اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الاولى في الاراضي المحتلة.
* 1988 16 نيسان: مجموعة اسرائيلية مسلحة تغتال ابو جهاد مساعد عرفات في تونس.
*15 تشرين الثاني: المجلس الوطني الفلسطيني يعترف في دورة في الجزائر ضمنا باسرائيل عبر القبول بقرار مجلس الامن 242 ويعلن رمزيا دولة فلسطينية مستقلة برئاسة عرفات.
* في كانون الاول 1988، اعلن عرفات ادانته للارهاب واعترافه باسرائيل ودعا الاسرائيليين الي السلام.
* 2 ايار1989 اعلن عرفات ان الميثاق الوطني الفلسطيني باطل ولاغ .
* آب 1990 وشباط 1991: اعلن عرفات تأييده للرئيس العراقي صدام حسين بعد غزوه الكويت في الثاني من آب 1990، ما دفع بالدول العربية الخليجية الى وقف الدعم المالي لمنظمة التحرير.
* 1991 15كانون الثاني: اغتيال ابو اياد الرجل الثاني في منظمة التحرير برصاص احد حراسه في تونس
* تشرين الاول بعد رفض حكومة اسحق شامير اليمينية مشاركة فلسطينيين من منظمة التحرير في المفاوضات، شارك وفد من فلسطينيي الاراضي المحتلة في مؤتمر السلام في مدريد الذي شكل بداية عملية السلام في الشرق الاوسط.
* 1992 كانون الثاني: تزوج عرفات (63 عاما) من سهى الطويل (29 عاما) الفلسطينية المتحدرة من رام الله. وقد رزقا في 1995 بطفلة هي زهوة
* نيسان: نجا عرفات من حادث سقوط طائرته في الصحراء الليبية.
* 13 ايلول 1993: مصافحة تاريخية بين عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي العمالي اسحق رابين في واشنطن قبيل توقيع اتفاق اعلان المباديء للحكم الذاتي الذي تم التفاوض حوله سرا في اوسلو.
* 1994 ـ 4 ايار: وقع عرفات مع رابين في القاهرة اتفاق تطبيق الحكم الذاتي في غزة واريحا.
* 1 تموز: عاد عرفات الي الاراضي الفلسطينية بعد 27 عاما من المنفى واتخذ من غزة مقرا لقيادته.
* 28 ايلول 1995: توقيع اتفاق توسيع الحكم الذاتي الى الضفة الغربية في واشنطن.
* 20 كانون الثاني 1996: انتخب عرفات رئيسا للسلطة الفلسطينية في اول انتخابات عامة في الاراضي الفلسطينية.
*5 ايلول 1999: وقع عرفات في شرم الشيخ (مصر) مع رئيس الوزراء الاسرائيلي العمالي ايهود باراك اتفاقا كان يفترض ان يفتح الطريق امام مفاوضات الحل النهائي.
* 2000 ـ 25 تموز: فشل قمة في كامب ديفيد (الولايات المتحدة) بين عرفات وباراك.
* 28ايلول: زيارة لزعيم المعارضة اليمينية ارييل شارون الى المسجد الاقصي تشكل الشرارة لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية.
* 30 كانون الاول 2001: بعد سلسة من العمليات الانتحارية الفلسطينية، اسرائيل تلزم عرفات بالبقاء في رام الله.
* 2002 ـ 29 آذار: شن الجيش الاسرائيلي أكبر عملية له في الضفة الغربية منذ حرب 1967 ودمر الجزء الاكبر من مقر عرفات في رام الله حيث حوصر الزعيم الفلسطيني حتى ليل الاول الى الثاني من ايار.
* 24 حزيران: جعل الرئيس الامريكي جورج بوش من تغيير القيادة الفلسطينية وبعبارة اخرى من رحيل عرفات شرطا لاقامة دولة فلسطينية مستقلة.
* 2003 ـ 14 شباط: تحت ضغوط دولية هائلة وخصوصا من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، وافق عرفات علي استحداث منصب رئيس الوزراء.
* 30 نيسان: تولي هذا المنصب محمود عباس (ابو مازن) الذي اقترح عرفات اسمه على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
* 6 ايلول: استقال محمود عباس بعد مواجهات استمرت اربعة اشهر مع عرفات الذي اقترح في اليوم التالي علي رئيس المجلس التشريعي احمد قريع تشكيل الحكومة.
* 11 ايلول: اقرت السلطات الاسرائيلية مبدأ التخلص من عرفات في وقت ستحدده. رد الزعيم الفلسطيني لا احد سيطردني من الاراضي المحتلة.
* 2004 ـ 2 نيسان: رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون يؤكد انه ليس هناك أي ضمان لحياة عرفات ولا يستبعد تصفيته ويؤكد ايضا ان عرفات لن يسمح له بالعودة الي الاراضي الفلسطينية اذا غادرها.
* 17 تموز: تجنب عرفات ازمة وزارية بموافقة قريع علي البقاء في منصبه بعد عشرة ايام من استقالته احتجاجا علي الفوضى الامنية التي استشرت في الاراضي الفلسطينية.
* 25 تشرين الاول: نفت السلطة الفلسطينية انباء عن تدهور صحة عرفات الذي بلغ من العمر 75 عاما واستبعدت نقله الى المستشفي متهمة اسرائيل بنشر شائعات عن وضعه الصحي، قالت مصادر في رئاسة السلطة الفلسطينية انه خضع لعملية تنظير لم تكشف وجود أي شيء غير طبيعي.
* 27 تشرين الاول /اكتوبر: تدهور مفاجيء في صحة عرفات ومسؤول فلسطيني يقول ان وضعه حرج.
* 29 تشرين الاول: نقل عرفات من رام الله الى مستشفى في باريس لاجراء فحوصات طبية.
* 4 تشرين الثاني: ادخال عرفات الى قسم العناية الفائقة في المستشفي الباريسي الذي يعالج فيه بعد فقدانه الوعي عدة مرات .
* 11تشرين الثاني- توفي في المستشفى الباريسي ونقل في اليوم التالي إلى القاهرة حيث جرت له جنازة مهيبة شارك فيها العديد من القادة العرب والأجانب، ثم نقل بواسطة مروحية مصرية إلى رام الله حيث دفن قرب مقره (المقاطعة).

moudar
24-Jun-2011, 07:15 PM
عمر التلمساني


تمثل التلمساني نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين قال لها: "مهلا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش"، ودارت حياته كلها حول هذا المعنى: الرفق في الأمور، واختيار الأسلوب الهادئ، والكلمة الطيبة، والعبارة المهذبة، والابتسامة المشرقة، والصوت الهادئ.
وكان هذا الهدوء والثقة يعكسان شخصية قوية صلبة لا تلين، تواجه الأعاصير بابتسامة واثقة، وتتصدى للأزمات بأحسن الكلم وتمسك بزمام نفسها، ولا تضطرها العواصف ولا غدر الناس أن تنال من هدوئها ولا سلامة منطقها.
وشاء الله له أن يلم شعث جماعة الإخوان المسلمين؛ إذ كانت شخصيته الرفيقة الدقيقة تجذب الناس إلى الجماعة، وكانت أخلاقه السمحة عنوانا لها، فأقبل الناس عليها وعاد ما كان لها من قوة وتأثير.

من الغورية إلى القليوبية
في شارع حوش قدم بالغورية أحد أحياء القاهرة التاريخية ولد عمر عبد الفتاح بن عبد القادر مصطفى التلمساني في25 من شعبان 1322هـ= 4 من نوفمبر 1904م، تعود أصوله إلى مدينة تلمسان الجزائرية المعروفة، حيث هاجر أحد أجداده إلى القاهرة سنة (1246هـ= 1830م)، واستقر بها.
كان جده ووالده يعملان في بادئ الأمر في تجارة الأقمشة والأحجار الكريمة، وتنتشر تجارتهما ما بين القاهرة وجدة وسواكن والخرطوم وسنغافورة، ثم أنهيا تجارتهما واتجها إلى الزراعة في القليوبية، واستقرا في قرية نوى التابعة لمركز شبين القناطر القريب من القاهرة.
نشأ عمر التلمساني في أسرة كريمة تتمسك بالدين والخلق، وكان جده سلفي النزعة، طبع العديد من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب على نفقته الخاصة. تلقى عمر دراسته الابتدائية في إحدى مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، ثم تلقى تعليمه الثانوي في المدرسة الإلهامية الثانوية بالحلمية، وكانت أسرته قد انتقلت إلى القاهرة بعد وفاة جده.

ثقافة.. وموسيقى
وفي هذه الفترة المبكرة من حياته قرأ كتب الأدب الشعبي من أمثال سيرة عنترة بن شداد، وسيف بن ذي يزن، وطالع كل ما كتبه المنفلوطي من أمثال البؤساء، وإلى جانب ذلك حفظ القرآن الكريم وقرأ كثيرا من أمهات الكتب العربية، مثل تفسير القرطبي والزمخشري وابن كثير، وطبقات ابن سعد، ونهج البلاغة، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وصحيح البخاري ومسلم، كما طالع من الأدب العالمي روايات إسكندر ديماس، وأميل زولا، ومال إلى الموسيقى، وعزف على العود سنين.
وهذه الثقافة المتنوعة هي التي طبعت شخصية التلمساني، ووسعت أفقه ونظرته الإنسانية، وأرهفت حسه ومشاعره، وأنضجت خبراته ومواقفه في الحياة.
ويصور هو شخصيته السمحة بقوله: "كنت "بحبوحا" أحب النكتة البريئة، والقفشة الرقيقة، متسامحا مع كل من أساء إليّ بالقول والعمل، وأتركه إلى الله، وما كنت أحب إحراج محدثي أو أقنعه بأن الحق إلى جانبي، إذا ما ألفيته متعصبا لرأيه".
المحاماة لا النيابة
وبعد حصوله على الثانوية العامة سنة (1343 هـ=1924م) التحق بكلية الحقوق وتخرج فيها سنة (1350هـ=1931م)، واتجه إلى مهنة المحاماة، ووجد فيها مبتغاه، وكان يرى فيها مهنة الدفاع عن الحق ونصرة المظلوم، ومهنة العقل الراجح في إقامة الدليل والبرهان.
وغرامه بالحرية هو الذي جعله يختار المحاماة، حتى إنه عزف عن العمل في النيابة حين عرض عليه ذلك؛ هروبا من قيود الوظيفة.
وقد اتخذ له مكتبا للمحاماة في مدينة شبين القناطر، وكان في عمله يتحرى الحق والعدل، وصور ذلك بقوله: "باشرت عملي في المحاماة على قواعد ديني جهد الإمكان".

الالتحاق بالإخوان
في بدايات دعوة الإمام حسن البنا انضم التلمساني إلى جماعة الإخوان المسلمين سنة (1352هـ= 1933م) أي بعد مرور نحو 5 سنوات على تأسيسها، وكانت لا تزال تشق طريقها في المجتمع المصري، وتجذب إليها الغيورين على الإسلام.
وانضمام التلمساني المبكر إلى جماعة الإخوان يكشف عن قدرة فائقة لحسن البنا في حشد الأنصار لدعوته من مختلف طبقات المجتمع، ويكشف أيضا عن رغبة صادقة من التلمساني في خدمة دينه والدفاع عنه. ويذكر التلمساني في مذكراته أنه رشح نفسه مرتين لمجلس النواب، لكي يصدع بكلمة الحق والدعوة الإسلامية في أعلى هيئة تشريعية في البلاد لكنه لم يوفق، ومنذ هذه اللحظة بدأت مسيرة التلمساني في جماعة الإخوان، وشاهد بداياتها وصعودها وكبواتها والمحن التي ألمت بها، والضربات التي وجهت للقضاء عليها أو وقف مسيرتها أو احتوائها.
ولم يكن هو بعيدا عن ذلك كلية، حيث كان عضوا في مكتب إرشاد الجماعة، وتعرض للاعتقال في الفترة الملكية إذ قبض عليه بعد استشهاد الإمام حسن البنا سنة (1369هـ= 1949م) مع الآلاف من أعضاء الجماعة.
ثم كانت الأحداث الدامية في سنة (1374هـ=1954م) حيث نكلت حكومة جمال عبد الناصر بجماعة الإخوان، وألقت بالآلاف منهم في السجون، وعقدت لهم المحاكمات العسكرية ، وكان من نصيب التلمساني أن حكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة 15 عاما، ثم أعيد اعتقاله فور انتهاء المدة سنة (1389هـ = 1969م) حتى أفرج عنه عام (1391هـ= 1971م)، وبعد 10 سنوات من الإفراج عنه اعتقل مرة أخرى في أحداث سبتمبر الشهيرة سنة (1401هـ= 1981م) في عهد الرئيس السادات.

إرشاد وإعادة بناء
بعد وفاة الأستاذ حسن الهضيبي ونائبه الدكتور خميس حميدة تحمل عمر التلمساني أعباء الجماعة باعتباره أكبر أعضاء مكتب الإرشاد سنا، ولم يكن للجماعة وضع قانوني منذ أن عُصف بها وبفروعها، فكان هو مرجع جماعة الإخوان الأدبي والمعنوي دون أن يكون هناك أي تنظيم لا ترضاه الجهات المسئولة عن الأمن في مصر، وقد اعترف المسئولون في مصر بهذا الوضع، واعتبروه مسئولا عن الإخوان المسلمين وتعاملوا معه على هذه الصفة.
وكان السادات قد بدأ حكمه بإخراج الإخوان من المعتقلات، وترك لهم قدرا من الحرية في الحركة، ثم ظهر المد الإسلامي بعد معركة العاشر من رمضان، واشتدت الصحوة الإسلامية في أنحاء البلاد، وقيل: إن السادات كان يهدف من وراء ذلك للقضاء على التيار الماركسي، وأيا ما كانت دوافع الرجل التي لا يعلمها إلا الله، فقد شهدت البلاد مدا إسلاميا واضحا في الحياة وبخاصة بين شباب الجامعات ؛ كان لجماعة الإخوان نصيب في الصحوة الإسلامية بعد أن نجح التلمساني بمعاونة إخوانه في جمع ما تفرق من الجماعة بعد المحن الرهيبة التي أصيبت بها.
وللإنصاف فقد أسهمت الدولة في انطلاق هذه الصحوة بسماحها للتيارات الإسلامية بالعمل في حرية ودون قيود، وسايرت شعارات الدولة هذا المد الإسلامي؛ فاتخذ السادات لدولته شعار "دولة العلم والإيمان"، وكان يعلن أنه "رئيس مسلم لدولة مسلمة"، وأن مصر دولة المؤسسات التي تحتكم إلى العدل والقانون.
الصدام مع السادات
وصاحب عودة جماعة الإخوان إلى نشاطها الإصدار الثاني لمجلة الدعوة في (شهر رجب 1396هـ=يوليو 1976م) التي تولى إدارتها والإشراف عليها عمر التلمساني ورأس تحريرها صالح عشماوي، وكان للمجلة دور كبير في انطلاق دعوة الإخوان وتعريف الأجيال الجديدة بمبادئها وبالمحن وجرائم التعذيب التي حلت بها في الحقبة الناصرية، وكان الأستاذ عمر التلمساني يتولى كتابة افتتاحيات المجلة الشهرية التي تحمل أفكار الجماعة وموقفها تجاه الأحداث، ومطالبتها الدائمة بعودة نشاطها الرسمي تحت بصر الدولة وبموافقتها.
ولما أقدم السادات على زيارة إسرائيل سنة 1977م وعقد معاهدة كامب ديفيد أعلن التلمساني معارضته ومعارضة الجماعة لهذه الخطوة، ورفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتتابعت مقالاته التي تحذر من هذه السياسة في قوة وشجاعة.

أمام السادات.. وجها لوجه
وترتب على موقف الجماعة من معاهدة السلام والتطبيع مع إسرائيل أن ساءت العلاقات بينها وبين الدولة التي لم يتسع صدرها للنقد والمراجعة، فضاقت بمعارضة الإخوان لسياستها. وفي ندوة الفكر الإسلامي التي عقدت في الإسماعيلية في (شهر رمضان 1399هـ= أغسطس 1979) وحضرها التلمساني وجه السادات له وللإخوان تهما عديدة، من بينها التخريب والعمالة وإثارة الطلبة وإشعال الفتنة الطائفية، وما كان من التلمساني إلا أن طلب الرد تعقيبا على اتهامات السادات، ووقف أمامه وقال له: "لو أن غيرك وجه إليّ مثل هذه التهم لشكوته إليك، أما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات صاحبها، فإني أشكوك إلى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، لقد آذيتني يا رجل، وقد أَلزم الفراش أسابيع من وقع ما سمعته منك".
وارتج السادات لوقع هذه الكلمات الصادقة النابضة بالثقة والإيمان فقال له: "إنني لم أقصد الإساءة إلى الأستاذ عمر ولا إلى الإخوان المسلمين.. اسحب شكواك.."، فأجابه التلمساني بأنها رفعت إلى من لا أستطيع استرداد ما وضعته بين يديه.
وبعد أن انتهى الاجتماع أرسل السادات كلا من عبد المنعم النمر وزير الأوقاف ومنصور حسن وزير الثقافة والإعلام لاسترضاء التلمساني، وأن الرئيس لم يقصد الإساءة إلى شخصه وسيحدد موعدا لمقابلته.

إنصاف رغم الخلاف
وبعد أشهر قليلة التقى التلمساني بالسادات في استراحة القناطر الخيرية في شهر (ربيع الأول 1400هـ= ديسمبر 1979م) ويحكي هو عن أحداث هذه المقابلة بقوله: "لا يفوتني أن أذكر -إنصافا للسادات- يوم أن قابلته باستراحة القناطر الخيرية أنني وجدت أمامه مجموعة من أعداد مجلة الدعوة، وأخبرني أن الإسرائيليين يشكون ويحتجون على هذه الحملات الإخوانية، فأجبته بأن معارضتي لمعاهدة السلام والتطبيع وموقف إسرائيل بأجمعه مبعثه ديني محض، ولا علاقة له بما يسمونه سياسة دولية أو غير دولية، وإن ديني يحتم عليّ أن أستمر في هذه الحملة حتى تنجلي الغمة. وراعني حقا أن الرجل بعد الاستماع إليّ قال لي بمنتهى الصراحة والوضوح والرضا: اكتب. ولن أنساها للسادات ما حييت رغم ما لقيته منه يرحمني ويرحمه الله".
وهذه الروح السمحة والميل إلى العدل والإنصاف يذكرنا بموقفه وهو في السجن حين بلغه نبأ وفاة جمال عبد الناصر، فقال: "مات؟ انتهى؟ ذهب إلى الله؟ الله يرحمه"، وتصايح الإخوان الذين كانوا معه في غضب: كيف يرحم الله قاتل العشرات وجلاد الآلاف، فقال لهم: "نحتسب ما أصابنا في سبيل الله، ولا داعي للشماتة".

بعد السادات
ولما اشتدت المعارضة لسياسة السادات الداخلية والخارجية لم يلجأ (السادات) إلى احتوائها والتفاهم معها، الأمر الذي أفقد السادات صبره ولجأ إلى سياسة التحفظ والاعتقال، فأدخل إلى السجن زعماء المعارضة من جميع ألوان الطيف السياسي فيما عرف بأحداث 3 سبتمبر 1981م، ولم يسلم قادة جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأسهم التلمساني من هذه الإجراءات، وظل معتقلا ولم يفرج عنه إلا في بداية حكم الرئيس مبارك الذي خلف السادات عقب اغتياله في حادث المنصة المشهور.
وبعد خروجه قاد الجماعة إلى مزيد من اندماجها في الحياة العامة من خلال مشاركتها في الانتخابات، فبدأت الجماعة تحقق نجاحات واضحة في انتخابات النقابات المهنية، ودخل عدد من قادتها مجلس الشعب المصري في انتخابات 1984 بعد تحالفها مع حزب الوفد المصري، وكان قد تم الاتفاق بين الإخوان والوفد على خوض الانتخابات متعاونين حتى في الدوائر التي ليس فيها مرشحون للإخوان فإنهم سيعطون أصواتهم للوفد.

مؤلفاته
وفي غمرة قيادته لجماعة الإخوان والأعباء الملقاة على عاتقه لم ينس أنه صاحب قلم، وكان من ثمرة ذلك عدة كتب كان يعتبرها -لتواضعه- خواطر جمعت في كتب، وليس فيها ما يستحق إلحاقه بالمؤلفات، وهذه الكتب هي:
قال الناس ولم أقل عن حكم عبد الناصر. آراء المعارضين في جمال عبد الناصر وحكمه: دار الأنصار – القاهرة – 1400 هـ، 347 صفحة.
الملهم الموهوب حسن البنا أستاذ الجيل: دار التوزيع والنشر الإسلامية – القاهرة – 1404 هـ، 158 صفحة.
الإسلام ونظرته السامية للمرأة: دار الوفاء – المنصورة، 54 صفحة.
أيام مع السادات: دار الاعتصام – القاهرة - 1404هـ، 144 صفحة.
ذكريات لا مذكرات: دار الاعتصام – القاهرة – بدون تاريخ، 285 صفحة.
شهيد المحراب، عمر بن الخطاب: دار الأنصار – القاهرة – 1397هـ، 384 صفحة.
الخروج من المأزق الإسلامي الراهن: دار الوفاء – المنصورة – مصر – 1400هـ.
الحكومة الدينية: دار الاعتصام – القاهرة.
الإسلام والحياة: دار التوزيع والنشر الإسلامية – القاهرة – 1412هـ.
وفاته
ظلت سماحته وسلامة نفسه وحياؤه الشديد ورغبته في الإصلاح هي مفتاح شخصيته، وكان يلوذ بالنفس الطويل، والصبر الجميل ويحاول بالإقناع المتكرر أن يبلغ هدفه، وكان يركز اهتمامه على ما يجمع ويقرب الصفوف، وكان يتجنب في حديثه كل عبارة أو كلمة يرى أنها تخدش المشاعر أو تؤذي السمع، وأصدق ما قيل عنه ما وصفه به الشيخ محمد الغزالي بأنه كان "ملكا كريما في إهاب بشر أرهقته السنون".
وقد غادر التلمساني الدنيا في (13 من رمضان 1406 هـ= 22 من مايو 1986م).

moudar
25-Jun-2011, 10:28 PM
محمد رشيد رضا
ولد محمد رشيد رضا في قرية من قرى لبنان تسمى القلمون، في 27/جمادى الأولى/1282هـ، 1865م، وهو سليل بيت عربي عريق ينحدر من نسل الحسين بن علي بن أبي طالب، اشتهر بيت آل الرضا بأنهم كانوا المثل الأعلى في الانقطاع للعبادة وتكريم العلماء والترحيب بأولي الفضل.

كان أبوه قوي الذاكرة، طلق اللسان، ومن قوة ذاكرته أنه كان يحفظ كل ما مر به في سفره، وكل ماله عند الناس، أو لهم عنده من الحقوق المالية وإن طال عليها الزمن، وكان حسن المجاملة، عظيم التساهل في معاشرة المخالفين في الدين مع الغيرة الشديدة على الإسلام والمناضلة عنه بما يقنع المناظر ولا يؤذيه، كما كان يتمتع بهيبة في نفوس أبنائه، حيث لجأ إلى الحزم والترهيب أحياناً في التربية، ولقيت هذه التربية استجابة من نفس محمد رشيد رضا، وورث عنه الكثير من الخصال الخلقية والعلمية.

التحق محمد رشيد بكتاب القرية، وتعلم فيها القرآن الكريم والخط وقواعد الحساب، ثم التحق بالمدرسة الوطنية الإسلامية التي أنشأها أحد علماء الشام الشيخ محمد حسين الجسر (وهو أحد رواد النهضة الثقافية والعربية، والذي اشتهر بإلمامه الواسع بالعلوم العصرية، وكان كاتباً وشاعراً عصرياً، درس في الأزهر الشريف على يد الأديب الكبير محمد حسين المرصفي) حيث اهتمت هذه المدرسة بالعلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية، لكن الحكومة أغلقت هذه المدرسة، فانتقل محمد رشيد إلى المدارس الدينية في طرابلس، وظل على علاقة قوية بأستاذه الأول حسين الجسر الذي أحبه وتأثر به لما خصه به من الإهتمام والعناية منذ شاهده في السنة الأولى بالمدرسة الوطنية، لما كان يجد عنده من حب شديد للدراسة والمذاكرة والقدرة على التعبير عما يفهم، حتى صار يطلب رأيه في مؤلفاته خاصة الكبرى منها.

نال محمد رشيد الإجازة في دراسة العلوم العربية والشرعية والعقلية عام 1897،على يدي أساتذة كبار منهم الشيخ محمود نشابة من كبار علماء طرابلس، والشيخ عبد الغني الرافعي، والشيخ محمد القاوقجي، لكن بقي الشيخ الأكبر أثراً في نفس محمد رشيد هو أستاذه الشيخ الجسر.
وصف أحد العلماء محمد رشيد في مرحلة تلقيه العلم وما أفاده من دراسته، بأن علمه لدني أي (من لدن حكيم عليم)، فيقول إني أغيب عنه سنة فأجد عنده من العلم ما لا يمكن اكتسابه إلا في السنين الطوال.

عني محمد رشيد رضا بحفظ القرآن الكريم وحده دون أي معلم يعيد عليه ما يحفظ، وكان يفضل صلاة التهجد تحت الأشجار في بساتينهم الخالية، حيث وجد في البكاء من خشية الله، وتدبر كتاب الله في صلاة الليل لذة روحية قوية، وقرأ كتاب (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي وتعلق به، وحبب إليه التصوف، وهو في هذه السن المبكرة من الشباب، فسلك محمد رشيد طريقه إلى التصوف على يد رجل من النقشبندية، لكنه استطاع أن يقف على أسرار هذه الرياضة الروحية بمحاسنها ومساوئها، وهو الأمر الذي هيأه في المستقبل للمناداة بإصلاح الطرق الصوفية، حيث وجد بعضها طيباً والآخر لا يقبله العقل، بل يكون أحياناً مدخلاً إلى البدع ومثاراً إلى الفتن.

ألقى رشيد المواعظ والدروس في المسجد معتمداً فيها على جمع أكبر عدد ممكن من الآيات في الموضوع الواحد، حتى صار لمواعظه أعظم الأثر، وأشد الوقع في النفوس، واختار من كتب التفاسير أيسرها، على حين قام هو نفسه بدور كبير في شرح الآيات القرآنية واستخلاص العبر التي تفيد جمهور المستمعين منها، واستطاع في تلك الأيام الأولى من جهاده في سبيل الإصلاح أن يثبت قدرته على الاجتهاد في الفقه، الذي اعتبره مرتبة عالية من مراتب العلم الاستقلالي بالأحكام الشرعية، وأنه هام وحيوي لإرشاد الناس لما فيه من الخير والهداية.

في الوقت الذي دخل فيه محمد رشيد ميدان الإصلاح في قريته بدافع من ميوله الفطرية وقدراته العلمية، كانت أنظار العالمين والعربي والإسلامي قد اتجهت نحو مصر، حيث انطلقت منها حركة إصلاحية كبرى تولى زعامتها اثنان من خيرة علماء الشرق وأبطاله وهما: السيد جمال الدين الأفغاني، والأستاذ الإمام محمد عبده، وترامت أنباء هذه الحركة إلى مسامع محمد رشيد عن طريق الجماعة المصرية التي أقامت في منزل والد رشيد عند نفيهم من مصر، لاشتراكهم في ثورة أحمد عرابي على الخديوي توفيق. وكانت تصل إلى هذه الجماعة المصرية جريدة العروة الوثقى سراً، وهي الجريدة التي كان يصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده بعد نفيهما من مصر، واجتماعهما في فرنسا.

قوي اتصال محمد رشيد رضا بجريدة العروة الوثقى، التي وجهته للسعي في الإصلاح الإسلامي العام، ورسمت له منهجاً علمياً جديداً للإصلاح بعد أن عرفته بأسباب الفساد والتفكك في بلاد الشرق، وفتحت له آفاقاً واسعة لم يكن يعرف عنها شيئا ودفعت به إلى الطريق الطويل الذي سلكه كبار المصلحين وقادة التحرير.

استطاع رشيد رضا أن يتصل بجمال الدين الأفغاني الذي نادى بالإصلاح والتجديد عن طريق السياسة، وكذلك اتصل بمحمد عبده الذي نادى بالإصلاح والتجديد عن طريق التربية والتعليم، وخرج رشيد بعد تعرفه على منهجي أستاذيه بمنهج خاص جعله يمزج بين المنهجين السابقين.

في ظل الأحداث التي وقعت في سورية، والتي حدت من انطلاقة رشيد رضا في الإصلاح بسبب تشدد الولاة العثمانيين. أخذ رشيد يتطلع إلى الهجرة نحو مصر.
وهناك في أرض مصر، استقر العزم به على إنشاء صحيفة إصلاحية عام 1898، أسماها المنار وجعلها منبراً لبث أفكاره في الإصلاح الديني والاجتماعي والإيقاظ العلمي والسياسي، وكان يحرص على عرض كل ما يكتبه من مقالات على الإمام محمد عبده، ويستمع إلى توجيهاته وإرشاده، وظل قلم رشيد رضا يصول في المنار ويجول مرشداً المسلمين إلى النظر في سوء حالهم، وتذكيرهم بما فقدوه من سيادة الدنيا وهداية الدين، وما أضاعوه من مجد آبائهم الأولين، فنادى بأن يعلموا أن قيمة الدين ليست في أسراره الروحانية أو قواه الخفية، بل في الحقيقة التي يعلمها للإنسانية، وهي أن سعادة المرء في هذه الحياة والحياة الأخرى تتوقف على معرفته بسنن الله التي تضبط هداية البشر أفراداً وجماعات، وعلى المسلمين أن يدرسوا هذه السنن ثم يسيروا عليها في يقين وإيمان.

ونادى رشيد رضا في المنار بإصلاح التربية والتعليم، وبإنشاء المدارس الإسلامية ونبذ المدارس التبشيرية التي أكثر المستعمر منها في البلاد الإسلامية، ودعا إلى وجوب إدخال علوم أساسية في ميدان التربية والتعليم، مثل علوم أصول الدين وعلوم تهذيب الأخلاق، وعلوم فقه الحلال والحرام، وعلوم الاجتماع، وعلم تقويم البلدان، وعلم التاريخ وعلم الاقتصاد، والتدبير المنزلي والحساب، وعلم حفظ الصحة، وعلم فن الخط وعلم لغة البلاد... لما في هذه العلوم من خير للناس في حياتهم العامة والخاصة.

أنشأ رشيد رضا دار الدعوة والإرشاد لتخرج المرشدين والدعاة، وذلك في ظل انتشار المدارس التبشيرية في البلاد الإسلامية، ودعوة المسلمين للتخلي عن دينهم واعتناقهم الدين المسيحي، وتابع رشيد رضا الإشراف على مدرسته بما يفرغ فيها من جهده وجهاده ما يستطيع، لكن تعطلت هذه المدرسة عند نشوب الحرب العالمية الأولى، ولم تفتح أبوابها مرة أخرى.

دخل رشيد رضا ميدان السياسة، وعمل على نقد الدولة العثمانية والاشتراك عملياً في محاولات إصلاح الأوضاع فيها، وترأس (جمعية الشورى العثمانية) المؤلفة من العثمانيين المنفيين إلى مصر، حيث كانت هذه الجمعية ترسل منشوراتها السرية إلى سائر أرجاء البلاد العثمانية حتى أقلقت مضاجع السلطان. كما أخذ رشيد رضا في مجلته المنار يهاجم استبداد الدولة، وكشف عن قدرة فريدة في فهم الأوضاع التي أحاطت بالدولة العثمانية والبلاد العربية.

بعد الثورة العربية الكبرى وهزيمة الأتراك، تم الاتفاق بين إنجلترا وفرنسا على اقتسام الوطن العربي... وهذا ما سبق ونبه إليه رشيد رضا في مجلته المنار، كما حذر الزعماء العرب من الوقوع في حبائل الوعود البراقة والأماني الخادعة من فرنسا وبريطانيا، مما جعله يشرع بإرسال كتب إلى رؤساء وزارتي إنجلترا وفرنسا ينصحهم بالابتعاد عن المساس بحقوق العرب والغدر بهم، كما أتيحت له فرصة ذهبية ليندد بالاستعمار وأعماله في البلاد العربية حين قرر قادة العرب عقد مؤتمر في جنيف للدفاع عن القضايا العربية، ووقع الاختيار على رشيد رضا ليكون نائباً لرئيس هذا المؤتمر، حيث أسهم بقسط وافر من تجاربه وآرائه القيمة في وضع نداء للمجتمع الدولي وعصبة الأمم المتحدة للنظر في الحقوق العربية.

كما اشتهر رشيد رضا بالشدة في الحق والصدق في الحديث بكل ما يدلي به من آراءه، حين كان على رأس الوفد السوري الفلسطيني المبعوث إلى الأمم المتحدة لشرح القضايا العربية وكسب تأييدهم، وأكد لهم أن الشرق قد استيقظ وعرف نفسه ولن يرضى بعد اليوم أن تكون شعوبه ذليلة مستعبدة للطامعين المستعمرين.
ظل رشيد رضا يتابع رسالته في المنار بالدفاع عن الأمة العربية والأخذ بيدها، وتنبيه أبناء الأمة العربية إلى خطر الصهيونية، وإلى تبنى الاستعمار لها، ليجعل منها وسيلة لتحقيق مآربه في تحطيم وحدة الوطن العربي، ونادى في مقالاته بعد أن اشتد خطر الاستعمار والصهيونية، على ضرورة جمع كلمة العرب، وظل هكذا حاملاً لواء الجهاد في سبيل الإسلام والعروبة إلى أن انتقل إلى الملأ الأعلى في يوم22ـ 8 ـ1935، تاركاً وراءه تراثاً كبيراً من الأعمال العلمية نذكر منها: ـ
1. مؤلفه الأول الذي دونه أثناء طلبه للعلم في الشام "الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية".
2. مجلة المنار: وهي المعلمة الإسلامية الكبرى، والكنز الذي احتوى ثمار تجارب رشيد رضا وآرائه في الإصلاح الديني والسياسي.
3. تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وما جرى بمصر في عصره.
4. حقوق النساء في الإسلام.
5. الوحي المحمدي.
6. المنار والأزهر.
7. ذكر المولد النبوي.
8. الوحدة الإسلامية.
9. يسر الإسلام وأصول التشريع العام.
10. الخلافة أو الإمامة العظمى.
11. الوهابيون والحجازيون.
12. السنة والشيعة.
13. مناسك الحج، أحكامه وحكمه.
14. تفسير القرآن الكريم، المعروف بتفسير المنار.
15. حقيقة الربا.
16. مساواة الرجل بالمرأة.
17. رسالة في حجة الإسلام الغزالي.
18. المقصورة الرشيدية.

moudar
26-Jun-2011, 11:17 AM
فوزي القاوقجي

ولد فوزي القاوقجي في مدينة طرابلس (لبنان) عام 1890، وخرج منها طفلاً إلى الأستانة للدراسة، وظل يتدرج في المدارس التركية إلى أن وصل إلى المدرسة الحربية حيث بدأت بواكير وعيه السياسي تتفتح.
تخرج القاوقجي سنة 1912 ضابطاً في سلاح الخيالة العثماني، وقد عمل أولاً في الموصل حيث ظهرت قدراته فغدا بعد وقت قصير معلماً للفروسية في الكتيبة كلها.

لما نشبت الحرب العالمية الأولى اتصل به بعض الساسة العرب ليقوم بالدعاية للثورة بين قبائل البدو التي يعرفها حق المعرفة وتكن له الحب والتقدير.
اشترك في الحرب ضد الإنجليز الذين احتلوا البصرة، وأصيب سنة 1914 في معركة القرنة، وأُدخل المستشفى للعلاج، ثم غادره سراً.
عُين في شهر أيار عام 1916 في فرقة الخيالة العثمانية الثالثة المرابطة على خط بئر السبع ـ غزة الدفاعي في وجه القوات البريطانية، وقد أكسبته أيامه في بئر السبع خبرة واسعة في أصول الاستطلاع ونصب الكمائن، ونال شهرة واسعة لجرأته وحصل على عدد من الأوسمة، وقويت صلته بالقادة الألمان وأصبح مرافقاً لهم.

آثر القاوقجي الولاء للجيش العثماني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وظل يقاتل في صفوف الأتراك، رغم مضايقتهم له وكرهه لتسلطهم وتيقنه من خسارتهم. ويعلل ذلك بشكه في نوايا البريطانيين والفرنسيين الذين اعتمدت عليهم الثورة العربية.

عاد القاوقجي فور انتهاء الحرب إلى مسقط رأسه طرابلس عام 1918، وأقام هناك إلى أن زارها الملك فيصل بن الحسين ودعاه إلى العمل في خدمة الدولة العربية الجديدة فقبل الدعوة، وقد عُين في الشعبة الثالثة في ديوان الشورى الحربي، وهناك تكشف له غدر الحلفاء، فطلب نقله إلى إحدى الوحدات العاملة، فعُين آمر السرية الأولى من لواء الخيالة الهاشمي، ولدى دخول الفرنسيين دمشق كان القاوقجي يتولى حراسة قصر الملك وقلعة دمشق.

أصبح القاوقجي أيام الانتداب الفرنسي آمراً لسرية الخيالة في حماه، ومعاوناً للمستشار الفرنسي، فسعى جهده لاكتساب ثقة الفرنسيين والعمل على تخفيف مظالمهم، وقد أثرت أحداث ثورة الأمير عبد الكريم الخطابي في الريف المغربي وشجعته على التفكير بثورة مماثلة.

بدأ القاوقجي يعد للثورة ويدعو لها وينظم الخلايا، ثم أطلق الشرارة في 5/10/1925 مغتنماً فرصة ثورات صالح العلي وإبراهيم هنانو وسلطان الأطرش، وكاد يستولي مع من معه على مدينة حماه لولا قصف الطائرات، فخرج إلى البادية حيث استثار القبائل ضد الفرنسيين وكان أبرز آثار حركته تخفيف الضغط على الثوار في جنوبي سورية.

انتقل القاوقجي مع نفر من المجاهدين إلى منطقة القلمون وغوطة دمشق وجبل العرب، وأسند إليه مجلس الثورة الوطني قيادة الثورة في منطقة الغوطة مع سلطات واسعة، واستطاع أن يحقق انتصارات كبيرة على الجيش الفرنسي، لكن نقص العتاد واستشهاد الكثير من رجاله اضطراه إلى الانسحاب باتجاه جبل العرب.
استدعته اللجنة الثورية إلى عمّان والقدس سنة 1927، وكلف السفر إلى تركية لإقناعها بمساعدة الثورة السورية، ولكنه عاد إلى القاهرة حيث كانت الخلافات قد اشتدت بين الزعماء السياسيين للثورة، فلم يمكث فيها طويلاً وذهب إلى السعودية سنة 1928.

استطاع القاوقجي في السعودية بمساعدة الأمير فيصل بن عبد العزيز (الملك فيصل فيما بعد) إقناع الملك عبد العزيز بن سعود بتكوين جيش نظامي مدرب. وحاول تنظيم بعض الأمور ولكن العراقيل الكثيرة التي وضعت في طريقه والدسائس التي تعرض لها أجبرته على الاستقالة، وبعد ذلك عُين مستشاراً للأمير فيصل.

غادر القاوقجي السعودية سراً إلى مصر عقب اندلاع أحداث فلسطين سنة 1929، والتقى أعضاء الوفد الفلسطيني المسافر إلى لندن لمفاوضة الإنجليز محاولاً إقناعهم بعدم جدوى المفاوضة، وأن لا بد من العمل والإعداد العسكري كما يفعل الصهاينة، ولكنه أخفق في سعيه وعاد إلى السعودية.
ترك القاوقجي السعودية بعد سنتين ونصف، والتحق بخدمة الملك فيصل بن الحسين في بغداد أواخر سنة 1932. وعين معلماً للفروسية وأستاذاً للطبوغرافيا في المدرسة الحربية الملكية برتبة نقيب.

ومع تفاقم أحداث فلسطين مع الإضراب الكبير واشتعال نار الثورة فيها، كُلف القاوقجي من قبل زعماء الثورة الفلسطينية تجهيز قوة من المتطوعين لنجدة فلسطين. فبدأ الاتصال بالأردن وسورية ولبنان لاختيار الشبان العرب المجاهدين وتزويدهم بالسلاح وإرسالهم إلى جبهة الثورة في فلسطين، وفي 25/8/1936 وصل القاوقجي على رأس حملة من العراق واتخذ من مثلث نابلس ومنطقة جنين خاصة ساحة لنشاط حملته ووزع بوصفه القائد العام للثورة منشوراً ثورياً يدعو فيه الثوار إلى الالتفاف حوله والانضمام إليه ويقرر ميثاقاً له (الاستمرار في النضال إلى أن تتحرر فلسطين وتستقل وتلتحق بقافلة البلاد العربية المحررة).

خاضت قوات الثورة بقيادة القاوقجي معارك عدة هزمت فيها الإنجليز وألحقت بهم خسائر كبيرة، وعندما أُعلنت الهدنة بين الإنجليز والفلسطينيين وفُك الاضراب بقرار سياسي من اللجنة العربية العليا بعد وساطة ملوك العرب ورؤسائهم، أوعزت القيادة السياسية للقاوقجي بسحب قواته من فلسطين، فانسحب عبر نهر الأردن إلى الأردن، وهناك سرح معظم القوات وعاد مع المفرزة العراقية إلى العراق.

أقام القاوقجي في بغداد مدة، ثم نفته حكومة بكر صدقي في العراق إلى كركوك لتقييد حركته استجابة لطلب الإنجليز، ولاحتجاج السفير التركي على موقف القاوقجي من قضية لواء الاسكندرون. وهناك طفق يتصل من منفاه بعدد من الشخصيات السورية والأردنية والفلسطينية لتجهيز حملة تعيد تفجير الثورة، ولاسيما بعد إعلان مشروع التقسيم الذي أوصت به اللجنة الملكية سنة 1937.

أُفرج عن القازقجي بعد مقتل بكر صدقي فعاد إلى بغداد، ولما نشبت ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق سنة 1941، قاد القاوقجي فريقاً من المتطوعين السوريين والفلسطينيين والعراقيين وتصدى لقوافل الإنجليز العسكرية القادمة من الأردن عند الرطبة وخاض عدداً من المعارك الناجحة، ثم أصيب بجراح خطرة حين سارع إلى صد هجوم إنجليزي على تدمر، فنقل إلى مستشفى دير الزور ثم مستشفى حلب حيث تم تدبير نقله إلى برلين، وقد أُجريت له عدة عمليات جراحية استخرجت فيها 19 رصاصة وشظية من جسده وظلت رصاصة واحدة تسكن رأسه حتى أواخر حياته.

عندما دعا الألمان القاوقجي إلى العمل معهم أصر على أخذ اعتراف رسمي بحقوق العرب واستقلالهم قبل الالتزام بالعمل، وشعر أنهم يحاولون استغلاله واستغلال غيره من الزعماء العرب الموجودين هناك. وقد اتهم القاوقجي الألمان النازيين بتسميم ابنه مجدي (وكانت أسرته قد لحقت به إلى ألمانيا) لأنه، أي الأب، لم يتعاون معهم.
مع تراجع ألمانيا على مختلف الجبهات، أخذت آمال القاوقجي وبقية العرب تخبو، وبدخول السوفييت برلين عام 1946، اعتقل القاوقجي وزوجته ومرافقه ثم أُطلق سراحهم بعد شهر، وظل هناك تحت الرقابة ولكنه استطاع أن يصل إلى باريس عبر القطاع الفرنسي من برلين، ومن باريس طار إلى القاهرة ثم إلى مدينة طرابلس الشام وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

في سنة 1947، تولى فوزي القاوقجي قيادة (جيش الإنقاذ) للدفاع عن فلسطين وذلك بتكليف من جامعة الدول العربية، وفي ظل ظروف شديدة الصعوبة منها عدم التكافؤ بين قوات الشعب الفلسطيني والمتطوعين من جهة والقوات الصهيونية من جهة أخرى من حيث الإعداد والتدريب والتسليح، إضافة إلى تحفظات الهيئة العربية العليا على قيادته، وتشكيل جيش الجهاد المقدس، إلا أنه أبلى بلاء حسناً في كل المعارك التي خاضها ضد الإنجليز والصهاينة، وكانت معركة (المالكية) من أهم المعارك وأشهرها والتي خاضها القاوقجي مع الجيش السوري واللبناني بتاريخ 6 حزيران 1948، وانتصروا فيها، فضمن من خلالها لجبل عامل بأسره البقاء في يد العرب.

أدرك فوزي القاوقجي بعد تلكؤ المسؤولين العرب عن نصرته، وتواطؤ البعض الآخر ونقص العتاد في جيشه، وبعد إبرام الهدنة بين الدول العربية والصهاينة، أن الاستمرار بهذا العمل غير مجد، ويؤدي إلى الكارثة، فقدم استقالته إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام، ثم انسحب إلى جنوب لبنان، وبعد ذلك انسحب عن مسرح الأحداث بمرارة وألم.

شعر القاوقجي بمرارة الهزيمة حين وقعت الدول العربية اتفاقيات الهدنة الدائمة في رودس، فانتقل إلى دمشق ليعيش فيها فيما يشبه العزلة، ثم غادرها إلى بيروت تحت وطأة ظروف مادية ونفسية أليمة حتى وافاه الأجل عام 1977، وقد ترك مذكرات له بعنوان (مذكرات فوزي القاوقجي).

moudar
27-Jun-2011, 03:51 PM
الإمام عبد الحميد بن باديس {1889هـ/1940م}

كانت الجزائر أول أقطار العالم العربي وقوعًا تحت براثن الاحتلال، وقُدّر أن يكون مغتصبها الفرنسي من أقسى المحتلين سلوكًا واتجاهًا، حيث استهدف طمس هوية الجزائر ودمجها باعتبارها جزءًا من فرنسا، ولم يترك وسيلة تمكنه من تحقيق هذا الغرض إلا اتبعها، فتعددت وسائلة، وإن جمعها هدف واحد، هو هدم عقيدة الأمة، وإماتة روح الجهاد فيها، وإفساد أخلاقها، وإقامة فواصل بينها وبين هويتها وثقافتها وتراثها، بمحاربة اللغة العربية وإحلال الفرنسية محلها، لتكون لغة التعليم والثقافة والتعامل بين الناس.
غير أن الأمة لم تستسلم لهذه المخططات، فقاومت بكل ما تملك، ودافعت بما توفر لديها من إمكانات، وكانت معركة الدفاع عن الهوية واللسان العربي أشد قوة وأعظم تحديًا من معارك الحرب والقتال، وقد عبّر ابن باديس، عن إصرار أمته وتحديها لمحاولات فرنسا بقوله: "إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدد معين هو الوطن الجزائري".
المولد والنشأة
ولد "عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس" المعروف بعبد الحميد بن باديس في (11 من ربيع الآخِر 1307 هـ= 5 من ديسمبر 1889م) بمدينة قسطنطينة، ونشأ في أسرة كريمة ذات عراقة وثراء، ومشهورة بالعلم والأدب، فعنيت بتعليم ابنها وتهذيبه، فحفظ القرآن وهو في الثالثة عشرة من عمره، وتعلّم مبادئ العربية والعلوم الإسلامية على يد الشيخ "أحمد أبو حمدان الونيسي" بجامع سيدي محمد النجار، ثم سافر إلى تونس في سنة (1326هـ= 1908م) وانتسب إلى جامع الزيتونة، وتلقى العلوم الإسلامية على جماعة من أكابر علمائه، أمثال العلّامة محمد النخلي القيرواني المتوفى سنة (1342هـ= 1924م)، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي كان له تأثير كبير في التكوين اللغوي لعبد الحميد بن باديس، والشغف بالأدب العربي، والشيخ محمد الخضر الحسين، الذي هاجر إلى مصر وتولى مشيخة الأزهر.
وبعد أربع سنوات قضاها ابن باديس في تحصيل العلم بكل جدّ ونشاط، تخرج في سنة (1330هـ= 1912م) حاملاً شهادة "التطويع" ثم رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وهناك التقى بشيخه "حمدان الونيسي" الذي هاجر إلى المدينة المنورة، متبرّمًا من الاستعمار الفرنسي وسلطته، واشتغل هناك بتدريس الحديث، كما اتصل بعدد من علماء مصر والشام، وتتلمذ على الشيخ حسين أحمد الهندي الذي نصحه بالعودة إلى الجزائر، واستثمار علمه في الإصلاح، إذ لا خير في علم ليس بعده عمل، فعاد إلى الجزائر، وفي طريق العودة مرّ بالشام ومصر واتصل بعلمائهما، واطّلع على الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية لهما.

ابن باديس معلمًا ومربيًا
آمن ابن باديس بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم، وهي الدعوة التي حمل لواءها الشيخ محمد عبده، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة (1321هـ= 1903م)، فعمل ابن باديس على نشر التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى، ومقاومة الزيف والخرافات، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت المستعمر.
وقد بدأ ابن باديس جهوده الإصلاحية بعد عودته من الحج، بإلقاء دروس في تفسير القرآن بالجامع الأخضر بقسطنطينة، فاستمع إليه المئات، وجذبهم حديثة العذب، وفكره الجديد، ودعوته إلى تطهير العقائد من الأوهام والأباطيل التي علقت بها، وظل ابن باديس يلقي دروسه في تفسير القرآن حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عامًا، فاحتفلت الجزائر بختمه في (13 من ربيع الآخر 1357هـ= 12 من يونيو 1938م).
ويُعدّ الجانب التعليمي والتربوي من أبرز مساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار أيضًا، وتطرقت إلى إصلاح التعليم تطوير ومناهجه، وكانت المساجد هي الميادين التي يلقي فيها دروسه، مثل الجامع الأخضر، ومسجد سيدي قموش، والجامع الكبير بقسطنطينة، وكان التعليم في هذه المساجد لا يشمل إلا الكبار، في حين اقتصرت الكتاتيب على تحفيظ القرآن للصغار، فعمد ابن باديس إلى تعليم هؤلاء الصغار بعد خروجهم من كتاتيبهم.
ثم بعد بضع سنوات أسس جماعة من أصحابه مكتبًا للتعليم الابتدائي في مسجد سيد بومعزة، ثم انتقل إلى مبنى الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة (1336هـ= 1917م)، ثم تطوّر المكتب إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية التي أنشئت في (رمضان 1349 هـ= 1931م) وتكونت هذه الجمعية من عشرة أعضاء برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس.
وقد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية والعربية، والصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين وبناتهم، ويجدر بالذكر أن قانون الجمعية نصّ على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين يتعلم البنات كلهن مجانًا.
وكوّن ابن باديس لجنة للطلبة من أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية، للعناية بالطلبة ومراقبة سيرهم، والإشراف على الصندوق المالي المخصص لإعانتهم، ودعا المسلمين الجزائريين إلى تأسيس مثل هذه الجمعية، أو تأسيس فروع لها في أنحاء الجزائر، لأنه لا بقاء لهم إلا بالإسلام، ولا بقاء للإسلام إلا بالتربية والتعليم.
وحثّ ابن باديس الجزائريين على تعليم المرأة، وإنقاذها مما هي فيه من الجهل، وتكوينها على أساسٍ من العفة وحسن التدبير، والشفقة على الأولاد، وحمّل مسئولية جهل المرأة الجزائرية أولياءها، والعلماء الذين يجب عليهم أن يعلّموا الأمة، رجالها ونساءها، وقرر أنهم آثمون إثمًا كبيرًا إذا فرطوا في هذا الواجب.
وشارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة بتونس، وبعث بمقترحاته إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكّلها حاكم تونس سنة (1350 هـ=1931م)، وتضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية والتعليم، فشمل المواد التي يجب أن يدرسها الملتحق بالجامع، من اللغة والأدب، والعقيدة، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والأخلاق، والتاريخ، والجغرافيا، ومبادئ الطبيعة والفلك، والهندسة، وجعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة، وتستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، وقسم التخصص ومدته سنتان، ويضم ثلاثة أفرع: فرع للقضاء والفتوى، وفرع للخطاب والوعظ، وفرع لتخريج الأساتذة.

إبن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين
احتفلت فرنسا بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر في سنة (1349هـ= 1930م) فشحذ هذا الاحتفال البغيض همّة علماء المسلمين في الجزائر وحماسهم وغيرتهم على دينهم ووطنهم، فتنادوا إلى إنشاء جمعية تناهض أهداف المستعمر الفرنسي، وجعلوا لها شعارًا يعبر عن اتجاههم ومقاصدهم هو: "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا"، وانتخبوا ابن باديس رئيسًا لها.
وقد نجحت الجمعية في توحيد الصفوف لمحاربة المستعمر الفرنسي وحشد الأمة الجزائرية ضدها، وبعث الروح الإسلامية في النفوس، ونشر العلم بين الناس، وكان إنشاء المدارس في المساجد هو أهم وسائلها في تحقيق أهدافها، بالإضافة إلى الوعّاظ الذين كانوا يجوبون المدن والقرى، لتعبئة الناس ضد المستعمر، ونشر الوعي بينهم.
وانتبهت فرنسا إلى خطر هذه التعبئة، وخشيت من انتشار الوعي الإسلامي؛ فعطّلت المدارس، وزجّت بالمدرسين في السجون، وأصدر المسئول الفرنسي عن الأمن في الجزائر، في عام (1352هـ= 1933م) تعليمات مشددة بمراقبة العلماء مراقبة دقيقة، وحرّم على غير المصرح لهم من قبل الإدارة الفرنسية باعتلاء منابر المساجد، ولكي يشرف على تنفيذ هذه الأوامر، عيّن نفسه رئيسًا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
ولكي ندرك أهمية ما قام به ابن باديس ورفاقه من العلماء الغيورين، يجب أن نعلم أن فرنسا منذ أن وطأت قدماها الجزائر سنة (1246 هـ= 1830م) عملت على القضاء على منابع الثقافة الإسلامية بها، فأغلقت نحوا من ألف مدرسة ابتدائية وثانوية وعالية، كانت تضم مائة وخمسين ألف طالب أو يزيدون، ووضعت قيودًا مهنية على فتح المدارس، التي قصرتها على حفظ القرآن لا غير، مع عدم التعرض لتفسير آيات القرآن، وبخاصة الآيات التي تدعو إلى التحرر، وتنادي بمقاومة الظلم والاستبداد، وعدم دراسة تاريخ الجزائر، والتاريخ العربي الإسلامي، والأدب العربي، وتحريم دراسة المواد العلمية والرياضية.

إسهامات ابن باديس السياسية
لم يكن ابن باديس مصلحًا فحسب، بل كان مجاهدًا سياسيًا، مجاهرًا بعدم شرعية الاحتلال الفرنسي، وأنه حكم استبدادي غير إنساني، يتناقض مع ما تزعمه من أن الجزائر فرنسية، وأحيا فكرة الوطن الجزائري بعد أن ظنّ كثيرون أن فرنسا نجحت في جعل الجزائر مقاطعة فرنسية، ودخل في معركة مع الحاكم الفرنسي سنة (1352هـ= 1933م) واتهمه بالتدخل في الشئون الدينية للجزائر على نحو مخالف للدين والقانون الفرنسي، وأفشل فكرة اندماج الجزائر في فرنسا التي خُدع بها كثير من الجزائريين سنة (1353 هـ= 1936م).
ودعا نواب الأمة الجزائريين إلى قطع حبال الأمل في الاتفاق مع الاستعمار، وضرورة الثقة بالنفس، وخاطبهم بقوله: "حرام على عزتنا القومية وشرفنا الإسلامي أن نبقى نترامى على أبواب أمة ترى –أو ترى أكثريتها- ذلك كثيرا علينا…! ويسمعنا كثير منها في شخصيتنا الإسلامية ما يمس كرامتنا"، وأعلن رفضه مساعدة فرنسا في الحرب العالمية الثانية.
وكانت الصحف التي يصدرها أو يشارك في الكتابة بها من أهم وسائله في نشر أفكاره الإصلاحية، فأصدر جريدة "المنتقد" سنة (1345 هـ= 1926م) وتولى رئاستها بنفسه، لكن المحتل عطّلها؛ فأصدر جريدة "الشهاب" واستمرت في الصدور حتى سنة (1358هـ= 1939م) واشترك في تحرير الصحف التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مثل "السنة" و"الصراط" و"البصائر".
وظل هذا المصلح -رغم مشاركته في السياسة- يواصل رسالته الأولى التي لم تشغله عنها صوارف الحياة، أو مكائد خصومه من بعض الصوفية أذيال المستعمر، أو مؤامرات فرنسا وحربها لرسالته، وبقي تعليم الأمة هو غايته الحقيقية، وإحياء الروح الإسلامية هو هدفه السامق، وبث الأخلاق الإسلامية هو شغله الشاغل، وقد أتت دعوته ثمارها، فتحررت الجزائر من براثن الاحتلال الفرنسي، وإن ظلت تعاني من آثاره.
وقد جمع "عمار الطالبي" آثار ابن باديس، ونشرها في أربعة مجلدات، ونشرها في الجزائر سنة (1388هـ= 1968م).
وتوفي ابن باديس في (8 من ربيع الأول 1359 هـ= 16 من إبريل 1940م).

بت الشيخ
27-Jun-2011, 04:16 PM
لـك التـحايـا اخـي الكريـم ع المعلـومـات الدسـمة لانـاس لهم كبيـر اثر في نفـوسنـا.

moudar
28-Jun-2011, 12:58 PM
محمد أنور السادات
ولد محمد أنور السادات في 25 ديسمبر 1918 بقرية ميت ابو الكوم بالمنوفية وبدات دراستة بكتاب القرية و حفظ القران الكريم كلة وهو مايزال صبي .


التحق بالمدرسة الحربية بواسطة من إبراهيم باشا والذي كان والدة يعرف صول من الذين يعملوا في خدمتة فرتب هذا الصول لقاء بين الوالد و الباشا و معهم الطالب محمد أنور السادات جاء الباشا بكل عنجهية وغطرسة وتحدثة مع والدة بكل كبرياء وهو يسير نحو الباب والاب يسير وراءة مثل الخدم ولهذا كان هذا الموقف علي وجة التحديد من المواقف التي لم تبرح وجدانة ابدا وقال في كتابة البحث عن الذات فيما بعد ان هذا الموقف لن ينساة ابدا وقبل السادات فى المدرسة الحربية .
تخرج في فبراير 1938 وعيّن في منطقة المكس ثم ينتقل الي منقباد وهناك يكون لقاء القمة لاول مرة بين كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات .

يتكون في الجيش بعد ذلك تنظيم اطلق علية تنظيم الضباط الاحرار يهدفوا الي التفكير و العمل علي اصلاح الفساد المتنامي في الجيش و الحكومة و القصر الملكي و الاحزاب السياسية .
كان السادات من البارزين في هذا التنظيم ولهذا عرف الإنجليز كرهة الشديد لهم و علموا بنشاطة المستمر ضدهم فاوعزوا الي قيادة الجيش محاكمته عسكريا وفصلة من الجيش و اعتقاله في المنيا ، وعندما أقيلت وزارة النحاس باشا لم يستطيع احمد ماهر باشا الإفراج عن السادات مثلما تم الافراج عن باقي المعتقلين هذا يرجع الي انة كان معتقل بأمر من الإنجليز لكنة بذكائه الخارق الذي يشهد بة الجميع وضع خطة للهروب و نفذ هذه الخطة بنجاح في نوفمبر 1944، وبعد ذلك عندما رفعت الأحكام العرفية عن مصر اصبح من حقه الظهور علانية . ثم بعد ذلك جاء اسم السادات مرة اخري عام 1946 بين اسماء المتهمين بقتل امين عثمان الذي كان من مؤيدي الاحتلال البريطاني فوجة الاتهام الي السادات و الذي كان ترتيبة السابع في القائمة الخاصة بالمتهمين في قضية الاغتيال ، ولكن كان الله معة فحكم علية بالبراءة في 24 يوليو 1948وبعد الافراج عنة بدء في كتابة مذكراتة .

وعندما جاءت ثورة يوليو كان السادات من أول الصفوف و كان اول خطاب يصدر عن هذا التنظيم كان بصوتة. وفي الساعة السابعة و النصف من صباح يوم 23 يوليو 1952 كان البكباشي محمد أنور السادات قد احتل دار الاذاعة المصرية بالقاهرة وتحدث منها للعالم كلة .

تولي السادات منذ بداية الثورة عدة مهام منها عضوية محكمة الثورة ، رئاسة البرلمان ، ثم عين بعد ذلك نائب لرئيس الجمهورية الزعيم الراحل جمال عبد الناصر و بعد وفاة عبد الناصر عين السادات رئيس للجمهورية و بدء العمل الفعلي في 17 اكتوبر 1970 . وبدء السادات علي الفور في في مواجهة مراكز القوي التي كانت سببا في تدهور الأوضاع في مصر .
وفي عهدة اصبح كل المواطنين آمنين علي انفسهم وأموالهم وأولادهم بل وايضا شجع علي الاستثمار و الحرية الشخصية و حرية الصحافة و الديمقراطية . في 21 اكتوبر 1972 عقد الرئيس السادات اجتماع مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمدة اربع ساعات متواصلة لكي يفسر لهم قرار الحرب الذي اتخذة بلا رجعة وبالإمكانيات المتاحة للبلاد و الظروف الدولية السائدة وقتها بعد انتهاء الحرب الباردة .

جرت ترتيبات بين كل من الرئيس السادات والرئيس الأسد للتنسيق بين الجبهتين المصرية والسورية . وكان انتصار اكتوبر الذي لم يصدقة العالم كلة والذي جاء بذكاء ومكر السادات .
وفي غمرة الفرحة بالنصر العظيم، نادي أنور السادات بالسلام ودعا العالم كلة الي انتشار السلام في العالم كلة والشرق الاوسط بالتحديد ، وقام السادات بخطوة اذهلت العالم كلة حين ذهب بنفسة الي اسرائيل في زيارة من اجل السلام، وفي عام 1978 تم توقيع معاهدة السلام بين مصر واسرائيل بالولايات المتحدة، حصل السادات علي جائزة نوبيل للسلام فتبرع بقيمة الجائزة لاعمار مسقط راسة بقرية ميت أبو الكوم كما أنة تبرع بقيمة ما حصل علية من كتاب البحث عن الذات لبناء مساكن جديدة .
لكن رجل السلام لم يسلم من العدوان علية فكان اغتيالة يوم الاحتفال بنصر أكتوبر أثناء العرض العسكري ، فكانت رصاصة في الصدر و أخرى في القدم فى يوم 6 اكتوبر عام 1981 .

أنور الطفل
كان أبوه محمد الساداتي أحد القلائل الذين تعلموا بقرية ميت أبو الكوم محافظة المنوفية (شمال مصر) عمل بوحدة من الجيش الإنجليزي، وتزوج ثلاث زيجات، وأنجب 13 ولدا وبنتا، أوسط الزوجات "ست البرين" التي أنجبت "محمد أنور". وكانت "ست البرين" تأتي للقرية لتضع حملها ثم تعود لزوجها في السودان حيث يعمل.. فنشأ "أنور" في رعاية جدته حتى عام 1924 إلى أن التأمت الأسرة الكبيرة في القاهرة.
حصل السادات على الثانوية عام 1936 وهو عام توقيع المعاهدة الشهيرة مع الإنجليز التي أسهمت في قبول أبناء البسطاء بالكلية الحربية.. حصل أنور على بطاقة توصية من "د.فيتز باتريك" كبير أطباء الجيش البريطاني، بعد تسعة أشهر، ونظرا لحالة الجيش الماسة للضباط تخرج الملازم ثان "محمد أنور السادات".. بعد أن حذف الحرف الأخير من لقبه، وبعد تخرجه عُين في معسكر "منقباد" حيث التقى لأول مرة بعبد الناصر، ثم نقل إلى سلاح الإشارة بالمعادي، وهنا رأى أبوه ضرورة تزويجه؛ فزوجه من ابنة عمدة بلدتهم "إقبال ماضي" التي أنجبت له ثلاث بنات: "راقية - راوية - كاميليا".

عمل وطني أم عمالة أجنبية؟
بينما الألمان يتقدمون في الصحراء الغربية بقيادة المارشال "روميل" كان هناك فصيل من العسكريين المصريين يرون انتصار الألمان على الإنجليز وشيكا، ولهذا فتحت قنوات اتصال مع الألمان، وفوجئ أنور السادات بالضابط "حسن عزت" يعرض عليه الانضمام لمجموعة سرية تضم بعض ضباط الطيران على علاقة بالألمان، لغاية وطنية مبررها: "عدو عدوي صديقي".. وافق السادات وكلف بتسهيل مهمة اثنين من الجواسيس الألمان وهما "هانز أبلر"، "ساندى"، لكن بائعة هوى يهودية كانت على علاقة بـ "أبلر" أبلغت عنه السلطات وسرعان ما تكشفت علاقة السادات بهم، فحوكم في أكتوبر 1942 وطرد من الجيش وسجن، إلى أن تمكن من الهرب والاختفاء، وعمل أثناء هربه في عدة مهن مختلفة، منها حمَّال وسائق، وكان يتخذ لنفسه في كل بلدة ينزلها صفة وشكلا مختلفًا، وربما ساعده على النجاح هوايته القديمة للتمثيل، فقد بلغ به الأمر أن أرسل للفنانة "عزيزة أمير" رسالة يقول فيها: "قوامي نحيل، وجسمي ممشوق وتقاطيعي متناسقة.. إنني لست أبيض اللون ولكني أيضا لست أسود، إن وجهي أسمر ولكنها سمرة مشربة بحمرة…" (مجلة الفصول 1 مايو 1935)، وظل معروفا في مجالسه الخاصة بهذه الطرفة، وكثيرا ما كان يطلب منه أصدقاؤه أن يقلد لهم صوت قادة الجيش، ومشاهير الممثلين.

السادات ممثلا وصحفيا وأديبا
ظل اسم أنور السادات بعيدا عن الأضواء حتى عاد للظهور مرة أخرى عام 1946 عندما اتهم في قضية اغتيال "أمين عثمان" وزير المالية في حكومة الوفد، فقفز اسمه إلى الصحف، وعلى إثرها قبض عليه ليقضي في سجن القلعة سنتين ونصف سنة، منها عام ونصف وحيدا في الزنزانة "54"، ثم حكم ببرائته 1948، وأثناء فترة حبسه هذه بدأ يمارس الكتابة الأدبية، خاصة الساخرة منها.
وقد عرف بخفة ظله وافتخر بها، حيث ذكر في كتابه "30 شهرا في السجن" أنه أصدر مع بعض رفاق السجن صحيفة "الهنكرة والمنكرة"، بل وقام مع بعض المساجين بعمل إذاعة داخل السجن، وقدم بنفسه فقرتين، وكان يكتب في لوحة إعلانات السجن برنامج اليوم، ومنه:
الساعة 6.00 حديث للأطفال للمربي الفاضل بابا أنور
الساعة 11.00 أغنية حديثة "للمجعراتي المتسول" أنور السادات
ومن أغانيه التي أوردها في كتابه ص 57:
"أنا جيت لكم والله يا ولاد *** أنا أحبكم قوي قوي يا أولاد
أنا جيـت لكـم أنا جيت *** والاتهامـات آخـر لخابيط"

لم يجد السادات حرجا أن يكتب هذا الكلام في مذكراته وكتبه، ومنها: " قصة الثورة كاملة"، و"صفحات مجهولة من الثورة"، و"يا ولدي هذا عمك جمال"، و"البحث عن الذات"... إلخ
وبعد خروجه من السجن بفترة عمل صحفيا محترفا في صحف دار الهلال والمصور ونشر مذكراته في السجن بها، كما نشر بعض القصص القصيرة، واستمر يعمل بتلك الدار بينما يحاول باستماتة شديدة العودة للجيش ثانية.
استعان بصديقه "يوسف رشاد" طبيب الملك الخاص، فأشار عليه - طبقا لرواية محمد حسنين هيكل في خريف الغضب - أن يلقي بنفسه على يد الملك ليقبلها أثناء صلاة الجمعة في مسجد الحسين، وفعل السادات وطلب الصفح فأجاب الملك بهزة من رأسه، وفي اليوم التالي كان السادات في مكتب محمد حيدر باشا "وزير الحربية" الذي وبخه ثم أصدر قراره بإعادته إلى الجيش، وهنا بدأت الحياة تستقيم للسادات ثانيا.
يا جيهان.. أنت ملكة مصر!!

وفي أواخر 1948 وبينما السادات مع "حسن عزت" الذي عمل معه لفترة في شركة مقاولات، رأى السادات فتاة في السادسة عشرة من عمرها جميلة ومليئة بالحيوية هي "جيهان صفوت رؤوف"، وهي ابنة لموظف بوزارة الصحة لأم مالطية -أو إنجليزية- اسمها "جلاديس"، وكانت الفتاة الصغيرة قد رأت صورة "أنور" من قبل في الصحف، فراعها أن تراه وجها لوجه، فوقعت في حبه منذ اللحظة الأولى كما وقع هو.. وتقدم بالفعل لخطبتها.. لكنها رفضت لأنه متزوج وله أبناء، وأبدى أنور استعداده لتطليق زوجته الأولى وتم الزواج بالفعل.
تسلم عمله في رفح في الفرقة الأولى مشاة، وانتقلت معه زوجته الصغيرة التي كانت دائمة الترديد لنبوءة عاشتها، فقد حكت في كتابها "سيدة من مصر" أنها ذات يوم كانت تتناول العشاء مع زوجها في مطعم على شاطئ النيل بالجيزة اشتهر باسم "كازينو الحمام"، وبينما هما جالسان جاءت قارئة كف عجوز وعرضت أن تقرأ كف كل منهما.. وأخذت يد جيهان لتقول لها: "ستكونين ملكة مصر"، فانخرطا في موجة من الضحك، فكيف يكون هذا ومصر تحت حكم أسرة محمد علي؟

السادات وعبد الناصر.. والضباط الأحرار
في عام 1951 أعلن جمال عبد الناصر رغبته في ضم أنور السادات لتنظيم الضباط الأحرار، لكن طلبه قوبل بموجة عارمة من الرفض؛ فكل أعضاء اللجنة التأسيسية للتنظيم كانوا يرون للسادات علاقات بالقصر وبالحرس الحديدي، ولكن عبد الناصر أكد أنه بتواجده ضمن الحرس الحديدي يمكنه أن يفيد الحركة، كما أن السادات كضابط إشارة سيقوم بدور مهم في السيطرة على اتصالات الجيش عند قيام الحركة التي كان يعد لها وقتئذ.
وبهذا أصبح السادات عضوا في تنظيم الضباط الأحرار قبل قيام الثورة بعام واحد، وهو ما أجمعت عليه مختلف الكتابات والشهادات لأعضاء هذا التنظيم.. لكن الرواية الوحيدة التي خالفت كل ذلك هي رواية السادات نفسه.
وعلى الرغم من ذلك فقد كان عبد الناصر يثق فيه جدا حتى أخبره بموعد القيام بالحركة، على غير رغبة الأعضاء، فما كان من "السادات" إلا أن قضى ليلته في السينما مع زوجته ولم يرجع إلى بيته إلا بعد الواحدة ليلا ليجد خطابا من عبد الناصر يستفسر فيه عن تغيبه.. فأسرع نحو قيادة الجيش بالعباسية، حيث كان كل شيء قد تم وسيطر الضباط الأحرار على مقاليد الأمور.
السادات رجل الظل
في السابعة والنصف من صباح يوم 23 يوليو 1952 كان البكباشي محمد أنور السادات يلقي الخطاب الأول للثورة عقب احتلال مبنى الإذاعة المصرية. ورغم ذلك فإنه عقب استقرار الأمر في أيدي الضباط آثر "السادات" أن يبقى في الظل، وهذا ما يفسره مناصروه بأنه عزوف عن المناصب، وعدم الرغبة في المشاركة في الثورة لرفضه سلبياتها، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، ويراه معارضوه استعدادا للانقضاض ولعبا من تحت المائدة، أو ضعفا في الشخصية؛ فلم تزد المناصب التي تقلدها عن الإشراف على إصدار جريدة "الجمهورية" لسان حال الثورة، ثم بعد إنشاء المؤتمر الإسلامي صار "السادات" أمينه العام، ثم جاءت الوحدة بين مصر وسوريا 1958 فأصبح السادات رئيسا لمجلس الأمة المشترك حتى تم الانفصال عام 1961.

السادات يلقي كلمته داخل الكنيست في القدس المحتلة
وتحققت نبوءة العرافة العجوز
ربما للشخصية القوية التي تميز بها عبد الناصر لم يعد حوله كثيرون من أعضاء مجلس قيادة الثورة، خاصة بعد انتحار صديقه الوفي "عامر" عقب هزيمة يوليو؛ فالجميع إما آثر العزلة خوفا من معارضة الزعيم، وإما همِّش وأبعد.. وأصبح بيت السادات في الجيزة هو المكان الذي يقضي فيه عبد الناصر بضع ساعات مع صديق لا يضغط على أعصابه، كما أنه يعرف كيف يروضه.
وحسب كلام السادات نفسه في "البحث عن الذات" ص 290 يقول: "كانت السياسة عند عبد الناصر تخضع لانفعالاته، وقد أدرك هذا أولئك الذين يحيطون به، ولذلك كانوا يستطيعون تطويعه كما يريدون إذا أحضروا إليه في الوقت المناسب المعلومات المناسبة…".
قام عبد الناصر بتعيين السادات نائبا لرئيس الجمهورية في ديسمبر 1969 وسط دهشة الجميع، وبعد مضي تسعة أشهر، وفي 28 سبتمبر 1970 رحل جمال عبد الناصر، وأصبح الطريق الآن خاليا أمام السادات ليحكم مصر وتتحقق نبوءة العرافة العجوز.
وأعلن السادات رسميا كرئيس لمصر في 15 أكتوبر 1970م، وكانت أمامه عقبة كبيرة تجعله متململا فوق كرسي الحكم.. وتتمثل في رجال عبد الناصر القدامى الذين تشبعوا بفكره وبخطه السياسي، ولم يقتنعوا بتولي السادات مقاليد الأمور.. فقام في مايو 1971 بتصفية أنصار عبد الناصر من الحرس القديم في إطار ما عرف بـ "ثورة التصحيح".

التوقيع على معاهدة كامب دايفيد في حديقة البيت الأبيض
السياسي الداهية ينتصر على العدو
إن كارهي السادات يقولون: إن حرب أكتوبر هي نتاج خالص لتخطيط عبد الناصر قبل موته، وإن السادات ما فعل إلا أن قطف الثمرة، لكن الحقيقة التاريخية تجعل هذا الكلام مجرد ادعاء؛ فدور السادات وتخطيطه المحكم ورغبته الأكيدة في تحقيق النصر وإصلاح الجيش الذي تحول فيما قبل لمرتع للفساد الأخلاقي والعسكري… كل ذلك بلا شك من ثمار سياسة السادات التي فرغت الجيش لدوره الأساسي في الدفاع عن الوطن، والبعد عن السياسة الداخلية، إلا أن هذا هو الحال دوما بين معارضي السادات ومؤيديه. ولا شك أن ذكاء الرجل السياسي هو الذي أدى إلى اعتراف الإسرائيليين كيف خدعهم السادات.
وبالمثل في قضية الحرية، فإن السادات بلا شك قد فتح للحريات بابا - مهما اختلفنا في مساحته - فسمح بالتعددية وتحدث الناس فيما كانوا يخشون التفكير فيه من قبل.

من قتل السادات؟
ربما يكون خالد الإسلامبولى وعبود الزمر هما اللذان اقتحما ساحة العرض وأطلقا الرصاص، لكن هل هما اللذان قتلا هذا الرجل الملغز حقا؟

خالد الإسلامبولى
Ø هل قتل هو نفسه عندما اختزل كل شيء في شخصه، وأصبح يقول: "جيشي وشعبي"؟
Ø هل أصابه الانتصار العظيم في أكتوبر لدرجة أن يصبح كل معارض له "خائن لا بد من فرمه" – على حد قوله؟
Ø هل قتل السادات نفسه عندما أبرم اتفاقية السلام مع العدو الصهيوني؛ متناسيا طبيعة مصر ودورها وسط العالم العربي والإسلامي؟
Ø هل قتل السادات نفسه عندما لم يحتمل المعارضة وزجّ بها في اعتقالات سبتمبر 1981؟
Ø هل قتل نفسه عندما ترك الزمام للفساد الاقتصادي ينخر في جذور مصر؟
Ø هل قتل نفسه حين صدق الدعاية الصهيونية الكاذبة؟
Ø هل قتل نفسه حين خانته ثقته بذاته؟
ورغم كل هذه التساؤلات وعلامات الاستفهام الكبرى ستظل الحقيقة الوحيدة الباقية أن محمد أنور السادات من أكثر الشخصيات مدعاة للإعجاب وللدهشة وللحيرة وللتساؤل أيضا.. كما أن ذكاءه الخارق كان وسيظل محل تقدير للجميع.
لكن الرقم 6 لا بد أنه كان رقم أنور السادات ، لا بد أنه كان أهم رقم في حياته... وتاريخه.. ومشواره السياسي ....
ففي 6 شباط 1938 تخرج من الكلية الحربيّة
وفي 6 كانون الثاني 1946 إشترك في إغتيال أمين عثمان
وفي 6 كانون الثاني 1950 عاد إلى الخدمة في الجيش بعد أن طرد منه على أثر مصرع أمين عثمان
وفي 6 تشرين الأول 1973 قاد حرب أكتوبر، وعبرت القوات المسلحة قناة السويس، وحطمت أسطورة {خط بارليف}
وفي 6 تشرين الأول 1981 أغتيل بطريقة درامية جريئة
وفي 6 آذار 1982 صدرت الأحكام قي قضية إغتياله
ففي 6 أكتوبر دخل التاريخ منتصراً ، وفي 6 أكتوبر خرج من الدنيا مقتولاً.

moudar
29-Jun-2011, 05:12 PM
محمود درويش

"لم يكن محمود درويش يعبث لحظة واحدة بأدوات رسالته لفرط حساسية هذه الأدوات. فأداة الشاعر الفلسطيني واحدة بطبيعته الاستثنائية، هذه الأداة هي الوطن المفقود الذي يصبح في الغياب فردوسا مفقودا"، هكذا صدر الحكم - قدريا - على محمود درويش الشاعر أن يولد فلسطينيا ليصبح لسانا لهذه الأرض التي أُفقدت عن عمد الكثير من ألسنتها.
والمتتبع لحياة محمود درويش يجدها قد مثّلت - بصورة نموذجية - أبعاد قضية شعبه على مدار ستين عاما هي مدتها، وعبر توصيفات صدقت في كل وقت على كل أفراد هذا الشعب.
مع الميلاد: عندما كنت صغيرا.. كانت الوردة داري.. والعصافير إزاري
في عام 1942 وُلد محمود درويش في قرية "البروة" بالقرب من عكا، وهي القرية التي لا يذكر منها الكثير، حيث بترت ذكرياته فجأة وهو في السادسة من عمره.
في إحدى الليالي حالكة السواد استيقظ فجأة على أصوات انفجارات بعيدة تقترب، وعلى هرج في المنزل، وخروج فجائي، وعدوٍ استمر لأكثر من ست وثلاثين ساعة تخلله اختباء في المزارع من أولئك الذين يقتلون ويحرقون ويدمرون كل ما يجدونه أمامهم "عصابات الهاجاناة".
ويستيقظ الطفل محمود درويش ليجد نفسه في مكان جديد اسمه "لبنان"، وهنا يبدأ وعيه بالقضية يتشكل من وعيه ببعض الكلمات، مثل: فلسطين، وكالات الغوث، الصليب الأحمر، المخيم، واللاجئين… وهي الكلمات التي شكّلت مع ذلك إحساسه بهذه الأرض، حين كان لاجئا فلسطينيا، وسُرقت منه طفولته وأرضه.

وفي عامه السابع عشر تسلل إلى فلسطين عبر الحدود اللبنانية، وعن هذه التجربة يقول:
"قيل لي في مساء ذات يوم.. الليلة نعود إلى فلسطين، وفي الليل وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة كنا نسير أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل، في الصباح وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل: أنا الآن في فلسطين الموعودة؟! ولكن أين هي؟ فلم أعد إلى بيتي، فقد أدركت بصعوبة بالغة أن القرية هدمت وحرقت".
هكذا عاد الشاب محمود درويش إلى قريته فوجدها قد صارت أرضا خلاء، فصار يحمل اسما جديدا هو: "لاجئ فلسطيني في فلسطين"، وهو الاسم الذي جعله مطاردًا دائما من الشرطة الإسرائيلية، فهو لا يحمل بطاقة هوية إسرائيلية؛ لأنه "متسلل".. وبالكاد وتنسيقًا مع وكالات الغوث بدأ الشاب اليافع في العمل السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، محاولا خلق مناخ معادٍ للممارسات الإرهابية الصهيونية، وكان من نتيجة ذلك أن صار محررا ومترجما في الصحيفة التي يصدرها الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، وهو الحزب الذي رفع في تلك الفترة المبكرة من الستينيات شعارا يقول: "مع الشعوب العربية.. ضد الاستعمار"، وهي الفترة ذاتها التي بدأ يقول فيها الشعر، واشتُهر داخل المجتمع العربي في فلسطين بوصفه شاعرا للمقاومة لدرجة أنه كان قادرا بقصيدته على إرباك حمَلة السلاح الصهاينة، فحينئذ كانت الشرطة الإسرائيلية تحاصر أي قرية تقيم أمسية شعرية لمحمود درويش.
وبعد سلسلة من المحاصرات، اضطر الحاكم العسكري إلى تحديد إقامته في الحي الذي يعيش فيه، فصار محظورا عليه مغادرة هذا الحي منذ غروب الشمس إلى شروقها في اليوم التالي، ظانا أنه سيكتم صوت الشاعر عبر منعه من إقامة أمسياته.
إلى المنفى: وطني على كتفي.. بقايا الأرض في جسد العروبة
وهنا بدأ محمود درويش الشاعر الشاب مرحلة جديدة في حياته بعد أن سُجن في معتقلات الصهيونية ثلاث مرات: 1961 – 1965 – 1967.
ففي مطلع السبعينيات وصل محمود درويش إلى بيروت مسبوقا بشهرته كشاعر، وعبر أعوام طويلة من التنقل كان شعره صوتا قويا يخترق أصوات انفجارات الحرب الأهلية في لبنان.
وفي عام 1977 وصلت شهرته إلى أوجها، حيث وُزع من كتبه أكثر من مليون نسخة في الوقت الذي امتلكت فيه قصائده مساحة قوية من التأثير على كل الأوساط، حتى إن إحدى قصائده (عابرون في كلام عابر) قد أثارت نقاشا حادا داخل الكنيست الإسرائيلي.
هذا التأثير الكبير أهَّله بجدارة لأن يكون عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على الرغم من عدم انتمائه لأية جماعة أو حزب سياسي منذ مطلع السبعينيات، وقد تطورت علاقته بمنظمة التحرير حتى اختاره "عرفات" مستشارا له فيما بعد ولفترة طويلة، وقد كان وجوده عاملا مهما في توحيد صفوف المقاومة حينما كان يشتد الاختلاف، وما أكثر ما كان يشتد!.
يذكر "زياد عبد الفتاح" أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واقعة تؤكد هذا المعنى فيقول: "قرأ محمود درويش على المجلس الوطني الفلسطيني بكامل أعضائه ومراقبيه ومرافقيه وضيوفه وحرسه قصيدة:((مديح الظل العالي)) فأثملهم وشغلهم عن النطاح السياسي الذي شب بينهم في تلك الجلسة.
وهذا ما جعل ياسر عرفات يحاول إقناع محمود درويش بُعيد إعلان قيام الدولة الفلسطينية في المنفى بتولي وزارة الثقافة الفلسطينية، ولكن الرد كان بالرفض، معللا هذا الرفض بأن أمله الوحيد هو العودة إلى الوطن ثم التفرغ لكتابة الشعر.
وقد عاش محمود درويش كثيرا من مآسي هذه المقاومة، وشاهد بنفسه كثيرين من أصدقائه ورفقاء كفاحه وهم يسقطون بأيدي القتلة الصهاينة، وكانت أكثر حوادث السقوط تأثيرا في نفسه حادث اغتيال "ماجد أبو شرار" في روما عام 1981، حين كانا يشاركان في مؤتمر عالمي لدعم الكتاب والصحفيين الفلسطينيين نظَّمه اتحاد الصحفيين العرب بالتعاون مع إحدى الجهات الثقافية الإيطالية.. وضع الموساد المتفجرات تحت سرير ماجد أبو شرار.. وبعد موته كتب محمود درويش في إحدى قصائده: "أصدقائي.. لا تموتوا".
كان محمود درويش مقيما في بيروت منذ مطلع السبعينيات، وعلى الرغم من تجواله المستمر إلا أنه قد اعتبرها محطة ارتكازه، كما كانت حياته في بيروت زاخرة بالنشاط الأدبي والثقافي، فقد أصدر منها في أواخر السبعينيات مجلة الكرمل التي رأس تحريرها والتي اعتبرت صوت اتحاد الكتاب الفلسطينيين.


تحت القصف: (بيروت.. لا)
أثناء قصف بيروت الوحشي، كان محمود درويش يعيش حياته الطبيعية، يخرج ويتنقل بين الناس تحت القصف، لم يكن يقاتل بنفسه، فهو لم يعرف يوما كيف يطلق رصاصة، لكن وجوده - وهو الشاعر المعروف - بين المقاتلين كان يرفع من معنوياتهم، وقد أثر قصف بيروت في درويش تأثيرا كبيرا على مستويات عديدة.
فعلى المستوى النفسي كانت المرة الأولى التي يحس فيها بالحنق الشديد، على الرغم من إحباطاته السابقة، وعلى المستوى الشعري أسهم هذا القصف في تخليه عن بعض غموض شعره لينزل إلى مستوى أي قارئ، فأنتج قصيدته الطويلة الرائعة "مديح الظل العالي"، معتبرا إياها قصيدة تسجيلية ترسم الواقع الأليم، وتدين العالم العربي، بل الإنسانية كلها.
وأسفر القصف عن خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، بينما فضّل محمود درويش البقاء في بيروت، معولا على عدم أهميته بالنسبة للصهاينة، لكنه وبعد عشرين يوما من بقائه علم أنه مطلوب للتصفية، فاستطاع أن يتسلل هاربا من بيروت إلى باريس ليعود مرة أخرى إلى حقيبته وطنا متنقلا ومنفى إجباريا. وبين القاهرة وتونس وباريس عاش محمود درويش حبيس العالم المفتوح معزولا عن جنته الموعودة.. فلسطين.
لقد كان الأمل في العودة هو ما يدفعه دائما للمقاومة، والنضال والدفع إلى النضال.
كان محمود درويش دائما يحلُم بالعودة إلى أرضه يشرب منها تاريخها، وينشر رحيق شعره على العالم بعد أن تختفي رائحة البارود، لكنه حلم لم يتحقق حتى الآن!.
اتفاقات التسوية "لماذا تطيل التفاوض يا ملك الاحتضار"؟
في عام 1993 وأثناء تواجده في تونس مع المجلس الوطني الفلسطيني، أُتيح لمحمود درويش أن يقرأ اتفاق أوسلو، واختلف مع ياسر عرفات لأول مرة حول هذا الاتفاق، فكان رفضه مدويا، وعندما تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى قدم استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني، وشرح بعد ذلك أسباب استقالته قائلا: "إن هذا الاتفاق ليس عادلا؛ لأنه لا يوفر الحد الأدنى من إحساس الفلسطيني بامتلاك هويته الفلسطينية، ولا جغرافية هذه الهوية إنما يجعل الشعب الفلسطيني مطروحا أمام مرحلة تجريب انتقالي.. وقد أسفر الواقع والتجريب بعد ثلاث سنوات عن شيء أكثر مأساوية وأكثر سخرية، وهو أن نص أوسلو أفضل من الواقع الذي أنتجه هذا النص".

وعاد درويش في يونيو 1994 إلى فلسطين، واختار الإقامة في رام الله، وعانى مذلة الوجود في أرض تنتمي له، ويحكمها -ولا يحكمه- فيها شرطي إسرائيلي.. واستمر يقول الشعر تحت حصار الدبابات الإسرائيلية، إلى أن تم اجتياحها أخيرا، ولم يسلم هو شخصيا من هذا الاجتياح، حيث داهمت الشرطة الإسرائيلية منزله، وعبثت بأسلحته: أوراقه وأقلامه.

رحلة الإبداع "مع الشعر مجيئي … مع الشعر رحيلي"
"إذا كنا هامشيين إلى هذا الحد فكريا وسياسيا فكيف نكون جوهريين إبداعيا؟"
هكذا أجاب درويش، وهكذا يرى نفسه وسط عالم من الإبداع الجيد والمبدعين "الجوهريين"، رغم التقدير الذي يلقاه داخل وطننا العربي وخارجه الذي بلغ ذروته حين قام وفد من البرلمان العالمي للكتاب يضم وول سوينكا وخوسيه ساراماغو وفينثنثو كونسولو وبرايتن برايتنباك وخوان غويتيسولو إلى جانب كريستيان سالمون سكرتير البرلمان 24 مارس 2002 بزيارة درويش المحاصر في رام الله مثل ثلاثة ملايين من مواطنيه، وهذه الخطوة –زيارة وفد الأدباء لفلسطين- التي لم تستغل جيدا رغم أنها حدث في منتهى الأهمية – تنم عن المكانة التي يحتلها درويش على خريطة الإبداع العالمي.
وعلى هامش الزيارة كتب الكاتب الأسباني خوان غويتسولو مقالا نشره في عدد من الصحف الفرنسية والأسبانية اعتبر فيه محمود درويش أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه، وقال عن درويش إنه استطاع: تطوير هموم شعرية جميلة ومؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعا مركزيا، فكان شعره التزاما بالكلمة الجوهرية الدقيقة، وليس شعرا نضاليا أو دعويا، هكذا تمكن درويش، شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين، من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تام عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه.
وكان درويش قد شارك في الانتفاضة الأخيرة بكلماته التي لا يملك غيرها بديوان كتبه في أقل من شهر عندما كان محاصرا في رام الله، وأعلن درويش أنه كتب هذا الديوان – الذي أهدى ريعه لصالح الانتفاضة – حين كان يرى من بيته الدبابات والجنود, ويقول: "لم تكن لدي طريقة مقاومة إلا أن أكتب, وكلما كتبت أكثر كنت أشعر أن الحصار يبتعد, وكانت اللغة وكأنها تبعد الجنود لأن قوتي الوحيدة هي قوة لغوية".
وتابع قائلا "كتبت عن قوة الحياة واستمرارها وأبدية العلاقة بالأشياء والطبيعة. الطائرات تمر في السماء لدقائق ولكن الحمام دائم.. كنت أتشبث بقوة الحياة في الطبيعة للرد على الحصار الذي أعتبره زائلا؛ لأن وجود الدبابة في الطبيعة وجود ناشز وليس جزءا من المشهد الطبيعي".

اللافت أن درويش لم يخاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل شارون في أي قصيدة من قصائد الديوان. وقال درويش بشأن ذلك: إن شارون "لا يستحق قصيدة فهو يفسد اللغة.. هو متعطش للدماء ولديه حقد كبير, ولكن المشكلة في الدعم الأميركي الذي يمنحه بعد كل مجزرة وساما بأنه رجل سلام".
وما زال الشاعر ابن الستين ربيعا متفجرا يعيش تحت سماء من دخان البارود الإسرائيلي وخلف حوائط منزل صغير مهدد في كل وقت بالقصف أو الهدم، وبجسد مهدد في كل وقت بالتحول إلى غربال.. ورغم ذلك فإن كل هذا يقوي من قلمه، ويجعله أشد مقاومة.

moudar
30-Jun-2011, 12:38 PM
ناهدة فضلي الدجاني



صوت يشبه الشعر

صوت لامس القضية والإنسان

فقدت الثقافة الفلسطينية والعربية بداية هذا العام 2007 شاعرة وإعلامية فلسطينية لامعة، بوفاتها فجر يوم الأول من كانون الثاني في مستشفى فيرفاكس بولاية فرجينيا الأميركية، بعد صراع طويل مع مرض عضال. وتعتبر السيدة ناهدة الدجاني من الإعلاميات العربيات اللامعات حيث عملت لأكثر من أربعين سنة في حقل الإعلام في الشرق والغرب، كما أنها شاعرة مهمة ومن البارزات في مجتمع الشعر والأدب العربي عموماً. وهي عضو في مجلس المشرفين على مركز الحوار العربي في الولايات المتحد الأميركية.

هي من جيل آمن بأن فلسطين ستعود. ثم تراجع فآمن بأنها قد تعود. ثم تراجع فآمن بأنها... لن تعود. جيل كان ابن القضية المركزية العربية التي تفرّق عشاقها شيئاً فشيئاً، فباتوا ينتمون الى... قضايا. كل بلد عربي له قضية. فالأجيال التي بَنَت أحلامها الكبيرة على وقع ثوري متمرّد رافض، واصطدمت بالواقع العربي الذي كان صعباً فاستحال قاتلاً، لم تجد بدّاً من الانصراف من العام الى الخاص، ومن المجتمع الى الذات، عندما اشتدت ظروف الحياة. والحياة قهّارة. لكن حلم فلسطين بقي. في ناهدة فضلي الدجاني بقي، وفي تلك النخبة العربية. والمعركة التي تبدو أحياناً انها انتهت بالهزيمة، يبدو انها لن تنتهي بالهزيمة. أو هكذا يتراءى لمن هم من وزن ناهدة في العقل والقلب والرؤيا.

من الفتاة الطيّبة المطرودة من بلدها، الى الفتاة الجامعية النجيبة في الجامعة الاميركية في بيروت عام 1953 الى محطة «الشرق الأدنى» الإذاعية التي كانت قبلة الأنظار في مستواها وخبراتها بين الإذاعات أو بين إرهاصات الإذاعات العربية، الى مؤسسة خاصة بها وبزوجها وببعض المغامرين الأنقياء الأكفاء للإنتاج الإذاعي، الى الإذاعة اللبنانية، الى الهجرة بعد حرب لبنان 1975 الى الولايات المتحدة الأميركية: رحلة إذاعية وإعلامية زاهية ملأتها ناهدة فضلي الدجاني بما يمكن اعتباره أحد أجمل وأبرز الأصوات النسائية الإذاعية العربية وأفضلها.

إنه الصوت العذب الذي خُلق من قصيدة ضائعة، من كتاب متروك، ومن نغم قديم دافئ يطلق في الأذن عصافير وفراشات. كانت ناهدة صوتاً ذائباً أكثر مما هي كائن من لحم ودم. ولم يكن يستطيع المستمع الى صوتها من الإذاعة اللبنانية في الستينات والنصف الأول من سبعينات القرن الماضي، وهي تقرأ «صفحة من كتاب» أو مقطعاً من قصيدة لخمس دقائق على الأكثر، ان يصدّق ان هذا صوت، لا آلة موسيقية رومانسية أسطورية.

ومن لم يعشق في ذلك الزمن، كان صوت ناهدة فضلي الدجاني يدعوه الى العشق. فإذا لم يجد من يعشقه، فمن المؤكد انه قد يعشق صوتها. كأنه كان صوت حبيبة يأتي من الخيال الذي يصنع الحبيبة، لا من الحبيبة بالضبط، صوت هو الإنسان.

كما يدل العبير على الوردة، كما تدل الغيمة على المطر. كما يدلّ القلب على مالكيه، هكذا كان يدلّ صوت ناهدة على ناهدة: المرأة الكامنة خلف حزن كامن خلف قضية كامنة. لا المرأة كانت قادرة على ان تفلت الحزن المتدفق خشية اكتساح ما حولها، ولا القضية كانت قادرة على ان تتغير في وجدان المرأة، ولا المرأة كانت تريد. وثمة التواطؤ الجميل بين الجلاد والضحية، بين السيف والعنف، بين الحب والموت من الحب.

ثلّة من الفلسطينيين كانت في المقدمة، عرف العالم العربي الهمّ الفلسطيني من خلالها. كانت ثلّة مبدعة. ظلّت مبدعة، على رغم تغير الحال والمآل.

ناهدة فضلي الدجاني واحدة من كثر، لم تفقد فلسطين فحسب. فقدت في ما بعد لبنان. وفقدت صوتها خارج سربه.
صوت ناهدة فضلي الدجاني، قيل والله اعلم انه فقد العالم العربي، أخيراً، ولذلك مات!

ناهدة فضلي الدجاني، ومن لا يذكرها في برنامجها اليومي في الاذاعة اللبنانية مع الصباح؟ صوت الفجرية، والحنجرة القمرية التي تعبق أريج الشمس وتسبق النهارات.
المذيعة المعروفة وقتذاك في الاذاعة اللبنانية تقرأ الشعر والنثر صباحاً كمن يزرع حدائق الورد والنعناع، وكمن يرسل رسائل كثيرة تبحث عن الاصدقاء.

يفاجئك الإسم ناهدة فضلي الدجاني بكم كثير من الأشياء، المشتركة، القريبة والبعيدة أقوى من الموت.
إنها صورة من لبنان والزمن الجميل. صورة لا يمكن أن تذهب بعيداً، وهي لا تدعك الا وتحبها بطرقها اللطيفة، بصفتها صديقة كل اللبنانيين، وكل الأصدقاء.

ناهدة فضلي الدجاني رحلت عن عمر يناهز السبعين عاماً، وهي تنتمي الى جيل الخمسينات في العمل الاذاعي.

بدأت عملها الاذاعي في "الشرق الأدنى" حيث تعرفت حينها الى زوجها غانم الدجاني، وبعدها انتقلت الى الاذاعة السعودية، ثم الاذاعة اللبنانية حيث قدمت حتى العام 1977 برامج عدة، كان اشهرها برنامج "مع الصباح" الذي حصد شهرة واسعة في صفوف جمهور العامة والنخبة ويرى ان الرئيس الراحل سليمان فرنجية كان من المدمنين على سماعها يومياً.

المذيعة المعروفة تميزت بصوتها الدافئ وأدائها المضبوط والموقع. لا صوت اذاعياً يضاهيها شعراً الى الآن. تسمع صوتها تشعر كأنك في الجنة.
صوتها لا يذهب ابداً. هي السيدة المحافظة، الفاتنة والراقية جداً، صاحبة القد النحيف والممشوق واللهجة الشديدة الوضوح، كأنها إشراقة مهرجانات شمسية.

بعد مغادرتها وزوجها لبنان في العام 1977، بقيت ناهدة فضلي الدجاني وفية للبنان.
ويروي المخرج المسرحي محمد كريم، كيف تلقى خلال حرب 12 تموز المشؤومة اتصالاً هاتفياً منها وهي على سرير مرضها في اميركا لتطمئن عنه وعن عائلته وتطمئن على لبنان واللبنانيين، مبدية حزنها الشديد لما آلت اليه امور الحرب الاخيرة، على أمل ان ذوي الشأن يسمعونها.

إنها القوة الحرة للكلمات الشعرية على نحو مضمون انساني ملتزم اكثر من اللازم.
ناهدة فضلي الدجاني كانت امرأة مرئية بصوتها في زمن لم تكن فيه المرئيات الحالية، وبرسائل صوتية مثقفة بالأفضل وبالفرح والالوان.

مارست الإعلام كامرأة مكافحة وقد تلقت علومها bs في الجامعة الاميركية في بيروت، وتركت خلفها عائلة تلقت علوماً عالية.

نخسر برحيلها ذلك الصوت الهائل في مدّه وجزره، الصوت الطويل العالي على نظام ووعاء جمالي جدي انساني روحي وغنائي وايقاعي، والأهم الصوت المثقف النادر والاستثنائي في زمن الاصوات الهابطة ثقافياً وفنياً.
وهنا بعض النصوص المختارة لكلمات للشاعرة ناهدة فضلي الدجاني

في ليل القهر العربي الطويل، وفي زمن نكاد نكسر فيه مرايانا، تهب نسمات تمنع الاختناق عنا، وتعيد البريق لأعيننا.

كمثل طفل يرمي حجرا، أم تضع مولودا، رجل يقول الحقيقة، يد تمسح عرق جبين متعب، إنسان يملك شجاعة الاعتذار، صوت يقول الآه شجنا، موهبة مبدعة تبتكر جديدا، رجل سياسة عميق الثقافة، مطبعة تصدر كتابا، مسرح يقدم فنا، إصرار رجل وامرأة على المضي في مشروع ثقافي للحوار في زمن الصراخ والرصاص، مسؤول عن غزو العراق مخزيّ لما فعله سجانو الشعب العراقي المعروفون بقوات التحالف لتحرير العراق.

نقول ذلك بأسف وغصة، غير أن عذاب المساجين إهانة لمن يقول لنا إننا محكومون برجال الكهوف، فمن يعيّرنا بهذا القول، محكوم برعاة البقر ومجرمي الحروب وبكائي الحيطان. هؤلاء الذين سّيسوا الدين للوصول إلى غاياتهم، لن يحصدوا سوى لعنة الشعوب، ولن يبق سوى الطفل والرجل والمرأة والمواهب المبدعة.

في أمسية مركز الحوار 19 مايو/أيار 2004



(نحن حملنا من دنيانا العربية الحبيبة الومض والدفء والعمق والحنان النابع من ثقافتنا العربية لنجبله بالحرية والتقنية والمستقبلية النابعة من ثقافة العالم الجديد، لعلّه يبحر ثانيةً إلى دنيانا، فتصحو من كبوتها، وترفع رأسها، وتنظر إلى الأمام بعيداً عن الماضي الذي أصبح كاللص يسرق عافية وآمال وطموحات شعوبنا كأنَّنا أعجز من أن نفكر بمنطق القرن الحادي والعشرين ونفضل الحنين إلى القرون الوسطى، بحيث يكاد ذلك يصبح هوية ثقافية، أمَّا نحن في "مركز الحوار" فهويتنا قومية عربية في سياستها، عربية أمريكية في ولائها، روحانية إسلامية مسيحية أغريقية آسيوية أندلسية في ثقافتها).

الذكرى السابعة لتأسيس مركز الحوار العربي في واشنطن – 2001



"حين يصبح الحبّ حبّ الوطن، ويُقهر شعب ويجوع ويُعذّب ويُشرّد، ويظلّ يقاوم ويرفض المساومة، ويصرّ على حقّه في الحياة والحريّة، وحين أعطت بريطانيا فلسطين لليهود، حدث خطأ في المعادلة الدولية التي أخذت مستقبل شعب يموت حبّاً في أرضه، وأعطته لماضي شعوب غازية من أطراف الدنيا، لأنّ العطاء النابع من غير حب يظل مزعزعاً تنقصه مدارك الحق، لكن جبروت الحب سيظلّ أقوى من أي شيء، فالشعب الذي يموت حباً من أجل الوطن سيظل صوتاً صارخاً في ضمير الإنسانية وسيظلّ رمزاً لما تحمله قصائد الشعراء وآهات المغنين من عميق الحب".
ندوة "مركز الحوار" -7 آذار/مارس 2001



أتساءل، إذا كان مركز الحوار العربي، قد أنجز هذا الكمّ وهذا النوع من النشاطات الفكرية والفنية، وهذا التواصل الإنساني، في العقد الأول من عمره، وبجهد يكاد يكون فرديا، فما هي المنجزات المتوقعة منه في عقود الصبا والنضوج والعمر الثاني؟ وبجهود جماعية؟

الجواب المؤمّل: كثير كثير، فكل عمل كبير يبدأ بحلم متكرر وجهد متواصل. وتجربة مركز الحوار تؤكد هذه المقولة

سواء كنت معكم في الآتي من الأيام أو لم أكن، فإني أصلي أن يكون تفاعل الإنسان العربي في محيطه الأميركي إيجابيا، يؤثر ويتأثر، ويسهم مع المجموعة الكاملة في إضافات تغني الحضارة البشرية.

بارك الله في نيّاتكم وجهودكم، وكل عيد وأنتم بخير

moudar
01-Jul-2011, 10:28 PM
أبو فراس الحمداني
320 - 357 هـ / 932 - 967 م

هو الشاعر والأمير الحمداني الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي الربعي أبو فراس. ولد بالموصل ( 932 م- 320 هـ) حيث كانت أسرته. ولم يكتب له أن يعيش في كنف والده، فقد قتل الأب يوم كان الصبي في الثانية أو الثالثة من عمره، قتله ناصر الدولة ابن أخيه لأنه زاحمه على ولاية الموصل.

نشأ أبو فراس في رعاية ابن عمه سيف الدولة الذي ضمه إلى عائلته وحمله معه إلى بلاطه في حلب حيث اتصل بالعلماء والأدباء فأخذ عنهم. تدرب على الفروسية والقتال، فرافق ابن عمه في غزواته، وحارب الروم، وأخضع القبائل الثائرة، مما جعل سيف الدول يثق به فيوليه إمارة منبج وهو دون العشرين من سنيه. وكانت هذه الإمارة أخطر ثغر من ثغور الدولة الحمدانية وأسهل طريق ينفذ منه البيزنطيون إلى بلاد الشام، فسهر عليها يدفع عنها أطماع الروم، ويرد عنها غارات القبائل التي ثارت.

ولكن النصر الذي حالف أبا فراس في حروبه خانه ذات يوم فوقع أسيرا بين أيدي الروم الذين ساقوه إلى خرشنة ثم إلى القسطنطينية، وهناك طال أسره.

وكان يأمل أن يسرع ابن عمه إلى افتدائه ولكن أمير حلب أبطأ في ذلك، فضاق صدر الشاعر ونظم في أسره أروع أشعاره التي عرفت " بالروميات" وفيها يشكو من إبطاء سيف الدولة في افتدائه، ويتأمل من انصرافه عنه، ويبث حنينه إلى أمه العجوز وأهله وأصدقائه، وإلى منبج ملاعب صباه.

قال الذهبي: كانت له منبج، وتملك حمص وسار ليتملك حلب فقتل في تدمر، وقال ابن خلّكان: مات قتيلاً في صدد (على مقربة من حمص)، قتله رجال خاله سعد الدولة.

من رقيق شعره:
دَعوتـُكَ للجَفــن القريـْــحِ المسهـَّــدِ
لــديّ، وللنـــوم القليــل المُشـــرَّدِ
ومـــا ذاك بُخــلا بالحيــــاةِ وإنهــا
لأولُ مبــــذولٍ لأولِ مُــجـتـــــــدِ
وما الأسر مما ضقت ذرعا بحمله
وما الخطب مما أن أقول له قـَـــدِ
وما زل عني أن شخصا معرضــا
لنبل العدى إن لم يصب فكأنْ قـَـدِ
ولســـت أبالي إنْ ظفــرت بمطلبٍ
يكونُ رخيصًا أو بوسْــمٍ مُــــزوَّدِ
ولكنني أختــــار مـــوت بنــي أبي
على صهوات الخيل غيـــر موسدِ
وتأبى وآبـــى أن أمــــوتَ مـُـوسدًا
بأيدي النصارى موتَ أكمـــدَ أكبدِ
نضوت على الأيام ثـوب جــلادتي
ولكنني لـــم أنـض ثـــوب التجلــدِ
دعوتك والأبــواب ترتـــجُ دوننـــا
فكن خيــــرَ مدعــــوٍّ وأكرمَ منجدِ
فمثلك مــن يـُـدعى لكــلِّ عظيمــة
ومثلي منْ يفدى بكــــلِّ مُسـَـــــوَّدِ
أناديكَ لا أني أخافُ من الـــرَّدى
ولا أرتجيْ تأخيرَ يومٍ إلى غَــــــدِ
متى تـُخلفُ الأيامُ مثلي لكـُــمْ فتى
طويلَ نجادِ السيف رحبَ المقلـَّـــدِ
متى تلدُ الأيـــام مثـلي لكــــم فتى
شديدًا على البأســـاءِ غيـــرَ مُلَهَّـــدِ
يطاعنُ عن أعـراضكم بلســـانـِـهِ
ويضربُ عنكمْ بالحســـامِ المُهنــَّـدِ
فما كلُّ منْ شاء المعالي ينــالهـــا
ولا كل سيَّارٍ إلى المجد يَهتــَـــدِي
وإنك للمولى الــذي بــكَ أقتـــدي
وإنك للنجمُ الــــذي بـــه أهتــَــدي
وأنت الذي عرَّفتني طـُــرقَ العلا
وأنت الــــــذي أهويتني كلَّ مقصدِ
وأنت الـــذي بلغتني كـــل رتبــة
مشيت إليهـــــا فوق أعناق حُسَّدي
فيا مُلبسي النعمى التي جلَّ قدرها
لقد أخـْـلـَقـَتَ تلـك الثيــــابُ فجَـدِّدِ!

بت البلد
04-Jul-2011, 09:53 AM
الف شكر ابني مضر
تحياتي لك
.................ز

moudar
08-Jul-2011, 10:22 PM
أبو حيان الغرناطي.. نفحة من الأندلس

كنية "أبي حيان" يتنازعها اثنان من الأعلام الأفذاذ، كل منهما إمام في فنه، رأس في تخصصه، أما أحدهما فهو أبو حيان التوحيدي نابغة أهل المشرق في الأدب والفلسفة، حتى أطلق عليه أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، وأما الآخر فهو أبو حيان الغرناطي صاحب "البحر المحيط" في التفسير، وإمام عصره في النحو والتفسير والحديث، جاء من غرناطة إلى مصر واستقر بها فأشاع فيها من علمه وفضله؛ وهو ما جعل الدنيا تقر بإمامته وأستاذيته.

المولد والنشأة
في إحدى ضواحي مدينة غرناطة الأندلسية ولد "أثير الدين محمد بن يوسف"، المعروف بأبي حيان في (آخر شوال 654هـ = 19 من نوفمبر 1256م)، وبها نشأ وتعلم، فكان مترددا على حلقات العلم المنتشرة في المساجد، وكانت غرناطة آنذاك كبرى حواضر العلم الأندلسية، بعد أن انحسرت دولة الإسلام وتقلصت أراضيها في الأندلس، فدرس الفقه والحديث، ومالت نفسه إلى النحو واللغة والقراءات، فأقبل على تعلمها بهمة عالية ورغبة شديدة، وتتلمذ على أبي جعفر بن الزبير، وابن أبي الأحوص، وأبي الحسن الأبذى، وأخذ القراءات عن أبي جعفر بن الطباع، ودرس الفقه والأصول والحديث والتفسير.
ولم يكتفِ أبو حيان بما حصل، بل طوف في بلاد الأندلس يقابل الشيوخ الأعلام، ويتتلمذ عليهم، فرحل إلى مالقة والمرية، ثم بدأت رحلته الكبرى إلى بلاد المشرق.

الرحلة إلى الشرق
خرج أبو حيان من موطنه إلى المشرق شابًا في الخامسة والعشرين من عمره، سنة (679هـ = 1280م) فنزل بجاية وتونس والإسكندرية، ثم رحل إلى مكة، وأدى بها فريضة الحج، ثم عاد إلى مصر، فدخلها في سنة (695هـ = 1295م).
وهذه الرحلة الطويلة قضاها في طلب الحديث واللغة والنحو القراءات، فلا يحل ببلدة إلا اتصل بشيوخها وتلقى عنهم، ولهذا كثرت شيوخه كثرة مفرطة. ولم يشتهر أحد من النحاة بكثرة الشيوخ مثلما اشتهر أبي حيان، ويشير هو إلى ذلك بقوله: "وجملة الذين سمعت منهم أربعمائة شخص وخمسين، وأما الذين أجازوني فعالم كثير جدًا من أهل غرناطة ومالقة وسبتة وديار إفريقيا وديار والحجاز والعراق والشام"، وقد ذكر المقري في "نفح الطيب" شيوخ أبي حيان والكتب التي درسها عليهم.

الاستقرار في القاهرة
نزل أبو حيان القاهرة تسبقه شهرته في النحو وتمكنه من القراءات، وبراعته في اللغة، وكانت القاهرة تعيش فترة من أزهى فتراتها العلمية، فاستقبلت الوافد الجديد استقبالاً حسنًا، ولم تضن عليه بما يستحقه من تقدير وإكبار، فأسندت إليه تدريس الحديث في المدرسة النصورية، وفي الوقت الذي صار فيه شيخًا يُشار إليه بالبنان كان تلميذًا في حلقة العالم الكبير بهاء الدين ابن النحاس يتلقى عليه القراءات، فلما توفى ابن النحاس خلفه أبو حيان في حلقته، وجلس مكانه لإقراء الناس القرآن، وعهد إليه بتدريس النحو في جامع الحاكم بالقاهرة سنة (704هـ = 1304م).
وفي القاهرة طالت به الحياة، واتسعت شهرته، وتحلق حوله طلاب العلم من كل مكان، وكان ابن حيان يعجب بطلابه الأذكياء فيحنو عليهم ويساعدهم ويتودد إليهم، لا يمنعه جلال منصبه ولا عظم هيبته أن يفعل ذلك معهم، فتألق بعضهم في حياته ونال منزلة كبيرة، مثل تقي الدين السبكي الفقيه الشافعي المعروف، وجمال الدين الإسنوي الفقيه المؤرخ، وابن أم قاسم، وابن عقيل قاضي القضاة، وبرهان الدين أبو إسحاق السفاقصي، وكمال الدين أبي الفضل الأدفوي، صاحب كتاب "الطالع الصعيد"، الذي ألفه امتثالاً لرغبة شيخه أبي حيان، وصلاح الدين خليل ابن أيبك الصفدي الذي ترجم لشيخه ترجمه وافية في كتابيه "الوافي" و"أعيان العصر".
ولم يكن عند أبي حيان مطمع في منصب أوجاه مثلما كان يفعل بعض العلماء، ولكنه استغنى عن ذلك بالانشغال في تحصيل العلم وتدريسه، والإخلاص في نشره، ولم يجد في غيره لذة وسعادة كالتي يجدها حين يقرأ كتابا أو يطالع مسألة من العلم، وعبر هو عن ذلك بأبيات رقيقة من الشعر، قال فيها:

أعاذل: ذرني وانفرادي عن الورى فلست أرى فيهم صديقًا مصافيًا
نداماى كتب أستفيد علومهـــا أحباي تغني عن لقائي الأعاديا
وآنسها القرآن فهو الذي بـــه نجاتي إذا فكرت أو كنت تاليـًا

وفي الوقت الذي أعرض فيه عن السعي وراء المناصب كان ذو الجاه والسلطان يرجون ودَّه ويطلبون صداقته، فكانت علاقته مع نواب السلطنة والسلاطين أنفسهم جيدة، وكانت له صداقة خاصة مع الأمير سيف الدين أرغون كافل المملكة المصرية، وكان يتبسط معه في الحديث، وكان السلطان الناصر قلاوون يجله ويعظمه، وله في نفسه مكانة لا تدانى.
وبلغ من مكانته وتقدير الناس له أنه مدح كما يمدح الأمراء والسلاطين، لا رغبة في نوال ولا طمعًا في مال، وإنما مدح مديح المحب لمن يعرف قدر من يمدحه، فهو يمدح اختيارًا لا اضطرارًا، وممن مدحه من أهل الأدب محيي الدين بن عبد الظاهر صاحب ديوان الرسائل في مصر، وصدر الدين بن الوكيل، ونجم الدين الإسكندري، والقاضي ناصر الدين شافع، وخليل من أيبك الصفدي.
وقد فطن إلى هذه الظاهرة صدر الدين بن الوكيل حين زاره ابن حيان في منزله فلم يجده، فكتب له على مصراع الباب ما يفيد أنه حضر للزيارة، فلما جاء ابن الوكيل وقرأ ما كتبه ابن حيان على الباب قال:

قالوا: أبو حيان – غير مدافع- ملك النحاة، فقلت بالإجماع
اسم الملوك على النقود: وإنني شاهدت كنيته على المصراع

مؤلفاته وكتبه
أجمع المترجمون لأبي حيان على تبحره في علوم اللغة والنحو والقراءات والتفسير، ووصفه تلميذه النابغة خليل بن أيبك الصفدي بقوله: ولم أر في أشياخي أكثر اشتغالاً منه؛ لأني لم أره قط إلا يسمع أو يشتغل أو يكتب، ولم أره غير ذلك؛ لذلك لم يكن من الغريب أن تكثر مؤلفاته، وألا يدع فنًا من فنون العربية إلا وضع فيه مؤلفًا، فصنف في التفسير وفي الفقه والنحو الصرف واللغة والقراءات، ومن تلك المؤلفات:
Ø التذييل والتكميل، وهو شرح على التسهيل لابن مالك في النحو، وقد طبع الكتاب بتحقيق حسن هنداوي في أربعة أجزاء ونشرته دار القلم السورية.
Ø ارتشاف الضرب من لسان العرب، في النحو أيضًا، والكتاب مطبوع أكثر من مرة في القاهرة.
Ø إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب، وقد طبع الكتاب سنة 1936م بتحقيق محمد سعيد بن مصطفى الوردي.

وله كتب في القراءات، مثل:
Ø كتاب النافع في قراءات نافع
Ø كتاب الأثير في قراءة ابن كثير
Ø الروض الباسم في قراءة عاصم
Ø غاية المطلوب في قراءة يعقوب
Ø تقريب النائي في قراءة الكسائي.
وكان ابن حيان يجيد الفارسية والتركية والحبشية إلى جانب اللغة العربية، وألف بهما، فيذكر الصفدي في ترجمته لشيخه أبي حيان عدة مؤلفات له بهذه اللغات، منها:
Ø ذهو الملك في نحو الترك
Ø الإدراك في لسان الأتراك، وقد طبع هذا الكتاب بالقسطنطينية سنة 1309هـ
Ø منطق الخرس في لسان الفرس
Ø نور الغبش في لسان الحبش

البحر المحيط في تفسير القرآن الكريم
غير أن أشهر أعماله وأبقاها هو تفسيره المعروف بالبحر المحيط، الذي يعد قمة التفاسير التي عنيت بالنحو، وتوسعت في الإعراب ورواية القراءات وتوجيهها والاحتجاج لها والدفاع عنها، وهذا العمل الفذ هو خلاصة علم أبي حيان ونتاج حياته الحافلة بالدرس والتحصيل، وضعه بعد أن رسخت قدمه في العربية وعلومها، ونضجت خبرته، وساعده على إنجازه قيامه بالتفسير في قبة السلطان الملك المنصور سنة 710هـ وهو في السابعة والخمسين من عمره.
وقد بين أبي حيان منهجه في مقدمة كتابه فقال: "إني أبتدئ أولاً بالكلام على مفردات الآية التي أفسرها لفظة لفظة فيما يحتاج إليه من اللغة والأحكام النحوية التي لتلك اللفظة، وإذا كان للكلمة معنيان أو معان ذكرت ذلك في أول موضع فيه تلك الكلمة، لينظر ما يناسب لها من تلك المعاني في كل موضع تقع فيه فيحمل عليه، ثم أشرع في تفسير الآية ذاكرًا سبب نزولها وارتباطها بما قبلها حاشدًا فيها القراءات، ذاكرًا توجيه ذلك في علم العربية، بحيث إني لا أغادر منها كلمة وإن اشتهرت حتى أتكلم عليها مبديًا ما فيها من غوامض الإعراب ودقائق الآداب.." والكتاب مطبوع متداول بين أهل العلم.

وفاته
طالت الحياة بأبي حيان الغرناطي فتجاوز التسعين، قضاها متنقلاً من أرض إلى أرض، كما قاضها متنقلاً بين العلوم من فن إلى آخر، ولم تزل قدمه في أي موضع نزلت، وبارك الله في عمره؛ فوضع أكثر من ثلاثين مصنفًا، وذلك منكبًا على الدرس والتحصيل حتى لقي الله في (28 من صفر 745هـ = 11 من يوليو 1344م) ودفن بمقبرة الصوفية خارج باب النصر، وصلى عليه بالجامع الأموي بدمشق صلاة الغائب.
================================================== =============================

moudar
09-Jul-2011, 01:39 PM
البوزجاني
هو أبو الوفاء محمد بن يحيى بن إسماعيل بن العباس البوزجاني، من أعظم رياضيي العرب، ومن الذين لهم فضل كبير في تقدم العلوم الرياضية. ولد في بوزجان، وهي بلدة صغيرة بين هراة ونيسابور، في مستهل رمضان سنة 328 هـ. قرأ على عمه المعروف بأبي عمرو المغازلي، وعلى خاله المعروف بأبي عبد الله محمد بن عنبسة، ما كان من العدديّات والحسابيات. ولما بلغ العشرين من العمر انتقل إلى بغداد حيث فاضت قريحته ولمع اسمه وظهر للناس إنتاجه في كتبه ورسائله وشروحه لمؤلفات إقليدس وديوفنطس والخوارزمي .
وفي بغداد قدم أبو الوفاء سنة 370 هـ أبا حيان التوحيدي إلى الوزير ابن سعدان. فباشر في داره مجالسه الشهيرة التي دوّن أحداثها في كتاب (الامتاع والؤانسة) وقدمه إلى أبي الوفاء.

وفي بغداد قضى البوزجاني حياته في التأليف والرصد والتدريس. وقد انتخب ليكون أحد أعضاء المرصد الذي أنشأه شرف الدولة، في سراية، سنة 377 هـ. وكانت وفاته في 3 رجب 388 هـ على الأرجح.

يعتبر أبو الوفاء أحد الأئمة المعدودين في الفلك والرياضيات، وله فيها مؤلفات قيمة، وكان من أشهر الذين برعوا في الهندسة، أما في الجبر فقد زاد على بحوث الخوارزمي زيادات تعتبر أساساً لعلاقة الجبر بالهندسة، وهو أول من وضع النسبة المثلثية (ظلّ) وهو أول من استعملها في حلول المسائل الرياضية، وأدخل البوزجاني القاطع والقاطع تمام، ووضع الجداول الرياضية للماس، وأوجد طريقة جديدة لحساب جدول الجيب، وكانت جداوله دقيقة، حتى أن جيب زاوية 30 درجة كان صحيحاً إلى ثمانية أرقام عشرية، ووضع البوزجاني بعض المعادلات التي تتعلق بجيب زاويتين، وكشف بعض العلاقات بين الجيب والمماس والقاطع ونظائرها.

وظهرت عبقرية البوزجاني في نواح أخرى كان لها الأثر الكبير في فن الرسم. فوضع كتاباً عنوانه (كتاب في عمل المسطرة والبركار والكونيا) ويقصد بالكونيا المثلث القائم الزاوية. وفي هذا الكتاب طرق خاصة مبتكرة لكيفية الرسم واستعمال الآلات ذلك.

ولأبي الوفاء، غير ما ذكر، مؤلفات قيمة، ورسائل نفيسة، منها: كتاب ما يحتاج إليه العمال والكتاب من صناعة الحساب وقد اشتهر باسم كتاب منازل الحساب، كتاب فيما يحتاج إيه الصناع من أعمال الهندسة، كتاب إقامة البراهين على الدائر من الفلك من قوس النهار، كتاب تفسير كتاب الخوارزمي في الجبر والمقابلة، كتاب المدخل إلى الأرتماطيقي، كتاب معرفة الدائر من الفلك، كتاب الكامل، كتاب استخراج الأوتار، كتاب المجسطي.

وخلاصة القول أن البوزجاني أبرع علماء العرب الذين كان لبحوثهم ومؤلفاتهم الأثر الكبير في تقدم العلوم، ولا سيما الفلك، والمثلثات، وأصول الرسم. كما كان من الذين مهّدوا السبيل لإيجاد الهندسة التحليلية، بوضعه حلولاً هندسية لبعض المعادلات، والأعمال الجبرية العالية.

عثمان ابوهمام
11-Jul-2011, 12:42 PM
مشكور عزيزنا مضر
على هذا البوست المفيد
والمعلومات القيمة ، جهد مميز حقيقة
لك التحية

moudar
11-Jul-2011, 10:18 PM
إبن البواب



كان الخط الذي يكتب به العرب في بدء ظهور الإسلام هو الخط الأنباري الحيري، الذي سُمِّي بعد انتقاله إلى الحجاز بـ"الحجازي"، وهو أصل الخط النسخ، وكان يكتب به عدد قليل من العرب، ولا يتجاوز من يكتبه من قريش بضعة عشر شخصًا، ولما انتصر النبي (صلى الله عليه وسلم) في "بدر" وأسر جماعة من قريش كان فيهم من يتقن الكتابة، قَبِلَ الفداء من الأميين منهم، وجعل الكاتب يفدي نفسه بتعليم عشرة من صبيان المدينة، فانتشرت الكتابة بين المسلمين، وما كاد يتم نزول القرآن حتى كان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر من أربعين كاتبًا.
وأشهر كُتاب الصحابة أربعةُ وهم ممن كتبوا المصاحف لعثمان، وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
ولما فتح المسلمون الممالك نزلت جمهرة من الكتاب الكوفة، واعتنوا بتجويد الخط العربي، وهندسة أشكاله؛ حتى صار خط أهل الكوفة مميزًا بشكله عن الخط الحجازي، واستحق أن يُسمى باسم خاص هو "الخط الكوفي"، وكانت تكتب به المصاحف.
وفي عهد الدولة الأموية بدأ الخط العربي في السمو والارتقاء، ونبغ في نهاية عصرها رجل يقال له "قطبة المحرر"، اشتهر بجمال الخط، ويُعزى إليه الفضل في تحويل الخط العربي من الشكل الكوفي إلى ما يقارب الصورة التي نرى الخط عليها الآن، وهو الذي ابتكر القلم الجليل الذي يُكتب به على المباني ونحوها، وهو ما نسميه الآن بالخط "الجلي" أي الكبير الواضح.
وفي صدر الدولة العباسية لَمَع في فن كتابة الخط "إبراهيم الشحري" وأخوه "يوسف"، وقد ولّد الأول من الخط "الجليل" قلم الثلثين، ثم ولّد قلم الثلث، ووّلد يوسف من "الجليل" قلمًا دقيقًا للتوقيع، أطلق عليه "القلم الرِّياسي" نسبة إلى "الفضل بن سهل" ذي الرياستين وزير المأمون، الذي أمر ألا تحرر الكتب السلطانية إلا به.
وتعلم "الأحول المحرر" الخط من "إبراهيم الشحري"، وأجاد في فنه، واخترع أقلامًا جديدة مبتكرة، وعن الأحول أخذ الوزير "أبو علي محمد بن مقلة" وأخوه "أبو عبد الله الحسن"، وتم على أيديهما هندسة خط النسخ والجليل وفروعه على الأشكال التي نعرفها الآن، كما قدّرا مقاييس الحروف وأبعادها وضبطاها ضبطًا محكمًا، ووضعا القواعد لها، وعن الوزير "ابن مقلة" أخذ "أبو عبد الله بن أسد" القارئ المُتوفّى سنة (410هـ = 1019م)، وعلى يديه تعلم "ابن البواب" عبقري الخط العربي، موضع دراستنا اليوم.
نشأة ابن البواب
في بغداد وُلد "أبو الحسن علي بن هلال بن عبد العزيز"، المعروف بابن البواب؛ لأن أباه كان يعمل بوابًا، ولا يعرف على وجه اليقين تاريخ مولده، وإن كان يرجح أنه ولد في حدود سنة (350هـ = 961م).
نشأ ابن البواب في بغداد، وتلقى علوم العربية عن أبي الفتح عثمان بن جني اللغوي المعروف، المتوفي سنة 392هـ = 1002م، وتعلم فنون الكتابة الخطية على يد ابن أسد الخطاط المشهور.
عمل ابن البواب في أول شبابه ومستهل حياته في تزيين سقوف البيوت وجدرانها، ثم عمل في صناعة الأختام قبل أن يعمل في مجال الخط الذي برع فيه.
وكان كاتبًا ماهرًا إلى جانب كونه خطاطًا بارعًا، وله رسالة بارعة أنشأها في فن الكتابة، ذكرها "ياقوت الحموي" في معجم الأدباء، وأثنى ابن الفوطي على أدبه، فقال: "ورزق مع ملاحة الكتاب محاسن الآداب، من الفضل الظاهر والنظم الباهر".
طريقته في الخط
يذكر المؤرخون أن ابن البواب هذب طريقة ابن مقلة الخطاط العظيم، ونقحها وكساها طلاوة وبهجة. وابن مقلة هذا بلغ من الإتقان والذيوع إلى الحد الذي وصفه "أبو حيان التوحيدي" بأنه نبي في الخط، أُفرغ الخطُّ في يده كما أوحي إلى النحل في تسديس بيوته. ويصفه الثعالبي بأن خطه يضرب به المثل في الحسن؛ لأنه أحسن خطوط الدنيا. فإذا كان هذا هو حال ابن مقلة الخطاط الكبير، فانظر إلى مبلغ ابن البواب في هذا الفن.
ويرى القزويني في "آثار البلاد": "أن ابن البواب نقل طريقة ابن مقلة إلى طريقته التي عجز عنها جميع الكتاب من حسنها وحلاوتها وقوتها وصفائها، فإنه لو كتب حرفًا واحدًا مائة مرة لا يخالف شيء منها شيئًا؛ لأنها قلبت في قالب واحد".
وقد درس المستشرق "رايس" خصائص خط ابن البواب، مستعينًا بالمصحف الشريف الذي خطّه ابن البواب، والمحفوظ في مكتبة "جستر بيتي" بدبلن، وقام بالمحاولة نفسها الباحث العراقي هلال ناجي في كتابه "ابن البواب" عبقري الخط العربي عبر العصور. واستطاع أن يقف على خصائص طريقة ابن البواب في الكتابة من خلال الاستعانة بنصوص له، تصف الطريقة المثلى لشكل كل حرف وهيئته.
آثاره
ترك ابن البواب منظومة في فن الخط وآثارًا فنية خطها للمصحف الشريف وبعض الكتب. أما المنظومة فهي: رائية ابن البواب في الخط والقلم، وهي في أدوات الكتابة، وقد نشرها نفر من الباحثين مثل: محمد بهجة الأثري، ولها شرح بقلم ابن الوحيد شرف الدين محمد بن شريف الزرعي، المتوفى في القاهرة سنة (711هـ = 1311م) بعنوان "شرح ابن الوحيد على رائية ابن البواب"، ونشر هذا الشرح في تونس سنة (1387هـ = 1967م).
ومن آثاره الباقية: المصحف الذي كتبه في بغداد سنة (391هـ = 1000م)، وهو محفوظ في مكتبة "جستر بيتي" في دبلن بأيرلندا، وهو مزخرف زخرفة رائعة لا تقل جمالاً عن خطه، وهي من عمل ابن البواب نفسه.
وخط رسالة أبي عثمان بن بحر الجاحظ في مدح الكتب والحث على جمعها، وهي محفوظة في خزانة متحف الآثار التركية الإسلامية بالآستانة، وهي مختومة بقوله: "كتبه علي بن هلال حامد الله تعالى على نعمه".
وخط شعر سلامة بن جندل، وتحتفظ خزانة "قصر بغداد" بمتحف "سراي طوب قبو" بالآستانة بنسخة منها، كما تحتفظ مكتبة "آيا صوفيا" بالآستانة بنسخة أخرى، ومن آثاره التي وصلتنا "دعاء روي عن زيد بن ثابت"، وديوان شعر الحادرة، وهو من مخطوطات دار الكتب المصرية، ورسالة أحمد بن الواثق إلى محمد بن يزيد التمالي النحوي يسأله عن أفضل البلاغتين.
وفاته
وقد لقي ابن البواب الثناء والتقدير من المؤرخين، فأجمعوا على أنه كان إمامًا في الخط لم ينافسه أحد، ولقبوه بألقاب بديعة، فيقول عنه الذهبي: إنه ملك الكتابة. ولقبه المؤرخ ابن الفوطي بأنه "قلم الله في أرضه"، ومدحه ابن الرومي، فقال يمدح جمال خطه:
ولاح هلال مثل نون أجادها بجاري النَّضار الكاتب إبن هلال
وظل ابن البواب موضع تقدير وإجلال حتى لقي ربه في (2 من جمادى الأولى 413هـ = 3 من أغسطس 1022م).

moudar
12-Jul-2011, 02:33 PM
إبن البيطار

هو أبو محمد ضياء الدين عبد الله بن أحمد بن البيطار، المالقي الأندلسي، الشهير بالعشاب المالقي، ولد في مالقة في الاندلس، وتلقى العلم بالأندلس والمغرب، من أساتذته في علم الأدوية ومعرفة النبات أحمد بن محمد بن مفرج المعروف بابن الرومية، (637 هـ/1239م).
يعتبر من أشهر علماء النبات عند العرب. ودرس على أبي العباس النباتي الأندلسي، الذي كان يعشب، أي يجمع النباتات لدرسها وتصنيفها، في منطقة اشبيلية.

سافر إبن البيطار، وهو في أول شبابه، إلى المغرب، فجاب مراكش والجزائر وتونس، معشباً ودارساً وقيل أن تجاوز إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم، آخذاً من علماء النبات فيها. واستقر به الحال في مصر، متصلاً بخدمة الملك الأيوبي الكامل الذي عينه (رئيساً على سائر العشابين وأصحاب البسطات) كما يقول ابن أبي أصيبعة وكان يعتمد علليه في الأدوية المفردة والحشائش. ثم خدم ابنه الملك الصالح نجم الدين صاحب دمشق.

من دمشق كان إبن البيطار يقوم بجولات في مناطق الشام والأناضول، فيعشب ويدرس. وفي هذه الفترة اتصل به ابن أبي أصيبعة صاحب (طبقات الأطباء)، فشاهد معه كثيراً من النبات في أماكنه بظاهر دمشق، وقرأ معه تفاسير أدوية كتاب ديسقوريدس. قال ابن أبي أصيبعة :كنت آخذ من غزارة علمه ودرايته شيئاً كثيراً. وكان لا يذكر دواء إلا ويعين في أي مكان هو من كتاب ديسقوريدس وجالينوس، وفي أي عدد هو من الأدوية المذكورة في تلك المقالة).

وقد توفي إبن البيطار بدمشق سنة 646 هـ، تاركاً مصنفات أهمها: كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، وهو معروف بمفردات إبن البيطار، وقد سماه ابن أبي أصيبعة (كاتب الجامع في الأدوية المفردة)، وهو مجموعة من العلاجات البسيطة المستمدة من عناصر الطبيعة، وقد ترجم وطبع. كما له كتاب المغني في الأدوية المفردة، يتناول فيه الأعضاء واحداً واحداً، ويذكر طريقة معالجتها بالعقاقير. كما ترك إبن البيطار مؤلفات أخرى، أهمها كتاب الأفعال الغريبة، والخواص العجيبة، والإبانة والإعلام على ما في المنهاج من الخلل والأوهام.

ومن صفات إبن البيطار، كما جاء على لسان ابن أبي أصيبعة أنه كان صاحب أخلاق سامية، ومروءة كاملة، وعلم غزير. وكان لإبن البيطار قوة ذاكرة عجيبة، وقد أعانته ذاكرته القوية على تصنيف الأدوية التي قرأ عنها، واستخلص من النباتات العقاقير المتنوعة فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا طبقها، بعد تحقيقات طويلة. وعنه يقول ماكس مايرهوف: أنه أعظم كاتب عربي ظهر في علم النبات.


وهو من اهم علماء الأندلس في القرن السابع الهجري، وكان على معرفة واسعة بالنبات وانواع العشب، حتى فاق أهل عصره. ورحل لطلب العلم ومعرفة ألمهم من الأعشاب في منابتها، وزار عددا من أقطار البحر المتوسط والمشرق العربي. وألف كتاب " الرحلة المشرقية" الذي نقل منه وذكره كثيرا في كتابه "الجامع". وكتاب "الرحلة" هذا مفقود، ولم يبقى منه إلا ما نقله منه.

كما تعلم إبن البيطار على عبد الله بن صالح الحريري الكتامي الذي كان حيا عام 583 هـ1187 م.

رحل إبن البيطار إلى المشرق وأقام في دمشق حيث صاحبه ابن أبي أصيبعة، ثم انتقل إلى مصر حيث استقر في القاهرة، ودخل في خدمة الملك محمد الأيوبي (615-635 هـ1218-238 م) وهو الذي عينه في رئاسة العشابين في مصر. وبعد وفاته خدم إبن البيطار الملك الصالح نجم الدين أيوب.

تقوم شهرة إبن البيطار في كتابه " الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" الذي أورد فيه أقوال المتقدمين والمتأخرين في طبائع الأدوية وقواها ومنافعها، وأضاف إليه تعليقات من عنده اكتسبها بواسع خبرته ورحلاته وطول معاناته لهذه الصناعة، وله كتب أخرى في هذا المجال.

رتب إبن البيطار كتاب " الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" على حروف المعجم مراعيا الحرفين الأولين، وجمع في كل حرف أسماء العشب والحيوان والأحجار، كما أورد فيه عددا من الأدوية المركبة وهو يفسر ماهية كل مادة، ويرجع إلى أقوال من سبقه في بعض الأحيان، وربما علق على بعضها لتصحيح قول او ترجيح رأي آخر. وقد اعتمد على مصادر كثيرة، ونبه في كتابه الى أوهام وأخطاء وقع فيها من سبقه.

وقد أورد أسماء الأعشاب والحيوان والأحجار بمختلف اللغات وذكر أسماءها الدارجة المشهورة في مختلف المناطق.

ابو نون
13-Jul-2011, 10:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
شكرا على المعلومات القيمة

moudar
13-Jul-2011, 09:39 PM
إبن بطوطة
(1304 ـ 1377م)

هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن يوسف اللواتي الطنجي المعروف بابن بَطُوطة.

ولد في مدينة طنجة يوم الاثنين في السابع عشر من شهر رجب سنة 703 هجرية ، ودرس بطنجة، وزاول دراسته في فجر حياته، لأنه لما شد رحله كان ابن اثنين وعشرين عاماً، وفي الوقت نفسه كان قد انتهى من الدراسة.
من أخلاقه الأصيلة أنه كان سريع التأقلم، ونعني به التكيف بطبيعة الإقليم الذي يستقر به، والاندماج في أهله، ومواطأتهم على عاداتهم ومألوفاتهم.

رحل ابن بطوطة ثلاث رحلات : أولاهن وهي أطولهن بدأها في يوم الخميس الثاني من شهر رجب سنة 725هـ (1325م) وانتهى منها يوم الجمعة أواخر شعبان عام سنة
750 هـ.

وينكفىء ابن بطوطة راجعاً من رحلته الأولى عن طريق سومطرة، فالهند، فاليمن، فبلاد العجم، فالعراق، فالشام، فمصر إلى أن يصل مكة في 22 شعبان سنة 749 هـ، فيقيم بها إلى موسم الحج. ويحج للمرة السادسة، ثم يسافر إلى المدينة المنورة، ومنها إلى القدس، ثم إلى مصر وينتهي عائداً إلى المغرب بعد أن غاب عنه 25 سنة، فيدخل فاس في أواخر شعبان عام 750هـ (1349م).

ولم تستقر الحال بابن بطوطة بعد رحلته الأولى هذه. حتى عاد، فبدأ رحلته الثانية في مملكة غرناطة بالأندلس.

وقد خرج ابن بطوطة في هذه الرحلة من بلدة طنجة، فمر بسبتة وجبل طارق ولقي بها من الأعلام أبا القاسم الشريف، وأبا سعيد بن لب وأبا البركات بن الحاج، وأبا القاسم بن عاصم وغيرهم.

عاد ابن بطوطة ليبدأ رحلته الثالثة إلى بلاد السودان، وفي سجلماسة أخذ أهبته لهذه الرحلة، وذلك في أول محرم سنة 753 هـ، فبعد 25 يوماً وصل إلى تغازي، وهي قرية الملح، بناؤها من أحجار الملح المسقفة بجلود الجمال، وبعد استراحة عشرة أيام استأنف الرحلة عبر الصحراء، وكانت رحلته شاقة ومحفوفة بالمخاطر. أخيراً وصل إلى مدينة أبو الأتن في السودان، ثم خرج منها متوجهاً صوب مالي ثم توجه إلى تمبكتو، ومنها إلى تكدا، ووصل في تنقلاته بين هذه المدن إلى نهر النيجر.

وبينما هو في تكدا وافاه أمر السلطان أبي عنان بالرجوع إلى المغر. فكر راجعاً إلى سجلماسة عن طريق توات، وفي نهاية عام 754هـ وصل إلى فاس بعد أن قضى في هذه الرحلة عامين كاملين.

أمره السلطان بإملاء رحلته على الكاتب أبي عبد الله بن جزي، فقام هذا بما كلف به من ضم أطراف الرحلة وترتيبها وتصنيفها وسماها: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، وانتهى من ذلك في 3 ذي الحجة عام 756هـ وتوفي ابن بطوطة سنة 777 هـ، وقيل: توفي سنة 779هـ = 1377م.

moudar
18-Jul-2011, 01:03 AM
أبو زهرة.. عالم يعرف قدره

لا يخلو عصر من العصور من قائم لله بحجة، يدعو الناس إلى الحق، وينير لهم الطريق ويكشف لهم الزيف، ويفند بين أيديهم الباطل، يتقدم الصفوف بلا خوف أو وجل، كأنه نجم يهتدي الناس به، يستشعر أنه واقف على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يبرحها إلا إذا فاضت روحه إلى بارئها.
ويتعجب الناس من صموده أمام الأعاصير الكاسحة وهو شامخ كالطود، صامد لا يلين، ثابت لا يهتز، مقدام لا يتراجع، لا ترهبه سطوة سلطان أو يغريه منصب ومال، موصول الصلة بالله وثيق المعرفة به.. هذا هو شأن الدعاة المصلحين الذين تأبى عليهم نخوتهم حين يرون أمتهم ترسف في أغلال الجهل والضعف إلا أن يمدوا لها يدًا، أو يقدموا إليها نصحًا، أو يهزوها هزا حتى تستيقظ من سباتها وتستفيق من غفلتها، وتعود إلى ما كانت عليه من قوة وعز وجاه.

المولد والنشأة
ولد محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة في المحلة الكبرى التابعة لمحافظة الغربية بمصر في (6 من ذي القعدة 1315هـ=29 من مارس 1898م)، ونشأ في أسرة كريمة عنيت بولدها، فدفعت به إلى أحد الكتاتيب التي كانت منتشرة في أنحاء مصر تعلم الأطفال وتحفظهم القرآن الكريم، وقد حفظ الطفل النابه القرآن الكريم، وأجاد تعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم انتقل إلى الجامع الأحمدي بمدينة طنطا، وكان إحدى منارات العلم في مصر تمتلئ ساحاته بحلقات العلم التي يتصدرها فحول العلماء، وكان يطلق عليه الأزهر الثاني ؛ لمكانته الرفيعة.
وقد سيطرت على الطالب النجيب روح الاعتزاز بالنفس واحترام الحرية والتفكير وكره السيطرة والاستبداد.. وقد عبر أبو زهرة عن هذا الشعور المبكر في حياته بقوله: "ولما أخذت أشدو في طلب العلم وأنا في سن المراهقة.. كنت أفكر: لماذا يوجد الملوك؟ وبأي حق يستعبد الملوك الناس؟، فكان كبر العلماء عندي بمقدار عدم خضوعهم لسيطرة الخديوي الذي كان أمير مصر في ذلك الوقت".
وبعد ثلاث سنوات من الدراسة بالجامع الأحمدي انتقل إلى مدرسة القضاء الشرعي سنة 1335هـ=1916م بعد اجتيازه اختبارًا دقيقًا كان هو أول المتقدمين فيه على الرغم من صغر سنه عنهم وقصر المدة التي قضاها في الدراسة والتعليم، وكانت المدرسة التي أنشأها محمد عاطف بركات تعد خريجها لتولي مناصب القضاء الشرعي في المحاكم المصرية. ومكث أبو زهرة في المدرسة ثماني سنوات يواصل حياته الدراسية في جد واجتهاد حتى تخرج فيها سنة 1343هـ=1924م، حاصلا على عالمية القضاء الشرعي، ثم اتجه إلى دار العلوم لينال معادلتها سنة 1346هـ=1927م فاجتمع له تخصصان قويان لا بد منهما لمن يريد التمكن من علوم الإسلام.

في قاعات العلم
وبعد تخرجه عمل في ميدان التعليم ودرّس العربية في المدارس الثانوية، ثم اختير سنة 1352هـ=1933م للتدريس في كلية أصول الدين، وكلف بتدريس مادة الخطابة والجدل؛ فألقى محاضرات ممتازة في أصول الخطابة، وتحدث عن الخطباء في الجاهلية والإسلام، ثم كتب مؤلفًا عد الأول من نوعه في اللغة العربية، حيث لم تُفرد الخطابة قبله بكتاب مستقل.
ولما ذاع فضل المدرس الشاب وبراعته في مادته اختارته كلية الحقوق المصرية لتدريس مادة الخطابة بها، وكانت تُعنى بها عناية فائقة وتمرن طلابها على المرافعة البليغة الدقيقة، وهذا ما يفسر كثرة الخطباء البلغاء من خريجي هذه المدرسة العريقة.
وبعد مدة وجيزة عهدت إليه الكلية بتدريس مادة الشريعة الإسلامية، وكان أبو زهرة أهلا لهذه الثقة الكبيرة، فزامل في قسم الشريعة عددًا من أساطين العلماء، مثل: أحمد إبراهيم، وأحمد أبي الفتح، وعلي قراعة، وفرج السنهوري، وكان وجود مثل هؤلاء معه يزيد المدرس الشاب دأبا وجدة في الدرس والبحث حتى يرتقي إلى صفوفهم ومكانتهم الرفيعة، وكانت فيه عزيمة وإصرار وميل إلى حياة الجد التي لا هزل فيها.
وقد تدرج أبو زهرة في كلية الحقوق التي شهدت أخصب حياته الفكرية حتى ترأس قسم الشريعة، وشغل منصب الوكالة فيها، وأحيل إلى التقاعد سنة 1378هـ=1958م، وبعد صدور قانون تطوير الأزهر اختير الشيخ أبو زهرة عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية سنة 1382هـ=1962م، وهو المجمع الذي أنشئ بديلا عن هيئة كبار العلماء، وإلى جانب هذا كان الشيخ الجليل من مؤسسي معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة، وكان يلقي فيه محاضراته في الشريعة الإسلامية احتسابًا لله دون أجر، وكان هذا المعهد قد أنشئ لمن فاتته الدراسة في الكليات التي تُعنى بالدراسات العربية والشرعية، فالتحق به عدد كبير من خريجي الجامعات الراغبين في مثل هذه الدراسات.

الإنتاج العلمي
كتب الشيخ أبو زهرة مؤلفات كثيرة تمثل ثروة فكرية ضخمة عالج فيها جوانب مختلفة في الفقه الإسلامي، وجلّى بقلمه فيها موضوعات دقيقة؛ فتناول الملكية، ونظرية العقد، والوقف وأحكامه، والوصية وقوانينها، والتركات والتزاماتها، والأحوال الشخصية في مؤلفات مستقلة.
وتناول ثمانية من أئمة الإسلام وأعلامه الكبار بالترجمة المفصلة التي تظهر جهودهم في الفقه الإسلامي في وضوح وجلاء، وهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وزيد بن علي، وجعفر الصادق، وابن حزم، وابن تيمية.
وقد أفرد لكل واحد منهم كتابًا مستقلاً في محاولة رائدة ترسم حياتهم العلمية، وتبرز أفكارهم واجتهاداتهم الفقهية، وتعرض لآثارهم العلمية التي أثرت في مسيرة الفقه الإسلامي. وقد وفق الشيخ أبو زهرة فيما كتب وتناول؛ فهو فقيه متخصص عرف الأصول والفروع وأمعن النظر في مؤلفات الفقه ودانت له أسرارها؛ فمؤرخ الفقهاء المتمكن لا بد أن يكون فقيها لا مؤرخا فحسب يقص علينا حياة المترجم له وإنسانيته وصلته بالعلوم المختلفة.
وإلى جانب الفقه وقضاياه كان لأبي زهرة جهود طيبة في التفسير والسيرة؛ فكان يفسر القرآن في أعداد مجلة لواء الإسلام الغراء، وأصدر كتابًا جامعًا بعنوان "المعجزة الكبرى" تناول فيه قضايا نزول القرآن وجمعه وتدوينه وقراءته ورسم حروفه وترجمته إلى اللغات الأخرى.
وختم حياته بكتابه خاتم النبيين تناول فيه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، معتمدًا فيه على أوثق المصادر التاريخية، وكتب السنة المعتمدة، وقد طبعت هذه السيرة في ثلاثة مجلدات.

جهاده الفكري
لم يكن الإمام محمد أبو زهرة من الذين ينشغلون بالتأليف عن متابعة الواقع والدعوة إلى الإصلاح والتغيير، بل قرن الكلمة المكتوبة بالقول المسموع والعلم الغزير بالعمل الواضح، وكان هذا سر قوته وتلهف الناس إلى سماع كلمته؛ فهو العالم الجريء الذي يجهر بالحق ويندد بالباطل ويكشف عوراته غير هياب أو وجل، وكانت صراحته في مواجهة الظالمين واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وقد حورب من أجلها فما تخاذل أو استكان، قاطعته الصحف ووسائل الإعلام الأخرى وآذته بالقول وشهّرت به؛ فما زاده ذلك إلا تمسكًا بالحق وإصرارًا عليه.
كان أبو زهرة من أعلى الأصوات التي تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية في الحياة، وقرر أن القرآن أمر بالشورى؛ ولذا يجب أن يختار الحاكم المسلم اختيارًا حرًا؛ فلا يتولى أي سلطان حكمًا إلا بعد أن يختار بطريقة عادلة، وأن اختيار الحكام الصالحين هو السبيل الأمثل لوقاية الشريعة من عبث الحاكمين، وكل تهاون في ذلك هو تهاون في أصل من أصول الإسلام.
ووقف أبو زهرة أمام قضية "الربا" موقفًا حاسمًا، وأعلن عن رفضه له ومحاربته بكل قوة، وكشف بأدلة علمية فساد نظرية الربا وعدم الحاجة إليها، وأن الإسلام حرّم الربا حمايةً للمسلمين ولمجتمعهم، وانتهى إلى أن الربا لا مصلحة فيه ولا ضرورة تدعو إليه.
ورأى بعض من لا علم لهم بالشريعة يكتبون في الصحف بأن من الصحابة من كان يترك العمل بالنص إلى رأيه الخاص الذي اجتهد فيه إذا اقتضت المصلحة ذلك، واستشهدوا على ذلك بوقائع لعمر بن الخطاب حين أبطل العمل بحد السرقة في عام الرمادة؛ فقام الشيخ بجلاء هذا الموقف، وبيّن أن المصلحة تعتمد على النص وترجع إليه، وأن القول دونما نص أو قاعدة كلية إنما هو قول بالهوى؛ فأصول الفقه تستند على أدلة قطعية، وأنه لا يجوز أن يعتمد على العقل في إثبات حكم شرعي، وأن المعول عليه في إثبات الأحكام الشرعية هو النصوص النقلية، وأن العقل معين له، وأبان الشيخ اليقظ أن عمر بن الخطاب وأمثاله من مجتهدي الصحابة لم يتركوا العمل بالنص، وإنما فهموه فهمًا دقيقًا دون أن يبتعدوا عنه.

شجاعته واعتزازه بعلمه
اشتهر أبو زهرة بين علماء عصره باعتزازه بعمله وعلمه وحرصه على كرامته وإقدامه على بيان ما يراه حقا، في وقت سكتت فيه الأصوات؛ التماسًا للأمن والسلامة من بطش ما كانت بيدهم مقاليد الأمور في البلاد، ولم يكن يردعهم خلق أو دين أو تحكم تصرفاتهم نخوة أو مروءة؛ فابتليت بهم البلاد وانكفأ الناس حول أنفسهم خوفا من هول ما يسمعون، ولكن الشيخ الفقيه لم يكن من هؤلاء، وإنما كان من طراز ابن تيمية والعز بن عبد السلام، ويروى له في ذلك مواقف محمودة تدل على أخلاق الرجل وشجاعته.
دعي الشيخ أبو زهرة إلى مؤتمر إسلامي مع جماعة من كبار علماء في العالم الإسلامي، وكان رئيس الدولة الداعية من ذوي البطش والاستبداد؛ فافتتح المؤتمر بكلمة يعلن فيها ما يسميه اشتراكية الإسلام، ودعا الحاضرين من العلماء إلى تأييد ما يراه والدعوة له. وبعد انتهاء الكلمة ساد قاعة الاحتفال صمت رهيب قطعه صوت الشيخ أبو زهرة طالبًا الكلمة، فلما اعتلى المنبر قال في شجاعة: إننا نحن علماء الإسلام الذين نعرف حكم الله في قضايا الدولة ومشكلات الناس، وقد جئنا إلى هنا لنصدع بما نعرف، وإن على رؤساء الدول أن يعرفوا قدرهم ويتركوا الحديث في العلم إلى أهله، ثم اتجه إلى رئيس الدولة الداعية قائلا: إنك تفضلت بدعوة العلماء لتسمع أقوالهم لا لتعلن رأيًا لا يجدونه صوابا مهما هتف به رئيس؛ فلتتق الله في شرع الله. فبهت رئيس الدولة وغادر القاعة.

مؤلفات الإمام أبي زهرة
بارك الله في وقت الشيخ فألف ما يزيد عن 30 كتابًا غير بحوثه ومقالاته، رزقها الله القبول فذاعت بين الناس وتهافت الناس على اقتنائها والاستفادة منها؛ فوراءها عقل كبير وقدرة على الجدل والمناظرة وذاكرة حافظة واعية، وقد ضرب بها المثل في قدرتها على الحفظ والاستيعاب. ومن أشهر مؤلفاته غير ما ذكرناه:
q تاريخ المذاهب الإسلامية.
q العقوبة في الفقه الإسلامي.
q الجريمة في الفقه الإسلامي.
q علم أصول الفقه.
q محاضرات في النصرانية.
q زهرة التفاسير، وقد نشر بعد وفاته.
q مقارنات الأديان.
وفاة الشيخ
وبعد حياة حافلة بجلائل الأعمال وبكل ما يحمد عليه توفي الشيخ سنة 1394هـ=1974م تاركا تراثا خالدا وذكرى عطرة ومواقف مشرفة.

moudar
19-Jul-2011, 04:41 PM
أسرة إبن زهر

اشتهرت أسرة ابن زهر بالسياسة والطب والفلسفة، وبرز منهم:

1. عبد الله بن زهر
2. زهر بن زهر
3. عبد الملك بن زهر
4. محمد بن زهر
سيرتهم:

إن أسرة ابن زهر من أسر الأندلس النابغة في الطب والأدب، والشعر والسياسة. استقر أبناؤها أولاً في جفن شاطبة من الجنوب الشرقي، ثم تفرّق حفدتهم في عدة حواضر. وتوالى نوابغهم في أعلى مراتب الطب، والفقه، والشعر، والأدب، كما تولوا في أرفع مناصب الإدارة والوزارة. وقد رأينا أن نفرد للأطباء منهم ذكراً يتناول أهم المنجزات في حقل الطب .

عبد الله بن زُهر

هو أبو مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن زُهر الأيادي. اشتغل بالفقه كأبيه، إلا أنه اشتهر بالطب. مارس في حواضر الشرق أولاً، فتولى رئاسة الطب في بغداد، في منتصف القرن الخامس للهجرة، ثم في مصر، فالقيروان. وعاد إلى بلاده، فاستقر في دانية على عهد الأمير مجاهد الذي قربه إليه وأجزل له العطاء، ومن بلاط هذا الأمير طار ذكره في أنحاء الأندلس والمغرب، وظل في دانية متمتعاً بالجاه العريض، والثروة الطائلة، حتى وفاته، على ما في (المطرب) لابن دحية و (وفيات الأعيان) لابن خلكان. ويقول ابن أبي أصيبعة أنه ترك دانية إلى إشبيلية حيث توفي.

زهر بن زُهر

هو أبو العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك، ابن السابق، عرف بأبي العلاء زهر، وصحف اسمه باللغة اللاتينية، في القرون الوسطى على أشكال شتى، اشهرها تصحيف (أبو العلاء زهر). وهذا دليل على شهرته وسير اسمه في أوساط الطب، وحلقات الأطباء الأوروبيين إذ ذاك. وكان قد أتقن هذا العلم على أبيه، كما درس الفلسفة والمنطق، وأخذ الأدب والحديث من شيوخ قرطبة. وجعل يمارس الطب نظرياً وعملياً، فخرّج عدة تلامذة، وأصبح علماً في تشخيص الأمراض وبلغت شهرته المعتمد بن عباد، أمير إشبيلية، فاستدعاه إليه وألحقه ببلاطه، وكان لجده أبي بكر محمد ضيعة صادرها أرباب السلطان، فأعادها المعتمد إليه. وظل أبو العلاء في بلاط إشبيلية حتى غزاها المرابطون وأُسر أميرها سنة 484 هـ. ثم استدرجه السلطان يوسف بن تاشفين المرابطي لخدمته، فالتحق ببلاطه، فوره منصب الوزارة. وكانت وفاته من تأثير نُغْلة، أي دمَّل فاسد، بين كتفيه، سنة 525 هـ في قرطبة، على قول ابن الأبار وابن دحية ومن أخذ عنهما، ونقل جثمانه إلى إشبيلية. إلا أن ابن أبي أصيبعة يقول أنه توفي بإشبيلية.

عبد الملك بن أبي العلاء بن زُهر

هو أبو مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر، ابن السابق، وأشهر أبناء الأسرة. ولد في إشبيلية، ولم يذكر مترجموه سنة ولادته، وقد تكون بين 484 و 487 هـ. كان أشهر أطباء عصره بالأندلس.

ويذكر له تاريخ الطب تجار خطيرة، وملاحظات دقيقة، وإضافات جمّة، منها وصفه الأورام الحيزومية وخرّاج التامور، وهي أمراض لم توصف من قبل، وكان أول طبيب عربي أشار بعملية شق الحجب منها شرحه لطريقة التغذية القيسرية أو الاصطناعية، بطريق الحلقوم أو بطريق الشرج. وقد دوّن كل ذلك في سلسلة من المؤلفات أهمها: كتاب التيسير في المداواة والتدبير الذي ترجم وطبع عدة مرات، كتاب الاقتصاد في إصلاح النفس والأجساد، كتاب الأغذية، كتاب الجامع.

وافاه الأجل من جرّاء خرّاج خبيث، سنة 557 هـ في إشبيلية، ودفن خارج باب النصر، وخلّف ابناً هو أبو بكر الشاعر والطبيب وابنة طبيبة. ومن غريب الصدف أن أباه قد توفي بتأثير دمّل خبيث كذلك.

محمد بن زُهر

هو أبو بكر محمد بن أبي مروان، ابن السابق، ويعرف بالحفيد ابن زهر، وُلد بإشبيلية سنة 507 هـ. جرى على سنن آبائه من التثقف بالطب والأدب.

إنصرف في الشؤون الطبية إلى الناحية العملية، فكان حسن المعالجة، جيد التدبير، لا يماثله أحد في ذلك. ولم يذكر من تأليفه إلا رسائله في طب العيون. وكان مع ابن زهر بنت أخت له علمها الطب، فمهرت في فن التوليد وأمراض النساء. بيد أن هبات الملك للطبيب، وإقباله عليه، مع ما أنعم الله عليه به من عريض الجاه، أثار حسد الوزير أبي زيد عبد الرحمن، فعمل على دسّ السم له ولبنت أخته، فتوفيا سنة 595 هـ.

وتجدر الإشارة إلى أن شهرة أبي بكر بن زهر لا تقوم على إنجازاته في حقل الطب وحده، بل بصورة خاصة على شعره، لا سيما موشحاته المبتكرة التي كان فيها من المقدمين، وقد تثقف، إلى ثقافته الطبية العلمية، بثقافة فقهية لغوية أدبية متينة وعميقة. وله موشحه المشهور (أيها الساقي) الذي انتشر في المغرب والمشرق.

عبد الله بن زُهر

هو أبو محمد عبد الله بن أبي بكر، ابن السابق، ولد في إشبيلية سنة 577 هـ، وأبوه في شيخوخته. فاهتم به اهتماماً شديداً، وثقفه على يده في الطب والأدب. حتى إذا شب جعله في خدمة الملك المنصور الموحدي، ثم خدم خليفته الملك محمد الناصر. وظل معززاً في مركزه، ونال شهرة باكرة في ميدان الطب العملي، حتى توفي مسموماً كأبيه سنة 602 هـ برباط الفتح في طريقه إلى مراكش، وهو في شرخ الشباب، غير مستوف الخامسة والعشرين. وترك ولدين: أبا مروان عبد الملك، وأبا العلاء محمداً الذي كان، هو أيضاً، طبيباً مشهوراً.

moudar
20-Jul-2011, 02:00 PM
إبن سينا

هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، اشتهر بالطب والفلسفة، ولد في قرية (أفشنة) الفارسية قرب بخارى سنة 370 هجرية وتوفي في همذان شنة 427 هجرية من أم من أهل القرية وأب جاء من بلخ (أفغانستان حاليا)
ثم انتقل به أهله إلى بخارى (أوزبكستان حاليا) ليدير أبوه بعض الأعمال المالية للسطان موح بن منصور الساماني، ختم القرآن وهو ابن عشر سنين، وتعمق في العلوم المتنوعة من فقه وأدب. وفلسفة وطب.
وبقي في تلك المدينة حتى بلوغه العشرين ويذكر أنه عندما كان في الثامنة عشر من عمره عالج السلطان نوح بن منصور من مرض حار فيه الأطباء، ففتح له السلطان مكتبته الغنية مكافأة له. ثم انتقل إلى خوارزم حيث مكث نحواً من عشر سنوات (392 - 402 هـ)، ومنها إلى جرجان فإلى الري. وبعد ذلك رحل إلى همذان وبقي فيها تسع سنوات، ومن ثم دخل في خدمة علاء الدولة بأصفهان. وهكذا أمضى حياته متنقلاً حتى وفاته في همذان، في شهر شعبان سنة 427 هـ.
قيل أنه أصيب بداء "القولنج" في آخر حياته. وحينما أحس بدنو أجله، اغتسل وتاب وتصدق وأعتق عبيده.
هو الملقب بالشيخ الرئيس، فيلسوف، طبيب وعالم، ومن عظام رجال الفكر في الإسلام ومن أشهر فلاسفة الشرق وأطبائه.
ترك إبن سينا مؤلفات متعدّدة شملت مختلف حقول المعرفة في عصره، وأهمها:
· العلوم الآلية، وتشتمل على كتب المنطق، وما يلحق بها من كتب اللغة والشعر.
· العلوم النظرية، وتشتمل على كتب العلم الكلّي، والعلم الإلهي، والعلم الرياضي.
· العلوم العملية، وتشتمل على كتب الأخلاق، وتدبير المنزل، وتدبير المدينة، والتشريع.
ولهذه العلوم الأصلية فروع وتوابع، فالطب مثلاً من توابع العلم الطبيعي، والموسيقى وعلم الهيئة من فروع العلم الرياضي.

كتب الرياضيات: من آثار إبن سينا الرياضية رسالة الزاوية، ومختصر إقليدس، ومختصر الارتماطيقي، ومختصر علم الهيئة، ومختصر المجسطي، ورسالة في بيان علّة قيام الأرض في وسط السماء. طبعت في مجموع (جامع البدائع)، في القاهرة سنة 1917 م.

كتب الطبيعيات وتوابعها:
جمعت طبيعيات إبن سينا في الشفاء والنجاة والإشارات، وما نجده في خزائن الكتب من الرسائل ليس سوى تكملة لما جاء في هذه الكتب. ومن هذه الرسائل: رسالة في إبطال أحكام النجوم، ورسالة في الأجرام العلوية، وأسباب البرق والرعد، ورسالة في الفضاء، ورسالة في النبات والحيوان.

كتب الطب أشهر كتب إبن سينا الطبية كتاب القانون الذي ترجم وطبع عدّة مرات: والذي ظل يُدرس في جامعات أوروبا حتى أواخر القرن التاسع عشر. ومن كتبه الطبية أيضاً كتاب الأدوية القلبية، وكتاب دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانية، وكتاب القولنج، ورسالة في سياسة البدن وفضائل الشراب، ورسالة في تشريح الأعضاء، ورسالة في الفصد، ورسالة في الأغذية والأدوية. ولإبن سينا أراجيز طبية كثيرة منها: أرجوزة في التشريح، وأرجوزة المجربات في الطب والألفية الطبية المشهورة التي ترجمت وطبعت.
وألّف في الموسيقى أيضاً: مقالة جوامع علم الموسيقى، مقالة الموسيقى، مقالة في الموسيقى.

لإبن سينا كتاب نفيس في الطب هو " القانون"، جمع فيه ما عرفه الطب القديم وما ابتكره هو من نظريات واكتشفه من أمراض، وقد جمع فيه أكثر من سبعمائة وستين عقارا مع أسماء النباتات التي يستحضر منها العقار.

بحث إبن سينا في أمراض شتى أهمها السكتة الدماغية، التهاب السحايا والشلل العضوي، والشلل الناجم عن إصابة مركز في الدماغ، وعدوى السل الرئوي، وانتقال الأمراض التناسلية، والشذوذ في تصرفات الإنسان والجهاز الهضمي. وميز مغص الكلى من مغص المثانة وكيفية استخراج الحصاة منهما كما ميز التهاب البلورة ( غشاء الرئة ) والتهاب السحايا الحاد من التهاب السحايا الثانوي.

وبرز في دراسة العقم وعلاقة ذلك بالأحوال النفسية بين الزوجين، وتحدث عن السرطان ومعالجته، وخالف أبقراط في وجوب الامتناع عن معالجته إذ قال:
والسرطان إذا استؤصل في أول أعراضه شفي المريض منه، وبحث في التحليل النفسي. وبحث إبن سينا كما بحث ابن الهيثم في سبب تكون الجنين وعلة تكونه في الرحم ذكرا كان أم أنثى، وعن خروجه من الرحم، وتشريح جسم الإنسان، والعظام، والفم، والغضاريف، والأنف وغير ذلك.

اكتشف الطفيلية المعوية، الدودة المستديرة ووضعها بدقة في كتاب القانون وهي التي تسمى حديثا " الأنكلستوما "، وبين أنها تسبب داء اليرقان.
كما وصف السل الرئوي وبين أن عدواه تنتشر عن طريقي الماء والتراب ووصف الجمرة الخبيثة " الفيلاريا " .

وقد درس الحواس وبين ارتباطها ومكانها في الدماغ، كما استفاض في موضوع العين وكيفية الإبصار والرؤية.

moudar
21-Jul-2011, 12:31 PM
الأخطل


هو غياث بن غوث التغلبي لقبه الأخطل وكنيته أبو مالك. شاعر أموي، ولد في الحيرة أيام عشرين للهجرة، من أب تغلبي فقير. اتجه منذ صباه إلى شعر الهجاء، ولهذا اتصل به يزيد حين أقدم شاعر من الأنصار على هجائه وهجاء والده والتشبيب بأخته والتحدث عن غراميات معها، وطلب منه أن يهجو الأنصار.

فتهيب الأخطل ثم قبل لعدة أسباب، أهمها أنه أموي الهوى وطالب شهرة وطالب مال.
وهكذا انفتح باب المجد أمامه، فأطلق لسانه في هجاء الأنصار ونعتهم بأنهم يهود، وبأنهم فلاحون، يشربون الخمر، وضرب على وتر حساس فجعلهم دون قريش مكانة وشرفا، وأثار ما كان بين القحطانية والعدنانية من عداء، وجعل اللؤم تحت عمائم الأنصار، وأمضهم في نصيحته حين ثناهم عن طلب المجد لأنهم ليسوا من أهله، ووصمهم بالجبن في القتال:

لعن الإله بني اليهود عصابة بالجزع بين جلاجل وصرار
قوم إذا هدر العصير رأيتهم حمرا عيونهم كجمـر النـار
ذهبت قريش بالمكارم والعلا واللؤم تحت عمائم الأنصـار
فذروا المعالي لستم من أهلها وخذوا مساحيكم بني النـجار


وكانت هذه المناسبة سبيله إلى الاتصال ببني أمية وخاصة بعبد الملك بن مروان حتى أصبح شاعرهم الناطق باسمهم، والمروج لسياستهم. والمدافع عنهم وكان يمثل قبيلته تغلب في الوقت نفسه، فيتغنى بأمجادها، ويهجو أعداءها القيسية، ويشد النزاع القبلي بين تغلب وقبائل قيس إلى عجلة السياسة الأموية، ومما سهل عليه ذلك كون بني تغلب حلفاء للأمويين، بينما القيسية أعداء الخلافة. التحم الهجاء بين الأخطل وجرير حتى مات أبو مالك ( الأخطل) في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة 92 هـ = 718 م.

moudar
22-Jul-2011, 02:46 PM
الطوسي

هو العلامة أبو جعفر محمد الطوسي، ولد في طوس في مطلع القرن السابع للهجرة، وتوفي ببغداد في أواخر القرن نفسه، وكان أحد حكماء الإسلام الذين طارت لهم شهرة كبيرة.

كرَّمه الخلفاء وقرّبوه، كما جالس الأمراء والوزراء، مما أثار حسد الناس، فوشوا به كذباً وحكم عليه بالسجن. وقد وضع في إحدى القلاع حيث أنجز أكثر مؤلفاته في الرياضيات، فكان سجنه سبباً في ازدياد شهرته.

وعندما استولى هولاكو، ملك المغول، على بغداد، أطلق سراح الطوسي وقرّبه وأكرمه، وجعله في عداد علماءه، ثم عيّن أميناً على أوقاف المماليك التي استولى عليها هولاكو. وقد استغل الطوسي الأموال التي دفعت له في إنشاء مكتبة كبيرة زادت مجلداتها على مئتي ألف كتاب. كما بنى الطوسي مرصداً فلكياً وجعل فيه عدداً من العلماء المشهورين، أمثال المؤيد العرضي الذي أقبل من دمشق، والفخر المراغي الموصلي، والنجم دبيران القزويني، ومحيي الدين المغربي الحلبي.

وقد ترك الطوسي عدة مؤلفات، أهمها كتاب (شكل القطاع)، وهو أول مؤلَّف فرق بين حساب المثلثات وعلم الفلك. وألف الطوسي عدداً من الكتب في الجغرافيا، والحكمة، والموسيقى، والتقاويم الفلكية، والمنطق، والأخلاق، والرياضيات. وكلها تدل على انصرافه إلى العلم دون سواه. وترجم الطوسي بعض كتب اليونان، وعلق على موضوعها شارحاً ومنتقداً. وفي المرصد الذي بناه ألف جداوله الرياضية الفلكية (الأزياج) التي أمدت أوروبا بالوفير من ألوان العلم والمعرفة.

تمكن الطوسي من تعيين ترنح الاعتدالين، كما استنبط براهين مبتكرة لمسائل فلكية عميقة. ووضع للكون نظاماً أكثر تبسيطاً من نظام بطليموس. وقد كانت بحوثه إحدى الخطوات التي ساعدت (كوبرنيك) فيما بعد على اتخاذ الشمس مركزاً للمجموعة الشمسية، بدلاً من اتخاذ الأرض مركزاً للكون، كما كان يظن قبل عصر النهضة.

وللطوسي بحوثه الفريدة في القبة السماوية، ونظام الكواكب، وحساب المثلثات الكرويّة، والقطاع الكروي، وكلها موضوعات تدخل في صميم علم الفلك الحديث. كما أدخل طرقاً مبتكرة في معالجة نظريات الجبر والهندسة. كما توصل إلى صياغة براهين جديدة لقضايا رياضية متعددة.

قال عنه (سارطون): (إن الطوسي من أعظم علماء الإسلام، ومن أكبر رياضييهم). كما اعتمد (ريجومونتانوس) على مؤلفات الطوسي في وضع كتابه (المثلثات).

moudar
23-Jul-2011, 12:58 PM
البحتري

شاعر من العصر العباسي الثاني اسمه الوليد بن عبد الله وكنيته أبو عبادة، ولقبه البحتري نسبة إلى جده بحتر من قبيلة طيء.


ولد سنة (821 م- 205 هـ)، في بلدة منبج من أعمال حلب، وفيها نشأ وترعرع متلقيا علومه الأولى، آخذا إلى البادية صفاء اللغة وصحة الراوية الشعرية وملكة البلاغة.

ترك بلده في مطلع شبابه وذهب إلى حلب حيث أحب علوة الحلبية المغنية التي ذكرها كثيرا في شعره. ومن حلب اتجه إلى حمص حيث لقي أبا تمام فتتلمذ عليه في الشعر دون أن يتأثر بنزعته إلى الفلسفة والمنطق.

ولما أتقن صناعة الشعر، ذهب إلى العراق فكان موطن شهرته، وفيه اتصل بالخلفاء والوزراء وعظماء القوم. وقد لازم المتوكل وأصبح شاعر بلاطه، فأحبه كما أحبه وزيره الفتح بن خاقان، فكان ينادمهما في مجالس أنسهما. قتل المتوكل والفتح وكان البحتري حاضرا فرثى الخليفة في قصيدته المشهورة عبر بها عن عاطفته الجياشة الصادقة.

قفل عائدا إلى وطنه، ولكنه حنّ إلى العراق ثانية، فعاد إليه واتصل بالخلفاء، ثم رجع آخر خلافة المعتمد إلى منبج حيث مات سنة 897 م.

من رقيق شعر البحتري:
أنَزَاعاً في الحُبّ بَعدَ نُزُوعِ، وَذَهَاباً في الغَيّ بَعْدَ رُجُوعِ
قَد أرَتْكَ الدّموعُ، يوْمَ تَوَلّتْ ظُعُنُ الحَيّ، مَا وَرَاءَ الدّمُوعِ
عَبَرَاتٌ مِلْءُ الجُفُونِ، مَرَتها حُرَقٌ في الفُؤادِِ مِلْءُ الضّلُوعِ
إنْ تَبِتْ وَادِعَ الضّمِيرِ فعِندي نَصَبُ مِنْ عَشِيّةِ التّوْديعِ
فُرْقَةٌ، لمْ تَدَعْ لعَيْنَيْ مُحِبٍّ مَنظَراً بالعَقيقِ، غيرَ الرّبُوعِ
وَهيَ العِيسُ، دَهرَها، في ارْتحالٍ مِنْ حلولٍ، أوْ فُرْقةٍ من جَميع
رُبَّ مَرتٍ مَرت ْتُجاذِبُ قُطْريهِ سَراباً كالْمَنْهلِ المْمَشرُوعِ
وَسُرًى تَنْتَحيهِ بالوَخْدِ، حتّى تَصْدَعَ اللّيلَ عَن بَياضِ الصّديعِ
كالبُرَى في البُرَى، وَيُحسَبنَ أحيا ناً نُسُوعاً مَجدولَةً في النّسوعِ
أبْلَغَتْنَا مُحَمّداً، فَحَمِدْنَا حُسنَ ذاكَ المَرْئيّ وَالمَسموعِ
في الجَنابِ المُخضَرّ وَالخُلُقِ السّكْـ ـبِ الشّآبيبِ، وَالفِناءِ الوَسيعِ
مِنْ فتًى، يَبتَدي، فيَكثُرُ تَبديـ ـدُ العَطايا في وَفْرِهِ المَجْمُوعِ
كلَّ يَوْمٍ يَسُنُّ مَجداً جَديداً، بفَعالٍ، في المَكرُماتِ، بَديعِ
أدَبٌ لمْ تُصِبْهُ ظُلْمَةُ جَهْلٍ، فهوَ كالشّمسِ عندَ وَقتِ الطّلوعِ
وَيَدٌ، لا يَزَالُ يَصرَعُها الجُو دُ، وَرَأيٌ في الخَطبِ غيرُ صرِيعِ
باتَ مِنْ دونِ عِرْضِهِ، فحَماهُ خَلْفَ سُورٍ منَ السّماحِ مَنيعِ
وَإذا سَابَقَ الجِيَادَ إلى المَجْـ ـدِ، فَما البرْقُ خَلفَهُ بسَرِيعِ
وَمَتى مَدّ كَفَّهُ نَالَ أقْصَى ذلكَ السّؤدَدِ البَعيدِ، الشَّسوعِ
أُسْوَةٌ للصّديقِ تَدْنُو إلَيْهِ عَن مَحَلٍّ في النَّيلِ، عالٍ رَفيعِ
وَإذا مَا الشّرِيفُ لَمْ يَتَوَاضَعْ للأخِلاّءِ، فهوعَينَ الوَضِيعِ
يَا أبَا جَعْفَرٍ! عَدِمْتُ نَوَالاً لَسْتَ فيهِ مُشَفّعي، أوْ شَفيعي
أنتَ أعْزَزْتَني، وَرُبّ زَمَانٍ، طالَ فيهِ بَينَ اللّئَامِ خُضُوعي
لمْ تُضِعْني لَمّا أضَاعَنيَ الدّهْـ ـرُ، وَلَيسَ المُضَاعُ إلاّ مُضِيعي
وَرِجالٍ جارَوْا خَلائِقَكَ الغُرّ وَلَيْسَتْ يَلامِقٌ مِنْ دُرُوعِ
وَلَيالي الخَرِيفِ خُضْرٌ، وَلكِنْ رَغّبَتْنَا عَنْهَا لَيالي الرّبيعِ

moudar
24-Jul-2011, 01:05 PM
سيبويه

هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر البصري، المعروف بسيبَوَيه (بالفارسية: سيبوُيه أي: "رائحة التفاح") (140 هـ/760 م-180 هـ/796 م) إمام العربية وشيخ النحاة الذي إليه ينتهون، وله كتاب في النحو يسمى "الكتاب" وهو أول كتاب منهجي ينسق ويدون قواعد اللغة العربية، «لم يكتب الناس في النحو كتاباً مثله».[1]. وسيبويه فارسي الأصل، ولد في مدينة البيضاء قرب شيراز في بلاد فارس، كان مولى بني الحارث بن كعب، ثم مولى آل الربيع بن زياد الحراثي[2]. وقدم إلى البصرة غلاما، وقدا اختلف في موعد قدومه تحديدا[3]، ونشأ فيها وأخذ عن علمائها، وعلى رأسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي. له وصف لمخارج حروف اللغة العربية هو الأدق حتى الآن.

في أدب طالب العلم مع أستاذه، وفي عزم المسلم الصادق في تحصيل ما ينفعه قال سيبويه: (لا جرم، سأطلب علمًا لا تُلَحِّنيَّ فيه (لا تُخَطِّئني فيه).

مقولة قالها سيبويه لأستاذه حماد بن سلمة مفتي البصرة، فقد كان يعقد حلقة
للعلم، وكان سيبويه تلميذه، وكان حريصًا كل الحرص على حضورها، وذات
مرة جلس حماد يلقي درسًا من دروسه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء) فظن سيبويه أن شيخه قد أخطأ في عبارة: (ليس أبا الدرداء) فقام من مكانه ليصححها له،وقال:

(ليس أبو الدرداء) لأنه اعتقد أن كلمة (أبا) اسم ليس التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر فابتسم الشيخ في وجه الفتى الصغير وقال: لحنتَ وأخطأتَ يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبتَ، إنما ليس ها هنا استثناء، فقال سيبويه بأدب لأستاذه قولته السابقة: لا جرم سأطلب علمًا لا تُلَحِّني فيه.

ومنذ ذلك الحين بدأ الفتى الصغير رحلة الاجتهاد والجد، لتحصيل علوم اللغة العربية وخاصة علم النحو، ولد أمير النحاة (عمرو بن عثمان بن قنبر) أبو بِشْر، المعروف بـ(سيبويه) في (البيضاء) إحدى قرى (شيراز) ببلاد فارس عام 148هـ، وكان نظيفًا كل من يلقاه يشم منه رائحة طيبة؛ وكانت أمه تناديه منذ صغره بـ(سيبويه) وهي كلمة فارسية تعني: رائحة التفاح، وذلك لطيب رائحة التفاح.


رحل سيبويه إلى البصرة، فنشأ بها، وكانت لديه رغبة شديدة في تحصيل العلم؛ فبدأ يتعلم الحديث والفقه ولازم الفقهاء وأهل الحديث، ثم أخذ يتلقى العلم على أيدي العلماء، فتعلم على يد (حماد ابن سلمة) مفتي البصرة وأحد علماء عصره، كما تعلم على يد (الأخفش الأكبر) وهو من أئمة اللغة والنحو، فأخذ عنه سيبوبه اللغة وشيئًا من النحو، أما (الخليل بن أحمد) فقد كان المعلم الأكبر لسيبويه، حتى إنه دخل على الخليل ذات مرة، فقال له: مرحبًا بزائر لا يُمل، وكان يحب سيبويه كثيرًا ويفسح له صدره.

ظل سيبويه على هذه الحال حتى أصبح معلمًا، وأصبح له تلاميذ يلتفون حوله ويأخذون منه، ويكتبون عنه، وكان من تلاميذه (أبو الحسن الأخفش) وقد ألف سيبويه كتابًا عظيمًا في علم النحو سماه (الكتاب) جمع فيه كل ما سمعه من أستاذه (الخليل بن أحمد) وغيره من العلماء في هذا العلم، واشتهر بعده بـ (كتاب سيبويه) الذي يعده العلماء دستورًا لعلم النحو وقانونًا لقواعده، ومن شدة اعتزاز الفَرَّاء -وهو أحد كبار علماء النحو- بهذا الكتاب أن الناس وجدوا عند موته وتحت وسادته (كتاب سيبويه)!!
وقد أفاد سيبويه الكثيرين بعلمه، حتى وصل علمه إلى عامة الناس الذين أخذوا
عنه، وتعلموا منه الفصاحة.. يحكي أن رجلاً قال لسماك (يبيع السمك)
بالبصرة: بكم هذه السمكة؟ قال: بدرهمان.. فضحك الرجل مستهزئًا من السماك لأنه رفع المجرور.
فقال السماك: ويلك أنت أحمق، لقد سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان!!.

وقد أصيب سيبويه بمرض قبل وفاته، وفي أثناء مرضه، وجده أخوه -يومًا- متعبًا قد اشتد عليه المرض، فبكى وتساقطت دموعه على وجه سيبويه، فرآه سيبويه فأنشد يقول:
يَسُرُّ الفَتَى مَا كَانَ قَدَّمَ مِنْ تُقَى

إِذَا عَرَفَ الدَّاءَ الذي هُوَ قَاتِلُهْ

وعند مماته أخذ ينصح أصحابه ومن حوله قائلاً:

يُؤمِّــــل دُنْيَا لِتَبْقَى لَـــــهُ

فمَات المؤَمِّلُ قَبْلَ الأَمَــلْ

حَثِيثًا يُرَوِّي أُصُولَ النَّخِيلِ

فَعَاشَ الفَسِيلُ وَمَاتَ الرَّجُلْ


ومات سيبويه في شيراز سنة 796م بعد أن ترك ثروة كبيرة من العلم، لينتفع بها الناس في كل زمان ومكان.

moudar
25-Jul-2011, 03:04 PM
جحا
جحا هي شخصية خيالية فكاهية في الأدب العربي. هو أبو الغصن دُجين الفزاري الذي عاش نصف حياته في القرن الأول الهجري ونصفها الآخر في القرن الثاني الهجري، فعاصر الدولة الأموية وبقي حياً حتى حكم الخليفة المهدي، وقضى أكثر سنوات حياته التي تزيد على التسعين عاماً في الكوفة.

اختلف فيه الرواة والمؤرخون، فتصوّره البعض مجنوناً وقال البعض الآخر إنه رجل بكامل عقله ووعيه وإنه يتحامق ويدّعي الغفلة ليستطيع عرض آرائه النقدية والسخرية من الحكام بحرية تامة.

وما إن شاعت حكاياته وقصصه الطريفة حتى تهافتت عليه الشعوب، فكل شعب وكل أمة على صلة بالدولة الإسلامية صمّمت لها (جحا) خاصاً بها بتحوير الأصل العربي بما يتـلاءم مع طبيعة تلك الأمة وظروف الحياة الاجتماعية فيها. ومع أن الأسماء تختلف وشكل الحكايات ربما يختلف أيضاً، ولكن شخصية (جحا) المغفّل الأحمق وحماره هي هي لم تتغيّر ،

بل إنك تجد الطرائف الواردة في كتاب (نوادر جحا) المذكور في فهرست ابن النديم (377هـ) هي نفسها لم يختلف فيها غير أسماء المدن والملوك وتاريخ وقوع الحكاية، فجحا العربي عاش في القرن الأول الهجري واشتهرت حكاياته في القرنين الثاني والثالث، وفي القرون التي تلت ذلك أصبح (جحا) وحكاياته الظريفة على كل لسان، وقد ألّفت مئات الحكايات المضحكة ونُسبت إليه بعد ذلك، ويبدو أن الأمم الأخرى استهوتها فكرة وجود شخصية ظريفة مضحكة في أدبها الشعبي لنقد الحكام والسخرية من الطغاة والظالمين، فنقلت فكرة (جحا العربي) إلى آدابها مباشرة، وهكذا تجد شخصية (نصر الدين خوجه) في تركيا، و(ملة نصر الدين) في إيران، و(غابروفو) جحا بلغاريا المحبوب، و(ارتين) جحا أرمينيا صاحب اللسان السليط، و(آرو) جحا يوغسلافيا المغفل. وبعودة بسيطة إلى التاريخ تكتشف أن كل هذه الشخصيات في تلك الأمم قد ولدت واشتهرت في القرون المتأخرة، وهناك شك في وجودها أصلاً، فأغلب المؤرخين يعتقدون أنها شخصيات أسطورية لا وجود لها في الواقع، وقد اشتهرت حكاياتها في القرون الستة الأخيرة، وربما أشهرها وأقدمها هو (الخوجة نصر الدين) التركي الذي عاصر تيمورلنك في القرن الرابع عشر الهجري، كما يتضح ذلك من حكاياته الطريفة مع هذا الطاغية المغولي.

moudar
26-Jul-2011, 08:15 PM
محمد أسـد

(1900 ــ 1992)
المفكر الإسلامي الكبير

ولد في إقليم غاليسيا في بولندا في شهر يوليو، كان أبواه يهوديين، وكان اسمه ليوبولد فايس.
بدأ يتدرب ليصبح كاهناً مثل جده، ثم اشتغل بعد تخرجه من الجامعة في فيينا بالصحافة.
وسافر إلى القدس بدعوة من خاله، حيث تعرف على الحركة الصهيونية ورفضها.

بدأت من هناك رحلة عشقه الإسلام وعالمه، بدءا باستكشافه كزائر، ثم كصحافي، وانتهت باعتناقه الإسلام في الجزيرة العربية عام 1926م، ومن ثم انطلقت ملحمة تفاعل عقل من أبرز عقول القرن العشرين مع الإسلام،وقد سجل محمد أسد وقائع هذه الملحمة في كتابه «الطريق إلى مكة» (صدر عام 1953) الذي يعتبر من أروع الأعمال الأدبية والفكرية التي جاد بها هذا القرن.

أحب أسد جزيرة العرب وأهلها واعتبرها موطنه، كان من أتباع الملك عبد العزيز وبادله الود، وظل من أخلص خلصائه زماناً، واتصلت مودته بأولاده من بعده.
تفاعل أسد مع كل قضايا الأمة، ورافق الشهيد عمر المختار وصحبه في جهاده ضد الإيطاليين. ثم انتقل بعد ذلك إلى الهند، حيث لقي العلامة محمد إقبال، وقد أقنعه إقبال ليبقى حتى يساعد في إذكاء نهضة الإسلام في الهند، ومشروع إقامة دولة باكستان.

بعد الحرب وقيام دولة باكستان انتقل إلى هناك، واكتسب جنسية الدولة الجديدة، ثم أصبح مدير قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية بها، فمندوبها الدائم في الأمم المتحدة في نيويورك، وفي عام 1953م استقال من منصبة بعدما أعلن أنه اطمأن إلى أن الدولة الجديدة قامت على قدميها.

وفي عام 1964م شرع في أضخم مشروع في حياته، وهو مشروع ترجمة معاني القرآن الكريم، وأمضى سبعة عشر عاماً وهو يعد الترجمة، فكانت النتيجة في عام 1980م صدور واحدة من أهم ترجمات معاني القرآن الكريم إلى الإنكليزية.
رفض إسرائيل وحاربها، وظل حتى آخر أيامه يكتب ليثبت بمنطق العقل ان المسلمين هم أولى الناس بالقدس ورعايتها وعمارة مساجدها ومقدساتها.

كان أول كتبه عن الإسلام بعنوان (الإسلام على مفترق الطرق) الذي نشر سنة 1934م ونال شعبية واسعة. ولا ريب أن أعظم ما ترك أسد من أثر هو تفسيره للقرآن الكريم. لكن كتابه الأوسع أثراً ظل «الطريق إلى مكة».

وكان أسد ألّف أيضاً «مبادىء الدولة في الإسلام» (1947) و«شريعتنا هذه» (1987) وهما يتناولان نظرية الحكم في الإسلام.

عند وفاته كان محمد أسد يعد الجزء الثاني من مذكراته ليحكي فيها طرفاً آخر من حياته العامرة، وكان العنوان الذي اختاره للكتاب هو: «عودة القلب إلى وطنه».

ودفن في مقابر المسلمين في غرناطة بالأندلس.

حسين المتكسي
27-Jul-2011, 09:38 AM
اثابك الله خيرا كثيرا .. اخي الحبيب moudar ، وشكر الله لك هذه المعلومات المهمة والمعرفة .. ونسأله سبحانه ان يديم عليك نعمة الابداع والالق وان يحفظك بحفظه المتين

moudar
28-Jul-2011, 09:31 PM
اثابك الله خيرا كثيرا .. اخي الحبيب moudar ، وشكر الله لك هذه المعلومات المهمة والمعرفة .. ونسأله سبحانه ان يديم عليك نعمة الابداع والالق وان يحفظك بحفظه المتين
حبيبي ابو علي الف تحيه لك
والف شكرا علي ذا الكلمات الطيبه
اسعدني مروركم جدا
لك التحيه اخي الحبيب ابو علي

moudar
28-Jul-2011, 09:32 PM
محمود سامي البارودي

هو الشاعر المصري وأحد زعماء الثورة العرابية وأشعر الشعراء المصريين، محمود سامي البارودي ، فقد أباه وهو في السابعة من عمره ، إهتم بعض ذويه بتعليمه فوجهوه بعد التعليم الإبتدائي إلى المدارس الحربية، فتخرّج منها ضابطا متقنا للفنون الحربية، ومع ذلك بقي مشغوفا بالمطالعة مولعا بالأدب، فأخذ يلتهم دواوين الشعراء ويتذاكر في قضايا الشعر مع معاصريه، والمولعين بالأدب، فتهذّبت ميوله، وقويت شاعريّته، وتقوّم لسانه على الفصاحة، أخذ ينظم الشعر وهو في العشرين من عمره، رحل إلى الآستانة فإتقن الفارسية والتركية، وله فيها قصائد، وعاد إلى مصر فكان من قواد الحملتين المصريتين لمساعدة تركيا الأولى في عام 1868، والثانية في الحرب الروسية عام 1877، وتقلّب في المناصب، وإنتهت به إلى رئاسة النظّار، ولما حدثت الثورة العرابيّة، كان في صفوف الثائرين، ودخل الإنكليز القاهرة، فقبض عليه وسجن، وحُكم عليه بالإعدام، ثم أبدل الحكم بالنفي إلى جزيرة سيلان، حيث أقام سبعة عشر عاما تعلم الإنكليزية في خلالها ، وترجم عنها كتبا إلى العربيّة ، وكف بصره ، وعُفي عنه في العام 1899، فعاد إلى مصر، له ديوان شعر في جزئين، وله مجموعات شعرية سُميّت مختارات البارودي، جمع فيها مقتطفات لثلاثين شاعرا من الشعر العبّاسي، وله مختارات من النثر تُسمّى قيد الأوابد، نظم البارودي مطولة في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، تقع في أربعمائة وسبعة وأربعين بيتا، وقد جارى فيها قصيدة البوصيري البردى، قافية ووزنا وسماها، كشف الغمّة في مدح سيّد الأمة، مطلعها :

يا رائد البرق يمّم دارة العلم
واحْد الغَمام إلى حي بذي سلم

يُعد محمود سامي البارودي من الشعراء المؤمنين بتهذيب الشعر، فقد روي أنه عندما عاد من المنفى بدأ يرتّب من جديد ديوانه، ويعيد النظر فيما قاله من القصائد، وقصده من ذلك أن يخلّف للأجيال شعرا جيدا مصقولا لفظا ومعنى ، تُوفِّي في الثاني عشر من شهر كانون الأول في العام 1904م.

moudar
30-Jul-2011, 03:33 PM
محمود تيمور
يُعدُّ محمود تيمور أحد الرواد الأوائل لفن القصة العربية، وهو واحد من القلائل الذين نهضوا بهذا الفن الذي شهد نضوجًا مبكرًا على يديه، واستطاع أن يقدم ألوانًا مختلفة من القصص الواقعية والرومانسية والتاريخية والاجتماعية، كما برع في فنون القصة المختلفة؛ سواء كانت القصة القصيرة، أو الرواية، وتأثَّر به عدد كبير من الأدباء والروائيين الذين أفادوا كثيرًا من ريادته الأدبية وإبداعاته القصصية؛ فساروا على دربه، ونسجوا على منواله.
ولد محمود أحمد تيمور في أحد أحياء مصر القديمة في (12 من المحرم 1312هـ = 16 من يونيو 1894م)، ونشأ في أسرة عريقة على قدر كبير من الجاه والعلم والثراء؛ فقد كان أبوه أحمد تيمور باشا واحدًا من أبرز أعلام عصره ومن أقطاب الفكر والأدب المعدودين، وله العديد من المؤلفات النفيسة والمصنفات الفريدة التي تكشف عن موسوعية نادرة وعبقرية فريدة.
وكان درب سعادة -وهو الحي الذي وُلد فيه محمود تيمور- يتميز بأصالته الشعبية؛ فهو يجمع أشتاتًا من الطوائف والفئات التي تشمل الصناع والتجار وأرباب الحرف من كل فن ولون.
وقد تَشربَّت نفسه وروحه بتلك الأجواء الشعبية منذ نعومة أظفاره، واختزنت ذاكرتُه العديدَ من صور الحياة الشعبية والشخصيات الحية التي وقعت عيناه عليها، وأعاد رسمها وعبر عنها -بعد ذلك- في الكثير من أعماله القصصية.
وما لبثت أسرته أن انتقلت إلى ضاحية عين شمس؛ فعاش في ريفها الساحر الجميل الذي كان ينبوعًا لوجدانه، يغذيه بالجمال والشاعرية، ويفجر فيه ملكات الإبداع بما فيه من مناظر جميلة وطبيعة خلابة ساحرة.
نقطة التحول
وقد تعلم محمود تيمور بالمدارس المصرية الابتدائية والثانوية الأميرية، والتحق بمدرسة الزراعة العليا، ولكن حدثت نقطة تحول خطيرة في حياته وهو لم يتجاوز العشرين من عمره بعد؛ فقد أصيب بمرض التيفود، واشتدت وطأة المرض عليه؛ فانقطع عن دراسته الزراعية، ولزم الفراش ثلاثة أشهر، قضاها في القراءة والتأمل والتفكير، وسافر إلى الخارج للاستشفاء بسويسرا، ووجد في نفسه ميلاً شديدًا إلى الأدب؛ فألزم نفسه بالقراءة والاطلاع، وهناك أتيحت له دراسة عالية في الآداب الأوربية؛ فدرس الأدب الفرنسي والأدب الروسي، بالإضافة إلى سعة اطلاعه في الأدب العربي.
واتسعت قراءاته لتشمل روائع الأدب العالمي لعدد من مشاهير الكتاب العالميين، مثل: "أنطون تشيكوف"، و"إيفان تورجنيف"، و"جي دي موباسان".

خطواته الأدبية الأولى
وكان شقيقه "محمد" خير مرشد له بما يسديه إليه من النصائح والتوجيهات والآراء السديدة، وبما لديه من ثقافة واسعة، وموهبة أدبية رفيعة.
وقد تأثر محمود تيمور بأخيه في اتجاهه نحو المذهب الواقعي في الكتابة القصصية، والذي ظهر واضحًا في مجموعته القصصية الأولى "ما تراه العيون"، فأعجب بها محمود إعجابًا دعاه إلى أن يؤلف على غرارها؛ فكتب باكورته القصصية "الشيخ جمعة" سنة (1344 هـ = 1925م).
وفجأة تُوفِّي أخوه محمد وهو في ريعان الصبا وشرخ الشباب؛ فشعر محمود بانهيار آماله، وفقد حماسه، وأصابه اليأس، وانزوى حزينًا مستسلمًا للأسى والإحباط.
ولكن بمرور الأيام بدأ الجرح يندمل في قلبه، وأقبل من جديد على الحياة، وراح ينفض عن نفسه الفشل والإحباط، واعتمد على نفسه مهتديًا بهُدى شقيقه الراحل، ومترسمًا خطاه في عالم الأدب والإبداع، وأقبل على الكتابة بنشاط وروح جديدة.

رومانسية تيمور
ومما لا شك فيه أن تيمور الابن قد ورث عن أبيه العديد من الملكات والصفات؛ فقد كان مغرمًا بالأدب واللغة، شغوفًا بالقراءة والبحث والاطلاع، محبًا للكتابة والتأليف.
وقد عُني أبوه منذ سن مبكرة بتوجيهه إلى القراءة والاطلاع، وتنشئته على حب فنون الأدب واللغة؛ فأقبل الابن على مكتبة أبيه العامرة بنَهَمٍ شديد، ينهل منها، ويَعُبّ من ذخائرها، ويجني من مجانيها.
وكان له شغف خاص بالمنفلوطي الذي غرس فيه نزعته الرومانسية، كما تأثر بعدد من الشعراء، خاصة شعراء المهجر، وعلى رأسهم "جبران خليل جبران"، الذي كان لكتابه "الأجنحة المتكسرة" بنزعته الرومانسية الرمزية تأثير خاص في وجدانه.

بين المحن والمنح
لم يكن المرض هو مأساة تيمور الوحيدة؛ فقد كان فقدُهُ لأخيه محمد مأساةً أخرى، صبغت حياته بحالة من الحزن والتشاؤم والإحباط، لم يستطع الخروج منها إلا بصعوبة بالغة.
وكان على موعد مع مأساة ثالثة أشد وطأة على نفسه ووجدانه، زلزلت حياته، وفجعته في ولده الذي اختطفه الموت وهو ما زال في العشرين من عمره؛ وقد تركت تلك المأساة في نفسه مرارة لا تنتهي، وحزنًا لا ينقضي.
وكان ملاذه الوحيد وسلواه في كل تلك المحن والأحداث هو الكتابة، يَهرع إليها ليخفف أحزانه، ويضمد جراحه، ويتناسى آلامه. وقد انعكس ذلك في غزارة إنتاجه وكثرة مؤلفاته.

مكانة تيمور الأدبية
وقد حظي محمود تيمور بحفاوة وتقدير الأدباء والنقاد، ونال اهتمام وتقدير المحافل الأدبية ونوادي الأدب والجامعات المختلفة في مصر والوطن العربي، كما اهتمت به جامعات أوروبا وأمريكا، وأقبل على أدبه الأدباء والدارسون في مصر والعالم.
ومثَّلَ محمود تيمور مصر في العديد من المؤتمرات الأدبية، مثل: مؤتمر الأدباء في بيروت سنة (1373هـ = 1954م)، ومؤتمر القلم ببيروت سنة (1373هـ = 1954م) أيضًا، ومؤتمر الدراسات الإسلامية في جامعة بشاور بباكستان، ومؤتمر الأدباء في دمشق.
كما نال إنتاجه القصصي جائزة مجمع اللغة العربية بمصر سنة (1366هـ = 1947م)، وما لبث أن عُيِّن عضوا فيه عام (1368هـ = 1949م).
وحصل على جائزة الدولة للآداب سنة (1369هـ = 1950م)، وجائزة "واصف غالي" بباريس سنة (1370هـ = 1951م)، ومُنِح جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة (1382هـ = 1963م) من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب. واحتفلت به جامعات روسيا والمجر وأمريكا، وكرمته في أكثر من مناسبة.

مؤلفات تيمور
يتميز إنتاج محمود تيمور بالغزارة والتنوع؛ فقد شمل القصة والمسرحية والقصة القصيرة والبحوث الأدبية والدراسات اللغوية، ومن أهم آثاره:
v الشيخ جمعة: 1344هـ = 1925م.
v عم متولي: 1346هـ = 1927.
v الشيخ سيد العبيط: 1347 هـ = 1928م.
v رجب أفندي: 1347هـ = 1928م.
v الأطلال: 1353هـ = 1934م.
v أبو علي الفنان: 1353هـ = 1934م.
v الشيخ عفا الله: 1355هـ = 1936م.
v قلب غانية: 1356هـ = 1937م.
v فرعون الصغير: 1358 هـ = 1939م.
v نداء المجهول: 1358هـ = 1939م.
v مكتوب على الجبين: 1360هـ = 1941م.
v قال الراوي: 1361هـ = 1942م.
v عوالي: 1361هـ = 1942م.
v المنقذة: 1361هـ = 1942م.
v بنت الشيطان: 1361هـ = 1942م.
v سلوى في مهب الريح: 1363هـ = 1944م.
v كليوباترا في خان الخليلي: 1365هـ = 1946م.
v شفاه غليطة: 1365هـ = 1946م.
v خلف اللثام: 1367هـ = 1948م.
v إحسان لله: 1368هـ = 1949م.
v كل عام وأنتم بخير: 1369هـ = 1950م.
v أبو الشوارب: 1372هـ = 1953م.
v ثائرون: 1374هـ = 1955م.
v شمروخ: 1377هـ = 1958م.
v نَبُّوت الخفير: 1377هـ = 1958م.
v تمر حَنّا عجب: 1378هـ = 1959م.
v إلى اللقاء أيها الحب: 1378هـ = 1959م.
v المصابيح الزرق: 1379هـ = 1960م.
v أنا القاتل: 1381هـ = 1961م.
v انتصار الحية: 1383هـ = 1963م.
v البارونة أم أحمد: 1387هـ = 1967.
v انتصار الحياة: 1383هـ = 1963م.
v أبو عوف: 1389هـ = 1969م.
v معبود من طين: 1389هـ = 1969م.
v زوج في المزاد: 1390هـ = 1970م.

بالإضافة إلى عدد من الكتب الأدبية واللغوية والنقدية، مثل:
v ألفاظ الحضارة.
v دراسات في القصة والمسرح.
v ضبط الكتابة العربية.
v مشكلات اللغة العربية.

وقد لاقت مؤلفاته اهتمامًا كبيرًا من الأدباء والنقاد والدارسين؛ فتُرجم كثيرٌ منها إلى عديد من اللغات: كالفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، والعبرية، والقوقازية، والروسية، والصينية، والإندونيسية، والإسبانية.
واستمر محمود تيمور يواصل رحلة العطاء بالحب والإصرار، حتى تُوفِّي عن عمر بلغ نحو ثمانين عامًا في (26 من رجب 1393هـ = 25 من أغسطس 1973م)، بعد أن أثرى المكتبة العربية والأدب العربي بأكثر من سبعين كتابًا في القصة والرواية والمسرحية والدراسات اللغوية والأدبية وأدب الرحلات.
أهم مصادر الدراسة:
Ø عالم تيمور القصصي: فتحي الإبياري – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة (1396هـ = 1976م).
Ø مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا: د. محمد مهدي علام – مجمع اللغة العربية – القاهرة (1386هـ = 1966م)- ص: (206: 209).
Ø المجمعيون في خمسين عامًا: د. محمد مهدي علام – مجمع اللغة العربية – القاهرة (1406هـ = 1986م)- ص: (333-337).

moudar
04-Aug-2011, 04:37 PM
أبو خليل القباني



كان أبو خليل القباني هو رائد المسرح العربي في سوريا، وإليه يرجع الفضل الأكبر في وضع أسس المسرح الغنائي العربي، حيث نقل الأغنية من على التخت الشرقي لكي يضعها فوق المسرح التمثيلي، فأصبحت الأغنية بذلك جزءا من العرض المسرحي.

ولقد استمد القباني مسرحياته، التي يبلغ عددها ثلاثين مسرحية، من التراث العربي والتاريخ الإسلامي ، فيما عدا مسرحية واحدة ، هي مسرحية (متريدات) التي ترجمها عن الفرنسية عن الكاتب الكلاسيكي الشهير راسين .

والطابع الغالب على هذه المسرحيات هو الإنشاد الفردي والجماعي، بالإضافة إلى الرقص العربي السماعي، حيث كان القباني من أكبر أساتذة الموسيقى العربية علما وتلحينا وبراعة أداء، وفضلا عن ذلك، كان أديبا وشاعرا .

ويعتقد أن القباني المنتمي إلى أسرة تركية، قد تأثر بالمسرح التركي، وبما كان يمثل على مسرح ميخائيل نعوم من أوبرات وموسيقيات وكوميديات أكثر مما تأثر بالمسرح اللبناني أو بالمسرح الأوروبي .

خاصة وأن نعوم هذا كان يدير أكبر مسرح في عاصمة الخلافة العثمانية منذ سنة 1844 حتى سنة 1870، وأن القباني لم يكن يتقن أيا من اللغات الأوروبية، وإنما كانت لغته الثانية هي اللغة التركية التي ترجمت إليها قبل ظهوره، مسرحيات كورني وراسين وموليير وجولدوني، فضلا عن الأوبرات التي كانت تقدم على مسارح استنبول ومنها مسرح بوسكو، ومسرح فروي، والأوديون، والشرق، والحمراء، والكازار، وقاضي كوى، كل هذا وكان القباني لا يزال في الخامسة عشر من عمره .

وفي الثلاثين من عمره كان القباني قد استكمل معرفته بالمسرح التركي واللبناني، وظهرت براعته في التلحين والغناء ورقص السماع، التي اقتبسها من أستاذه الشيخ أحمد عقيل الحلبي، أقدم على تأليف مسرحيته " ناكر الجميل " التي جمع فيها بين ألوان التمثيل والغناء والموسيقى، واستمر في التأليف والاقتباس مستمدا موضوعاته من تراث العرب القدامى في القصص الشعبي، ومما ترجم واقتبس في لبنان وفي تركيا من روائع المسرح الغربي .

اندفع القباني في نشاطه المسرحي بتشجيع من الولاة الأتراك وخاصة صبحي باشا ومدحت باشا أبي الأحرار، ولكن حملات الرجعية اشتدت عليه حتى نالت منه، عندما وشوا به إلى السلطان عبد الحميد، وأوهموه أنه يفسد النساء والغلمان، وينشر الفسق والدعارة، فأمر السلطان بغلق مسرحه، فارتحل إلى مصر، حيث أسهم مع زملائه اللبنانيين في نشاط المسرح المصري المزدهر في ذلك الحين .

ومن أهم مسرحياته وأكثرها شهرة .. " هارون الرشيد " " عنترة بن شداد " و" السلطان حسن "و" أبو جعفر المنصور " "ملتقى الخليفتين " " أنس الجليس " "الولادة " وهي جميعها مسرحيات فيها جدة في الأسلوب، وفصاحة في العبارة، وطرافة في الحوار، وأن تأرجح السياق اللغوي بين النظم والنثر، كما هو الحال في مسرحيات النقاش ومن حذا حذوه .

وربما كان القباني يقصد من وراء هذا، إلى إقامة وشائج قربى ولو في الأسلوب والمظهر، بين المسرحية الناشئة الدخلية ، وبين ألوان الأدب العربي القديمة والأصيلة ، وفوق هذا وذاك، فإن عامة هذه المسرحيات كما يقول زكي طليمات، لم تكن مقصورة على فن التمثيل فحسب، بل تجاوزتها إلى صميم الموسيقى والرقص حيث استقام خلط الكلام بالغناء بشكل أتم وأبرز مما ورد في المسرحيات الأولى، كما أنه فتح المجال لنوع من الرقص العربي الجماعي القائم على السماع، مما جعل منه بحق رائد المسرحية الغنائية القصيرة أو الأوبريت في المسرح العربي .

moudar
17-Sep-2011, 01:31 PM
شيخ القراء الشيخ محمود خليل الحصري

خادم القرآن بحق.. مدرسة فريدة في التلاوة وهو أول من سجل المصحف المرتل للإذاعة وصاحب المصحف المعلم.. ( حملت ) جماهير المسلمين سيارته في ماليزيا على الأكتاف وهو بداخلها .. وهو القاريء الوحيد الذي قرأ القرآن الكريم في البيت الأبيض الأمريكي.

وهو من مواليد قرية شبرا النملة مركز طنطا محافظة الغربية عام1917م .. كان أبوه قد نزح من قرية سنورس محافظة الفيوم إلى قرية شبرا النملة فألحقه بكتابها عند بلوغه الرابعة من عمره فكان يحفظ القرآن سماعي ثم يكتب ما حفظه على اللوح بعد أن تعلم الحروف الأبجدية وقد أتم حفظ القرآن في الثامنة من عمره .. ولم تكن المعاهد الدينية في ذلك الوقت تسمح بقبول الطلاب قبل أن يتم الثانية عشرة من عمره فظل مع شيخه ومحفظه بالكتاب فتعلم التجويد فكان يذهب إلى مسجد القرية في صلاة العصر ليقرأ ما يتيسر من آيات الذكر الحكيم فنال إستحسان مستمعيه وفي ذلك الوقت أيضاً بدأت الناس تتعرف عليه وتدعوه ليشاركهم أفراحهم وحفلاتهم حتى نضج صوته وعلى صيته في القرية كلها.. وعند بلوغه الثانية عشر من عمره إلتحق بالمعهد الديني بمدينة طنطا وظل يدرس حتى مرحلة الثانوية العامة ثم إنقطع عن الدراسة بعد لك لتعلم القراءات العشر وفي تلك الفترة كان يذهب لإحياء الليالي والمآتم كلما دعي إلى ذلك وظل مقيماً بقرية شبرا النملة حتى ألتحق بالإذاعة عام 1944م.

الأستاذ سيد الحصري ...عندما ذاع صيت الشيخ الحصري في قرية شبرا النملة دعاه شيخ الخفر أكثر من مرة للقراءة في داره وأبخسه حقه فماذا كان يفعل وماذا كان يعطيه من الأجر؟

هذه كانت بدايته مع القرآن سنة 1928م دعاه شيخ الخفر لإحياء حفل في داره في بيته ووعده باعطاءه ثلاثين قرشاً في نهاية هذا الشهر وكانت سعادته كبيرة فسنه مازالت صغيرة وهب وقرأ إلا أن شيخ الخفر لم يعطه سوى عشرين قرشاً قائلاً له: إبقى عدي علي بعد العيد عشان أعطيك الباقي ولما هب إليه قال لأهل بيته: كيلو للحصري كيلتين ونصف فول بالبريزة بتاعتو علشان ما يجلناش ثاني.

ولماذا كانت الناس تتركه يقرأ وحده وينصرفون عنه في بيت شيخ الخفر؟

أبداً لم ينصرف الناس عن قراءته ولكن شيخ الخفر كان يدعوه للقراءة في بيته كما ذكرت ويتركه وحيداً في صحن الدار ليقرأ بعد صلاة العشاء حتى آذان الفجر وكانت الناس تريد أن تقضي مصالحها فتنصرف فكان الصبي محمود الحصري يستمر في القراءة ولا أحد يسمعه فالكل مشغول بإعداد السحور في داره.. وبينما هو كذلك إذا بأهل البيت يأتون بطعام السحور إليه ويضعونه بجواره ليأكل وقتما شاء إلا أن النوم غلب عليه فنام ولما أستيقظ وجد كلباً يأكل طعامه نتيجة غفلته ونومه.

كيف عرف الشيخ الحصري طريقه للإذاعة المصرية؟

في عام 1944م تقدم للإذاعة بطلب تحديد ميعاد لامتحانه و بالفعل تم تحديد ذلك الميعاد وأجتاز الاختبار وتم التعاقد معه في نفس اليوم فكانت أول قراءة له على الهواء مباشرة يوم 16 نوفمبر عام 1944م وكان وقتها لا يزال مقيماً بقرية شبرا النملة.

في عام 1948م صدر قرار بتعيينه مؤذناً لمسجد سيدي حمزة بمدينة طنطا إلا أنه طلب أن يكون قارئاً للسورة رغم أن أجر الوظيفة الأخيرة أقل من الأولى فما السبب وراء ذلك؟

لقد عين أول تعيين له كشيخ لمقرئة سيدي عبد المتعال بمدينة طنطا وفي عام 1948م صدر قرار بتعيينه مؤذناً بمسجد سيدي حمزة وكان ذلك بتاريخ 7\8\1948م إلا أن حبه لقراءة القرآن وتلاوته ولرغبته في أن يكون صيته مشهوراً فطلب أن يكون قارئاً للسورة يوم الجمعه بدلاً من وظيفة المؤذن الذي راتبه أعلى فصدر قرار بنقله إلى وظيفة قارئ سورة بتاريخ 10\10\1948م بنفس المسجد إلى جانب عمله شيخاً لمقرئة سيدي عبد المتعال ثم صدر قرار وزاري بقيامه بمهمة الإشراف الفني على مقاريء محافظة الغربية وفي 17\4\1949م إنتدب للقراءة بمسجد سيدي أحمد البدوي بمدينة طنطا وظل بالمسجد الأحمدي حتى عام 1955م حيث توفى الشيخ الصيفي الذي كان قارئاً للسورة بمسجد الإمام الحسين بالقاهرة فتم نقله إلى القاهرة قارئاً للسورة بمسجد الإمام الحسين فأنتقل إلى القاهرة وأقام فيها حتى وفاته.

تقلد الشيخ الحصري مناصب عديدة كلها في خدمة القرآن .. نود مزيداً من الضوء على هذه المناصب؟

تم تعيينه شيخاً بعموم المقاريء المصرية عام 1960م ثم مستشاراً فنياً لشؤون القرآن بوزارة الأوقاف في عام 1963م فرئيساً للجنة تصحيح المصاحف ومراجعتها بالأزهر عام 1963م فخبيراً فنياً لعلوم القرآن والسنة عام 1967م بمجمع البحوث الإسلامية.

الشيخ الحصري كان أول من سجل المصحف مرتلاً للإذاعة عام 1960م فمن صاحب هذه الفكرة وما الهدف منها؟

كان الشيخ الحصري بعيد النظر في كثير من الأمور الخاصة بالعقيدة فقد أحس بخطورة التبشير وحملات التنصير في أفريقيا والتي بدأت تحرف في القرآن فأراد أن يكون القرآن مسجلاً على شرائط كاسيت أو أسطوانات فكانت رحلته مع الأستاذ لبيب السباعي وآخرين فتم تسجيل المصحف المرتل بصوت الشيخ الحصري بعد أن رفض العديد من المشايخ والقراء الفكرة من بدايتها لإختلافهم حول العائد المادي منها وبذلك أصبح الشيخ الحصري أول صوت يجمع القرآن الكريم مرتلاً على أسطوانات وكان ذلك برواية حفص وقد تم تسجبل بعض السور ثم عرضت على وزارة الأوقاف التي وافقت على الاستمرار في تسجيل المصحف مرتلاً كاملاً وقد كتب لهذا التسجيل النجاح المنقطع النظير ثم تم التسجيل مرتلاً برواية ورش عن نافع ثم سجل الشيخ الحصري أيضاً القرآن مجوداً بصوته ثم مرتلاً برواية قالون والدوري ثم سجل المصحف المعلم وقد مكث مدة تقترب من العشرة سنوات لتسجيل المصحف مرتلاً بالروايات المختلفة.

كيف كان إستقبال المستمعين للمصحف المرتل بصوت الشيخ الحصري؟

لقد كان نجاحه باهراً وقد منحه الرئيس عبد الناصر وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1967م تكريماً له لتسجيله المصحف المرتل كذلك نال تقدير الملوك والرؤساء في العالم العربي والإسلامي.

ما هي حصيلة ما كسبه من بيع المصحف المرتل مسجلاً ؟

لم يسجل المصحف المرتل لحساب أي شركة من شركات القطاع الخاص أو لحسابه هو ولكن لحساب المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية على أن يتولى المجلس توزيعه على إذاعات العالم الإسلامي ولم يكن الشيخ الحصري يسعى إلى العائد المادي قدر سعيه لنيل رضاء الله عز وجل عنه وخاصة بعد أن رفض العديد من القراء التسجيل المرتل لإختلافهم حول نسبة العائد المادي من التوزيع ولكن الشيخ الحصري لم يهتم بكل ذلك حتى أنه كان يردد قائلاً: إن النجاح الذي تحقق لم أكن أتوقعه وهذا فضل من ربي علي كبير.

عندما رشحته وزارة الأوقاف لمرافقة الرئيس جمال عبد الناصر في رحلته إلى الهند .. ضل الطريق في شوارع الهند وتاه.. فما قصة هذه الزيارة؟

في عام 1960م رشحته وزارة الأوقاف لمرافقة الرئيس جمال عبد الناصر في زيارته لبعض الدول الإسلامية في آسيا كالهند وباكستان وكان من المفروض أن يسبقه الشيخ الحصري إلى تلك الدول ليقرأ القرآن للمسلمين هناك فأرسلت وزارة الأوقاف خطاباً إلى سفارتها في الهند تخطرهم بميعاد وصول الشيخ ليكون هناك من يستقبله إلا أن الشيخ فوجئ عند وصوله مطار بومباي بالهند بعدم وجود من يستقبله فكان في حيرة شديدة ولم يدر ماذا يفعل إلا أن الله هداه لأن يستقل إحدى سيارات التاكسي ووقف بأحد الشوارع بوسط المدينة حائراً ينظر إلى الناس وهم كذلك ينظرون إليه وإلى عمامته وجبته وشكله غير المألوف بالنسبة لهم فأستوقف أحد المارة وأخذ يشير إليه بكلتا يديه بإشارات تعني رغبته في إرشاده عن مكان يبيت فيه فأصطحبه إلى أحد الفنادق وفور وصوله قام بإعطاء المسؤولين عن الفندق خطاباً مدون عليه بالإنجليزية مستر صلاح العبد وكان مستشار مصر الثقافي في الهند وهو بلديات الشيخ وأفهم المسؤولين عن الفندق بإشارات توحي بأنه يريد الاتصال به وفعلا تم الاتصال به عن طريق التلفون وأتى إليه وانتهت مشكلته في تلك الزيارة بلقائه بالأستاذ صلاح العبد ولكنه ومنذ ذلك الوقت قرر ألا يسافر إلى أي دولة أجنبية أو عربية إلا بعد أن يتصل بنفسه بالمسوؤلين بالسفارات المصرية حتى لا يقع في حيرة مرة أخرى وكان رحمه الله يضحك كثيراً كلما تذكر هذه الواقعة.

قام الشيخ الحصري بتأليف العديد من الكتب وبذلك فهو يعد أول قاريء بل وآخرهم فيما أعتقد يؤلف كتباً في القراءات المختلفة.. فما الدافع وراء تأليف هذه الكتب؟ ومن الذي أوحى إليه بهذه الفكرة؟

أستاذه المرحوم الشيخ الضباع شيخ عموم المقاريء المصرية الأسبق هو الذي أوحى إليه بهذه الفكرة لما رأى فيه قدرة كبيرة على الصياغة والتأليف وكان الشيخ الضباع يتابع ويراجع ما يكتبه الشيخ الحصري .. وقد ألف الشيخ الحصري بعض الكتب عن القراءات العشر وكان يطبعها على حسابه ويوزعها مجاناً حتى انه أعطى هذه الكتب للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية مجاناً وكان المجلس يوزعها بسعر رمزي جداً وكان ذلك يسعد الشيخ الحصري جداً.

تزوج الشيخ الحصري عام 1938م.... فما دور الزوجة في حياته؟

كان الشيخ كثير الأسفار ولذا فالعبء الأكبر يقع على عاتق الزوجة الأم فهي التي قامت بإعداد الأبناء وتربيتهم وخاصة وأن الشيخ كان نادراً ما يجلس مع أبناءه لكثرة إنشغاله بالقرآن ورسالة تلاوته وقراءاته وإعداد الكتب الخاصة بالتسجيلات كل ذلك كانت الأم والزوجة هي التي تشرف على توفير سبل الراحة له ولأولاده وأعتقد أنها نجحت نجاحاً كبيراً في مهمتها واستطاعت أن تهيء المناخ المناسب ليستمر في رسالته دون أن تحمله مشقة متابعة وتربية الأبناء وما يحتاج من جهد كبير وكان كل ذلك تقوم به عن طيب خاطر.

كان الشيخ يهتم بتحفيظ أبناءه القرآن الكريم وإذا ما طلب أحدهم زيادة في المصروف سأله ماذا حفظت من القرآن فإن حفظ أعطاه وإلا حرمه .. هل أثمر هذا الأسلوب في إهتمامكم بحفظ القرآن أم أنه وسيلة للحصول على المال فقط؟ وماذا كان يمنح من يحفظ القرآن؟

لقد كان أباً حنوناً جداً ولكنه يهتم إهتماماً شديداً بحفظ القرآن وقد إستطعنا جميعاً حفظ القرآن كاملاً والحمد لله وقد كان يعطي كل من حفظ سطراً قرش صاغ بجانب مصروفه اليومي وإذا أراد زيادة يسأل ماذا تحفظ من القرآن فإن حفظ وتأكد هو من ذلك أعطاه وقد كانت له فلسفة في ذلك فهو يؤكد دائماً على حفظ القرآن الكريم حتى نحظى برضاء الله علينا ثم رضاء الوالدين فنكافيء بزيادة في المصروف وكانت النتيجة أن ألتزم كل أبناءه بالحفظ وأذكر أنه في عام 1960م كان يعطينا عن كل سطر نحفظه خمسة عشر قرشاً وعشرة جنيهات عن كل جزء من القرآن نحفظه وكان يتابع ذلك كثيراً إلى أن حفظ كل أبناءه ذكوراً وإناثاً القرآن الكريم كاملاً والحمد لله.

كيف بدأت رحلته مع المرض ؟

في عام 1980 م عاد من رحلته من السعودية مريضا وقد زاد عناء السفر وإجهاده من مرضه الذي كان يعاني منه وهو القلب إلا أن المرض إشتد عليه بعد ثلاثة أيام من عودته ونصحنا الأطباء بضرورة نقله إلى معهد القلب إلا أنه رفض نصيحة الأطباء بل ورفض تناول الأدوية مرددا : الشافي هو الله ولما تدهورت صحته تم نقله رغما عنه إلى معهد القلب وقد تحسنت صحته فعاد إلى البيت مرة أخرى حتى ظننا أنه شفي تماما وظن هو كذلك إلا أنه في اليوم الأثنين الموافق 24 نوفمبر عام 1980 م فاضت روحه إلى بارئها بعد أن أدى صلاة العشاء مباشرة.

كان الشيخ يقوم بنفسه بمتابعة إتمام بناء المعهد الديني ببلدته ومسقط رأسه شبرا النملة قبل وفاته بعام واحد ... فهل كان يشعر بدنو أجله وخاصة بعد أن جمع كل أولاده وعرض عليهم وصيته ؟

أعتقد أنه كذلك ففي عامه الذي توفى فيه كان يحاول الإنتهاء من بناء مسجد البلدة ومسجد آخر أعد ليكون مكتب لتحفيظ القرآن وقد تم الإنتهاء من بناء المسجد الكبير وتسلمته إدارة الأزهر قبل وفاته بخلاف المعهد الديني وقد جمعنا الشيخ رحمه الله وأشار علينا بوصيته التي قرر فيها التبرع بثلث جميع أملاكه لاستكمال الأعمال الخيرية التي كان يقوم بها وقد سعدنا بما وصى به والحمد لله فقد تحقق له ما أراد.

كيف كان يبدأ حياته اليومية ؟

كان يومه يبدأ مع آذان الفجر حيث ينهض للصلاة ثم يعاود النوم مرة أخرى لمدة ثلاث ساعات ويستيقظ في العاشرة صباحا تقريبا ويتناول طعام الإفطار وهو عبارة عن طبق من الفول منزوع القشر وطبق سلطة وقطعة من الجبن الأبيض وأقل من نصف رغيف أما وجبة الغذاء فطعامه كان مسلوقا و لا يزيد في وجبة العشاء عن قطعة من الجبن الأبيض وكوب من الزبادي .

هل ورث أحد أبنائه مهنة القراءة وإحتراف التلاوة في السهرات؟

كل أولاده يتمتعون بصوت جميل طيب ولم يمتهن أحد من أبنائه هذه المهنة إلا محدثك السيد الحصري حيث تم إعتمادي قارئا للسورة بمسجد العزباني بحي الموسكي بالقاهرة.

كيف احتفل الشيخ الحصري بزواج ابنته الكبرى ؟

أتى الشيخ الفيومي لينشد الأناشيد الدينية وقد كنا سعداء بهذا الإنشاد سعادة بالغة.

ما هي آخر المناصب التي تقلدها الشيخ الحصري ؟

انتخب رئيسا لاتحاد قراء العالم الإسلامي عام 1968م وكان أول من قرأ في الكونجرس الأمريكي وهيئة الأمم المتحدة.

moudar
18-Sep-2011, 10:24 AM
المقرئ الشيخ محمود علي البنا

صوت يقولون عنه أنه ملائكي.. يفسر الكلمات ويصور معان القرآن... تقشعر لصوته الأبدان... جرئ في الحق..يسعى لتحقيق آمال زملائه القراء... عند ظهوره واعتماده بالإذاعة أضرب القراء عن التلاوة في الإذاعة... فزادت شهرته.

وهو من مواليد قرية شبرا باص مركز شبين الكوم محافظة المنوفية في السابع عشر من ديسمبر عام 1926م وهو أول أخوته الذكور والثاني في الترتيب. كان أبوه فلاحاً ولا يعيش له ذكور فنذره للقرآن وخدمة أهله منذ ولادته تيمناً بأن يكون خادماً للقرآن, وفي سن مبكرة ألحقه بكتاب القرية قبل أن يتم الخمس سنوات فأتم حفظ القرآن في التاسعة من عمره فكان أصغر طفل بالقرية يحفظ القرآن الكريم كله وقد حاول جده أن يلحقه بمعهد المنشاوي الديني بمحافظة طنطا إلا أن صغر سنه حال دون ذلك فلما بلغ الثانية عشرة من عمره انتقل إلى مدينة طنطا والتحق بالمعهد الديني وظل يدرس به ويعيش بمفرده بعيداً عن والده, وكانت مدينة طنطا في ذلك الوقت عامرة بالقراء العظام كالشيخ سعودي والشعشاعي فأخذ يتردد على أماكن تواجد هؤلاء القراء ليستمع إليهم ويتعلم منهم ثم يعود إلى البيت محاولاً تقليد أسلوبهم وطريقة أدائهم حتى أنتشر صيته بين زملائه الدارسين بالمعهد فوصل ذلك أن يقرأ عليهما ما تيسر من القرآن فأثنيا عليه وأشارا عليه بالتفرغ لدراسة علوم القرآن وتجويده وأن يترك الدراسة بالمعهد قائلان له : لقد حباك الله صوتاً جميلاً وقد خلقت لتكون صييتاً وقارئاً فدعك من النحو والصرف وما شابه ذلك من علوم المعهد فترك المعهد دون أن يبلغ والده وذهب إلى المسجد الأحمدي بمدينة طنطا والتقى الشيخ إبراهيم سلام شيخ المقرأة ولكن الشيخ طلب منه قراءة القرآن عليه ليقرر مدى أهليته فلما أستمع إليه أثنى عليه مما كان له الأثر الطيب في نفس الصبي محمود البنا فحفظ الشاطبية للأمام الشاطبي وكذا تفسيرها ثم قرأ عليه القراءات العشر واستمر عامين على هذا النحو يتلقى علوم القرآن وكان والده قد علم بأمره إلا أنه لثقته به لم يعلق على أمر تركه الدراسة بالمعهد الديني, وفي عام 1944م نصحه الشيخ إبراهيم سلام بأن يذهب إلى القاهرة ليتعرف على العلوم الجديدة في القرآن وأحكام التلاوة فنزح إلى القاهرة ونزل على بعض الدارسين من أهل قريته وأقترب من عظام القراء كالشيخ محمد سلامة والشيخ على محمود والشيخ طه الفشني ثم ذهب بعد ذلك إلى الشيخ درويش الحريري ليتعلم الموسيقى وعلم المقامات الموسيقية ولم يكن قد تجاوز السابعة عشرة من عمره بعد.

في عام 1947م استمع إليه بعض المسؤلين بجمعية الشبان المسلمين، فقدموا إلى صالح باشا حرب رئيس الجمعية في ذلك الوقت...فكانت تلك هي نقطة الانطلاق للشيخ البنا ونقطة التحول في حياته.. مزيداً من التفاصيل حول تلك العلاقة التي نشأت بينه وبين رئيس جمعية الشبان المسلمين..

كان صالح باشا حرب صاحب فضل كبير على الشيخ البنا وكان يعترف بذلك ويقول : لقد شجعني صالح باشا وآمن بصوتي وقد بدأ التعارف بينهما عندما استمع إليه مجموعة من أعضاء جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة فأعجبوا بصوته فقدموا إلى صالح باشا وأثنى عليه وقرر تعيينه قارئاً للسورة بمسجد الشبان المسلمين وفي نفس العام أقامت الجمعية حفلاً بمناسبة العام الهجري دعى إليه كبار علماء الأزهر كالشيخ دراز وغيره وحضره على باشا ماهر رئيس الوزراء في ذلك الوقت ومحمد بك قاسم مدير الإذاعة المصرية آنذاك والأميران عبدالله السنوسي وعبدالكريم الخطابي وغيرهم من كبار الضيوف وكانت الإذاعة تنقل هذا الحفل على الهواء فعرض صالح باشا حرب على المسؤلين بالإذاعة أن يحيي الحفل الشيخ محمود البنا قائلاً لهم : الولد ده كويس , ولازم تسمعوا صوته ولا داعي لاستدعاء مقريء آخر إلا أن محمد بك قاسم مدير الإذاعة اعتذر لصالح باشا حرب وقال أنه لا يجوز للإذاعة أن تنقل الحفل إلا لقاريء معتمد بها فوافق صالح باشا حرب وطلب من محمد بك قاسم أن يستمع هو والحاضرون إلى صوت القاريء البنا بعد انتهاء الحفل وقد حدث ذلك وبعد أن انتهى الشيخ البنا من القراءة أثنى عليه الحاضرون وطلب منه محمد بك قاسم أن يذهب للإذاعة ليعقد له امتحان أمام اللجنة وبالفعل ذهب الشيخ محمود في اليوم التالي وتقدم لإعضاء اللجنة فتم إعتماده مقرئاً بالإذاعة المصرية وعمره لم يتجاوز العشرين عاماً أو يزيد بعام واحد فكان أصغر قاريء يعتمد بالإذاعة المصرية في ذلك الوقت من عام 1948م.

قالت الإذاعية القديرة صفية المهندس : يتلو عليكم الشيخ محمود علي البنا ما يتيسر من آيات الله البينات من سورة يونس فأرتعدت نبرات صوته بعد أن بدأ في قراءة الإستعاذة وقصر نفسه رهبة من الموقف وإنتابته كحة خفيفة....فهدأته الأستاذة صفية المهندس بعد أن حجبت الصوت عن المستمعين وطلبت أن يستمر وشجعته بقولها ممتاز.. فكان أول لقاء بينه وبين المستمعين في أنحاء مصر والعالم العربي.. هل كان يروي لك عن تلك الذكريات؟ وكيف تمت؟ وماذا فعل؟

فعلاً.. لقد ذكر لي هذه الحكاية ..ففي عام 1948م كان أول لقاء بينه وبين المستمعين عبر الإذاعة فلم ينم تلك الليلة التي ظل يسأل نفسه فيها هل سيتحقق الحلم ويجلس أمام ميكروفون الإذاعة على الهواء مباشرة ليسمعه العالم كله كان لا يصدق نفسه كما قال لي وظل قلقاً طوال الليل وقد ذهب إلى الإذاعة المصرية صبيحة تلك الليلة وكان نفسه جيداً وحالته الصحية على ما يرام وظل على هذه الحالة حتى قدمته الأستاذة صفية المهندس وبعد أن بدأ بالإستعاذة شعر بقصر في نفسه ورهبة ورعشة في جسمه وأنتابته حالة من عدم القدرة على القراءة فحجبت الأستاذة صفية الأرسال عن المستمعين وهنأته قائلة له : إستمر يا شيخ محمود فصوتك ممتاز وبالفعل بدأ بالقراءة مرة أخرى إلى أن أنتهى من التلاوة وسط تصفيق وتشجيع كل من حضر من العاملين بالأستديو في تلك اللحظات فكان لتشجيع السيدة صفية المهندس الأثر الطيب في إستعادته ثقته بنفسه وتوكله على الله فكان التوفيق حليفه.

بعد إعتماد الشيخ محمود البنا قارئاً بالإذاعة .. أضرب المقرئون القدامى عن القراءة فزادت شهرته .. فما سبب ذلك الإضراب من جانب المقرئين القدامى؟

بالفعل حدث ذلك.. وقد حكى لي الشيخ بنفسه أنه بمجرد اعتماده قارئاً بالإذاعة حدثت بعض المشاكل والاعتراضات من قبل بعض المقرئين القدامى على مساواته بهم في الأجر قائلين : القاري ده لسه ابن إمبارح وده عيل بالنسبة لنا فكيف يتساوى معنا في الأجر, وكان الشيخ مصطفى إسماعيل يتقاضى 12 جنيهاً في الشهر وكان الشيخ البنا يتقاضى 6جنيها في الشهر فاعترضوا على أجر الشيخ مصطفى إسماعيل ثم على أجر الشيخ محمود البنا وأضربوا عن قراءة القرآن بالإذاعة ولم يذهبوا إليها حتى يؤثروا على المسؤلين بالإذاعة لتلبية رغباتهم فتزيد أجورهم أو يتم تخفيض أجر الشيخ البنا على أسوأ تقدير إلا أن إضرابهم عن القراءة وعدم الذهاب للإذاعة كان في صالح الشيخ محمود البنا إذ لم يبق أمام المسؤلين إلا الشيخ البنا فكان يرفع الأذان على الهواء ويقوم بتلاوة قرآن السهرة والافتتاح فأصبح محمود البنا يلتقي بالمستمعين كل يوم دون ترتيب منه إلا أنها إرادة الله عز وجل فذاعت شهرته أكثر وأكثر بفضل الله تعالى.

ما هو الأجر الذي كان يحصل عليه قبل اعتماده بالإذاعة ؟

كان يحصل علي جنيهين في بداية قراءته بالحفلات والمآتم زادت إلى أربعة جنيهات عن الليلة بعد إعتماده بالإذاعة عام1948م.

قيل أن الشيخ محمود البنا كانت له كرامات في طفولته .. فهل هذه المقولة صحيحة؟

لقد قال لي جدي رحمة الله عليه أن والدي الشيخ محمود البنا كان وهو في سن صغيرة يكشف عن أشياء سوف تحدث فيما بعد وذكر منها أنه وبينما كان الشيخ محمود في الخامسة من عمره إذ أخبر عن موت أحد الرجال من أهل القرية وكانوا يطلقون علبه لقب الجمل من فرط قوته وقوة بنيانه وكان لذلك الرجل مهابة وقدراً عظيماً في القرية فكان الشيخ محمود يقول : الجمل وقع وعندما كنا نسأله : ماهذا الكلام يا شيخ محمود كان يقول : خلاص الجمل وقع وبالفعل مات هذا الرجل في نفس اليوم الذي تحدث عنه الطفل محمود البنا بهذا الكلام ومذ تلك اللحظة كان الأقارب وأهل القرية يعتقدون في كلام الشيخ محمود وأصبح فيما بعد حسب تقديرهم شيخاً له كرامات.

لقد كانت أمه تتمنى أن يكون خادماً للمسجد وتلك أغلى أمانيها فنذرته لله.. فماذا بها وقد أصبح من مشاهير القراء وحملة القرآن؟

كانت أمه رحمة الله عليها تأخذه وهو رضيع وتزور ضريح الإمام السيد البدوي بمدينة طنطا وتتمنى على الله أن يجعل إبنها خادماً للمساجد حتى يحظى بالأجر العظيم من الله .. وعندما أنتدب الشيخ محمود قارئاً للسورة بالمسجد الأحمدي بمدينة طنطا ذهبت إلى المسجد ورأت الناس يعانقونه ويقبلونه ويلتفون حوله فتركته وانصرفت إلى بيتها فرحة مستبشرة فلما ذهب إليها في البيت سألها عن حالها بعد أن رأته والناس يلتفون حوله يعانقونه قالت له : رأيتك اليوم رئيساً للخدم والحمد لله فقد استجاب لدعائي فكان الشيخ يقبل يدها ويعانقها قائلاً : نعم يا أمي فأنا خادم للمسجد كما تريدين وذلك بقراءتي القرآن فيه.

ماهي المساجد التي عين قارئاً للسورة بها منذ إعتماده بالإذاعة حتى وفاته؟

عين بمسجد الملك بحي حدائق القبة بشارع مصر والسودان ثم بمسجد الرفاعي ثم صدر قرار تعيينه قارئاً بمسجد الإمام الحسين عام1959م وفي نفس اليوم صدر قرار بندبه قارئاً للسورة بالمسجد الأحمدي بمدينة طنطا وظل به أكثر من واحد وعشرين عاماً إنتقل بعدها إلى مسجد الإمام الحسين بالقاهرة عام 1980م وظل به حتى وفاته

عندما جلس الشيخ البنا أمام قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ليقرأ القرآن إحتبس صوته فستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم - كيف؟ وهل أذن له الرسول صلى الله عليه وسلم؟

أعتقد ذلك .. فقد حكى لي شخصياً عن هذه الواقعة .. فعندما جلس أمام قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم بالحرم المدني وأراد أن يقرأ سأل نفسه : كيف أقرأ القرآن ورسول الله أمامي فأحتبس صوته وأنهمرت دموعه على خديه وقال : هداني الله أن أستأذن رسول الله في القراءة فأستاذنته ووجدتني أقرأ في يسر وكأنه صلى الله عليه وسلم أذن لي فأستعذت بالله وقرأت في سورة الأحزاب وعندما وصلت إلى قوله تعالى : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً .....) وجدتني أقرأها أكثر من عشرين مرة وكلما قرأتها إستزادني الناس وكيف أنتقل إلى غيرها وأنا أتلو قول الحق ( يا أيها النبي... ) وهو صلى الله عليه وسلم أمامي في قبره.

كانت تربطه بالرئيس الراحل أنور السادات علاقة وطيدة ففيما كانت تتمثل هذه العلاقة ؟

لقد التقى الشيخ البنا بالرئيس السادات رحمة الله عليهما مراراً وكانت تجمعهما صداقة كبيرة ووطيدة وكان الشيخ مهتماً بإنشاء نقابة لمحفظي وقراء القرآن الكريم وكرس جهده في الفترة الأخيرة من حياته لإستصدار قانوناً لتشكيل النقابة وعندما ظهرت بعض المشاكل الإدارية قال المقربون من المشايخ والقراء كالشيخ أبو العينين شعيشع والشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ أحمد الرزيقي : أن هذا الأمر يحتاج إلى قرار من السادات و إلا فلن تكون هناك نقابة للقراء فقال لهم الشيخ البنا : لنذهب إلى الرئيس السادات حالاً فقال الشيخ الرزيقي : إن سائق سيارتي قد أنتهت رخصته فقال لهم الشيخ البنا : ( ولو) هيا بنا لنقابل الرئيس السادات... وبالفعل ذهبوا إلى منزل الرئيس السادات وألتقوا به وتم تذليل كل العقبات وأنشأت النقابة..وأعتقد أن إتمام هذا الأمر بهذه الصورة يوضح مدى العلاقة الحميمة التي كانت تربط الشيخ البنا بالرئيس السادات رحمة الله عليه.

كان والد الشيخ البنا يلح عليه دائماً بضرورة بناء مسجداً بقرية شبرا باص مسقط رأسه إلا أن أمه نصحته بعدم بناءه... لماذا؟

كان جدي رحمة الله عليه يطلب منه هذا الطلب ويقول له يا محمود يا بني نريد منك أن تبني لله مسجداً في قريتنا ولكن أمه كانت ترفض وفي عصبية شديدة وكانت تقول له : لا .. لا يا محمود لا تبني هذا المسجد ولما سألها الشيخ عن سبب ذلك قالت : لو أنك بنيت هذا المسجد ستموت في نفس العام الذي تبنيه فيه وأنا لا أستطيع أن أعيش دون أن أراك دائماً وبخير فأنتظر حتى ألقى ربي ثم أفعل ما تريد وبالفعل بعد وفاة أمه شرع في بناء المسجد وعندما أكتمل هيكله الخرساني وقبل الإنتهاء من التشطيبات النهائية توفى الشيخ البنا.

وهل كان يعتقد في كلام أمه إلى هذه الدرجة التي تجعله لا يقيم المسجد إلا بعد وفاته عام 1983م؟

ليس إلى هذا الحد.. فلم يكن كلام أمه من قبيل العلم بالغيب ولكن كانت أمه تخاف عليه من الحسد وتقول : إن الناس سينظرون إليك نظرة حقد وحسد فيكون ذلك وبالاً عليك وتذكره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيما معناه : ( إتقوا سم الأعين فإنها تدخل الجمل القدر وتدخل الرجل القبر ) وكان ذلك من منطلق حبها له وخوفها عليه من أعين الناس , ثم وأنها وبشفافية قلب الأم كان ينتابها هذا الأمر وهو موت إبنها فور بناءه هذا المسجد وهي لا تستطيع أن تعيش بدونه كما تقول فطلبت أن يؤجل هذا المشروع حتى تلقى ربها وقد كان.

ولماذا يحقد عليه أهل بلدته وقد كان باراً بهم عطوفاً عليهم؟

كان يشعر بذلك وأن هناك من الناس من يعطف عليهم ولكنهم لا يحبونه رغم ذلك وسأذكر لك حادثة لا أنساها تؤكد صدق كلامي, فبعد وفاة أبيه تأخر عن زيارة أمه لمدة أسبوعين ولما ذهب إليها قبل يدها وأخذ يحدثها ولكنها كانت غاضبة منه فلم تتحدث إليه فنهض من مكانه مسرعاً إلى أخيه الأصغر يسأله عن سبب تغير نفس أمه من ناحيته فأخبره بأن بعض النساء كن عندها بالأمس وجلسن معها وحدثنها بأن الشيخ محمود قد نسيها بعد وفاة أبيه مما أغضبها كثيراً فلما سمع هذا الكلام ذهب إلى أمه يداعبها وسألها كيف تسمح لهؤلاء النسوة أن يدخلن البيت ويحدثنها عنه بهذا السوء فأخذ يقبل يدها وقدميها وهي تقول له : أستغفر الله يا شيخ محمود وما كان منها إلا وأخذت تدعوا له ثم قضى ليلته وعاد إلى القاهرة وهذا يؤكد حقد بعض الناس عليه وخوف أمه عليه من الحسد وبخاصة ممن يعطف هو عليهم.

كيف أثرت تلاوته للقرآن الكريم على علاقته بالآخرين؟

كانت حياته كلها القرآن حتى أن الوقت الذي كان لا يقرأ القرآن فيه في حفلة أو سهرة كان يقرأه في البيت وكان شغله الشاغل هو حل مشاكل القراء وكان يحاول مع زملائه من القراء أن يقدموا كل ما يستطيعون تقديمه لخدمة أهل القرآن وكان دائماً ما يكررقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( القرآن رحم بين أهله ) .

moudar
21-Sep-2011, 10:23 AM
الإمام الشيخ مُحَمّد الغزالي



فارس الدعوة البليغ

كان الشيخ "محمد الغزالي" واحدًا من دعاة الإسلام العظام، ومن كبار رجال الإصلاح، اجتمع له ما لم يجتمع إلا لقليل من النابهين؛ فهو مؤمن صادق الإيمان، مجاهد في ميدان الدعوة، ملك الإسلام حياته؛ فعاش له، ونذر حياته كلها لخدمته، وسخر قلمه وفكره في بيان مقاصده وجلاء أهدافه، وشرح مبادئه، والذود عن حماه، والدفاع عنه ضد خصومه، لم يدع وسيلة تمكنه من بلوغ هدفه إلا سلكها؛ فاستعان بالكتاب والصحيفة والإذاعة والتلفاز في تبليغ ما يريد.

رزقه الله فكرا عميقا، وثقافة إسلامية واسعة، ومعرفة رحيبة بالإسلام؛ فأثمر ذلك كتبا عدة في ميدان الفكر الإسلامي، تُحيي أمة، وتُصلح جيلا، وتفتح طريقا، وتربي شبابا، وتبني عقولا، وترقي فكرا. وهو حين يكتب أديب مطبوع، ولو انقطع إلى الأدب لبلغ أرفع منازله، ولكان أديبا من طراز حجة الأدب، ونابغة الإسلام "مصطفى صادق الرافعي"، لكنه اختار طريق الدعوة؛ فكان أديبها النابغ.

ووهبه الله فصاحة وبيانا، يجذب من يجلس إليه، ويأخذ بمجامع القلوب فتهوي إليه، مشدودة بصدق اللهجة، وروعة الإيمان، ووضوح الأفكار، وجلال ما يعرض من قضايا الإسلام؛ فكانت خطبه ودروسه ملتقى للفكر ومدرسة للدعوة في أي مكان حل به. والغزالي يملك مشاعر مستمعه حين يكون خطيبا، ويوجه عقله حين يكون كاتبا؛ فهو يخطب كما يكتب عذوبة ورشاقة، وخطبه قطع من روائع الأدب.

والغزالي رجل إصلاح عالم بأدواء المجتمع الإسلامي في شتى ربوعه، أوقف حياته على كشف العلل، ومحاربة البدع وأوجه الفساد في لغة واضحة لا غموض فيها ولا التواء، يجهر بما يعتقد أنه صواب دون أن يلتفت إلى سخط الحكام أو غضب المحكومين، يحرّكه إيمان راسخ وشجاعة مطبوعة، ونفس مؤمنة.



المولد والنشأة

في قرية "نكلا العنب" التابعة لمحافظة البحيرة بمصر ولد الشيخ محمد الغزالي في (5 من ذي الحجة 1335هـ = 22 من سبتمبر 1917م) ونشأة في أسرة كريمة، وتربى في بيئة مؤمنة؛ فحفظ القرآن، وقرأ الحديث في منزل والده، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي، وظل به حتى حصل على الثانوية الأزهرية، ثم انتقل إلى القاهرة سنة (1356هـ =1937م) والتحق بكلية أصول الدين، وفي أثناء دراسته بالقاهرة اتصل بالإمام حسن البنا وتوثقت علاقته به، وأصبح من المقربين إليه، حتى إن الإمام البنا طلب منه أن يكتب في مجلة "الإخوان المسلمين" لما عهد فيه من الثقافة والبيان؛ فظهر أول مقال له وهو طالب في السنة الثالثة بالكلية، وكان البنا لا يفتأ يشجعه على مواصلة الكتابة حتى تخرج سنة (1360هـ = 1941م) ثم تخصص في الدعوة، وحصل على درجة "العالمية" سنة (1362هـ = 1943م) وبدأ رحلته في الدعوة في مساجد القاهرة.



في ميدان الدعوة والفكر

كان الميدان الذي خُلق له الشيخ الغزالي هو مجال الدعوة إلى الله على بصيرة ووعي، مستعينا بقلمه ولسانه؛ فكان له باب ثابت في مجلة الإخوان المسلمين تحت عنوان "خواطر حية" جلَّى قلمه فيها عن قضايا الإسلام ومشكلات المسلمين المعاصرة، وقاد حملات صادقة ضد الظلم الاجتماعي وتفاوت الطبقات وتمتُّع أقلية بالخيرات في الوقت الذي يعاني السواد الأعظم من شظف العيش.

ثم لم يلبث أن ظهر أول مؤلفات الشيخ الغزالي بعنوان "الإسلام والأوضاع الاقتصادية" سنة (1367هـ = 1947م) أبان فيه أن للإسلام من الفكر الاقتصادي ما يدفع إلى الثروة والنماء والتكافل الاجتماعي بين الطبقات، ثم أتبع هذا الكتاب بآخر تحت عنوان "الإسلام والمناهج الاشتراكية"، مكملا الحلقة الأولى في ميدان الإصلاح الاقتصادي، شارحا ما يراد بالتأمين الاجتماعي، وتوزيع الملكيات على السنن الصحيحة، وموضع الفرد من الأمة ومسئولية الأمة عن الفرد، ثم لم يلبث أن أصدر كتابه الثالث "الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين".

والكتب الثلاثة تبين في جلاء جنوح الشيخ إلى الإصلاح في هذه الفترة المبكرة، وولوجه ميادين في الكتابة كانت جديدة تماما على المشتغلين بالدعوة والفكر الإسلامي، وطرْقه سبلا لم يعهدها الناس من قبله، وكان همُّ معظم المشتغلين بالوعظ والإرشاد قبله الاقتصار على محاربة البدع والمنكرات.



في المعتقل

ظل الشيخ يعمل في مجال الدعوة حتى ذاعت شهرته بين الناس لصدقه وإخلاصه وفصاحته وبلاغته، حتى هبّت على جماعة "الإخوان المسلمين" رياح سوداء، فصدر قرار بحلها في (صفر 1368هـ = ديسمبر 1948م) ومصادرة أملاكها والتنكيل بأعضائها، واعتقال عدد كبير من المنضمين إليها، وانتهى الحال باغتيال مؤسس الجماعة تحت بصر الحكومة وبتأييدها، وكان الشيخ الغزالي واحدا ممن امتدت إليهم يد البطش والطغيان، فأودع معتقل الطور مع كثير من إخوانه، وظل به حتى خرج من المعتقل في سنة (1369هـ = 1949م) ليواصل عمله، وهو أكثر حماسا للدعوة، وأشد صلابة في الدفاع عن الإسلام وبيان حقائقه.

ولم ينقطع قلمه عن كتابة المقالات وتأليف الكتب، وإلقاء الخطب والمحاضرات، وكان من ثمرة هذا الجهد الدؤوب أن صدرت له جملة من الكتب كان لها شأنها في عالم الفكر مثل: "الإسلام والاستبداد السياسي" الذي انتصر فيه للحرية وترسيخ مبدأ الشورى، وعدّها فريضة لا فضيلة، وملزِمة لا مُعْلِمة، وهاجم الاستبداد والظلم وتقييد الحريات، ثم ظهرت له تأملات في: الدين والحياة، وعقيدة المسلم، وخلق المسلم.



من هنا نعلم

وفي هذه الفترة ظهر كتاب للأستاذ خالد محمد خالد بعنوان "من هنا نبدأ"، زعم فيه أن الإسلام دين لا دولة، ولا صلة له بأصول الحكم وأمور الدنيا، وقد أحدث الكتاب ضجة هائلة وصخبا واسعا على صفحات الجرائد، وهلل له الكارهون للإسلام، وأثنوا على مؤلفه، وقد تصدى الغزالي لصديقه خالد محمد خالد، وفند دعاوى كتابه في سلسلة مقالات، جُمعت بعد ذلك في كتاب تحت عنوان "من هنا نعلم".

ويقتضي الإنصاف أن نذكر أن الأستاذ خالد محمد خالد رجع عن كل سطر قاله في كتابه "من هنا نبدأ"، وألّف كتابا آخر تحت عنوان "دين ودولة"، مضى فيه مع كتاب الغزالي في كل حقائقه.

ثم ظهر له كتاب "التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام"، وقد ألفه على مضض؛ لأنه لا يريد إثارة التوتر بين عنصري الأمة، ولكن ألجأته الظروف إلى تسطيره ردًّا على كتاب أصدره أحد الأقباط، افترى فيه على الإسلام. وقد التزم الغزالي الحجة والبرهان في الرد، ولم يلجأ إلى الشدة والتعنيف، وأبان عن سماحة الإسلام في معاملة أهل الكتاب، وتعرض للحروب الصليبية وما جرّته على الشرق الإسلامي من شرور وويلات، وما قام به الأسبانيون في القضاء على المسلمين في الأندلس بأبشع الوسائل وأكثرها هولا دون وازع من خلق أو ضمير.



الغزالي وعبد الناصر

بعد قيام ثورة عام 1952م ونجاح قادتها في إحكام قبضتهم على البلاد، تنكروا لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت سببا في نجاح الثورة واستقرارها، ودأبوا على إحداث الفتنة بين صفوفها، ولولا يقظة المرشد الصلب "حسن الهضيبي" وتصديه للفتنة لحدث ما لا تُحمد عقباه، وكان من أثر هذه الفتنة أن شب نزاع بين الغزالي والإمام المرشد، انتهى بفصل الغزالي من الجماعة وخروجه من حظيرتها.

وقد تناول الغزالي أحداث هذا الخلاف، وراجع نفسه فيه، وأعاد تقدير الموقف، وكتب في الطبعة الجديدة من كتابه "من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث"، وهو الكتاب الذي دوّن فيه الغزالي أحداث هذا الخلاف فقال: "لقد اختلفت مع المغفور له الأستاذ حسن الهضيبي، وكنت حادّ المشاعر في هذا الخلاف؛ لأني اعتقدت أن بعض خصومي أضغنوا صدر الأستاذ حسن الهضيبي لينالوا مني، فلما التقيت به –عليه رحمة الله- بعد أن خرج من المعتقل تذاكرنا ما وقع، وتصافينا، وتناسينا ما كان. واتفقت معه على خدمة الدعوة الإسلامية، وعفا الله عما سلف". وهذا مما يحسب للغزالي، فقد كان كثير المراجعة لما يقول ويكتب، ولا يستنكف أن يؤوب إلى الصواب ما دام قد تبين له، ويعلن عن ذلك في شجاعة نادرة لا نعرفها إلا في الأفذاذ من الرجال.

وظل الشيخ في هذا العهد يجأر بالحق ويصدع به، وهو مغلول اليد مقيد الخطو، ويكشف المكر السيئ الذي يدبره أعداء الإسلام، من خلال ما كتب في هذه الفترة الحالكة السواد مثل: "كفاح دين"، "معركة المصحف في العالم الإسلامي"، و"حصاد الغرور"، و"الإسلام والزحف الأحمر".

ويُحسب للغزالي جرأته البالغة وشجاعته النادرة في بيان حقائق الإسلام، في الوقت الذي آثر فيه الغالبية من الناس الصمت والسكون؛ لأن فيه نجاة حياتهم من هول ما يسمعون في المعتقلات. ولم يكتفِ بعضهم بالصمت المهين بل تطوع بتزيين الباطل لأهل الحكم وتحريف الكلم عن مواضعه، ولن ينسى أحد موقفه في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية الذي عُقد سنة (1382هـ = 1962م) حيث وقف وحده أمام حشود ضخمة من الحاضرين يدعو إلى استقلال الأمة في تشريعاتها، والتزامها في التزيِّي بما يتفق مع الشرع، وكان لكلام الغزالي وقعه الطيب في نفوس المؤمنين الصامتين في الوقت الذي هاجت فيه أقلام الفتنة، وسلطت سمومها على الشيخ الأعزل فارس الميدان، وخرجت جريدة "الأهرام" عن وقارها وسخرت من الشيخ في استهانة بالغة، لكن الأمة التي ظُن أنها قد استجابت لما يُدبَّر لها خرجت في مظاهرات حاشدة من الجامع الأزهر، وتجمعت عند جريدة الأهرام لتثأر لكرامتها وعقيدتها ولكرامة أحد دعاتها ورموزها، واضطرت جريدة الأهرام إلى تقديم اعتذار.



في عهد السادات

واتسعت دائرة عمل الشيخ في عهد الرئيس السادات، وبخاصة في الفترات الأولى من عهده التي سُمح للعلماء فيها بشيء من الحركة، استغله الغيورون من العلماء؛ فكثفوا نشاطهم في الدعوة، فاستجاب الشباب لدعوتهم، وظهر الوجه الحقيقي لمصر. وكان الشيخ الغزالي واحدًا من أبرز هؤلاء الدعاة، يقدمه جهده وجهاده ولسانه وقلمه، ورزقه الله قبولا وبركة في العمل؛ فما كاد يخطب الجمعة في جامع "عمرو بن العاص" -وكان مهملا لسنوات طويلة- حتى عاد إليه بهاؤه، وامتلأت أروقته بالمصلين.

ولم يتخلَّ الشيخ الغزالي عن صراحته في إبداء الرأي ويقظته في كشف المتربصين بالإسلام، وحكمته في قيادة من ألقوا بأزمّتهم له، حتى إذا أعلنت الدولة عن نيتها في تغيير قانون الأحوال الشخصية في مصر، وتسرب إلى الرأي العام بعض مواد القانون التي تخالف الشرع الحكيم؛ قال الشيخ فيها كلمته، بما أغضب بعض الحاكمين، وزاد من غضبهم التفاف الشباب حول الشيخ، ونقده بعض الأحوال العامة في الدولة، فضُيق عليه وأُبعد عن جامع عمرو بن العاص، وجُمّد نشاطه في الوزارة، فاضطر إلى مغادرة مصر إلى العمل في جامعة "أم القرى" بالمملكة العربية السعودية، وظل هناك سبع سنوات لم ينقطع خلالها عن الدعوة إلى الله، في الجامعة أو عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.



في الجزائر

ثم انتقل الشيخ الغزالي إلى الجزائر ليعمل رئيسا للمجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسطنطينة، ولم يقتصر أثر جهده على تطوير الجامعة، وزيادة عدد كلياتها، ووضع المناهج العلمية والتقاليد الجامعية، بل امتد ليشمل الجزائر كلها؛ حيث كان له حديث أسبوعي مساء كل يوم إثنين يبثه التلفاز، ويترقبه الجزائريون لما يجدون فيه من معانٍ جديدة وأفكار تعين في فهم الإسلام والحياة. ولا شك أن جهاده هناك أكمل الجهود التي بدأها زعيما الإصلاح في الجزائر: عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، ومدرستهما الفكرية.

ويقتضي الإنصاف القول بأن الشيخ كان يلقى دعما وعونا من رئيس الدولة الجزائرية "الشاذلي بن جديد"، الذي كان يرغب في الإصلاح، وإعادة الجزائر إلى عروبتها بعد أن أصبحت غريبة الوجه واللسان.

وبعد السنوات السبع التي قضاها في الجزائر عاد إلى مصر ليستكمل نشاطه وجهاده في التأليف والمحاضرة حتى لقي الله وهو في الميدان الذي قضى عمره كله، يعمل فيه في (19 من شوال 1270هـ = 9 من مارس 1996م) ودفن بالبقيع في المدينة المنورة.



الغزالي بين رجال الإصلاح

يقف الغزالي بين دعاة الإصلاح كالطود الشامخ، متعدد المواهب والملكات، راض ميدان التأليف؛ فلم يكتفِ بجانب واحد من جوانب الفكر الإسلامي؛ بل شملت مؤلفاته: التجديد في الفقه السياسي ومحاربة الأدواء والعلل، والرد على خصوم الإسلام، والعقيدة والدعوة والأخلاق، والتاريخ والتفسير والحديث، والتصوف وفن الذكر. وقد أحدثت بعض مؤلفاته دويًّا هائلا بين مؤيديه وخصومه في أخريات حياته مثل كتابيه: "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" و"قضايا المرأة المسلمة".

وكان لعمق فكره وفهمه للإسلام أن اتسعت دائرة عمله لتشمل خصوم الإسلام الكائدين له، سواء أكانوا من المسلمين أو من غيرهم، وطائفة كبيرة من كتبه تحمل هذا الهمّ، وتسد تلك الثغرة بكشف زيغ هؤلاء، ورد محاولاتهم للكيد للإسلام.

أما الجبهة الأخرى التي شملتها دائرة عمله فشملت بعض المشتغلين بالدعوة الذين شغلوا الناس بالفروع عن الأصول وبالجزئيات عن الكليات، وبأعمال الجوارح عن أعمال القلوب، وهذه الطائفة من الناس تركزت عليهم أعمال الشيخ وجهوده؛ لكي يفيقوا مما هم فيه من غفلة وعدم إدراك، ولم يسلم الشيخ من ألسنتهم، فهاجموه في عنف، ولم يراعوا جهاده وجهده، ولم يحترموا فكره واجتهاده، لكن الشيخ مضى في طريقه دون أن يلتفت إلى صراخهم.

وتضمنت كتبه عناصر الإصلاح التي دعا إليها على بصيرة؛ لتشمل تجديد الإيمان بالله وتعميق اليقين بالآخرة، والدعوة إلى العدل الاجتماعي، ومقاومة الاستبداد السياسي، وتحرير المرأة من التقاليد الدخيلة، ومحاربة التدين المغلوط، وتحرير الأمّة وتوحيدها، والدعوة إلى التقدم ومقاومة التخلف، وتنقية الثقافة الإسلامية، والعناية باللغة العربية.

واستعان في وسائل إصلاحه بالخطبة البصيرة، التي تتميز بالعرض الشافي، والأفكار الواضحة التي يعد لها جيدا، واللغة الجميلة الرشيقة، والإيقاع الهادئ والنطق المطمئن؛ فلا حماسة عاتية تهيج المشاعر والنفوس، ولا فضول في الكلام يُنسي بضعه بعضا، وهو في خطبه معلِّم موجه، ومصلح مرشد، ورائد طريق يأخذ بيد صاحبه إلى بَر الأمان، وخلاصة القول أنه توافرت للغزالي من ملكات الإصلاح ما تفرق عند غيره؛ فهو: مؤلف بارع، ومجاهد صادق، وخطيب مؤثر، وخبير بأدواء المجتمع بصير بأدويته.

=============================================

من مصادر الدراسة:

q يوسف القرضاوي: الشيخ الغزالي كما عرفته - دار الشروق - القاهرة - 1420-2000م.

q عبد الحليم عويس وآخرون: الشيخ محمد الغزالي.. صور من حياة مجاهد عظيم ودراسة لجوانب من فكره - دار الصحوة للنشر - القاهرة 1413هـ = 1993م.

q محمد عمارة: الشيخ محمد الغزالي.. الموقع الفكري والمعارك الحربية - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1992م.

q محمد رجب بيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين - دار القلم - دمشق 1420هـ = 1999م.

moudar
22-Sep-2011, 01:20 PM
شكري القوتلي

يُعد شكري القوتلي واحدًّا من أبرز دعاة الوحدة العربية في العصر الحديث، وأحد أبطال التحرر في العالم العربي، وقادة حركة المقاومة ضد الاستعمار البغيض، الذي جثم على صدر الأمة العربية دهرًا طويلاً، وعاق بقيوده العالم العربي عن مواكبة ركب التقدم والرقي.

وظل شكري القوتلي رمزًا للمقاومة والصمود ضد المستعمر، ولم تجدِ معه كل محاولات التهديد والابتزاز، ولم يوهن السجن من عزيمته، ولم ترهبه ظلال المشنقة التي لاحت أمام ناظريه ثلاث مرات في حياته المليئة بالنضال والكفاح، حتى تحقق حلمه الكبير، ونالت سوريا استقلالها، وأصبح القوتلي أول زعيم وطني تولى رئاسة الجمهورية السورية.



مولد القوتلي ونشأته

وُلد شكري محمود القوتلي في [17 من إبريل الأول 1309 هـ= 21 من أكتوبر 1891م]، ونشأ في بيت عريق عرف بالصلاح والتقوى والاستقامة، وكانت أسرته قد نزحت – منذ نحو ستة قرون قبل ميلاده- من بغداد إلى دمشق، وحظيت بمكانة بارزة في المجتمع العربي، ونالت تقدير واحترام الملوك والحكام، ليس في سوريا فحسب، وإنما في الوطن العربي كله، حتى إن الخديوي إسماعيل حينما دعا حكام الدول والرؤساء والشخصيات الكبيرة لحضور الاحتفال بافتتاح قناة السويس -سنة [1286 هـ= 1869م]- كان محمد سعيد القوتلي -شقيق جد شكري القوتلي- في طليعة المدعوين من الشخصيات العربية البارزة.

ونشأ القوتلي -منذ صغره- محبًا للغة العربية، وبعد أن حصل على الشهادة الابتدائية التحق بثانوية عنبر في (دمشق)؛ حيث أتمَّ دراسته الثانوية فيها، ثم اشترك في مسابقة للكلية الشاهانية في إستانبول –وهي أرقي مدرسة للعلوم السياسية والإدارية في الدولة العثمانية - فكان ترتيبه الخامس بين (350) طالبًا من الناجحين، فالتحق بالكلية الشاهانية سنة [ 1326هـ= 1908م].



من الجامعة إلى المشنقة

وفي أثناء فترة دراسته بالكلية كان النشاط العربي قد بدأ على نطاق واسع، وتأسس المنتدى الأدبي الذي ضم نخبة من الشباب العربي الوطني المتحمس، وكان منهم شكري القوتلي الذي استطاع هو وإخوانه أن يوطدوا أقدام المنتدى.

وبعد أن أتم دراسته بها عاد القوتلي إلى دمشق سنة [ 1332هـ= 1913م]، كما اشترك أيضًا في جمعية "العربية الفتاة" التي انتشرت انتشارًا واسعًا، وكانت تعمل على نشر الفكرة العربية، وتدافع عن مصالح العرب وحقوقهم.

وقد أدى نشاط القوتلي وبعض زملائه من أعضاء الجمعية إلى القبض عليهم وإيداعهم في السجن، ولكنهم ما لبثوا أن أطلقوا سراحه بغية مراقبته حتى يصلوا إلى أماكن بقية رفاقه، وفطن القوتلي إلى ذلك، فأخذ الحذر، ولم يتصل بأحد منهم، وعندما يئسوا من نجاح خطتهم اعتقلوه ثانية، وأودعوه سجن "خالد الباشا" بدمشق، ومورس معه ومع زملائه أشد ألوان التعذيب والتنكيل، فكان بعضهم يذكر أسماء أعضاء الجماعة تحت وطأة التعذيب.

وخشي القوتلي أن يضطر إلى ذكر أسماء الأعضاء الذين يعلمهم جميعًا، ولم يجد أمامه إلا الانتحار، واستطاع الحصول على موسى فقطع به شريانه، إلا أن حارسه انتبه بعد أن رأى الدم يسيل بغزارة من شريانه المقطوع، وأسرع رفيقه في السجن الدكتور "أحمد قدري" فأنقذه من الموت في آخر لحظة، وتم نقله إلى المستشفى؛ حيث مكث به شهرًا للعلاج، ثم أعيد إلى السجن، وقُدِّم إلى المحاكمة أمام المجلس الحربي فحكم عليه بالإعدام.



من الثورة إلى المشنقة مرة أخرى

وعندما قام الملك حسين بالثورة العربية على الأتراك سنة (1335هـ= 1916م) قام قادة الثورة باحتجاز عدد من الضباط والجنود الأتراك، وهددوا بإعدامهم إذا لم يطلق سراح العرب المعتقلين، وكان منهم القوتلي ورفاقه.

وأنشأ القوتلي حزب "الاستقلال"، فكان أول حزب في العهد الجديد حمل على عاتقه مسئولية توعية الشعب وتهيئته للنضال ضد المستعمر الفرنسي الذي احتل سوريا عام [1339هـ= 1920م] بعد خروج الأتراك منها، وحاول القوتلي ورفاقه منع الفرنسيين من دخول سوريا بعد أن وصلوا إلى مشارق مدينة ميسلون، ولكنهم لم يتمكنوا من صدهم، فقد كانت المعركة غير متكافئة بين الجانبين، ودخل الفرنسيون سوريا وسيطروا عليها.

ولم ييئس القوتلي فقد ظل في طليعة الأحرار الذين هبّوا يدافعون عن وطنهم، وهو ما أثار المستعمرين فاعتقوا عددًا من رفاقه، وحكموا عليه سنة [1339هـ= 1920م] وصادروا أملاكه، فاضطر القوتلي ورفاقه إلى النزوح إلى مصر والأقطار العربية الأخرى وإلى عدد من دول أوروبا يستنفرونها ويستنصرون بها على المستعمر الفرنسي، وهو ما اضطر الفرنسيين إلى مصانعتهم وملاينتهم، فأصدروا عفوًا عن السجناء السياسيين، وأعلنوا استعداهم للتفاوض مع القوتلي ورفاقه.



الإعدام من جديد!

وعاد القوتلي وعدد من رفاقه المبعدين إلى سوريا سنة [1343 هـ= 1924م]، وحاول الفرنسيون إقناع الوطنين بالتفاوض معهم، ولكن القوتلي كان يعلن دائمًا أنه لا تفاوض قبل الجلاء.

وهبَّ الشعب السوري كله في ثورة عارمة ضد المستعمر الفرنسي، وكان القوتلي أحد قادتها ومؤججي جذوتها، لكن الفرنسيين واجهوا تلك الثورة بالبطش والعنف، واستقدموا جيشًا كبيرًا لإخمادها والقضاء على قادتها، حتى تمكّنوا من إخماد تلك الثورة، وحُكم على القوتلي بالإعدام مرة أخرى سنة [1344 هـ= 1925م]، فترك دمشق، وراح يتنقل بين القاهرة والقدس والرياض، يحرك المشاعر والنفوس ضد الفرنسيين، ويكشف جرائمهم ويندد بفظائعهم.

وشارك القوتلي في المؤتمر العربي القومي الذي عقده عدد من أحرار العرب في القدس سنة [1350 هـ= 1931م] ليقرروا الميثاق التاريخي الذي ينبغي للعرب السير عليه خلال المرحلة المقبلة.

وعندما شكّل "جميل مردم" أول وزارة في عهد الاستقلال جعل شكري القوتلي وزيرًا للمالية والدفاع، فاستطاع أن يحقق وفرًا كبيرًا في موازنة الدولة، كما أسس وزارة الدفاع، وهو ما أثار عليه حنق الفرنسيين من جديد.



القوتلي وحلم الوفاق العربي

وفي عام [ 1356هـ= 1937م] ذهب القوتلي لأداء فريضة الحج، فعقد مع الملك "عبد العزيز بن سعود" اتفاقًا لتسيير خط السكك الحديدية من الحجاز إلى دمشق إلى المدينة.

وبدأ الفرنسيون يضيقون بسياسة القوتلي تجاه لمِّ الشمل العربي والتعاون بين الحكومات العربية، وميله العلني إلى الوحدة العربية.

وراح القوتلي ينادي بالاستقلال، بجلاء فرنسا عن سوريا، وسافر إلى أوروبا ليشرح قضية بلاده ويستجلب لها المؤيدين، حتى أصبح محطَّ إعجاب الجماهير وثقتهم، وصار الإجماع على زعامته منقطع النظير، فكلمة واحدة منه تثير ثائرة الناس، وكلمة تهدئهم، وهو ما جعل الفرنسيين يخشون الإقدام على أي إجراء تعسفي ضده، فعمدوا إلى اللين والمناورة، وشعر القوتلي بذلك فأغلق باب التفاوض معهم.

ولجأ الفرنسيون إلى تعيين حكومة جديدة، واختير "خالد العظم" رئيسًا لها، وأدرك القوتلي أن وراء ذلك خطة مدبرة لإسكات الشعب حتى تنتهي الحرب العالمية الثانية، فتفرض سياستها، ووجودها بالحديد والنار.

وسافر القوتلي إلى كل من السعودية "والعراق" يستحث حكومتهما للاحتجاج على سياسة فرنسا ضد السوريين ومساعدة سوريا لنيل حريتها واستقلالها، وسعى في الوقت نفسه للوساطة بين الدولتين لإنهاء الخلافات الحدودية بينهما، حتى تمكن ـ بعد جهد متواصل ـ من إحلال الوئام والوفاق بينهما.



القوتلي رئيسا لسوريا

وفي [15 من شعبان 1362 هـ= 17 من أغسطس 1943م] انتخب شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية بالإجماع، وانتقلت سوريا إلى مرحلة جديدة نحو الحرية والاستقلال.

وتوالت الاعترافات الدولية باستقلال سوريا من جميع دول العالم عدا فرنسا التي لم تعترف إلا بعد مُضي أكثر من ثلاث سنوات.

واجتمع الرئيس القوتلي بالمستر تشرشل -وزير خارجية بريطانيا- في [ربيع الأول 1364هـ= فبراير 1945م]، ودار البحث طويلاً حول ضرورة التفاهم مع فرنسا، لكن القوتلي أبى أن يعترف لفرنسا بأي حق في سوريا، وأعلن عن استعداده لقيادة الثورة بنفسه إذا رفضت فرنسا الانسحاب من سوريا.

وعندما عقد مؤتمر الأقطاب ـ الذي حضره روزفلت وستالين وتشرشل ـ لإقرار ميثاق الأمم المتحدة في [28 من صفر 1364 =11 من فبراير 1945م] لدعوة الدول للانضمام إلى هيئة الأمم، وجّهت الولايات المتحدة الدعوة إلى الدول لحضور الاجتماع، وأغفلت سوريا ولبنان بإيعاز من فرنسا، ولكن القوتلي بذل جهودًا كبيرة مع ممثلي الدول العربية والأجنبية، حتى تم توجيه الدعوة إلى سوريا ولبنان لحضور المؤتمر، وانضما رسميا إلى عضوية هيئة الأمم المتحدة، وتمَّ الاعتراف بهما دوليًا.



في سبيل الوحدة العربية

كذلك كان للقوتلي دور بارز في تأسيس جامعة الدول العربية منذ أن بدأت المشاورات الخاصة لتكوين الجامعة في الإسكندرية في [17 من شوال 1362 هـ= 16 من أكتوبر 1943م] وحتى عقد ميثاقها في [20 من شوال 1363 هـ= 7 من أكتوبر 1944م] ثم موافقة الدول العربية عليه في [8 من ربيع آخر سنة 1364 هـ= 22 من مارس 1945م].

وكان موقف القوتلي دائمًا مستمدًا من إيمانه العميق بضرورة الوحدة العربية، وهو ما عبّر عنه بقوله: إن البلاد السورية تأبى أن يرتفع في سمائها لواء يعلو على لوائها إلا لواء واحد، وهو لواء الوحدة العربية.

وأكد أيضًا رئيس الوفد السوري "سعد الله الجابري" حينما أعلن أن سوريا مستعدة للتخلي عن كيانها واستقلالها في سبيل الوحدة العربية.

وكان القوتلي يستنفر الهمم لنصرة فلسطين وذلك عندما بدأت المؤامرات الأمريكية البريطانية لإقامة إسرائيل، وتحقيق حلم الصهيونية العالمية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.



القوتلي أسطورة البطولة والوفاء

سعى القوتلي لتحقيق استقلال سوريا وجلاء الفرنسيين عنها، لكن فرنسا كانت حريصة على بقاء جيوشها في سوريا وجعلها مستعمرة لفرنسا، وأقدمت فرنسا على تصعيد خطير وعدوان سافر، فأنزلت جيوشها استعدادًا لمواجهة شاملة مع الشعب السوري، وشنت حربًا وحشية مدمرة راح ضحيتها عدد كبير من الأطفال والشيوخ والنساء، واستخدمت فيها كل أساليب الوحشية، ولكن الشعب السوري الأعزل استبسل في المقاومة، واستهان بالمخاطر والموت في سبيل عقيدته وحريته.

وبالرغم من مرض القوتلي فإنه لم يعبأ بمرضه، وانطلق يُلهب حماس شعبه، ويحثه على الصمود والمقاومة ضد الاستعمار، وهو على فراش المرض، حتى استطاع الشعب السوري أن يجبر الفرنسيين على الفرار بعد أن ألحق بهم هزيمة منكرة وفوجئت بريطانيا بما حدث، وهالها أن ينتصر الشعب السوري على حليفتها، فزحف الجيش البريطاني بمصفحاته الضخمة على سوريا، وأصبحت سوريا تحارب بمفردها أعتى قوتين استعماريتين.

واتجهت سوريا إلى مجلس الأمن تطالب بانسحاب الجيوش البريطانية والفرنسية عن أراضيها، ولم تتوان في طلبها ذلك حتى تم جلاء الجيوش الأجنبية عن سوريا في [15 من جماد الأول 1365 هـ= 17 من إبريل 1946م]، وصار هذا اليوم –يوم الجلاء- عيدًا قوميًا لسوريا وزعيمها.



إلى الرئاسة من جديد

واتجه القوتلي إلى الإصلاح الداخلي في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعمرانية.

وفي [29 من جمادى الأولى 1368 هـ= 29 من مارس 1949م] فوجئ السوريون بأنباء الانقلاب الذي قام به رئيس الأركان "حسني الزعيم"، واُعتقل على إثره القوتلي ووزراؤه في السجن "المنزه"، وانهالت برقيات الاحتجاج على اعتقال القوتلي من كل مكان، ولكن القوتلي قرر أن يستقيل، فأُطلق سراحه بعد شهر من سجنه، وفُرضت عليه إقامة جبرية في بيته، حتى سافر إلى مصر.

وارتفعت الأصوات في "سوريا" تطالب بعودة القوتلي وذهب إليه وفد كبير ضم عددًا من الشخصيات السياسية في سوريا يرجونه العودة إلى وطنه.

وعاد القوتلي إلى سوريا، وطلب منه أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، لكنه اعتذر للشعب، وقال: إنه لا يرغب في الرئاسة، ولكن النواب تمسكوا بترشيحه، وتم اقتراع سري على منصب رئيس الجمهورية في مجلس النواب فاز فيه القوتلي بنحو ثلثي الأصوات.

وعاد القوتلي ليتسلم صلاحيات رئيس الجمهورية مرة أخرى في [صفر 1375 هـ= سبتمبر 1955م]، وكان حلم الوحدة العربية لا يزال يداعب خياله ويراود عقله، حتى تحقق ذلك أخيرًا حينما أُعلن عن قيام الوحدة بين (مصر وسوريا) ومولد "الجمهورية العربية المتحدة" وتنازل القوتلي للرئيس جمال عبد الناصر عن الرئاسة، واستقبلت جماهير الشعبين في مصر وسوريا نبأ الوحدة بالفرحة الغامرة والترحاب الشديد، ولكن هذه الوحدة لم تستمر كثيرًا فقد انفصلت الدولتان في [ربيع الآخر 1381 هـ= سبتمبر 1961م].

وكان لفشل التجربة الوحدة أسوأ الأثر في حياة القوتلي فقد بدأت صحته تعتل، وأصيب بالقرحة، واستقر في بيروت حيث كان يعالج بها، فعاش فيها حتى تُوفي عام [1387 هـ= 1967م] ودُفن في دمشق تلك المدينة التي أحبها وعاش يناضل من أجلها.

بت البلد
25-Sep-2011, 02:23 PM
تسلم يا مضر
وجد ما مقصر معنا
بالتوفيق دوما ً
تحياتي لك

moudar
26-Sep-2011, 07:34 PM
الله يسلمك خالتي الغاليه بت بلدنا
يسعدني دائما مرورك

moudar
26-Sep-2011, 07:34 PM
سامي الحناوي

هو محمد سامي حلمي الحناوي، ولد في مدينة إدلب سنة 1898، وتخرج من مدرسة دار المعلمين بدمشق سنة 1916، ودخل المدرسة العسكرية في استانبول فأقام سنة. خاض معارك قفقاسيا وفلسطين في الحرب العالمية الأولى، ثم دخل المدرسة الحربية بدمشق سنة 1918 وتخرج بعد عام برتبة ملازم ثان، وأُلحق بالدرك الثابت في سنجق الاسكندرونة، وكان من قواد الجيش السوري في معركة فلسطين سنة 1948 حيث رقي إلى رتبة عقيد.



عندما ثار حسني الزعيم على شكري القوتلي وأبعده عن الحكم، أبرق الحناوي يؤيد الانقلاب ويعلن ولاءه لحسني الزعيم، فجعله هذا زعيماً (كولونيل) وقائداً للواء الأول، ولما ضج الناس من سيرة حسني الزعيم، اتفق الحناوي مع جماعة كان بينهم ثلاثة من حزب أنطون سعادة فاعتقلوا الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي، وأعدموهما بعد محاكمة عسكرية سريعة يوم 14 آب/1949، وأقاموا حكومة مدنية يشرف على سياستها العسكريون وفي مقدمتهم سامي الحناوي، وقد لعب فيها عديله الدكتور أسعد طلس (من حلب ومن كبار موظفي وزارة الخارجية حينئذ دوراً مهماً للاتجاه نحو الوحدة مع العراق).



وبعد يومين على الانقلاب سلم الحناوي السلطة رسمياً إلى هاشم الأتاسي الرئيس الأسبق الذي أذاع فوراً تشكيل الوزارة، ثم أعلن الحناوي أن مهمته الوطنية المقدسة قد انتهت، وأنه سيعود إلى الجيش، وكانت تشكلت لجنة بعد ساعات من وقوع الانقلاب ضمت هاشم الأتاسي وفارس الخوري، ورشدي الكيخيا، وناظم القدسي وأكرم الحوراني، أوصت بتشكيل حكومة مؤقتة يرأسها هاشم الأتاسي تعيد للبلاد الحياة الدستورية، وقد سيطر حزب الشعب على شؤون الحكومة الجديدة، واحتل أعضاؤه الوزارات التي اشترط الحزب احتلالها باستمراره (الخارجية والداخلية) بناء على توصيات صاحب الانقلاب سامي الحناوي.



استمرت الوزارة برئاسة هاشم الأتاسي من 14 آب/1949 حتى 10 كانون أول/1949 دون أن يحصل تبديل بين أعضائها، وكان من بين الموضوعات التي عالجتها:-

1ـ استمرار العمل بالأحكام الصادرة في عهد حسني الزعيم: فقد أعلنت الحكومة احترامها للاتفاقيات المعقودة في عهد الزعيم وأبرزها اتفاق شركة التابلاين لإمرار النفط السعودي عبر سورية، واتفاق شركة أنابيب العراق لإمرار الزيت العراقي عبر سورية، واتفاقيات التصفية للمسائل المعلقة بين سورية وفرنسا، ويأتي في مقدمتها الاتفاق النقدي. اضطرت الحكومة لاتخاذ هذا الموقف بعد اتصالات مع الوزراء المفوضين لكل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا الذين أكدوا موقف حكوماتهم بعدم الاعتراف بالانقلاب الجديد ما لم يعتبر تلك الاتفاقيات نافذة.

2ـ تطهير الجهاز الحكومي: فبعد أسبوع من تولي حكومة الأتاسي مهامها تلقت مجموعة من المراسيم بعزل بعض الموظفين وإحالة البعض الآخر على التقاعد موقعة من الزعيم سامي الحناوي ومؤرخة بتاريخ 13 آب/1949. وجرت مداولات بين الحكومة وصاحب الانقلاب الحناوي، لكنه أصر على عزلهم لأن وزراء حزب الشعب لا يميلون إليهم.

3ـ انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد، وهدف حزب الشعب من ذلك هو استبعاد عودة السيد شكري القوتلي لاستلام منصب رئيس الجمهورية، لهذا أقرت الوزارة المراسيم التي أصدرها حسني الزعيم ومن ضمنها مرسوم قبول استقالة القوتلي وحل مجلس النواب. وكانت النتيجة انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، وأهم المواضيع التي ركز عليها في اجتماعات الجمعية التأسيسية: الوحدة السورية العراقية والتي عكسها نص قسم رئيس الجمهورية الذي جرت الموافقة عليه

(أقسم بالله العظيم أن أحترم قوانين الدولة وأحافظ على استقلال الوطن وسيادته وسلامة أراضيه، وأصون أموال الدولة، وأعمل لتحقيق وحدة الأقطار العربية) وكان الحناوي أقرب إلى الجهات التي حبذت هذا الاتجاه.



نجحت حكومة حزب الشعب في الحقلين المالي والاقتصادي عندما أقر مجلس الوزراء السماح بتصدير القطن فارتفعت أسعاره، وكذلك سمح بتصدير كمية من الحنطة إلى الخارج فحققت أرباحاً تحولت نحو شراء كمية من الذهب فازدادت نسبة التغطية الذهبية للعملة السورية.



وبعد النكسات التي أصابت جهود زعامة حزب الشعب لإقرار الصيغ الدستورية الكفيلة بإعلان الاتحاد مع العراق، اتفق أقطاب الحزب مع اللواء (سامي الحناوي) على قيام الجيش باعتباره الورقة الأخيرة المتاحة في أيديهم، بالتحرك لتحقيق هذا الهدف، وبتاريخ 16 كانون الأول/ 1949 وجه اللواء سامي الحناوي دعوة إلى خمسة من كبار الضباط للاجتماع به لمناقشة موضوع الاتحاد السوري ـ العراقي، فشعر هؤلاء بأن حضورهم يعني وضعهم تحت سلطة قائد الجيش فيفرض عليهم ما يريد، فاتخذوا التدابير اللازمة لاعتقاله، وبالفعل اعتقل الحناوي وأسعد طلس وآخرين من أنصارهما، وكان هذا الانقلاب الثالث بقيادة أديب الشيشكلي.



سُجن الحناوي مدة ثم أُطلق سراحه، فغادر دمشق إلى بيروت، وهناك ترصده محمد أحمد البرازي فاغتاله بالرصاص في 30 تشرين أول/1950 انتقاماً لمحسن البرازي ونقل جثمانه من بيروت إلى دمشق فدفن فيها.



اشتهر سامي الحناوي بالخلق الكريم والإخلاص في عمله وبأنه كان طيب القلب.

moudar
02-Oct-2011, 11:32 AM
هواري بومدين

هواري بومدين أو محمد بوخروبة كما هو اسمه الصريح لعب دورا كبيرا في تاريخ الجزائر ايّام ثورتها ضدّ الاستعمار الفرنسي، وبعد الاستقلال عندما تولى الاشراف على المؤسسة العسكرية التي تعرف في الجزائر بالمؤسسة السيدة بدون منازع وبفضل هذا المنصب تمكنّ من الاطاحة بالرئيس أحمد بن بلة في 19 حزيران 1965.

ولد هواري بومدين في مدينة قالمة الواقعة في الشرق الجزائري وتعلم في مدارسها ثمّ التحق بمدارس قسنطينة معقل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومعقل دعاة العروبة والاسلام .

رفض هواري بومدين خدمة العلم الفرنسي، كانت السلطات الفرنسية تعتبر الجزائريين فرنسيين ولذلك كانت تفرض عليهم الالتحاق بالثكنات الفرنسية لدى بلوغهم السن الثامنة عشر، وفرّ الى تونس سنة 1949 والتحق في تلك الحقبة بجامع الزيتونة الذي كان يقصده العديد من الطلبة الجزائريين، ومن تونس انتقل الى القاهرة سنة 1950 حيث التحق بجامع الأزهر الشريف .

وعندما اندلعت الثورة الجزائرية في 1 تشرين الثاني 1954 التحق بجيش التحرير الوطني وكان مسؤولا عسكريّا في منطقة الغرب الجزائري، وتولى قيادة وهران من سنة 1957 والى سنة 1960 ثمّ تولى رئاسة الأركان من 1960 والى تاريخ الاستقلال في 5 تموز 1962، وعيّن بعد الاستقلال وزيرا للدفاع ثم نائبا لرئيس مجلس الوزراء سنة 1963 دون أن يتخلى عن منصبه كوزير للدفاع .

وفي 19 حزيران 1965 قام هواري بومدين بانقلاب عسكري أطاح بالرئيس أحمد بن بلة ،وأصبح بذلك أول رئيس يصل الى السلطة في الجزائر عن طريق انقلاب عسكري .


علي بوهزيلة ابن خال هواري بومدين عندما طلب منه الحديث عن هواري بومدين قال:
ماذا تريدون معرفته بالضبط ! هناك أمور عديدة لم تذكر عن بومدين ! بومدين كان رجلا عظيما ، قضى عمره كاملا من أجل القضية الوطنية ، لكن بعد وفاته دفنوا تاريخه و ألغوا اسمه ولولا المطار في الجزائر العاصمة الذي يحمل اسمه لنسيّ الناس من يكون هواري بومدين، والفوضى التي شهدتها الجزائر تعود الى الفراغ الذي خلفّه موت هواري بومدين .

حياة هواري بومدين كطفل وشاب أحفظها عن ظهر قلب، وكنت من أقرب أبناء عمومته اليه و كنا نحكي كل كبيرة وصغيرة ، وكان لنا صديق ثالث هو ابن خالته مصطفى صالح الذي استشهد أثناء ثورة التحرير. بومدين إبن فلاح بسيط من عائلة كبيرة العدد ومتواضعة ماديا، ولد سنة 1932 وبالضبط في 23 أب في دوّار بني عدي مقابل جبل هوارة على بعد بضعة كيلوميترات غرب مدينة قالمة، وسجّل في سجلات الميلاد ببلدية عين أحساينية – كلوزال سابقا -.

في صغره كان والده يحبه كثيرا ويدلّله رغم ظروفه المادية الصعبة قررّ تعليمه ولهذا دخل الكتّاب (المدرسة القرأنية) في القرية التي ولد فيها، وكان عمره أنذاك 4 سنوات ، وعندما بلغ سن السادسة دخل مدرسة ألمابير سنة 1938 في مدينة قالمة وتحمل المدرسة اليوم اسم مدرسة محمد عبده، وكان والده يقيم في بني عديّ ولهذا أوكل أمره الى عائلة بني اسماعيل وذلك مقابل الفحم أو القمح أو الحطب وهي الأشياء التي كان يحتاجها سكان المدن في ذلك الوقت .

وبعد سنتين قضاهما في دار ابن اسماعيل أوكله والده من جديد لعائلة بامسعود بدار سعيد بن خلوف في حي مقادور والذي كان حياّ لليهود في ذلك الوقت (شارع ديابي حاليا)
وبعد ثماني سنوات من الدراسة بقالمة عاد الى قريته في بني عدي، وطيلة هذه السنوات كان بومدين مشغول البال شارد الفكر لا يفعل ما يفعله الأطفال، لكنّه كان دائما يبادرك بالابتسامة وخفة الروح رغم المحن التي قاساها منذ صغره .

لقد كان بومدين يدرس في المدرسة الفرنسية وفي نفس الوقت يلازم الكتّاب من طلوع الفجر الى الساعة السابعة والنصف صباحا، ثمّ يذهب في الساعة الثامنة الى المدرسة الفرنسية الى غاية الساعة الرابعة وبعدها يتوجّه الى الكتّاب مجددا.

وفي سنة 1948 ختم القرأن الكريم وأصبح يدرّس أبناء قريته القرأن الكريم واللغة العربية، وفي سنة 1949 ترك محمد بوخروبة (هواري بومدين) أهله مجددا وتوجه الى المدرسة الكتانية في مدينة قسنطينة الواقعة في الشرق الجزائري، وكان نظام المدرسة داخليّا وكان الطلبة يقومون بأعباء الطبخ والتنظيف. وفي تلك الأونة كان عمه الحاج الطيب بوخروبة قد عاد من أداء فريضة الحجّ مشيا على الأقدام، وبعد عودته ذهب اليه محمد (هواري بومدين) ليقدمّ له التهاني، وكان هواري يسأل عمه عن كل صغيرة وكبيرة عن سفره الى الديار المقدسة، وكان عمه يخبره عن كل التفاصيل ودقائق الأمور وكيف كان الحجاج يتهربون من الجمارك والشرطة في الحدود وحدثّه عن الطرق التي كان يسلكها الحجّاج، وكان بومدين يسجّل كل صغيرة وكبيرة، وكان بومدين يخطط للسفر حيث أطلع ثلاثة من زملائه في المدرسة الكتانية على نيته في السفر وعرض عليهم مرافقته فرفضوا ذلك لأنهم لا يملكون جواز سفر، فأطلعهم على خريطة الهروب وقال: هذا هو جواز السفر .

وقبل تنفيذ الخطة تمّ استدعاؤه للالتحاق بالجيش الفرنسي لكنّه كان مؤمنا في قرارة نفسه بأنه لا يمكن الالتحاق بجيش العدو ولذلك رأى أنّ المخرج هو في الفرار والسفر،
وعندما تمكن من اقناع رفاقه بالسفر باعوا ثيابهم للسفر برا باتجاه تونس .

ومن تونس توجه بومدين الى مصر عبر الأراضي الليبية ،وفي مصر التحق وصديقه بن شيروف بالأزهر الشريف، وقسّم وقته بين الدراسة والنضال السياسي حيث كان منخرطا في حزب الشعب الجزائري، كما كان يعمل ضمن مكتب المغرب العربي الكبير سنة 1950، وهذا المكتب أسسّه زعماء جزائريون ومغاربة وتونسيون تعاهدوا فيما بينهم على محاربة فرنسا وأن لا يضعوا السلاح حتى تحرير الشمال الافريقي، ومن مؤسسي هذا المكتب علال الفاسي من المغرب وصالح بن يوسف من تونس وأحمد بن بلة وأية أحمد من الجزائر وكان هذا المكتب يهيكل طلبة المغرب العربي الذين يدرسون في الخارج .

وقد أرسل مكتب المغرب العربي هواري بومدين الى بغداد ليدرس في الكلية الحربية وكان الأول في دفعته، وطيلة هذه الفترة كان يراسل والده الذي كان بدوره يبعث لولده ماتيسّر من النقود وذلك عن طريق صديق بومدين عجّابي عبد الله .

وعندما تبيّن للسلطات الفرنسية أن المدعو محمد بوخروبة (هواري بومدين) فرّ من خدمة العلم قامت بحملة بحث عنه، وأنهكت والده بالبحث والتفتيش والاستدعاءات وتحت وطأة الضغط اعترف والد بومدين بالأمر وأعترف أن ابنه سافر للدراسة في مصر وحصلت السلطات الفرنسية على عنوان بومدين من أبيه وقامت السلطات الفرنسية بارسال مذكرة بهذا الخصوص الى السفارة الفرنسية في القاهرة، وكان الملك فاروق هو صاحب السلطة أنذاك في مصر وتقرر طرد بومدين من مصر واعادته الى الجزائر، لكن ثورة الضباط الأحرار أنقذت هواري بومدين وانتصارها جعل بومدين يبقى في مصر .

وعندما عاد صديق هواري بومدين عبد الله العجابي الى الجزائر ليلتحق بالثورة الجزائرية سنة 1955 ألقيّ عليه القبض في مدينة تبسة الجزائرية وهنا فتح ملف هواري بومدين مجددا، وأدركت السلطات الفرنسية أن محمد بوخروبة أو هواري بومدين كما هو اسمه الحركي خطر على الأمن القومي الفرنسي .


هذا الرصيد الذي كان لهواري بومدين خولّه أن يحتل موقعا متقدما في جيش التحرير الوطني وتدرجّ في رتب الجيش الى أن أصبح قائدا للأركان ثمّ وزيرا للدفاع في حكومة أحمد بن بلّة .

ومثلما أوصل هواري بومدين بن بلّة الى السلطة فقد أطاح به عند أول منعطف ،وقد بررّ بومدين انقلابه بأنّه للحفاظ على الثورة الجزائرية وخطها السياسي والثوري .
وبعد الاطاحة بحكم الرئيس أحمد بن بلة في 19 حزيران 1965 تولى هواري بومدين رئاسة الدولة الجزائرية بمساعدة رجل المخابرات القوي أنذاك قاصدي مرباح الذي كان يطلق عليه بومدين لقب المستبّد المتنوّر .

وقد شرع هواري بومدين في اعادة بناء الدولة من خلال ثلاثية الثورة الزراعية والثورة الثقافية والثورة الصناعية على غرار بعض التجارب في المحور الاشتراكي التي كان هواري بومدين معجبا بها .

وغداة استلامه السلطة لم يقلّص هواري بومدين من حجم نفوذ حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بل استمرّ هذا الحزب في التحكم في مفاصل الدولة، وكان الأساس الذي بموجبه يعيّن الشخص في أي منصب سياسي أو عسكري هو انتماؤه الى حزب جبهة التحرير الوطني، وبالاضافة الى سيطرة الحزب الواحد قام هواري بومدين بتأسيس مجلس الثورة وهو عبارة عن قيادة جماعية تتخذ قرارات في الاختيارات الكبرى للجزائر الداخلية منها والخارجية، وفي داخل هذا المجلس أتخذت القرارات المصيرية من قبيل تأميم النفط والمحروقات واسترجاع الثروات الطبيعية والباطنية، ومن قبيل تعميم نظام الثورة الزراعية وانتهاج الاقتصاد الموجه واشراف الدولة على كل القطاعات الانتاجية .

لقد عمل هواري بومدين بعد استلامه الحكم على تكريس هيبة الدولة الجزائرية داخليا وخارجيا ، وفي بداية السبعينيات توهجّت صورة الجزائر أقليميا ودوليا وباتت تساند بقوة القضية الفلسيطينية وبقية حركات التحرر في العالم ، ولعبت الجزائر في ذلك الوقت أدوارا كبيرة من خلال منظمة الوحدة الافريقية و منظمة دول عدم الانحياز .

وعن مشروع بومدين قال مدير جهاز الاستخبارات العسكرية في ذلك الوقت قاصدي مرباح -الذي قتل أثناء الأحداث الدامية التي عرفتها الجزائر في بداية التسعينيات:
انّ هواري بومدين كان يهدف الى بناء دولة عصريّة تسعد فيها الشريحة الواسعة من هذا الشعب .

ومن الصحافيين الفرنسيين الذين كتبوا عن هواري بومدين بكثير من الموضوعية الصحافي الفرنسي جاك لاكوتور الذي أشتهر خاصة بكتبه عن سيّر عظماء هذا القرن من أمثال الزعيم الفيتنامي هوشي مينه والزعيم الصيني ماوتسي تونغ والجنرال شارل ديغول.

وقد كتب لاكوتور في جريدة لوموند الفرنسية مقالا عن هواري بومدين يوم 28 كانون الأول 1978 جاء فيه ما يلي :

انّ السلطة لتنحت الأفراد بالتقعير والتحديب، فهناك من تنصب لهم التماثيل وهناك من تنفخهم الريح وهناك من تنثرهم غبارا. ومحمد بوخروبة المدعو هواري بومدين لم يكن من أولئك الذين جعلتهم السلطة يتفسخون وكل من عرفه في ذلك الوقت الذي برز فيه من الجبل (يقصد الجبال التي كان يلوذ بها مفجرو الثورة الجزائرية) فلا شكّ أنّه قد انطبع في ذاكرته بصورة ذئب ضامر ذي نظرة هاربة وهو متدثر معطفه الشبيه بمعاطف المخبرين السريين، نصف مطارد ونصف صائد، منغلقا على صمته العدائ الذي لا تقطعه سوى انفجارات الغضب، شخصية هامشية لاذعة كلها ذؤابات وزوايا حادة ومستويات بين، شخصية نمطية للتمرد والرفض .

بعد احدى عشرة سنة من ذلك وفي يوم 3 أيلول 1973 كان الرئيس بومدين يستقبل في الجزائر العالم الثالث كزعيم وقائد واثق من نفسه وقوته وفصاحته . التقاطيع بقيت حادة، والذؤابات متمردة والصوت أبّح، لكنّ الرجل كان قد تكثف وأستوى عضلا ويقينا، لقد أصبح من القوة بحيث لم يعد في امكانه أن يخاطر بأن يسير في طريق الاعتدال، لقد اكتشف في غضون ذلك البدلات الأنيقة وربطات العنق وتعلمّ اللغة الفرنسية التي صار مذ ذاك يستعملها بفعالية مثيرة للدهشة بالنسبة لأولئك الذين كانوا يجهدون أنفسهم كثيرا لفهم كلام ذلك العقيد المتمرد في الجبال أثناء الحرب .

وعندما استقبل فاليري جيسكار ديستان في نيسان 1975 لم يكن هواري بومدين كريفي خشن من وراء البحار وانما كجار فخور باظهار ثمراته للاعجاب، وفي تلك الأثناء كانت الجزائر قد انتقلت من وضعيتها كطلل من الأطلال في أمبراطورية خربانة الى دولة كلها ورشات ثمّ الى أمة نموذجية للتنمية السلطوية تحت هيمنة وسلطة ابن الفلاّح ذاك الذي فضّل المنفى عن الاستعمار ثمّ فضلّ المعركة الشرسة وعندما أهلّ الاستقلال في الجزائر كان هواري بومدين أول قائد مقاومة يوقّع على النصوص الانعتاقية باللغة العربية ..وهذه الشهادة لهذا الصحافي الفرنسي لا تختلف عن غيرها من الشهادات لكتاب عرب وغربيين.

في سنة 1964 وجّه صحافي مصري سؤالا الى بن بلة حول ماذا يفكر في بومدين الذي كان حاضرا معهما فأجابه الرئيس بن بلة وهو يقهقه ضاحكا :أنت تعلم أنّه الرجل الذي يقوم بإحاكة كل المؤمرات والدسائس ضدّي !

ولم يكن في وسع تلك الدعابة أن تقف في وجه المقدور، فبعد سنة من ذلك اليوم وفي 19 حزيران 1965 أختطف أحمد بن بلة ووضع في مكان سري من طرف رجال بومدين نفسه .
وفي مجلس الثورة الذي تشكل مباشرة بعد الانقلاب الذي قاده بومدين ضدّ أحمد بن بلة لم يكن أي عضو يملك القدرة على مزاحمة هواري بومدين .

بدأ بومدين ينتقل شيئا فشيئا من منطق الثورة الى منطق الدولة وأصبح يحيط بكل تفاصيل الدولة وأجهزتها ، وحاول بومدين أن يمزج بين كل الأفكار التي سبق له وأن اطلعّ عليها في محاولة لايجاد ايديولوجيا للدولة التي بات سيدها بدون منازع فمزج بين الاشتراكية والاسلام وبين فرانتز فانون وأبوذر الغفاري وكانت النتيجة بومدين الذي عرفه العالم في السبيعينيات ببرنسه الأسود وسيجاره الكوبي وكأن في ذلك اشارة الى قدرة بومدين على الجمع بين الثنائيات وحتى المتناقضات. وفي ايار من عام 1972 استقبل هواري بومدين الرئيس الكوبي فيدل كاسترو وبدا واضحا أنّ الجزائر خلقت لها مكانة في محور الجنوب الذي كان ولا يزال يعيش تراكمات وتداعيات الحقبة الاستعمارية .

وفي أيلول من سنة 1973 وبمناسبة مؤتمر دول عدم الانحياز ، استقبل هواري بومدين أزيد من سبعين من رؤساء الدول وكان جمعا لم يسبق له مثيل في التارييخ من ذلك المستوى .

وفي سنة 1974 ترأسّ هواري بومدين في مقر الأمم المتحدة الجمعية الاستثنائية التي انعقدت بطلب منه والتي كرست للعلاقات بين الدول المصنعة وتلك التي تعيل نفسها من خلال بيع مواردها الأولية. وهذه الأدوار الدولية التي اضطلع بها ترافقت مع محاولات حثيثة في الداخل لبناء الدولة الجزائرية التي أرادها أن تكون ذات امتداد جماهيري وحيث تنعم الجماهير بما تقدمه الدولة من خدمات في كل المجالات وفي عهد بومدين تمّ العمل بما يعرف في الجزائر بديموقراطية التعليم والصحة، حيث أصبح في متناول كل الجزائريين أن يبعثوا أولادهم الى المدارس وللأبناء أن يكملوا التعليم الى نهايته دون يتحملوا عبء شيئ على الاطلاق ، وكل المستشفيات والمستوصفات كانت في خدمة الجزائريين لتطبيب أنفسهم دون أن يدفعوا شيئا.

وهذا ما جعل بومدين يحظى بالتفاف شعبي لامتحفظ ويستهوي القلوب ، وهذا لا يعني أن بومدين كان ديموقراطيا منفتحا على معارضيه، بل كان متسلطا الى أبعد الحدود ومادامت الأمة معه ومادام هو مع الأمة العاملة والفلاحة فهذه هي الديموقراطية ،ليس بالضرورة أن تكون الديموقراطية على السياق الغربي في نظره.

moudar
02-Oct-2011, 11:33 AM
وهواري بومدين الذي تزوج متأخرا سنة 1973 من محامية جزائرية السيدة أنيسة، كان منهمكا من قبل ذلك في تأسيس الدولة الجزائرية حتى قال البعض أنه كان متزوجا الدولة.
ولا شك على الاطلاق أن الدولة الجزائرية الحديثة فيها الكثير الكثير من لمسات محمد بوخروبة المدعو هواري بومدين .


* سياسة بومدين الداخلية :

بعد أن تمكن هواري بومدين من ترتيب البيت الداخلي ، شرع في تقوية الدولة على المستوى الداخلي وكانت أمامه ثلاث تحديات وهي الزراعة والصناعة والثقافة ، فعلى مستوى الزراعة قام بومدين بتوزيع ألاف الهكتارات على الفلاحين الذين كان قد وفر لهم المساكن من خلال مشروع ألف قرية سكنية للفلاحين وأجهز على معظم البيوت القصديرية والأكواخ التي كان يقطنها الفلاحون ، وأمدّ الفلاحين بكل الوسائل والامكانات التي كانوا يحتاجون اليها .

وقد ازدهر القطاع الزراعي في عهد هواري بومدين واسترجعت حيويتها التي كانت عليها اياّم الاستعمار الفرنسي عندما كانت الجزائر المحتلة تصدّر ثمانين بالمائة من الحبوب الى كل أوروبا. وكانت ثورة بومدين الزراعية خاضعة لاستراتيجية دقيقة بدأت بالحفاظ على الأراضي الزراعية المتوفرة وذلك بوقف التصحر واقامة حواجز كثيفة من الأشجار الخضراء بين المناطق الصحراوية والمناطق الصالحة للزراعة وقد أوكلت هذه المهمة الى الشباب الجزائريين الذين كانوا يقومون بخدمة العلم الجزائري .

وعلى صعيد الصناعات الثقيلة قام هواري بومدين بانشاء مئات المصانع الثقيلة والتي كان خبراء من دول المحور الاشتراكي يساهمون في بنائها، ومن القطاعات التي حظيت باهتمامه قطاع الطاقة ، ومعروف أن فرنسا كانت تحتكر انتاج النفط الجزائري وتسويقه الى أن قام هواري بومدين بتأميم المحروقات الأمر الذي انتهى بتوتير العلاقات الفرنسية –الجزائرية، وقد أدى تأميم المحوقات الى توفير سيولة نادرة للجزائر ساهمت في دعم بقية القطاعات الصناعية والزراعية . وفي سنة 1972 كان هواري بومدين يقول أن الجزائر ستخرج بشكل كامل من دائرة التخلف وستصبح يابان العالم العربي .

وبالتوازي مع سياسة التنمية قام هواري بومدين بوضع ركائز الدولة الجزائرية وذلك من خلال وضع دستور وميثاق للدولة وساهمت القواعد الجماهيرية في اثراء الدستور والميثاق اللذين جاء ليكرسّا الخطاب الأحادي الديماغوجي للسلطة الجزائرية .


معركة التعريب :

أعتبرت فرنسا الجزائر مقاطعة فرنسية وراء البحر اعتبارا من عام 1884 طبقا لقرار الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) وعليه فانّ سكان الجزائر اعتبروا فرنسيين منذ ذلك التاريخ ، ولكن الصحيح أن فرنسا أعتبرت الجزائر فرنسية منذ 1830 تاريخ وصول قواتها الى الشواطئ الجزائرية واحتلالها الجزائر .

وقد قامت السلطة الفرنسية بعملية احصاء واسعة لسكان الجزائر وسجلت أسماءهم وأوجدت للجزائريين أسماء جديدة ، وهو ما أعتبر ذروة العمل على مسخ الشخصية الجزائرية ذلك أن بعض الأسماء المحذوفة كانت عربية والجديدة غريبة النكهة والكثير منها مشتق من أسماء الحيوانات وهذا ما يفسّر غرابة بعض الأسماء في الجزائر وكانت فرنسا تختار ماهبّ ودبّ من الألقاب والتي كانت مستهجنة من قبيل التيس والعتروس وغيرها من أسماء الأنعام. وقامت فرنسا بمنح الجزائريين بطاقات هوية تصفهم كفرنسيين مسلمين وذلك تمييزا لهم عن باقي الأوروبيين الذين حصلوا على الجنسية الفرنسية ، كما منحت السلطات الفرنسية جنسيتها لليهود الجزائريين الذين كانوا يتعاونون مع السلطات الاستعمارية وكوفئوا بنقلهم الى فرنسا غداة الاستقلال الجزائري .

وبالتوازي مع فرنسة الهوية قامت السلطات الفرنسية بالغاء التعليم الأصلي العربي وفرضت اللغة الفرنسية في المعاهد التعليمية والادارة اتماما لدمج الشعب الجزائري في المنظومة الفرنسية .

ولولا المجهودات التي بذلها الاصلاحيون في الجزائر وبعدهم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في استرجاع الهوية وتكريس عروبة واسلامية الجزائر لأستكملت فرنسا كل خطوات المسخ .

وقد أدركت القيادة الفتية التي تولت زمام الأمور في الجزائر بعد الاستقلال فظاعة تغييب اللغة العربية فتقدم مجموعة من أعضاء المجلس التأسيسي (البرلمان) بمشروع لفرض التعريب و جاء في مذكرتهم مايلي :

منذ تأسيس الحكومة الفتية واجتماع المجلس الوطني التأسيسي وقع الكلام كثيرا عن التعريب ، ومع أنّه قد مرّ على ذلك نحو ستة أشهر فاننا لم نشاهد أي أثر للتعريب سوى شيئ ضئيل .

انّ الأغلبية الساحقة من الشعب الجزائري تريد التعريب ، لأنّ اللغة العربية هي اللغة القومية ومع ذلك ما تزال تعيش على الهامش كلغة أجنبية في وطنها والشواهد على ذلك كثيرة لا تحصى . فالادارات الحكومية لا تعترف ولا تقبل ما يقدم لها باللغة العربية من طلبات وشكاوى ووثائق ، وتجبر المواطنين على تقديمها باللغة الفرنسية ومن الأمثلة على ذلك أن بعض عوائل الشهداء قدموا من شمال قسنطينة للسكن في الجزائر العاصمة وقدموا شهادات مكتوبة باللغة العربية الى بعض الدوائر الرسمية تثبت أنهم من عوائل الشهداء بحق ليتمكنوا من حقهم فما كان من هذه الادارة الاّ أن رفضت معاملتهم ولم تعترف بها، لا لسبب الاّ أنّها مكتوبة باللغة العربية وعليهم أن يقدموها باللغة الفرنسية .

وقد كان من واجب البلدية وغيرها من الادارات الرسمية أن توظف من يحسن اللغة العربية لمثل هذه المهمة ليسهل على الشعب قضاء مأربه وتقديم شكاويه بلغته الوطنية والطبيعية ، ولا تكلفه مالا يطيق . وحتى لا يشعر الشعب الذي ضحّى من أجل عزته القوية بالنفس والنفيس أنّ لغته ماتزال كشأنها من قبل غريبة وحتى لا يشعر هذا الشعب – من بقاء سيطرة اللغة الفرنسية – أنّ الهيمنة ماتزال ممثلة في سيطرة لغة المستعمر وأن الاعتذار بالصعوبات التي تحول دون تعريب الادارات أو ادخال اللغة العربية اليها غير مقبول .


أولا : لأنّ المسألة قومية ولا يمكن التساهل فيها .

ثانيا : لأننا في عهد الثورة، رغم الظروف الحربية القاسية ورغم فقدان الوسائل من ألات كاتبة ومن كتّاب يحسنون اللغة العربية، كنّا نشاهد أن قادة الثورة يقبلون كل التقارير الواردة اليهم باللغة العربية والفرنسية وتغلبوا على كل الصعوبات التي اعترضتهم بفضل العزيمة الصادقة والارادة الثورية الجبارة، فكيف نعجز في السلم تحقيق ما حققناه وقت الحرب ومن أجل هذا ونظرا لكون الجزائر اليوم دولة مستقلة ذات سيادة، ونظرا لكون الشعب الجزائري شعبا عربيا والوطن الجزائري وطنا عربيا حاول الاستعمار طيلة فترة وجوده بأرضنا مسخ الشعب وفرنسة الوطن تنفيذا لقوانين الحكومة الفرنسية الزاعمة بأن الجزائر ولاية فرنسية، فلم تستطع فرنسا فعل ذلك .

وتنفيذا لارادة الشعب الصارمة التي صارعت الادارة الاستعمارية بالمقاومة السلبية والايجابية وتماشيّا مع تصريحات رئيس الحكومة أحمد بن بلة الذي قال : نحن عرب ، نحن عرب، نحن عرب ثلاث مرات، ونظرا للتصريحات الصادرة عن مختلف الشخصيات الرسمية المسؤولة في الحزب والحكومة واستجابة للرغبات الصادرة عن الشعب كل يوم وبمختلف طبقاته نقترح :

أولا : المبادرة بالاعلان الرسمي من المجلس الوطني بأنّ اللغة العربية هي اللغة القومية الرسمية ذات الدرجة الأولى في الجزائر المستقلة، ويجب أن تحتل مكانها الصحيح وتتمتع بجميع حقوقها وامتيازاتها .

ثانيا : يجب أن يعم تعليمها بأسرع ما يمكن جميع دواليب الدولة الجزائرية التنفيذية والتشريعية والادارية.

ثالثا : يجب المبادرة بتعريب كوادر وزارة التربية الوطنية ووضع برنامج سريع لتعريب التعليم وتعميمه ، لأنّ التعليم عليه المعوّل في تكوين كوادر المستقبل وعلى وزير التربية أن يقوم بما يلي :

Ø تأسيس معهد وطني للتعريب في الحال ويقوم هذا المعهد بما يلي :

Ø وضع مجموع قواعد عملية تستخدمها الادارات .

Ø وضع كتب مدرسية أساسية لتعليم اللغة العربية في مختلف المراحل التربوبية من التعليم الابتدائ والى الجامعة .

Ø الحرص على تزكية التعليم التربوي للغة العربية، ونتيجة لذلك يجب أن تصدر الجريدة الرسمية باللغة العربية ويجب تحسين حالة الترجمة وتعميمها ويجب تعريب البريد وكل الوزارات .

Ø وفوق هذا وذاك يجب تعريب الشوارع والأزقّة ، اذ مازالت الشوارع تحمل أسماء : بيجو، سانت أرنو، كلوزيل وأورليان وكافينياك ودارمون وغيرها .

توقيع السادة النواب التالية أسماؤهم :

v عمار قليل

v مسعود خليلي

v عبد الرحمان زياري

v محمد الشريف بوقادوم

v عمار رمضان

v يوسف بن خروف

v بلقاسم بناني

v بشير براعي

v محمد الصغير قارة

v بوعلام بن حمودة

v زهرة بيطاط

v محمد بونعامة

v علي علية

v سعيد حشاش

v محمد بلاشية

v اسماعيل مخناشة

v عمار أوعمران

v محمد خير الدين

v محمد عزيل

v عبد الرحمان بن سالم

v رابح بلوصيف

v عبد الرحمان فارس

v أحمد زمرلين

v صالح مبروكين

v مصطفى قرطاس

v الصادق باتل

v دراجي رقاعي

v محمد عمادة

v أحسن محيوز

v سليمان بركات

v مختار بوبيزم

v ونوّاب أخرون .

وبصراحة فان مطالبة هؤلاء النواب بالتعريب انتهت بالفشل الذريع لأنّ الحكومة الفتية كانت تتذرع بالصعوبات التي تلاقيها في هذا المجال، وابطاء القيمّين على صناعة القرار في عهد أحمد بن بلة في اقرار قانون التعريب ولدّ بداية التصدع في الجزائر بين التيار الفرانكفوني والتيار العروبي .

وقد أدرك هواري بومدين أهمية التعريب فقرر جعله على رأس الثورة الثقافية التي راح يبشر بها بالتوازي مع الثورة الزراعية والصناعية، وقد سمحت له خلفيته العروبية وعداؤه لفرنسا التي كان يقول عنها بيننا وبين فرنسا جبال من الجماجم وأنهار من الدماء، تفهم أهمية التعريب وضرورته خصوصا وقد كان من المتحمسين لعروبة الجزائر .


وشرع قطاع التربية في عهده بمحو الأمية باللغة العربية في مختلف مؤسسات الدولة وقطاعاتها، كما تقررّ تعريب العلوم الانسانية في الجامعة الجزائرية .

لكن عندما بدأ التعريب يأخذ مجراه شيئا فشيئا كانت الجامعة الجزائرية قد خرجت أفواجا من الطلبة الذين درسوا باللغة الفرنسية فقط والذين أصبحوا أساتذة في الجامعات أو تولوا مهمات أخرى في دوائر الدولة وعمل الكثير من هؤلاء على عرقلة التعريب، وكثيرا ما كانت الجامعات الجزائرية تشهد صراعات حادة بين دعاة التعريب ودعاة الفرنسة .

ومازالت قضية التعريب في الجزائر من أهم المسائل الشائكة التي لم يحسم أمرها وكانت نتيجة غضّ النظر عن التعريب لأسباب يطول شرحها أن أنقسم المجتمع الجزائري الى معسكرين معسكر الأغلبية الذي يقف مع التعريب وصيانة الهوية ومعسكر الأقلية الفرانكفوني .


علاقات الجزائر الدولية :

إجمالا كانت علاقة الجزائر بكل الدول وخصوصا دول المحور الاشتراكي حسنة للغاية عدا العلاقة بفرنسا والجار المغربي الذي كان مستاءا من تبنيّ هواري بومدين لجبهة
البوليساريو .

فاقدام هواري بومدين على تأميم قطاع المحروقات أدىّ الى توتر العلاقات الجزائرية –الفرنسية، حيث قاطعت فرنسا شراء النفط الجزائري وكانت تسميه: البترول الأحمر .

والمغرب كان يرى أن الجزائر وبحكم طبيعتها الايديولوجية الثورية وتحالفها مع عبد الناصر قد تشكل خطرا على المغرب وقد تمد يدها للمعارضة الوطنية المغربية وبالتالي قد تهدد العرش العلوي في الرباط، كما أن الثوار الجزائريين كانوا يعتبرون المغرب محسوبا على المحور الغربي، وكان بن بلة يتهم دوائر في الرباط بأنها كانت وراء الوشاية به عندما غادر المغرب متوجها الى تونس عبر طائرة مغربية مدنية وأجبرت الطائرات الحربية الفرنسية الطائرة التي كانت تقله بالهبوط في مطار الجزائر العاصمة وفي عهد بن بلة وهواري بومدين كانت الجزائر في واد والمغرب في واد أخر كما كان يقول العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني .

وأهم ماميزّ العلاقات الجزائرية –المغربية في عهد هواري بومدين هو ظهور جبهة البوليساريو كمنظمة ثورية تريد تحرير الصحراء الغربية من أطماع الحسن الثاني، ومعروف أن الجزائر ساهمت في انشاء جبهة البوليساريو وأمدتها بالسلاح والمال وظلت العلاقات الجزائرية –المغربية متوترة الى أن قام الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد باعادة العلاقة مع المغرب بعد وساطة قام بها العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز في سنة 1986 .


بداية الانهيار :

أصيب هواري بومدين صاحب شعار (بناء دولة لا تزول بزوال الرجال) بمرض استعصى علاجه وقلّ شبيهه، وفي بداية الأمر ظن الأطباء أنّه مصاب بسرطان المثانة، غير أن التحاليل الطبية فندّت هذا الادعّاء وذهب طبيب سويدي الى القول أن هواري بومدين أصيب بمرض " والدن ستروم " وكان هذا الطبيب هو نفسه مكتشف المرض وجاء الى الجزائر خصيصا لمعالجة بومدين ، وتأكدّ أنّ بومدين ليس مصابا بهذا الداء الذي من أعراضه تجلط الدم في المخ .

أستمرّ بومدين يهزل ويهزل وتوجه الى الاتحاد السوفياتي سابقا لتلقّي العلاج فعجز الأطباء عن مداوته فعاد الى الجزائر .وقد ذكر مهندس التصنيع في الجزائر في عهد هواري بومدين بلعيد عبد السلام أن هواري بومدين تلقى رسالة من ملك المغرب الحسن الثاني جاء فيها اذا لم نلتق مطلع العام فاننا لن نلتقيّ أبدا، وقد سئل مدير الاستخبارات العسكرية قاصدي مرباح عن هذه الرسالة فأجاب : أنّه يجهل وصولها أساسا باعتباره
-كما قال – كنت أنا الذي يضمن الاتصالات مع المغرب باستثناء مرة واحدة ذهب فيها الدكتور أحمد طالب الابراهيمي الى المغرب في اطار قضية الصحراء الغربية وقد يكون هو الذي جاء بهذه الرسالة .

وقد انتشرت في الجزائر شائعات كثيرة حول موت هواري بومدين وسط غياب الرواية الحقيقية وصمت الذين عاصروا هواري بومدين وكانوا من أقرب الناس اليه، علما أن هواري بومدين لم يعرف له صديق حميم ومقرب عدا صديقه شابو الذي توفي في وقت سابق وبقي بومدين بدون صديق .

ومن الشائعات التي راجت في الجزائر أن هواري بومدين شرب لبنا مسموما، حيث كان يدمن شرب اللبن وهذا السم أستقدم من تل أبيب . وقيل أيضا أنّ العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني كان على علم باختفائه قريبا عن المشهد الدنيوي وقيل أن المخابرات الأمريكية كانت مستاءة منه جملة وتفصيلا وقد ساهمت في اغتياله، وقيل أيضا أنه أصيب برصاصة في رأسه في محاولة اغتيال في ثكنة عسكرية .

وكانت مجلة العالم السياسي الجزائرية والتي توقفت عن الصدور قد نشرت ملفا كاملا بعنوان : الرواية الكاملة لاغتيال هواري بومدين، وقد أفادت هذه الرواية أنه تمّت تصفيته من قبل الموساد عن طريق التسميم ، لكن الرواية لم تكشف هوية من أوصل السمّ الى مائدة هواري بومدين في مقر سكنه الرئاسي !!

ومهما كثرت الروايات حول وفاة هواري بومدين فانّ الجزائر خسرت الكثير الكثير بغياب هذا الرجل المفاجئ الذي كان يحلم أن يجعل الجزائر يابان العالم العربي .

وقد مات هواري بومدين في صباح الأربعاء 27 كانون الأول 1978 على الساعة الثالثة وثلاثون دقيقة فجرا .

وكانت الفاجعة كبيرة على الجزائريين الذين خرجوا في حشود جماهيرية وهم يرددون:
انّا لله واناّ اليه راجعون، وبموت هواري بومدين كانت الجزائر تتهيأ لدخول مرحلة جديدة تختلف جملة وتفصيلا عن الحقبة البومدينية ، وسوف يفتقد الجزائريون في عهد الشاذلي بن جديد الى الكرامة والعزة التي تمتعوا بها في عهد هواري بومدين .

مات الرجل الفلاح ابن الفلاح ولم يترك أي ثروة، فحسابه في البنك كان شاغرا ، كما أنّ أقرباءه ظلوا على حالهم يقطنون في نفس بيوتهم في مدينة قالمة .

مات هواري بومدين وماتت معه أحلام الجزائر، وبموته بدأت السفينة الجزائرية تنعطف في غير المسار الذي رسمه للجزائر هواري بومدين .

لقد كان هواري بومدين يقول : الذي يرغب في الثورة عليه أن يترك الثروة ، وفي عهد الشاذلي بن جديد العقيد الخجول القادم من مدينة وهران أنتصر أهل الثروة على أهل الثورة فتاهت الجزائر !!

moudar
03-Oct-2011, 01:17 PM
إسعاف النشاشيبي

ولد إسعاف النشاشيبي في القدس سنة 1885، درج في بيت جليل بعلمه وثرائه وحسبه ومكانته، قيل إن جده الأكبر قدم إلى بيت المقدس في عهد الملك الظاهر بيبرس، ونسبت الأسرة إلى صناعة النشاب التي كانت تمتهنها. أما والده السيد عثمان بن سليمان النشاشيبي فمن أبرز رجالات عصره ذكاءً وعلماً وبسطة حال، تقلب في مناصب الدولة العثمانية حتى أصبح عضواً في مجلس المبعوثان في الأستانة، ووالدته ابنة الحاج مصطفى أبو غوش الملقب بـ(ملك البر) في جبل القدس وابنة عمة أبيه عثمان.



نشأ إسعاف في بيت حصنه العلم والمال، فكانت تنعقد حلقات الدرس في بيت والده، وتضم عدداً كبيراً من أعيان العلماء المقادسة والوافدين أمثال: أسعد الإمام وراغب الخالدي ومحمد جار الله وغيرهم، وكان هؤلاء يتقارضون الشعر ويتذاكرون الأدب ومسائل الفقه، ولعل النشاشيبي ارتاد الحلقة مراراً، وسمع نوادر اللغة والأدب، ورأى الكتب النفيسة في خزائن والده وخزائن الشيوخ.



التحق إسعاف بكتاتيب القدس، وأخذ عن شيوخها وحفظ بعض القرآن الكريم، بعدها التحق بمدرسة دار الحكمة في بيروت وتتلمذ على يد كبار الأساتذة خاصة الشيخ عبد الله البستاني الذي تأثر به وطبع بطابعه اللغوي، ويتجلى ذلك في أسلوبه الأدبي.



وقد أتيح لإسعاف في بيروت وبيت المقدس أن يزامل ثلة من أعلام اللغة والأدب والفكر أمثال شكيب أرسلان وأحمد شوقي والسكاكيني وحنا العيسى وعبد العزيز شاويش، كما ألم بالفرنسية إلماماً حسناً أعانه على قراءة بعض الكتب العلمية والصحف.



اشتهر النشاشيبي بكنيتين ولقبين، فهو أولاً أبو الفضل، وهي كنية بديع الزمان الهمداني، وإنما تكنى بها إسعاف لتعلقه به ونسجه على منواله في مقاماته، وهو ثانياً أبو عبيدة، ولعلها اقتداء بأبي عبيدة معمر بن المثنى اللغوي الأخباري المشهور، وإسعاف أديب العربية وخطيب فلسطين، لأنه أخذ على نفسه عهداً بالدفاع عن العربية بأسلوب حماسي يعتمد الخطبة.



عين النشاشيبي في المدرسة أو الكلية الصلاحية أستاذاً للغة العربية ـ وهي مدرسة أسسها السلطان صلاح الدين الأيوبي في القرن السادس الهجري، وجددها القائد التركي أحمد جمال باشا، وجعلها معهداً علمياً دينياً تدرس فيه العلوم الإسلامية والحديثة ولغتا التدريس فيه العربية والتركية، كذلك كانت تدرس فيه اللغات الأجنبية كالفارسية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، والهدف من إنشاء هذه المدرسة إعداد جيل من المبشرين والدعاة لإرسالهم فيما بعد إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي لتحريض شعوبه على الثورة على الاستعمار الأوروبي، لكن لم يطل عمرها أكثر من سنتين ـ كما وعين إسعاف مديراً للمدرسة الرشيدية ـ التي تأسست عام 1906 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى أحمد رشيد بك متصرف القدس، وتعتبر من أحسن المدارس الحكومية في فلسطين، وكانت أولية وفيها قسم ثانوي، ثم زاد التعليم فيها عن الثانوي إذ صارت تؤهل خريجيها الحاصلين على شهادة الثانوية العامة لدراسة الطب والهندسة بدراسة مواد خاصة تحضيرية قبل الالتحاق بالجامعات، وما لبث حيناً فيها حتى صار مفتشاً للغة العربية في فلسطين حتى عام 1929، حيث انقطع للقراءة والكتابة والرحلات إلى مصر والشام.



كان إسعاف مربياً ناجحاً في المدارس، ويركز على الحماسة في إلقاء الدروس ويرى فيه وسيلة من شأنها إنجاح العملية التربوية،" فإن أردت غرس الأخلاق والقيم العليا في نفوس التلاميذ، فعليك اختيار النصوص الجميلة من قرآن وحديث ومَثَل سائر وخطبة بليغة وشعر فصيح، ثم اقرأ لهم هذه النصوص بفهم ومتعة وشخصية قوية، اقرأ لهم كي يستشعروا حبك لها وحماستك، ثم عد إلى كل نص من هذه النصوص وعلّق على مفرداتها التعليق الذي يكشف أسرار الألفاظ ودلالاتها المعجمية الدقيقة ". هذه كانت طريقة إسعاف في التعليم: اختيار النص والتعليق عليه ثم الطلب من التلاميذ حفظه، وعليه كانت القراءة وكان السماع وسيلتين من الوسائل الأساسية في تعليم النشء وتثقيفه، وهذه هي طريقة السلف الصالح في دروس العلم، إنها طريقة تقوم على دعامتين: الكتاب والأستاذ.



كان إسعاف يشترك في أكثر الحفلات التي تقام بفلسطين، خاصة تلك التي تقام لمناسبات وطنية وقومية أو أدبية واتسمت خطبه بالثورية والتحريضية التي تدعو الشعب للتحرك من أجل تحقيق الأهداف وحفظ الأوطان، كما كان واعظاً ومرشداً في المساجد. كتب إسعاف الكثير من الشعر والمقالات الأدبية نادباً ما أصاب الأمة العربية من ضعف وفرقة وتمزيق بين المستعمرين، ودعا الأمة العربية إلى وحدتها وجمع كلمتها، وإلى حمل السلاح لدفع العدوان وتحقيق الاستقلال لها، وإنقاذ فلسطين التي يخطط لها المستعمرون كي تصبح وطناً قومياً لليهود.



كان إسعاف شديد الغيرة على القرآن الكريم واللغة العربية والحضارة الإسلامية، ولعل حدة المزاج التي كان يتصف بها ناتجة مما كان يلمسه من انقباض الناس عن هذه الأركان وإقبالهم على نمط الحياة الغربية وتعلقهم بالدعوات الهدامة التي راح دعاة السوء من الغربيين وأتباعهم من المسلمين والعرب يروجونها في أسواق الشرق.



وتبدو غيرته هذه في كل مصنفاته، ولاسيّما كلمته المطولة بعنوان "البطل الخالد صلاح الدين والشاعر الخالد أحمد شوقي". عاش إسعاف في زمن شهد صراعاً عنيفاً بين دعاة التجديد والمحافظين على دور القديم في اللغة والحياة، ولماّ كان إسعاف من مؤيدي القديم وكان يعي تقدم الغرب على الشرق في مضمار العلم، فقد دعا إلى الانتفاع بالجديد مع حماية للقديم ليقوم الجديد على قاعدة صلبة، كما دعا إلى التجديد في اللغة والأدب، لكن التجديد الذي يحفظ اللغة من كل ما يؤدي إلى فسادها واضمحلالها، التجديد الذي يطور وينمي ويزيد في صرح الحضارة من الجانب الأدبي واللغوي، لا التجديد الذي يقضي على اللغة العربية ويعتمد اللهجات العامية أو الذي يلغي القافية بدعوة حرية الشعر وتجديده.



وكان النشاشيبي يصر على اعتبار اللغة هي الأمة، والأمة هي اللغة وضعف الأولى ضعف الثانية، وهلاك الثانية هلاك الأولى، وما الأمة إلاّ لغتها وأدبها وخلقها، حسب ما جاء في مقالته " العربية المصرية ".

كان النشاشيبي عضواً نشيطاً من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق ، انفرد بأسلوب من البيان، وبقدر متميز من الحماسة للغة العربية. توفي ـ رحمه الله ـ في القاهرة عام 1948م، وقد لحده في قبره بيده الحاج أمين الحسيني.



ولا نجد خيراً من قول صديقه أحمد حسن الزيات فيه غداة وفاته: "إن النشاشيبي كان خاتم طبقة من الأدباء واللغويين المحققين، لا يستطيع الزمن الحاضر بطبيعته وثقافته أن يجود بمثله، فمن حق المحافظين على التراث الكريم، والمعتزين بالماضي العظيم، أن يطيلوا البكاء على فقده وأن يرثوا لحال العروبة والعربية من بعده".

نذكر من المصنفات اللغوية التي تركها لنا ـ رحمه الله ـ :

q العربية المصرية، وفيه دفاع عن العربية وذكر لخصائصها، وتأكيد لدور مصر في المحافظة على العرب والعربية.

q العربية وشاعرها الأكبر شوقي، ويدور حول شوقي في خدمة الأدب ولغته، ويعكس تحمس المؤلف وغيرته على اللسان العربي.

q اللغة العربية والأستاذ الريحاني، وهو مقالة رد فيه على الأستاذ الريحاني الذي انتقد خطبته في الدفاع عن العربية، واتهمه بتكلف الغريب والوحشي.

q العربية في المدرسة، وهي خطبة كان إسعاف قد ألقاها عندما كان يعمل مفتشاً في معارف فلسطين، حيث ركز فيها على العروة الوثقى بين القرآن واللغة.

q حماسة النشاشيبي، وهي نصوص مختارة قرآنية وأدبية، جزلة الألفاظ سامية المعاني، تنم عن سعة إطلاع واهتمام بمصادر اللغة.

q كلمة في اللغة العربية، تعد أوضح مصنفات النشاشيبي دلالة على اهتمامه باللغة، وتبياناً لجهوده وفكره في مجالها.

q البستان وهو كتاب مدرسي لُغَوي.

q الإسلام الصحيح، أبحاث إسلامية دعا فيها إلى تصفية الإسلام من البدع.

q نقل الأديب، مختارات من عيون الأدب العربي وطرائفه.

q أمثال أبي تمام.

q قلب عربي وعقل أوروبي.

q التفاؤل والأثرية في كلام أبي العلاء المعري.

q مقام إبراهيم، وهي كلمة تأبين للبطل إبراهيم هنانو (شهيد الثورة السورية ضد الفرنسيين).

q البطل الخالد صلاح الدين والشاعر الخالد أحمد شوقي.

q بيروت والغلاييني.

moudar
04-Oct-2011, 01:23 PM
أمين الريحاني

هو أمين فارس أنطون يوسف بن المطران باسيل البجاني، ولد في 23 تشرين ثاني 1876 في بلدة الفريكة قضاء المتن في جبل لبنان، ولقب بالريحاني لكثرة شجر الريحان المحيط بمنزله. والده، فارس تاجر حرير ميسور الحال، حاد الطباع، كريم الخلق، يجسم عقلية اللبناني المتوسط المحافظ على التقاليد. والدته، أنيسة ابنة جفال البجاني شيخ القرنة الحمراء، تصرف أوقاتها في العبادة والزهد.



تلقى الريحاني في بلدته الفريكة مبادئ اللغة العربية والفرنسية، أرسله والده في صيف 1888 مع عمه إلى أمريكا وكان عمره اثنتي عشرة سنة، وفيها تعلم مبادئ اللغة الإنكليزية، وبرز ميله إلى المطالعة. ثم ترك المدرسة ليتسلم مهمة المحاسبة في متجر عمه في منهاتن.



اندفع الريحاني إلى المطالعة ليل نهار، فاطلع على أعمال الشعراء والكتاب أمثال شكسبير وهيجو وسبنسر وهاكسلي وكارليل وآخرين من المعاصرين والقدامى،وفي عام 1895التحق بفرقة تمثيل محلية بعد أن ولدت فيه المطالعات ميلاً إلى فن التمثيل، فجال معها ثلاثة أشهر، ثم تركها لأسباب مجهولة لم تذكر.



وفي عام 1897 التحق بمعهد الحقوق في جامعة نيويورك، واستمر فيه سنة حيث مرض فأشار عليه الطبيب بالعودة إلى لبنان، فعاد إليه عام 1898، وهناك درس الإنكليزية في مدرسة أكليريكية، وتعلم اللغة العربية بالمقابل وبدأ في كتابة المقالات في جريدة (الإصلاح) التي اتخذها منبراً للهجوم على الدولة العثمانية.



عام 1899 رجع الريحاني إلى أمريكا فاشتغل بالتجارة والأدب، وبدأ في إصدار الكتب وكان أولها (نبذة عن الثورة الفرنسية)، كما ترجم إلى الإنكليزية مختارات من شعر الشاعر أبي العلاء المعري، ومنذ ذلك الحين كرس حياته للكتابة، وفي هذا الإطار تعترف صحيفة (الأوبزرفر) اللندنية بأن (أمين الريحاني هو أول من أعطى كتباً بالإنجليزية عن البلاد العربية والشرق الأدنى).



وفي سنة 1904 عاد الريحاني إلى لبنان مروراً بمصر، فزار الخديوي عباس حلمي، واتصل بأبرز الأدباء والزعماء السياسيين، وباحثهم في أحوال الشرق العربي الاجتماعية والسياسية والفكرية ووسائل النهوض بها، وفي لبنان تابع نشاطه الفكري والاجتماعي العاصف والمتعدد الأوجه، وأصبحت صومعته في قريته (الفريكة) ملتقى عشرات الأدباء من أمثال: محمد كرد علي وبيرو باولي والأخطل الصغير والشيخ مصطفى الغلاييني وغيرهم، كما كان ينتقل من مدينة إلى أخرى يلقي الخطب داعياً إلى الحرية ومهاجماً الإقطاع والخنوع والجهل، ويحاضر في الجامعة الأمريكية في بيروت وفي معاهد أخرى في لبنان وسوريا، ويكتب وينشر في المجلات والجرائد العربية والإنكليزية.



وفي سنة 1911 قفل أمين الريحاني راجعاً إلى نيويورك ليطبع كتابه (كتاب خالد)، ومنذ ذلك الحين أصبح يتنقل بين نيويورك وبلدته الفريكة. وأصبح مرموقاً في كل من أمريكا وإنكلترا وكندا، وكذلك في أوروبا والشرق الأدنى والبلاد العربية. وفي الحرب العالمية الأولى كان الريحاني أحد أعضاء (اللجنة السورية ـ اللبنانية) التي مارست نشاطاً سياسياً ضد السيطرة التركية. فقد اشترك الريحاني سنة 1918 في مؤتمر انعقد في واشنطن من أجل الحد من التسلح، وزار أوروبا عدة مرات حيث التقى في إحدى زياراته الفيلسوف (ولز) صاحب النظرية المستقبلية فجرى نقاش بينهما حول الشرق والغرب.



انطلق عام 1922 في رحلته الشهيرة، فزار الحجاز وقابل شريف مكة الحسين بن علي، ثم زار (لحج) وقابل سلطانها عبد الكريم فضل ، و(الحواشب) وفيها قابل سلطانها علي بن مانع، وصنعاء حيث التقى إمامها يحيى، ونجداً حيث اجتمع إلى سلطانها عبد العزيز بن سعود، والكويت فزار فيها شيخها أحمد الجابر آل الصباح، والبحرين وفيها اجتمع إلى شيخها أحمد بن عيسى، وأخيراً بغداد حيث قابل الملك فيصل الأول... فكان نتاج هذه الرحلات عدداً كبيراً من كتب الرحلات والتاريخ بالعربية والإنجليزية.



وخلال سنوات تمتد منذ 1927 ـ 1939، حاضر الريحاني في الولايات المتحدة الأمريكية حول مخاطر الدور الصهيوني في الوطن العربي، وشن حرباً دفاعاً عن الحرية والتحرر والحقوق الإنسانية، وقد طلب إليه الحاج أمين الحسيني أن يشترك في الوفد الفلسطيني لمفاوضة الحكومة البريطانية فاعتذر، ولما عاد إلى لبنان تصدى للفرنسيين المستعمرين وراح يدعو لتحقيق الاستقلال فنفي إلى بغداد ولم يعد إلا بعد ضغط كبير من الجاليات العربية في المهاجر.



في عام 1911 جرى اختيار أمين الريحاني عضواً مراسلاً للمجمع العربي بدمشق، وكان عضواً في جمعية الشعراء الأمريكيين وفي منتدى الصحافة النيويوركية ونادي المؤلفين الأمريكيين والجمعية الشرقية الأمريكية، كما اختاره معهد الدراسات العربية في المغرب الأسباني رئيس شرف له.



توفي أمين الريحاني في بيروت يوم 13 أيلول 1940، إثر سقوطه عن دراجة اعتاد أن يركبها على طرقات الجبل حول بلدته الفريكة. ودفن في بلدته وقد أقيم له تمثالاً نصب في باحة كلية الآداب في الجامعة اللبنانية.



ترك الريحاني العديد من المؤلفات في العربية والإنكليزية في السياسة والأدب والشعر والتاريخ والفن. ومنح أمين الريحاني عدة أوسمة هي: ـ وسام المعارف الأول الإيراني ـ وسام المعارف الأول للمغرب الإسباني ـ وسام الاستحقاق اللبناني الأول المذهب.

moudar
06-Oct-2011, 08:31 AM
أحمد عرابي

من المواقف التاريخية المشرفة في حياة الأمة العربية قيام أحمد عرابي بتظاهرة على رأس الجيش المصري في ميدان عابدين بالقاهرة؛ لعرض مطالب الأمة على الخديوي توفيق، بعد أن اتجهت إليه الأنظار، وتعلقت به الآمال؛ لإنقاذ البلاد من مهاوي الظلم، وتحقيق أمانيها في الحياة الكريمة، وحملت مطالب القائد الثائر لمليكه: إسقاط وزارة رياض باشا، وتشكيل وزارة وطنية، وقيام مجلس نيابي حديث، وهذه المطالب مشروعة في مجملها؛ فهي تحمل تطلع الشعب إلى التمتع بالحرية والعيش الكريم، لكن الخديوي توفيق رأى فيها تجاوزًا لسلطانه، وتعديًا على مكانته، وإنقاصًا من هيبته حيث يجرؤ أحد أفراد رعيته على عرض هذه المطالب، فقال له في غطرسة وكبرياء: "كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا".

وأطلقت هذه الكلمات التي تقطر كبرًا ما في نفس عرابي من عزة وإباء، وتمثلت فيه عزة وطنه وكرامة شعبه الذي وضع فيه ثقته، فنطق بما لم يسمعه الخديوي من قبل، وهو الذي تعوَّد سماع كلمات الإطراء والاستحسان، ولم يعتدْ أن يراجعه أحد، فزلزلت كلمات عرابي ما في نفس الخديوي من عزة جوفاء حين قال له: "نحن خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم".



الاستجابة لمطالب الأمة

استجاب الخديوي لمطالب الأمة، وعزل "رياض باشا" من رئاسة الوزارة، وعهد إلى "شريف باشا" بتشكيل الوزارة، وكان رجلا كريمًا مشهودًا له بالوطنية والاستقامة، فألف وزارته في (19 من شوال 1298 هـ = 14 من سبتمبر 1881م)، وسعى لوضع دستور للبلاد، ونجح في الانتهاء منه وعرضه على مجلس النواب الذي أقر معظم مواده، ثم عصف بهذا الحلم الجميل تدخل الدولتين الاستعماريتين إنجلترا وفرنسا في شئون البلاد، وتأزمت الأمور، وتقدم "شريف باشا" باستقالته في (2 من ربيع الآخر 1299 هـ = 2 من فبراير 1882م).

وتشكلت حكومة جديدة برئاسة "محمود سامي البارودي"، وشغل "عرابي" فيها منصب "وزير الجهادية" (الدفاع)، وقوبلت وزارة "البارودي" بالارتياح والقبول من مختلف الدوائر العسكرية والمدنية؛ لأنها كانت تحقيقًا لرغبة الأمة، ومعقد الآمال، وكانت حقًا عند حسن الظن، فأعلنت الدستور، وصدر المرسوم الخديوي به في (18 من ربيع الأول 1299 هـ = 7 من فبراير 1882م).

غير أن هذه الخطوة الوليدة إلى الحياة النيابية الكريمة تعثرت بعد نشوب الخلاف بين الخديوي ووزارة البارودي حول تنفيذ بعض الأحكام العسكرية، ولم يجد هذا الخلاف مَن يحتويه من عقلاء الطرفين، فاشتدت الأزمة، وتعقد الحل، ووجدت بريطانيا وفرنسا في هذا الخلاف المستعر بين الخديوي ووزرائه فرصة للتدخل في شئون البلاد، فبعثت بأسطوليهما إلى شاطئ الإسكندرية بدعوى حماية الأجانب من الأخطار.



اشتعال الأزمة

ولم يكد يحضر الأسطولان (الإنجليزي والفرنسي) إلى مياه الإسكندرية حتى أخذت الدولتان تخاطبان الحكومة المصرية بلغة التهديد والبلاغات الرسمية، ثم تقدم قنصلا الدولتين إلى البارودي بمذكرة مشتركة في (7 من رجب 1299 هـ = 25 من مايو 1882م) يطلبان فيها استقالة الوزارة، وإبعاد عرابي وزير الجهادية عن القطر المصري مؤقتًا مع احتفاظه برتبه ومرتباته، وإقامة "علي باشا فهمي" و"عبد العال باشا حلمي" –وهما من زملاء عرابي وكبار قادة الجيش- في الريف مع احتفاظهما برتبتيهما ومرتبيهما.

وكان رد وزارة البارودي رفض هذه المذكرة باعتبارها تدخلا مهينًا في شئون البلاد الداخلية، وطلبت من الخديوي توفيق التضامن معها في الرفض، ولكن جاء موقفه مخيبًا للآمال؛ إذ أعلن قبوله لمطالب الدولتين، وإزاء هذا الموقف المخزي قدم البارودي استقالته من الوزارة، فقبلها الخديوي.



بقاء عرابي في منصبه

غير أن عرابي بقي في منصبه بعد أن أعلنت حامية الإسكندرية أنها لا تقبل بغير عرابي ناظرًا للجهادية، فاضطر الخديوي إلى إبقائه في منصبه، وتكليفه بحفظ الأمن في البلاد، غير أن الأمور في البلاد ازدادت سوءًا بعد حدوث مذبحة الإسكندرية في (24 من رجب 1299 هـ = 11 من يونيه 1882م)، وكان سببها قيام رجل من مالطة من رعايا بريطانيا بقتل أحد المصريين، فشب نزاع تطور إلى قتال سقط خلاله العشرات من الطرفين قتلى وجرحى.

وعقب الحادث تشكلت وزارة جديدة ترأسها "إسماعيل راغب"، وشغل "عرابي" فيها نظارة الجهادية، وقامت الوزارة بتهدئة النفوس، وعملت على استتباب الأمن في الإسكندرية، وتشكيل لجنة للبحث في أسباب المذبحة، ومعاقبة المسئولين عنها.



ضرب الإسكندرية

ولما كانت إنجلترا قد بيتت أمرًا، فقد أعلنت تشككها في قدرة الحكومة الجديدة على حفظ الأمن، وبدأت في اختلاق الأسباب للتحرش بالحكومة المصرية، ولم تعجز في البحث عن وسيلة لهدفها، فانتهزت فرصة تجديد قلاع الإسكندرية وتقوية استحكاماتها، وإمدادها بالرجال والسلاح، وأرسلت إلى قائد حامية الإسكندرية إنذارًا في (24 من شعبان 1299 هـ = 10 من يوليو 1882م) بوقف عمليات التحصين والتجديد، وإنزال المدافع الموجودة بها.

ولما رفض الخديوي ومجلس وزارئه هذه التهديدات، قام الأسطول الإنجليزي في اليوم التالي بضرب الإسكندرية وتدمير قلاعها، وواصل الأسطول القذف في اليوم التالي، فاضطرت المدينة الباسلة إلى التسليم ورفع الأعلام البيضاء، واضطر أحمد عرابي إلى التحرك بقواته إلى "كفر الدوار"، وإعادة تنظيم جيشه.

وبدلاً من أن يقاوم الخديوي المحتلين، استقبل في قصره بالإسكندرية الأميرال "سيمور" قائد الأسطول البريطاني، وانحاز إلى الإنجليز، وجعل نفسه وسلطته الحكومية رهن تصرفهم بعد أن احتلوا الإسكندرية، وأرسل إلى أحمد عرابي في كفر الدوار يأمره بالكف عن الاستعدادات الحربية، ويحمّله تبعة ضرب الإسكندرية، ويأمره بالمثول لديه في قصر "رأس التين"؛ ليتلقى منه تعليماته.



مواجهة الخديوي ورفض قراراته

رفض عرابي الانصياع للخديوي بعد موقفه المخزي، وبعث إلى جميع أنحاء البلاد ببرقيات يتهم فيها الخديوي بالانحياز إلى الإنجليز، ويحذر من اتباع أوامره، وأرسل إلى "يعقوب سامي باشا" وكيل نظارة الجهادية يطلب منه عقد جمعية وطنية ممثلة من أعيان البلاد وأمرائها وعلمائها للنظر في الموقف المتردي وما يجب عمله، فاجتمعت الجمعية في (غرة رمضان 1299هـ= 17 من يوليو 1882م)، وكان عدد المجتمعين نحو أربعمائة، وأجمعوا على استمرار الاستعدادات الحربية ما دامت بوارج الإنجليز في السواحل، وجنودها يحتلون الإسكندرية.

وكان رد فعل الخديوي على هذا القرار هو عزل عرابي من منصبه، وتعيين "عمر لطفي" محافظ الإسكندرية بدلا منه، ولكن عرابي لم يمتثل للقرار، واستمر في عمل الاستعدادات في كفر الدوار لمقاومة الإنجليز، وأرسل إلى يعقوب سامي يدعوه إلى عقد اجتماع للجمعية العمومية للنظر في قرار العزل.

وفي (6 من رمضان 1299 هـ = 22 من يوليو 1882م) عُقِد اجتماع في وزارة الداخلية، حضره نحو خمسمائة من الأعضاء، يتقدمهم شيخ الأزهر وقاضي قضاة مصر ومُفتيها، ونقيب الأشراف، وبطريرك الأقباط، وحاخام اليهود والنواب والقضاة والمفتشون، ومديرو المديريات، وكبار الأعيان وكثير من العمد، فضلا عن ثلاثة من أمراء الأسرة الحاكمة.

وفي الاجتماع أفتى ثلاثة من كبار شيوخ الأزهر، وهم "محمد عليش" و"حسن العدوي"، و"الخلفاوي" بمروق الخديوي عن الدين؛ لانحيازه إلى الجيش المحارب لبلاده، وبعد مداولة الرأي أصدرت الجمعية قرارها بعدم عزل عرابي عن منصبه، ووقف أوامر الخديوي ونظّاره وعدم تنفيذها؛ لخروجه عن الشرع الحنيف والقانون المنيف.



إلى المنفى

أيدت الأمة عرابي وانضمت إلى جانبه، وعدته مدافعًا عن كيان البلاد، غير أن الأحداث لم تكن في صالحه، ولم ينجح في إيقاف زحف الإنجليز على البلاد بعد أن مُني بهزيمة كبيرة في التل الكبير في منتصف ليلة (28 من شوال 1299هـ = 12 من سبتمبر 1882م)، وسلم نفسه بعد أن دخل الإنجليز القاهرة، وحُكم عليه وعلى زملائه بالنفي إلى سرنديب (سيريلانكا حاليًا).

moudar
10-Oct-2011, 11:01 AM
أكرم زعيتر

ولد أكرم زعيتر في مدينة نابلس عام 1909، والده الشيخ عمر الجزائري من كبار رجالات نابلس، وترأس بلديتها في أوائل القرن العشرين. أخوه العلامة عادل زعيتر شيخ المترجمين العرب.



درس أكرم زعيتر الصفوف الابتدائية في مدينة نابلس، وأكمل دراسته الثانوية في كلية النجاح ثم انتسب إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، والتحق بعدها بكلية الحقوق في القدس.



زاول زعيتر في بداية حياته مهنة التعليم في ثانويات فلسطين، وعلى اثر الثورة عام 1929 في فلسطين وحملة المندوب البريطاني على الثوار العرب استقال من مهنة التدريس ليتفرغ للعمل في الحقل الوطني، فتولى رئاسة تحرير جريدة (مرآة الشرق) في القدس، وبعد ثلاثة أشهر من عمله في الصحافة قبض عليه وأودع السجن نتيجة لانخراطه في العمل الوطني، وحوكم بالإبعاد مدة سنة إلى نابلس، وهناك قاد المظاهرات الوطنية خاصة يوم إعدام الشهداء الثلاثة: فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، ولدى عودته إلى القدس مرة أخرى تولى تحرير جريدة الحياة التي قامت بدور هام في تحريك أحداث عام 1931، لكن جرى اعتقال زعيتر وأُغلقت جريدة الحياة، وتم إبعاده مرة أخرى إلى مدينة نابلس حيث تولى التدريس في كلية النجاح، وألف مع نخبة من الأحرار جمعية (العناية بالمساجين العرب). وفي تلك الفترة أسس مع عدد من رفاقه حزب (الاستقلال) في فلسطين. وكان ينشر مقالاته الوطنية على صفحات جريدة (الدفاع) و(الجامعة الإسلامية) اليافية.



كما اشترك أكرم في تأسيس عصبة العمل القومي في سوريا، وكان نائباً لرئيس مؤتمرها التأسيسي الذي انعقد في لبنان عام 1933، وحينما توفي الملك فيصل الأول في بغداد، مثل أكرم حزب الاستقلال في مراسم جنازته، فالتقاه ياسين الهاشمي وطلب منه البقاء للعمل في معاهد العراق موجهاً قومياً، وهناك ساهم بتأسيس (نادي المثنى) و(الجوال القومي).



بعد عودته إلى فلسطين شرع في عقد الاجتماعات الشعبية في جميع أنحاء فلسطين داعياً للمقاومة ولمجابهة الانتداب البريطاني. وعلى أثر الصدام الذي وقع عام 1936 بين الوطنيين الفلسطينيين وقوات الأمن البريطاني دعا أكرم زعيتر إلى تأليف لجان قومية، وتولى هو أمانة سر لجنة نابلس.



تولت لجنة نابلس الاتصال بأحرار فلسطين والعرب ودعت إلى الاضراب العام الكبير الذي امتد ستة أشهر، والذي كان الممهد لثورة عام 1936، فاعتقل أكرم وكان أول معتقل في هذه الثورة، حيث أُرسل إلى سجن عوجا الحفير في صرفند، وبعد فترة لجأ إلى دمشق حيث حضر مؤتمر بلودان، وتولى العمل الإعلامي للقضية الفلسطينية في سورية والدول المجاورة.



وبعد مطاردة قوات الانتداب للأحرار العرب، اتجه أكرم إلى العراق حيث عمل مفتشاً في وزارة المعارف وأستاذاً في دار المعلمين العراقية إلى أن نشبت ثورة رشيد رضا الكيلاني عام 1941 فشارك فيها، وحين أخفقت الثورة لجأ أكرم وصحبه إلى بادية الشام واختفوا مدة فيها، ثم لجأ إلى حلب ومنها إلى تركيا ليقضى ثلاثة أعوام لاجئاً سياسياً في الأناضول.



بعد إعلان استقلال سوريا عام 1945 عاد أكرم إليها، وأصبح مقرباً من رئيسها شكري القوتلي، كما مثل سوريا في كثير ممن النشاطات القومية، وكان مستشاراً لوفدها لدى جامعة الدول العربية، وعضواً في لجنة فلسطين الدائمة في الجامعة العربية.



في عام 1947 ترأس وفداً عربياً إلى أمريكا اللاتينية لشرح قضية فلسطين والدفاع عنها، واشترك في معظم المؤتمرات الوطنية والإسلامية المنعقدة في الشرق العربي، ثم تولى أمانة سر الندوة الإسلامية في دوراتها الثلاث المنعقدة في بيت المقدس عام 1959، ومثل الأردن في الدورة السادسة عشر للأمم المتحدة، وفي عام 1963 عُين سفيراً للأردن لدى سورية حيث أمضى قرابة العام ثم سفيراً للأردن لدى إيران وأفغانستان، وفي عام 1966 عُين وزيراً للخارجية الأردنية، وفي عام 1967 أصبح عضواً في مجلس الأعيان الأردني، ثم وزيراً للبلاط الملكي.



وفي عام 1971 أصبح سفيراً للأردن لدى لبنان واليونان حتى عام 1975، ثم عاد ثانية إلى عضوية مجلس الأعيان الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر.



أثناء إقامة أكرم زعيتر في لبنان في الثمانينات ساهم بنشاط في الحركة الثقافية، وكان رئيساً للمركز الثقافي الإسلامي لسنوات طويلة، كما شارك الشعب اللبناني آلامهم ومعاناتهم أثناء الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982، فقد أصيب منزله كما احترقت مكتبته التي تضم رسائل من كبار الشعراء والأدباء العرب في الوطن والمهجر، فسبب ذلك له حزناً عميقاً، فغادر بيروت إلى عمان، حيث تولى رئاسة اللجنة الملكية لشؤون القدس.



كان زعيتر عضواً في مجمع اللغة العربية الأردني، وعضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية بدمشق، كما كان عضواً في المجمع الملكي لبحوث الحضارات الإسلامية في مؤسسة آل البيت.



كان أكرم زعيتر خطيباً مفوهاً تأثر أدبه بالجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن حزم، كما تتلمذ على شقيقه عادل زعيتر، ومحمد إسعاف النشاشيبي وأمير البيان شكيب أرسلان، وخليل السكاكيني الذي ارتبط به أكرم بوثاق شديد، وظل طوال عمره يباهي بتلمذته على هذا الأديب الكبير، وبلغ من تأثره بعلمه وشخصه أن أطلق اسم (سري) على بكر أبنائه تشبهاً بأستاذه السكاكيني أبي سري.



توفي أكرم زعيتر بمنزله في عمان إثر إصابته بسكتة قلبية يوم الخميس الموافق الحادي عشر من نيسان سنة 1996، فصلي على جثمانه في مسجد مدينة الحسين الطبية، ووري الثرى في المقبرة الإسلامية في سحاب بالقرب من عمان.



احتلت مؤلفات زعيتر مكانة مرموقة في المكتبة العربية، وقد انفرد بتسجيل أدق تفاصيل الكفاح الفلسطيني لحظة حدوثها بأمانة وموضوعية، ومن أهم المؤلفات:

q ـ أوراق أكرم زعيتر، وثائق القضية الفلسطينية (1918 ـ 1940).

q ـ يوميات الثورة الكبرى والإضراب العظيم (1936 ـ 1939)

q ـ وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (1918 ـ 1939).

q ـ يوميات أكرم زعيتر، وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (1935 ـ 1939).

q ـ من أجل أمتي، من مذكرات أكرم زعيتر (1939 ـ 1946).

q ـ كتاب (بدوي الجبل وإخاء أربعين عاماً).

q ـ كتاب (رسالة في الاتحاد) بالاشتراك مع الأستاذين ساطع الحصري وكامل مروة.

moudar
11-Oct-2011, 09:00 AM
تاج الدين الحسيني

هو محمد تاج الدين بن محمد بدر الدين بن يوسف الحسيني المراكشي الأصل، ولد بدمشق سنة 1890م. والده الشيخ محمد بدر الدين الحسيني، محدث الديار الشامية الأكبر، كان شديد الورع، حاد الذكاء قوي الذاكرة ألّف ما يزيد على الأربعين كتاباً وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.



نشأ محمد تاج الدين في كنف والده ورعايته، ودخل المدارس الرسمية في دمشق، ثم طلب العلم على والده وتلاميذه مثل علم الحديث والتفسير والعلوم العربية وأصول الفقه والعلوم الدينية.



تميز تاج الدين بالذكاء والدهاء وحسن التودد إلى الناس، واستغل رغبة الحكام العثمانيين في إرضاء والده فانصرف إلى الاتصال بهم، فعين مدرساً للعلوم الدينية في المدرسة السلطانية بدمشق سنة 1912م، ثم كان من أعضاء مجلس إصلاح المدارس، ومن أعضاء المجلس العمومي لولاية سورية في عهد العثمانيين، كما تولى تحرير جريدة الشرق سنة 1916، والتي أمر بإنشائها جمال باشا قائد الجيش الرابع العثماني في الحرب العالمية الأولى.



بعد انتهاء الحكم العثماني على سوريا، انتخب تاج الدين عضواً في المؤتمر السوري، كما عينه الملك فيصل سنة 1920م مديراً عاماً للأمور العلمية في دائرة كانت مرجعاً أعلى لدوائر الأوقاف والفتوى والمحاكم الشرعية والخط الحجازي ـ وهذه الوظائف تشبه المشيخة الإسلامية في العهد العثماني ـ كما درّس في معهد الحقوق مادة أصول الفقه والأحوال الشخصية والفرائض والوصايا.



لماّ دخل الفرنسيون سوريا، خرج تاج الدين لوداع الملك فيصل، ثم لماّ دخل الجنرال غورو دمشق دُعي تاج الدين لاستقباله بصفته الرسمية، فامتنع وقال عبارته المشهورة: (من ودع فيصلاً لا يستقبل غورو)، فأُقصي من عمله، وبقي شهوراً عدة منزوياً، إلى أن تشكل وفد لمقابلة الجنرال غورو في أمور تتعلق بمصلحة البلاد، وكان من جملة حديثهم أن بينوا له مكانة الشيخ تاج الدين، وأن عزله عن منصبه لا يليق، فعين حينذاك عضواً في مجلس الشورى، ثم في محكمة التمييز، وبعد ذلك صار قاضياً شرعياً.



لم تستقر الأوضاع في سوريا منذ دخول الفرنسيين، فأرادت فرنسا اصطناع زعيم تسوس من خلاله المجتمع السوري. فرأت في الشيخ تاج الدين رجلاً مناسباً فعين رئيساً للجمهورية في 14 شباط 1928م.



تولىّ تاج الدين الحسيني رئاسة الدولة السورية في الموعد المذكور، فبدأ بإصدار عفو عن السجناء السياسيين مستثنياً ما يزيد عن 70 شخصاً منهم الزعماء الوطنيون الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وشكري القوتلي وعادل العظمة وسلطان الأطرش وشكيب أرسلان وفوزي القاوقجي وكان هؤلاء محكوماً عليهم بالنفي خارج البلاد مما جعل الشعب يزداد غضباً، ونعتوا العفو بـ( العفو الأعرج) إشارة إلى العرج المصاب به الرئيس تاج الدين، كما ألغى الأحكام العرفية التي ظلت قائمة خلال ثلاث سنوات، واستطاع نشر الهدوء في البلاد إلى جانب إنشائه المشاريع العمرانية الكثيرة مثل المرافق العامة ودور الدولة وآثار أخرى تشهد بسهره واهتمامه.



وبعد مدة من حكمه، أقنع تاج الدين الفرنسيين بضرورة انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستوراً للبلاد، فعلى إثر ذلك جرت انتخابات الجمعية التأسيسية بحماس ونشاط، وظهرت قائمتان رئيسيتان: قائمة الوطنيين وقائمة المعتدلين الموالين للانتداب. وكان اسم الشيخ تاج الدين على رأس كل منهما، وظل يحافظ على دهائه وهدوئه ويبذل من الجهود ما يرضي الفرقاء، مما هيأ له الفوز في الانتخابات دون أي اعتراض.



عملت الجمعية التأسيسية لمصلحة البلاد ووضعت دستوراً وافقت عليه حكومة الانتداب، بعد إقناع مستمر من تاج الدين الحسيني رئيس الدولة، ونشرته في 14أيار عام1930، لكن بعد إضافة مادة (116) عطل مضمونها جوهر الدستور، فقد ركزت على أمور كثيرة لا تصبح ناجزة إلا بعد (اتفاق بين الحكومتين الفرنسية والسورية)، مما جعل الأوضاع تزداد اضطراباً. فأصدرت حكومة الانتداب قراراً بإنهاء حكومة تاج الدين الحسيني التي استمرت أربع سنوات رغم وصفها بالحكومة المؤقتة.



في سنة 1934 وعلى أثر المظاهرات والاضطرابات التي رفضت معاهدة السلم والصداقة بين فرنسا وسورية، دعي الشيخ تاج الدين إلى تشكيل حكومة جديدة، فازدادت المظاهرات الغاضبة التي عمت أرجاء سورية، ومضى تاج الدين في سياسته الأولى حتى عام 1936 حيث قدم استقالته بعد أن تأزم الوضع، وكثرت الاعتقالات، وسافر إلى أوروبا ينتقل بين عواصمها، وأنهى تطوافه بإقامته في باريس، وبقي فيها إلى قيام الحرب العالمية الثانية ثم رجع إلى دمشق.



عهد المندوب العام لفرنسا في الشرق في 12أيلول1941 إلى الشيخ تاج الدين الحسيني بمهمة رئاسة الجمهورية السورية، وفي 27أيلول1941 تقدم المندوب العام إلى الحكومة السورية بتصريح خطي يتضمن إعلان استقلال سورية، وقعه تاج الدين الحسيني. في هذه الأثناء عيّنت بريطانيا الجنرال ادوارد وزيراً مطلق الصلاحية لبريطانيا في سورية ولبنان.



اشتد الخلاف بين رئيس الجمهورية تاج الدين ورئيس وزرائه حسن الحكيم، فأصدر مرسوماً بحل الوزارة، وعهد بتأليفها إلى حسني البرازي، وسارت هذه الوزارة مدة ستة أشهر على تفاهم مع رئيس الجمهورية تاج الدين وسلطة الانتداب، إلى أن بدأ الخلاف حول العلاقة مع الانتداب، إذ كان البرازي يصرح بترجيح موالاة بريطانيا، بينما ثابر رئيس الجمهورية على حسن الصلات بفرنسا، ودام هذه الخلاف ثلاثة أشهر كان البرازي خلالها كثير الاتصال بالجنرال البريطاني ادوارد، وتمكن تاج الدين رئيس الجمهورية من إزاحة البرازي وكلف بتشكيل حكومة ثالثة في عهده، وبعد أيام قليلة توفي تاج الدين صريع مرض مفاجئ حار فيه الأطباء في 17ـ كانون ثاني سنة 1943، وأثارت الصحافة الشكوك من حوله إلى حد القول أنه مات مسموماً، خاصة وأن الشيخ تاج الدين كان بين مطرقتين : المطرقة الفرنسية لحمله على عقد معاهدة بين سورية وفرنسا، والمطرقة البريطانية التي كانت تعمل على تحقيق المزيد مما في نفس الشيخ من رفض وإصرار ضد المعاهدة.



لماّ سُئل الأستاذ فارس الخوري عن الشيخ تاج الدين الحسيني وصحة ما كانت تقول عنه الكتلة الوطنية من أنه صنيعة الفرنسيين وممالئلاً لسياستهم الاستعمارية أجاب: (لم يكن تاج الدين كذلك، ولكنه كان وطنياً سورياً مخلصاً وعاملاً باراً في الحقل العام.. إلا أنه كان يختلف عنا معشر رجال الكتلة بالاجتهاد، فيقول ليس بالإمكان أبدع مما هو كائن، ولذا فإنه كان يتظاهر بالتفاني بصداقته للفرنسيين لجلب أكبر نفع لبلاده، ودرء ما يمكنه درؤه من الضرر، إضافة إلى أنه كان عمرانياً كبيراً خلّف آثاراً كثيرة في مختلف أنحاء الوطن السوري ناطقة بفضله) كما سُئل فارس الخوري عما إذا كان راضياً بدخول شقيقه فائز الخوري في الحكم كوزير للخارجية السورية في عهد الشيخ تاج الدين غير الدستوري عام (1941ـ1943) فأجاب: طبيعي أنني كنت راضياً وإلا لما كان دخل في الحكم.

moudar
16-Oct-2011, 12:45 PM
حسن كامل الصبّاح

حسن كامل بن علي الصباح من مواليد عام 1895 في مدينة النبطية جنوب لبنان من أسرة متعلمة مؤمنة. كان والده يعمل في تجارة الماشية.


بدأ دراسته أولاً في الكتّاب ثم انتقل إلى الابتدائية في مدرسة النبطية. وقد ظهر اهتمام الصباح بالرياضيات والهندسة باكراً، وينقل عن والدته تذكرها لتجاربه الأولى مثل نفخ البالون بالغاز وتطييره في السماء. وعمله كرة أرضية... وعن أحلامه إن كان يخبرها بأنه يرغب باستخراج النفط في بلاد العرب لتساعدهم في بناء حضارتهم.


درس الصباح في بيروت في المدرسة الاعدادية ـ السلطانية ـ وفيها برز تفوقه في الرياضيات والعلوم فأعجب بكتب الطبيعيات ومنها واحد للأشدودي وبكتاب الجبر لفانديك، ثم دخل حسن الكلية السورية الانجيلية (الجامعة الأميركية فيما بعد) لكن صعوبات مالية كادت تمنعه من المتابعة لولا تدخل أصحابه لدى الإدارة فأعفته منها بعد اكتشافها لنوابغه. وفي الجامعة تابع مطالعاته في الفلك مطبقاً ذلك على دراسته في الفيزياء . عام 1916 انخرط الزامياً في الخدمة العسكرية العثمانية فالتحق بقسم اللاسلكي وفيه
اختلط بالمهندسين الألمان فتعلم منهم اللغة الألمانية وتابع معهم أبحاثه في الكهرباء، فرقي إلى مرتبة ملازم أول وتسلم قيادة مفرزة التلغراف. وبعد انتهاء الحرب غادر إلى دمشق فسكنها فترة ثم انتقل إلى بيروت ليعمل مدرساً وليشبع نهمه في متابعة التحصيل في الهندسة الكهربائية فراسل مكتبات في برلين طالباً مجموعة كتب علمية، ثم رغب بالسفر إلى فرنسا لمتابعة تخصصه ولما فشلت محادثاته مع المفوض السامي الفرنسي سافر إلى بوسطن وانتسب إلى جامعتها.



عام 1921 كان حسن كامل الصباح في الولايات المتحدة الأميركية يتابع دراسته في الهندسة الكهربائية، لكن قلة موارده المالية اضطرته إلى ترك الدراسة فترة والالتحاق بشركة "جنرال الكتريك" للعمل فيها، ثم انتسب ثانية إلى جامعة النيوي لدراسة الرياضيات العليا إلا إنه لم يكمل دراسته للأسباب نفسها وعاد ليعمل مهندساً في شركة «جنرال الكتريك».

يتضح من رسالة للصباح كتبها إلى خاله أنه لم يكن حائزاً على شهادة الهندسة لكن الشركة عينته مهندساً يقول فيها:


(... وذلك إثر إتمامي لآلة كهربائية تسمى المربع الوحيد الكرة والغرض منها إنارة المصابيح الكهربائية المسلسلة بنور ثابت مهما تعددت المصابيح، وسيظهر اسمي بمجلة الشركة بعد شهرين... على أني أثبت للشركة بدون شهادة... وقد رأيتم أن الشركة اكتفت بذلك الكتاب (من الجامعة) دون شهادة بل إني إذا انفصلت عنها الآن فإنها تعطيني شهادة أني استخدمت فيها كمهندس ولهذه الشهادة اعتبار يفوق الشهادة الجامعية...».


وكثرت اختراعات الصباح، لكن أحواله المالية بقيت سيئة لما ناله من موظفي الشركة من حسد وتمييز حال دون تقدمه. اما الشركة فلم تكن تكافئه عن اختراعاته مع أنها كانت تجني منها أموالاً طائلة. وحين صار يكتب عنه في المجلات العلمية وذاعت شهرته، اهتم به كل من أستاذ الكهرباء في جامعة ميلانو فراسله، وكذلك مجموعة "سيمنس" الألمانية، حتى إنه تلقى عرضاً من الاتحاد السوفياتي، ولكنه لم يقبل بأي إغراء فالمختبر بالشركة حيث يعمل كان يوفر له ما يريد من آلات ومساعدة وإن كانت الشركة لا تعطيه راتبا كافيا.



من أهم اختراعاته أنه صنع جهازاً للتلفزة يخزن أشعة الشمس ويحولها إلى تيار وقوة كهربائية، وقد سجل هذا الاختراع في دائرة التسجيل بواشنطن تحت رقم: 1747988 في 18 شباط 1930 م وسجل أيضاً في إحدى عشرة دولة أخرى. ويعتبر هذا الاختراع من أهم اختراعات الصباح، لأنه فتح أمام العلماء والمخترعين أبواباً مغلقة. فهذه الأشعة الشمسية التي تتلقاها الكرة الأرضية والتي تذهب هدراً وخصوصاً في الصحارى الشاسعة يمكن استخدامها في سبيل خدمة الإنسان وسعادته. فكر الصباح في استخدام هذه الأشعة واقتنع رياضياً بإمكانية استخدام النور وتحويله إلى طاقة كهربائية ومن ثم ابتدأ تجاربه العلمية التطبيقية. وبعد ستة أشهر قضاها في التجارب والاختبارات استطاع في 17 كانون الثاني عام 1930 أن يتوصل إلى صنع جهاز عظيم للتفلزة يحتوي على بطارية كهربائية ثانوية تتألف من سبع صفائح تشكل فيما بينها ثلاثة خزانات للكهرباء ووضع بين تلك الصفائح مواد كيماوية مشعة وهذه البطارية متى تعرضت أقطابها الظاهرة لأشعة الشمس فإن الالكترونيات والفوتونات التي تحملها أشعة الشمس تؤثر في المواد الكيماوية المشعة فتولد في البطارية شحنة كهربائية قوية فتتحول بالتالي إلى تيار كهربائي قوي جداً يتخزن في البطارية.


وهكذا يتحول نور الشمس بعملية مستمرة إلى تيار كهربائي ثم إلى قوة ميكانيكية محركة تقوم مقام الوقود والفحم الحجري في إدارة الآلات الميكانيكية. على هذا الأساس كتب الصباح إلى الملك فيصل الأول يشرح له ام كانية إنشاء مصانع لتوليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها على الأقطار العربية ترتكز على أساس هذا الاختراع.


ولقد سجل حسن كامل الصباح سبعة وستين اختراعاً آخر باسمه وأحد عشر اختراعاً بالاشتراك مع آخرين. وهناك جدول بها منشور في كتاب د. فؤاد صروف حيث كل اختراع برقمه في مكتب التسجيل وتاريخ التسجيل في واشنطن مع اسم البلد الذي استغله.
رغم كثرة اختراعاته أحسّ الصباح بأن شركته تقسو عليه، فحاول الانتقال إلى شركة أخرى لكنها منعته، وحاول مراسلة المسؤولين في البلاد العربية لكنه لم يصل إلى نتائج إيجابية معهم رغم توسط أصدقاء له ذوي نفوذ، فأرسل إلى والده رسالة يخبره فيها أنه عازم على شراء طائرة صغيرة تنقله أخيراً إلى لبنان.


في 30 آذار 1935 كان في طريق عودته إلى منزله بعد أن دفع ثمن طائرة صغيرة خاصة تدهورت سيارته ـ في حادث غريب ـ وتوفي على إثرها وقد دارت حول وفاته شكوك كثيرة.

moudar
02-Nov-2011, 02:43 PM
حسن البنا

هذه السطور ليست من نسج الخيال، ولكنها واقعة حقيقية حدثت منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، وربما تتكرر، ومن يدري.

المكان: القاهرة - منطقة الحلمية.

الزمان: بعد منتصف الليل يوم 12 فبراير من عام 1949.

الوقائع: تتقدم قافلة من عربات الشرطة في سكون الليل، تصل إلى أحد شوارع الحلمية بمدينة القاهرة، تتوقف السيارات، يندفع الجند بأسلحتهم لحصار الشارع كله، وتُشدد الحراسة، حول بيت متواضع في منتصف الشارع، تتقدم إحدى سيارات الشرطة إلى هذا البيت، صف من الجنود ينقُلون جسد ميتٍ من السيارة إلى البيت في سرعة، يطرقون بابًا في أعلاه، يفتح الباب شيخ جاوز التسعين من عمره، يدخل عدد من الضباط إلى البيت قبل دخول الجثمان للتأكد من عدم وجود آخرين به، التعليمات صارمة للشيخ، لا صوت، لا عزاء، ولا حتى أحد من المتخصصين في إعداد الموتى، فقط أنت وأهل البيت، في تمام التاسعة صباحًا يتم دفن الميت.

كان الشيخ هو والد المتوفّى، ورغم الفجيعة، ورغم شيخوخته، قام بإعداد ابنه للدفن، ويمسح الشيخ دماء ابنه من أثر الرصاصات التي سكنت جسده.

ويأتي الصباح، ويأتي الضباط في موعدهم، هلمّ بابنك لتدفنه، فيصرخ الأب ذو التسعين عامًا، كيف لي بحمله؟ فليحمله الجنود! فيرفض الضباط، ويكون الرد فليحمله أهل البيت، وكان المُتوفّى له بنات وصبي صغير.

ويتقدم الجثمان في الطريق تحمله زوجته وبناته، وخلفه فقط والده، ومن تجرأ على السير في الجنازة كان المعتقل مآله، وتصل الجنازة إلى المسجد للصلاة على الفقيد، فإذا به خاليًا حتى من خدمه، فيصلي الوالد ومن خلفه أهل البيت من النساء، ويقومون بإنزاله إلى قبره، ويعود الجميع إلى البيت في حراسة مشددة، هذه هي جنازة الإمام الشهيد "حسن البَنَّا"، ويتم إلقاء القبض على كثير من الجيران، لا لشيء إلا لمجرد كلمة عزاء قالوها لهذه الأسرة، ويستمر الحصار ليس على البيت خشية ثورة من يأتي للعزاء، ولكن أيضًا يستمر الحصار حول القبر، خشية أن يأتي من يُخرج الجثة ويفضح الجريمة، بل وانتشرت قوات الشرطة في المساجد؛ لتأمر بغلقها عقب كل صلاة، خشية أن يتجرأ أحد بالصلاة على الفقيد.

وعلى الجانب الآخر كان ملك البلاد قد أجّل الاحتفال بعيد ميلاده من 11 فبراير إلى 12 فبراير؛ ليحتفل مع من يحتفل بموت هذا الرجل، ويروي أحد المفكرين أنه شاهد احتفالات في أحد الفنادق في الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما تقصّى سبب هذا الاحتفال، عرف أنه ابتهاجٌ بموت هذا الرجل. وإن كان الحق ما يشهد به الأعداء فإن مراكز الأبحاث في فرنسا وأمريكا اشتركت في وضع قائمة بأهم مائة شخصية أثّرت في العالم في القرن العشرين، فكان من العالم العربي اثنان هما: الإمام الشهيد "حسن البنا"، والآخر هو جمال عبد الناصر.



المولد و النشأة

هو حسن أحمد عبد الرحمن البنا، ولد في المحمودية، من أعمال محافظة البحيرة بدلتا النيل، وذلك يوم الأحد 25 شعبان سنة 1324هـ الموافق 14 أكتوبر سنة 1906م، وهو ينتسب إلى أسرة ريفية متوسطة الحال من صميم الشعب المصري، كانت تعمل بالزراعة في إحدى قرى الدلتا هي قرية "شمشيرة" [قرب مدينة رشيد الساحلية. ومطلة على النيل في مواجهة بلدة إدفينا، تابعة لمركز فوة بمحافظة البحيرة].

كان جده عبد الرحمن فلاحاً ابن فلاح من صغار الملاّك، وقد نشأ الشيخ أحمد - أصغر أبنائه ووالد حسن البَنّا - نشأةً أبعدته عن العمل بالزراعة؛ تحقيقًا لرغبة والدته، فالتحق بكتاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم وتعلّم أحكام التجويد، ثم درس بعد ذلك علوم الشريعة في جامع إبراهيم باشا بالإسكندرية، والتحق أثناء دراسته بأكبر محل لإصلاح الساعات في الإسكندرية حيث أتقن الصنعة، وأصبحت بعد ذلك حرفة له وتجارة، ومن هنا جاءت شهرته بـ "الساعاتي".

وقد أهّل الشيخ نفسه ليكون من علماء الحديث، فبَرَع فيه، وله أعمال كثيرة خدم بها السنة النبوية أشهرها كتابه "الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، وفي كنفه نشأ "حسن البَنّا" فتطبع بالكثير من طباعه، وتعلم على يديه حرفة "إصلاح الساعات" وتجليد الكتب أيضًا.



بداية الرحلة

بدأ "حسن البَنّا" تعليمه في مكتب تحفيظ القرآن بالمحمودية، وتنقل بين أكثر من كُتّاب حتى أن أباه أرسله إلى كتّاب في بلدة مجاورة للمحمودية. وكانت المدة التي قضاها في الكتاتيب وجيزة لم يتم حفظ القرآن خلالها؛ إذ كان دائم التبرم من نظام "الكُتّاب"، ولم يُطِق أن يستمر فيه، فالتحق بالمدرسة الإعدادية رغم معارضة والده الذي كان يحرص على أن يحفّظه القرآن، ولم يوافق على التحاقه بالمدرسة إلا بعد أن تعهّد له "حَسَن" بأن يتم حفظ القرآن في منزله.

وبعد إتمامه المرحلة الإعدادية التحق بمدرسة "المعلمين الأولية" بدمنهور، وفي سنة 1923 التحق بكلية "دار العلوم" بالقاهرة، وفي سنة 1927 تخرج فيها، وقد قُدّر له أن يلتحق بها وهي في أكثر أطوارها تقلبًا وتغيرًا، خاصة في مناهجها الدراسية التي أضيفت إليها آنذاك، دروس في علم الحياة، ونظم الحكومات، والاقتصاد السياسي، فكان نصيبه أن يتلقى تلك الدروس إلى جانب الدروس الأخرى في اللغة والأدب والشريعة وفي الجغرافيا والتاريخ.

وكان لديه مكتبة ضخمة تحتوي على عدة آلاف من الكتب في المجالات المذكورة، إضافة إلى أعداد أربع عشرة مجلة من المجلات الدورية، التي كانت تصدر في مصر مثل مجلة المقتطف، ومجلة الفتح، ومجلة المنار وغيرها، ولا تزال مكتبته إلى الآن في حوزة ولده الأستاذ "سيف الإسلام".

أمضى البَنّا تسعة عشر عامًا مدرسًا بالمدارس الابتدائية؛ في الإسماعيلية، ثم في القاهرة، وعندما استقال من وظيفته كمدرس في سنة 1946 كان قد نال الدرجة الخامسة في الكادر الوظيفي الحكومي، وبعد استقالته عمل لمدة قصيرة في جريدة "الإخوان المسلمون" اليومية، ثم أصدر مجلة "الشهاب" الشهرية ابتداءً من سنة 1947؛ لتكون مصدراً مستقلاً لرزقه، ولكنها أغلقت بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948.



مؤثرات و تأثيرات

تأثر الشيخ حسن البَنّا بعدد كبير من الشيوخ والأساتذة، منهم والده الشيخ أحمد والشيخ محمد زهران – صاحب مجلة الإسعاد وصاحب مدرسة الرشاد التي التحق بها حسن البَنّا لفترة وجيزة بالمحمودية – ومنهم أيضاً الشيخ طنطاوي جوهري صاحب تفسير القرآن"الجواهر"، ورأس تحرير أول جريدة أصدرها الإخوان المسلمون سنة 1933، عَمِلَ حسن البَنّا بعد تخرجه في دار العلوم سنة 1927 مدرسًا بإحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية، وفي السنة التالية 1928 أسس جماعة الإخوان المسلمين، ولكنه قبل أن يؤسسها كان قد انخرط في عدد من الجمعيات والجماعات الدينية مثل "جمعية الأخلاق الأدبية"، و"جمعية منع المحرمات" في المحمودية، و"الطريقة الحصافية" الصوفية في دمنهور، وشارك أيضاً في تأسيس جمعية الشبان المسلمين سنة 1927، وكان أحد أعضائها. أما جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها فقد نمت وتطورت وانتشرت في مختلف فئات المجتمع، حتى أصبحت في أواخر الأربعينيات أقوى قوة اجتماعية سياسية منظمة في مصر، كما أصبح لها فروع في كثير من البلدان العربية والإسلامية.

وكان البَنّا يؤكد دومًا على أن جماعته ليست حزبًا سياسيًّا، بل هي فكرة تجمع كل المعاني الإصلاحية، وتسعى إلى العودة للإسلام الصحيح الصافي، واتخاذه منهجًا شاملاً للحياة.

ويقوم منهجه الإصلاحي على "التربية"، و"التدرج" في إحداث التغيير المنشود، ويتلخص هذا المنهج في تكوين "الفرد المسلم" و"الأسرة المسلمة"، ثم "المجتمع المسلم"، ثم "الحكومة المسلمة"، فالدولة، فالخلافة الإسلامية، وأخيرًا يكون الوصول إلى "أستاذية العالم".

قاد البَنّا جماعة الإخوان المسلمين على مدى عقدين من الزمان [1928-1949]، وخاض بها العديد من المعارك السياسية مع الأحزاب الأخرى، وخاصة حزب الوفد والحزب السعدي، ولكنه وجّه أغلب نشاط الجماعة إلى ميدان القضية الوطنية المصرية التي احتدمت بعد الحرب العالمية الثانية، ونادى في ذلك الحين بخروج مصر من الكتلة الإسترلينية للضغط على بريطانيا حتى تستجيب للمطالب الوطنية. وفي هذا السياق قام الإخوان بعقد المؤتمرات، وتسيير المظاهرات للمطالبة بحقوق البلاد، كما قاموا بسلسلة من الاغتيالات السياسية للضباط الإنجليز، ولجنود الاحتلال، وخاصة في منطقة قناة السويس.

وقد أولى البَنّا اهتمامًا خاصًّا بقضية فلسطين، واعتبرها "قضية العالم الإسلامي بأسره"، وكان يؤكد دومًا على أن "الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة، هي لغة الثورة والقوة والدم"، وأدرك حقيقة التحالف الغربي الصهيوني ضد الأمة الإسلامية، ودعا إلى رفض قرار تقسيم فلسطين الذي صدر عن الأمم المتحدة سنة 1947، ووجه نداءً إلى المسلمين كافة - وإلى الإخوان خاصة - لأداء فريضة الجهاد على أرض فلسطين حتى يمكن الاحتفاظ بها عربية مسلمة، وقال: "إن الإخوان المسلمين سيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين إسلاميًّا عربيًّا حتى يرث الله الأرض ومن عليها". واتخذت الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين قرارًا في 6 مايو سنة 1948 ينص على إعلان الجهاد المقدس ضد اليهودية المعتدية، وأرسل البَنّا كتائب المجاهدين من الإخوان إلى فلسطين في حرب سنة 1948. وكان ذلك من أسباب إقدام الحكومة المصرية آنذاك على حل جماعة الإخوان في ديسمبر سنة 1948، الأمر الذي أدى إلى وقوع الصدام بين الإخوان وحكومة النقراشي.

كان للبَنّا آراء سديدة ونظرات ثاقبة في قضية النهضة التي تشغل المسلمين منذ قرنين من الزمان وما زالوا ينشدونها. فقد ربطها بقضية التحرر من الاستعمار والتبعية لأوربا من ناحية، وبالتقدم العلمي الذي يجب أن يحققه المسلمون من ناحية أخرى، وفي ذلك يقول: "لن تنصلح لنا حال، ولن تنفذ لنا خطة إصلاح في الداخل ما لم نتحرر من قيد التدخل الأجنبي"، ويقول: "لا نهضة للأمة بغير العلم وما ساد الكفار إلا بالعلم"، وكان يرى أن تبعية المسلمين لأوروبا في عاداتها وتقاليدها تحول بينهم وبين استقلالهم ونهضتهم، يقول: "أليس من التناقض العجيب أن نرفع عقائرنا (أصواتنا) بالمطالبة بالخلاص من أوروبا، ونحتج أشد الاحتجاج على أعمالها، ثم نحن من ناحية أخرى نقدس تقاليدها، ونتعود عاداتها، ونفضل بضائعها؟!

ويرى كذلك أن قضية المرأة من أهم القضايا الاجتماعية، ولذلك فقد اهتم بها منذ بداية تأسيسه لجماعة الإخوان، فأنشأ لها قسمًا خاصًّا باسم "الأخوات المسلمات". وأكد كثيرًا على أن الإسلام أعطى للمرأة كافة الحقوق الشخصية والمدنية والسياسية، وفي الوقت نفسه وضع لها ضوابط تجب مراعاتها عند ممارسة تلك الحقوق.

ولم يَدْعُ البَنّا قط إلى إقامة نظام حكم ديني ثيوقراطي بالمعنى الذي عرفته أوروبا في عصورها الوسطى، بل دعا إلى إقامة حكم إسلامي على أساس الشورى والحرية والعدل والمساواة. وقبل قبولاً صريحًا بصيغة الحكم الدستوري النيابي، واعتبره أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، ورأى أن تلك الصيغة إذا طبقت كما ينبغي فإنها تضمن تحقيق المبادئ الثلاثة التي يقوم عليها الحكم الإسلامي، وهي "مسئولية الحاكم"، و"وحدة الأمة"، و"احترام إرادتها".



مؤلفاتة

ولا تُعرف لحسن البَنّا كتب أو مؤلفات خاصة سوى عدد من الرسائل مجموعة ومطبوعة عدة طبعات بعنوان "رسائل الإمام الشهيد حسن البنا"، وهي تعتبر مرجعًا أساسيًّا للتعرف على فكر ومنهج جماعة الإخوان بصفة عامة. وله مذكرات مطبوعة عدة طبعات أيضًا بعنوان "مذكرات الدعوة والداعية"، ولكنها لا تغطّي كل مراحل حياته وتتوقف عند سنة 1942، وله خلاف ذلك عدد كبير من المقالات والبحوث القصيرة، وجميعها منشورة في صحف ومجالات الإخوان المسلمين التي كانت تصدر في الثلاثينيات والأربعينيات، بالإضافة إلى مجلة الفتح الإسلامية التي نشر بها أول مقالة له بعنوان "الدعوة إلى الله".

أورناصرسعيد
02-Nov-2011, 05:00 PM
جزيت خيرا اخي مضر:yes:.............

moudar
03-Nov-2011, 09:29 AM
يسعدني دائما مرورك الغالي اروناصر سعيد

بت البلد
03-Nov-2011, 09:55 AM
ما عدمناك اخي مضر
وفي انتظار المزيد المزيد
تحياتي لك

moudar
03-Nov-2011, 09:56 AM
راغب النشاشيبي

ولد راغب النشاشيبي في القدس سنة 1880، وأتم دراسته الابتدائية في مدارسها، ثم اتجه إلى الأستانة حيث أتم دراسته الثانوية والتحق بالجامعة العثمانية ودرس الهندسة فيها، ثم عاد إلى القدس فعُين مهندساً للأشغال العامة في لواء القدس، وقام بشق الطرق بين المدن والقرى.



والده السيد رشيد النشاشيبي من أبرز الشخصيات في آل النشاشيبي، عند إعلان الدستور العثماني سنة 1908، انتمى راغب إلى جماعة الاتحاد والترقي، وكان أحد النواب في مجلس النواب العثماني من أول دورة دستورية وبقي يتكرر عن القدس في كل انتخابات تالية حتى نهاية الحرب سنة 1918، كما عمل ضابطاً في الجيش التركي إبان الحرب العالمية الأولى.



بعد انتهاء الحرب عاد راغب إلى القدس، فانتخب في المؤتمر السوري سنة 1919، وفي سنة 1920 عُين راغب رئيساً لبلدية القدس من قبل الحاكم العسكري الإنجليزي بعدما أقال موسى كاظم الحسيني، وكان راغب من الداعين إلى التعاون مع الإنجليز والانتداب... وبقي يتكرر في مركزه هذا أربعة عشر عاماً، قام خلالها بعدد من المشاريع الإنشائية كشق الطرق، وإدخال المياه إلى المدينة وإنشاء المجارير، وبناء دار البلدية، وكان أنصاره يجدون فيه الرجل الذي حول مدينة القدس إلى مدينة عصرية من خلال المشاريع العديدة التي قام بها خاصة مشروع مياه رأس العين.



في سنة 1934 انتخب الدكتور حسين الخالدي رئيساً لبلدية القدس بعد فشل راغب في الانتخابات لهذا المنصب، فكان من الطبيعي أن يبادر النشاشيبي إلى إنشاء قوة سياسية أخرى بديلة عن بلدية القدس، تمكنه من مقارعة خصومه من آل الحسيني الذين يتمتعون بمقاعد شعبية ومؤسسية قوية، حيث كان في ذلك الوقت الحاج أمين الحسيني مفتياً للقدس ورئيساً للمجلس الإسلامي الأعلى وقائداً للحركة الوطنية الفلسطينية.. وهناك أسباب محلية عديدة ساهمت في تكوين تلك القوة السياسية أهمها التنافس العائلي على المراكز الهامة في القدس وهي ثلاثة: الإفتاء والمحكمة الشرعية ورئاسة البلدية. إلا أن السبب الأقوى كان دائماً رغبة سلطة الانتداب في إحداث الفرقة في الحركة الوطنية السياسية، وهي لذلك دعمت عبر جميع المراحل تلك الفئة المنافسة والمعارضة والتي أطلق عليها اسم المعارضة.



أدت هذه المنافسة العائلية بين آل الحسيني وآل النشاشيبي إلى منافسة سياسية علنية، وفي وقت أصبحت الجماهير فيها تعتبر الحاج أمين على رأس الحركة الوطنية، والمجلس الإسلامي وما يمثله مؤسسة هامة من المؤسسات الوطنية، وما كان بإمكان خصوم الحاج أمين وعلى رأسهم راغب النشاشيبي تجاهل هذه الحقيقة، وفي الوقت نفسه ما كان بوسعهم الاعتراف علناً بأن هؤلاء هم الوطنيون، ومن هنا أطلق على معسكر الحاج أمين وأنصاره لقب (المجلسيين) وعلى المعسكر الآخر لقب (المعارضين) لسياسة المجلس.



أخذ هؤلاء المعارضون بإطلاق الاتهامات ضد الحاج أمين وجماعته ومن ثم معارضتها كي يكسبوا تأييد الرأي العام، كل ذلك بإيعاز من الانجليز، فمثلاً عقد المعارضون مؤتمر الأمة الإسلامية في فندق الملك داوود الذي يملكه اليهود، وهو مؤتمر معاكس لمؤتمر العالم الإسلامي الذي عقد في القدس برئاسة أمين الحسيني، ودعا إليه كبار الأئمة والعلماء والسياسيين من مختلف الأقطار العربية والإسلامية، كي يشعر سلطات الانتداب بأن عرب فلسطين ليسوا وحدهم، فهناك الملايين من العرب والمسلمين يساندونهم. وأقام هؤلاء المعارضون (على رأسهم راغب النشاشيبي وأسعد الشقيري وفخري النشاشيبي) بتقديم مذكرات إلى الحكام العرب والمسلمين يحذرونهم فيها من عقد المؤتمر، كما بعثوا وفوداً إلى عدد من الدول العربية والإسلامية لإطلاع المسؤولين على نوايا المفتي وأهدافه الحقيقية التي حفزته إلى الدعوة لعقد المؤتمر، وذكروا لهم أن المفتي ينوي إثارة موضوع الخلافة الإسلامية واستصدار قرار انتخاب أحد الملوك من أصدقائه خليفة للمسلمين. لكن انعقاد مؤتمر المعارضين هذا أثناء انعقاد المؤتمر الإسلامي العام، كان فضيحة أثارت نفور الشعب الفلسطيني واشمئزازه.



في منتصف الثلاثينات نشأت الأحزاب في فلسطين، فشكل أمين الحسيني حزباً أسماه الحزب العربي، أما كتلة المعارضين فقد شكلوا حزب الدفاع الوطني وترأسه راغب النشاشيبي، حيث ضم هذا الحزب عدداً من رؤساء البلديات ومن كبار المزارعين الأثرياء ومن زعماء العشائر ومن السياسيين الذين كانوا بسبب خلافهم مع المفتي يبحثون عن أرض سياسية أخرى يعملون عليها، ومن الطبقات ذات المصلحة في عدم الصدام مع حكومة الانتداب مثل أسعد الشقيري وفخري النشاشيبي وسليمان طوقان وغيرهم.



اتخذ الحزب بزعامة النشاشيبي القدس مقراً له، وقدم نفسه على أساس أنه يعمل لقيام حياة سياسية ديمقراطية، وبأنه يمثل غالبية النخبة المثقفة من أبناء العائلات، ونادى بفكرة التعاون مع حكومة الانتداب لإقامة مجلس تشريعي في الوقت المناسب، والحقيقة أن هذا الحزب استقطب حوله كبار الأثرياء وبالتالي النخبة المثقفة من أبناء العائلات بسبب سياسة المسايرة للسلطة الانتدابية، ففي مثل هذه السياسة عادة طمأنينة وضمانة للأثرياء أصحاب رؤوس الأموال والأراضي الشاسعة.

كان لحزب الدفاع الوطني الأثر السيئ في حياة فلسطين وفي حركتهم الوطنية، حيث أصبح أنصار هذا الحزب يثيرون الفتن واشغب على المجاهدين الفلسطينيين، ويستعينون على هذا بما يتمتعون به من عون الإنجليز واليهود تحقيقاً لمبدئهم فرّق تسد.



من جملة ما ذكر عن راغب النشاشيبي وعلاقته مع الإنجليز، أنه اشترك هو وعلي جار الله القاضي في محكمة الاستئناف في حفل افتتاح الجامعة العبرية، مما ترك أسوأ الأثر عنهما، علماً بأن الأحزاب والجمعيات السياسية كلها بما فيها الدفاع الوطني قد شاركت في الإضراب والمقاطعة لدى دخول بلفور لفلسطين بناء على ما جاء في الصحف من نداء لذلك.



كذلك قال جمال الحسيني في أسعد الشقيري ـ والذي هو من أقوى دعائم المعارضة: (كذلك لا يجب أن نعتب على الأمة لاشتباهها في الحزب الوطني عندما نرى أعظم ركن فيها، ذلك الشيخ الذي أدمى قلب الأمة، وأسال دموع عذاراها، إذ كان جاثماً بجانب السفاح جمال باشا وهو يعلق أجسام شبان هذه الأمة في ساحات بيروت ودمشق والذي طأطأ رؤوسنا إذ أقبل بعمته الضخمة على الكونت دي روتشلد يقبل يده عند زيارته لفلسطين قبل سنين..).



على الرغم من تعاطف حزب الدفاع الوطني مع الإنجليز واليهود، إلا أن تدفق الهجرة الصهيونية والغليان الوطني ضد الغزو الصهيوني، دفع حزب الدفاع في اتجاه سياسة الالتقاء مع الأحزاب الأخرى تحت اسم اللجنة العربية العليا، استجابة لمطالب الجماهير في الوقوف بحزم إزاء تفاقم الوضع السياسي في البلاد، وهكذا شارك هذا الحزب في الموقف الموحد لأول مرة... إلا أنه ما لبث أن أعلن انسحابه من اللجنة العليا بعد فترة قصيرة تمهيداً للموافقة على مشروع تقسيم فلسطين عام 1937، لكنه لم يجرؤ على إعلان موافقته اتقاء للسخط العام.



ومنذ انسحاب الحزب بزعامة النشاشيبي من اللجنة العليا، انفصل من المسيرة الوطنية العامة، وعاد يعمل بمفرده... لذا فر قادته إلى القاهرة خشية انتقام الثوار وأنصار الخط الوطني منهم، وفي القاهرة تركز خط حزب الدفاع على مواجهة المفتي الذي استقطب التأييد الوطني العام، ولاسيما بعد وضوح موقفه إلى جانب الثورة ضد الإنجليز والصهيونية بشكل صدامي، وفي هذه الفترة تخلى عن حزب الدفاع العديد من أعضائه وأعلنوا انسحابهم منه رسمياً.

في سنة 1939 اختير راغب النشاشيبي عضواً في الوفد الفلسطيني العربي الذي سافر إلى إنكلترا، وحضر مؤتمر المائدة المستديرة بلندن للبحث في القضية الفلسطينية.



في سنة 1946 وبعد أحداث متتالية حلت بالحركة الوطنية ونفي معظم أعضائها لخارج فلسطين، أُعيد تشكيل اللجنة العربية العليا، فاختير الراغب عضواً فيها، وبعد وقوع النكبة عام 1948 وضم الضفة الغربية لشرقي الأردن، عُين الراغب وزيراً للزراعة في الحكومة الأردنية ثم وزيراً للنقل والمواصلات، ثم حاكما عاماً للضفة الغربية والحارس العام للحرم الشريف والأماكن المقدسة... وأخيراً عُين عضواً في مجلس الأعيان الأردني. وتوفي سنة 1951.

moudar
03-Nov-2011, 09:58 AM
ما عدمناك اخي مضر
وفي انتظار المزيد المزيد
تحياتي لك

بت بلدنا الف تحيه وشكرا
سعدت واسعد بمرورك

moudar
05-Nov-2011, 11:37 AM
خليل المطران

(1871 ـ 1949)

انحدرت أسرة( المطران) من أصل غساني من بطن يعرف( بأولاد نسيم) استوطن بعلبك، وفي سنة1628 سيم على بعلبك مطران من أولاد نسيم اسمه( ابيفانيوس) كان يقضي شؤون الناس في بيته فعرف بيته( ببيت المطران) ولقبت الأسرة بهذه الكنية. وقد أنجبت أسرة المطران طائفة من أهل العلم والفضل والأدب، وقد اعتمد أمراء آل حرفوش وهم حكام بعلبك هذه الأسرة فجعلوا من بعض أفرادها كتبة ومستشارين لهم.



هو شاعر العبقرية المرحوم خليل بن عبده بن يوسف بن إبراهيم بن مخايل مطران وأمه ( ملكه الصباغ) ولد في بعلبك، لم يكن والده على شيء من الثراء، فأراد أن يعوض هذا النقص، فأرسل ولده للدراسة في الكلية الشرقية في زحلة، فأنهى دراسته الابتدائية.
انتقل إلى المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك في بيروت، فدرس النحو على الشيخ خليل اليازجي، والبيان والأدب على الشيخ إبراهيم اليازجي، ودرس اللغة الفرنسية على أستاذ في ( التورين).


وبعد خروجه من المدرسة البطريركية بدأ ينظم الشعر ضد سياسة السلطان عبد الحميد.


وفي إحدى ليالي صيف عام1890 عاد الشاعر إلى غرفته في أخريات الليل ورأى سرير نومه مثقوباً برصاص جواسيس السلطان، وقد ظنوا انه في فراشه وأنهم قضوا عليه، ونجاه الله من الاغتيال، وألح عليه أهله بالسفر إلى باريس لأسباب عدة، أهمها أن أسرة مطران لا تريد إفساد العلاقات بينها وبين الدولة العثمانية إكراما لشعر خليل وتعرضه للسلطة الاستبدادية وخوفاً على حياة الشاعر الشاب، ودفعه إلى مراقي العلم والمجد.


وفي باريس اتصل بجماعة تركيا الفتاة وهو الحزب الذي كان يعمل ضد طغيان عبد الحميد وضايقه الجواسيس، فاز مع السفر إلى شيلي في أمريكا الجنوبية، وأكب يتعلم اللغة الاسبانية.

وفي سنة1892 كان في وادي النيل، وتعرف على بشارة تقلا وبدأ يحرر في جريدة الأهرام، وخلالها تعرف على أستاذه الشاعر المرحوم نجيب الحداد الذي كان محرراً في جريدة الضياء.


وفي سنة1900 جاء إلى القاهرة وانشأ المجلة المصرية نصف الشهرية، ثم أصدر الجوائب اليومية ووجد من الناس مؤازرة وإقبالا عظيمين، وفي عام1904 ودع الصحافة وتفرغ للأدب ونظم الشعر.


وفي عام1912 مارس الشؤون المالية، وكثرت مضارباته وربح وخسر، فأضاع في صفقة واحدة كل ما يملك، واستسلم لليأس وفكر في الانتحار، ثم طرح هذه الفكرة وهي سلاح ضعيف، وقد أنطقه الألم الذي اجتاح قلبه بروائع الأدب فنظم قصيدته باسم الأسد الباكي.


نال من عطف الخديوي عباس الثاني ما خفف عنه ألم النكبة المادية فعينه سكرتيراً مساعداً للجمعية الزراعية الخديوية.


وبدأ يتعهد المسرح المصري، إذ ترجم عن اللغة الإنكليزية بعض الروايات وقدمها للتمثيل، وساعد في الإخراج، وكانت له في سبيل المسرح جهود مضنية، وفي عام1934 أصبح رئيساً للفرقة القومية للتمثيل المسرحي.


وفي عام1924 قام بزيارة إلى لبنان وسورية، فأقيمت له حفلة تكريم في حلب، وأخرى في بعلبك، وأنشد ملحمته الخالدة "نيرون" في جامعة بيروت الأميركية، وزار بعلبك في عام1929 بصحبة صديقه حافظ إبراهيم شاعر النيل، فاحتفلت بهما المدينة، وكان يؤم ربوع لبنان للاصطياف.


وفي عام1947 أنعمت عليه حكومة لبنان بوسام الاستحقاق اللبناني.


وفي30 آذار سنة1947 أقيم له مهرجان أدبي في دار الأوبرا الملكية، وبدأت سلسلة مهرجانات في البلاد العربية والاميركية، وقد جمعت القصائد والخطب التي ألقيت وطبعت في الكتاب الذهبي الذي نشرته لجنة تكريم شاعر الأقطار العربية.


وبهذه المناسبة نذكر للتاريخ أن الشاعر الخليل هو أول من دعا إلى إقامة حفلة تكريم للإشادة بذكر رجالات مصر المعدودين، فقد دعا الشعراء لإلقاء المراثي يوم الأربعين لوفاة محمود سامي باشا البارودي، ودعا الكبراء.


أما أولى حفلات التكريم في مصر ، فقد أقامها تنويهاً بفضل سلامة حجازي، فصارت هي الأخرى سنة مرعية وعادة قومية.


كان لنفاسة شعره يلقب بشاعر الأقطار العربية، وله ديوان واف في أربعة مجلدات، هو شاعر الشعور والخيال، استفاد من لغة الأجانب دون تقليد، ونهج على طريقة قدماء العرب دون تقييد فاحترس بصيغة العرب في التعبير وأدخل الأساليب الغربية في التأليف والتفكير.

moudar
19-Nov-2011, 01:24 PM
عبد الحميد شومان




رحل في براغ بتاريخ التاسع من شهر أيلول عام 1974 مؤسس البنك العربي وأول مؤسسة إقتصادية عربية كبيرة في فلسطين عبد الحميد شومان ، كانت فكرة إنشاء بنك عربي ، حلما راود خيال عصامي عربي فلسطيني ذكي أسمه عبد الحميد شومان، ولد في قرية بيت حنينا من قضاء القدس بفلسطين عام 1889، وتلقى تعليمه الأولي في الكتّاب، ولم يذهب بعده إلى مدرسة أخرى، بل أصبح عاملا في محاجر القرية، يكسب معيشته بنقل الصخور، وكانت موجات الهجرة إلى أميركا، من سوريا وفلسطين، وقد أشتدت في أواخر العهد العثماني، بسبب الضائقة الإقتصادية التي أحاقت بالبلاد، هاجر عبد الحميد شومان فيمن هاجر بحثا عن آفاق جديدة للأرتزاق، ووصل الولايات المتحدة الأميركية في صيف عام 1911، وعمل خلال الأيام الأولى بائعا متجولا، كما كان يفعل كثير من المهاجرين في بادية وصولهم، فإذا جمع شيئا من المال أفتتح محلا تجاريا صغيرا، ثم طوره تدريجيا إلى متجر كبير في نيويورك، وأطّلع هناك على ما تقدمه البنوك الأميركية من خدمات متنوعة، ولم ينقطع في الوقت نفسه عن متابعة أخبار وطنه، وفكّر بتأسيس بنك عربي، بعدما أطلق طلعت حرب في القاهرة بنك مصر عام 1920، في عام 1929 أسس مع طلعت حرب البنك المصري/الفلسطيني، وفي تلك السنة إندلعت في فلسطين الثورة، التي يسميها بعض المؤرخين ثورة البراق حيث إنتشرت الإضطرابات، ووقعت إشتباكات دامية بين أصحاب الأرض الفلسطينيين واليهود المهاجرين الجدد وسلطات الإنتداب البريطاني، مما حمل طلعت حرب على التراجع تاركاً شومان بمفرده، فمضى في تنفيذ الفكرة وحده ، وأسس البنك العربي مع ثمانية مساهمين وعشرة موظفين، وبرأسمال وقدره خمسة عشر ألف جنيه فلسطيني، وسجّل البنك رسميا في الحادي والعشرين من أيار/مايو العام1930، عانى البنك العربي من مشاكل عهد الإنتداب ومقاومة الصهيونية، وتحيز حكومة الإنتداب، لكنه أستطاع أن يواجه هذه الأحداث جميعا بقوة وصلابة، وأصبح من أكبر مصارف العالم، ومن أحسنها سمعة، رحل عبد الحميد شومان في مثل هذا اليوم عن خمسة وثمانين عاما، فقد تمكّن هذا العامل البسيط، شبه الآمي، بطموحه ومثابرته وإستقامته ووطنيته من بناء مؤسسة من أكبر المؤسسات الإقتصادية العربيّة .