ايمن بشير خليفه
23-Feb-2008, 07:21 AM
بنت الوزير العاشقه – قصة قصيره
مضت خمسة وعشرون عاما من عمرى وانا كما انا منذ ان ولدت ، لم يتغير شئ فيا ، تسريحة شعرى ، عطر امى وابتسامة ابى الباهتة ، كل العالم من حولى تغير الا الروتين الذى اعتدته ، منزلنا القديم فى الحى الشعبى كم احببته ، لما لا ولى فيه من الذكريات اجملها ، كيف ان امى كانت تتحجج دائما بانها تنوى زيارة قريب لنا بالمستشفى حين تزورها جاراتها خوفا من ان يعود ابى باكرا وهذا الامر منكرا فى فلسفته ، حتى اننى اذكر ان البائعة المتجولة قد فهمو الامر فكانو يطرقون الباب بسرعة ، ويعرضون مالديهم من السلع ، وسعرها النهائى ، وكل ذلك يتم فى دقائق معدودة .
شجرة الليمون العجوز كانت تحتل حيزا فى قلبى ، كنت ابنى مدينتى من الطين تحت ظلالها ، اصنع اطفالا فى مثل سن عمرى ، يشاروكوننى مدينتى الصغيرة ، ثم ينتهى الامر بعراك اختلقه وهميا يقضى عليها كليا ، احمل دميتى واقفز على اغصانها الشائكة بحزر ادندن لعروستى كى تنام ، ثم المح ثمرة ليمون ناضجة ، تغرينى بشكلها وتقتلنى الرغبة فى الحصول عليها ، هذا الندب على ساعدى خلفته الرهبة حين عاد ابى ذات يوم وانا اهم بالحصول على غنيمتى الحمضية ، بينما كنت اتفادى بحزر ، فرع شائك ، والفرحة تاخذ طريقها الى ، تقع عينى على ابى وهو يتفحص البيت بنظره كعادته كلما عاد من الخارج ، ولكنه وفى غير عادته ، رجع مبكرا فى ذاك اليوم ، كنت انئذ امد يدى لأحاصر الليمونة بيدى الصغيرة الراجفة ، لحظات ثقيلة تمر ، جمد كل شئ فى مكانه ، حتى الرياح الخفيفة كفت عن ملاحقة رفيقاتها والصمت الرهيب امتد ليغطى كل شئ فى البيت ، ثم هى انحناءة تفصلنى عن غايتى ...... ابى ........ امسكتها ...... ثم قفزت ..... ناديت ....... يالله ......... ثم فقدت الوعى .
لم استطيع النوم فى اول ليلة لنا بالمنزل الجديد ، فقد كنت قلقة ، تنتابنى الرهبة والوحشة ، كل شئ هنا غريب على ، وكان الاشياء قد اتحدت على معاداتى وانا وحيدة جدا وسط الغرفة ، الاشواق تملأنى والحنين بالعودة الى شجرتى الحبيبة ،حيث هناك اصدقائى ووطنى الجميل الصغير ، حدثتنى امى بعدها اننى فى تلك الليلة كنت اهزئ اثناء نومى ، وانوح فى صدق حزين لفراق عوالمى الصغيرة الجميلة .
مضت السنوات ثقيلة ، وليس لى فيها سوى الذكريات ، اتسكع فى هذا البيت الكبير فى خطوات متثاقلة ، اشاهد التلفزيون ، استمع الى الراديو ، اضجر من كل ذلك اذهب واجلس امام المرآة اغيرفى تسريحة شعرى ، امط شفتاى فى بلاهه احاول الترفيه عن نفسى ، ترهقنى هذه السخافات ، استلقى على ظهرى احدق فى سقف الغرفة ، امتطى صهوة افكارى واقفزعبر نافذة غرفتى الى فضاءات الخيال ، اتجول فى اسواقها كما اشاء .
نوادر تحدثنى عن مغامراتها العاطفية ، كانت صديقتى الوحيدة فى المرحلة الوسطى ، لم تتجرأعلى زيارتى ، ولم ارغب فى ذلك ، ومع هذا كنا نلازم بعضنا البعض ، كانت تحدثنى عن ذلك الشاب اسامة وكيف انه وسيم ، وانيق ، ومهذب ، وكيف انها تدفعه للعراك مع الاخرين لتتاكد من اخلاصه ووفائه لها ، كانت تحكى كل ذلك والابتسامة لا تفارقها الا انها باغتتنى فى ذات يوم : الا يوجد شاب يملأ حياتك بالمرح ؟
كلماتها فصلت روحى من جسدى ، احسست بصعوبة فى التنفس ثم اردفت قائلة : هناك شباب اكثر من شعر راسى يودون التقرب اليك و.. قاطعتها محزرة اياها فى التدخل بشؤنى الخاصة ، تلك اشياء تخصنى انا وحدى ، وحدى انا على الاطلاق .
عدت الى البيت وانا لا اعرف شعورى تماما هل كنت غاضبة ام اننى كنت حزينة ، ام كنت احاول رسم ملامح تخفى تخوفى من هذا المخلوق الغريب عنى بفعل كلام ابى ، ذهبت امام المرآة اتامل نفسى واحدثها : انا لا اختلف عن الاخريات كثيرا ، ربما فى بعض الاشياء البسيطة فقط .
ابى يحرص على مرافقتنا انا وامى حين نهم بالتسوق ، كان لا يهتم باخذ رأينا فى كل الاشياء التى تخصنا من ملابس وغيرها ، لأعتقاده ان الالوان تعبر عن سلوك صاحبها وعليه كان يحرص شراء الملابس الواسعة ذات الالوان الهادئة ، وانا اضحك على نفسى كلما طالعت نشرات الازياء فى المرات القليلة التى تقع على يدى نسخ منها ، لان الشئ الوحيد المتاح هو الخيال ارتدى به ما اشاء من دون ارتياب .
لا اهل لا اصدقاء ابتعد بنفسى عن هذه الفكرة تماما ، ارتجل اسفارى عبر بوابات الوهم ، اتنقل بين مدن العالم ، اتسوق كما اشاء ، يصرعنى شغفى بامتلاك كل شئ ، وانانية الحصول تسيطر على ، وتغزونى حتى اهتاج ، اريد كل شئ ولا اجد إلا صدى صوتى يتردد خجولاً بدواخلى .
ابى يحرص على الصمت كثيرا وعلى وجه الخصوص امامنا ، كم كنت اتمنى اتمرغ فى احضانه حالى حال اى بنت تتعلق باباها ، تداعب شاربه وتلح عليه ان ياخذها الى حديقة الحيوان ، امى غرست بدواخلى احساسا بالرهبة تجاهه ، لم تكن اقل جدية منه ، اظنه قد رسم لها ملامحها بصرامة وحزم ، الاثنان لا يبتسمان فى وجه بعضهما لا ادرى كيف التقيا وكيف اتيت انا .
فى يوم ما وعلى غير العادة ، استقيظت على حركة غير عادية داخل المنزل ، ايقنت بعدها اننا سنستقبل زوارا ولم يخب ظنى ، فقد اتى لزيارتنا مساء ذاك اليوم ، صديق قديم لأبى ، يعمل بالسلك الدبلوماسى ، مندوبا لأحدى سفاراتنا المنتشره خارجا ، زوجته وابنتيه لا تكفان عن الثرثرة ، ومقارنة الحال هنا وهناك ، لم تروق إلاقامة لهم هنا ، الا ان الحنين الى الاهل والاصدقاء كان دافعهم الوحيد بالعودة لقضاء بعض الوقت بينهم ، كنت اراقب كل ذلك فى صمت ، ورسم ابتسامة مجاملة حين اشعر بانتباه الاخرين لى ، خلال ذلك كنت اتابع ضحكات ابى منذ فترة لا اذكر تاريخها لم اسمع ضحكته تلك .
انتهى العشاء وانتهت معه ليلة ثقيلة وجامدة على ، ثرثرة المراة وابنتيها لم تنقطع عن اذنى ابدا ، احاول ان اخرج نفسى من هذا الوضع ، فابدا بالتفكير فى ذاتى المنهكة بالتحدى نحو الايام ، فانا تعيسة جدا ، اعيش بنبض ليس لى ، انظر للحياة لا كالاخرين ، امتزجت الالوان لدى ، لم يعد يهمنى على اية حال ان كان اليوم هو بداية للغد ، او البنفسج قد صار ارجوانيا اوغاتما ، او دون معنى ، فيذداد يقينى كل يوم ان حياتى سخيفة ومملة ، حتى سنوات الجامعة جاءت جامدة وصفراء من فعل قساوة الطبع الذى الفته ، كانت الحياة تضج داخل الجامعة ، وشتاء السلوك الجاف الذى اعتدته يجعلنى انكفئ على نفسى فاللغة الوحيدة التى عرفتها لا تحتمل اى نوع من المجاملة ، لذا جائت سنوات الجامعة الاولى كصيف قاحل ، بينى وبين قاعات الدراسة ود غريب ، احضر صباحا حيث لا وجود لأحد غير ألأنفاس المتكدسة ، وقصاصات الاوراق المتناثرة بين بين دكات القاعة ، كنت اتناول بعضها فى رغبة منى لمعرفة مافيها من كلام احاول ان اذيد فى معرفتى للاخرين ، كيف يفكرون ،ويتبادلون الاشياء دون ان يلاحظوننى ، فاكتشف الفرق بينى وبينهم هم سعداء على اية حال ، غير انى لا املك سوى هذا الطريق ، فالتف حول نفسى كالاعصار المدمر وامد ارجلى بعيدا عن جسدى وارسل يدى الى السماء ، ثم اعود بجسدى الى الوراء اتكئ على حافة الدكة لتبداء همهمات الزملاء نزولا لرغبتى فى الحديث معهم وكاننى اقف امامهم اباشر منح الفرص لهم بالكلام ، وهم يقدرون هذا الامر لى فاصرخ احبكم جميعا ....ويصفق الجميع لى .
بدات السنة التالية كفصل الخريف ، مملوءة ببعض التفاؤل، حيث وجدت نفسى ولأول مرة حرة فى ان افعل ما اريد ، عرفت حينها ماذا يعنى الاخرين ، فقد انتهت السنة الاولى على تقدير مميز على مستواى الاكاديمى الامر الذى جعلنى حديث الزملاء على مستوى الكلية ، الامر الذى دعا مجموعة من الزميلات والزملاء بالاتجاه نحوى والتعرف على ، كنت مندفعة نحوهم ، لا ادرى ان كانو لاحظو هذا الامر، حتى كاد الظن يداخلنى بانهم يوصفونى بالبلاهه حين اغادرهم ، كنت اتمنى الا ينتهى اليوم حتى لا يتنهى الحديث ، واتمنى الا يتوقف الكلام بيننا ، فمازال لدى الكثير لأقوله ، والظروف كلها كانت فى صالحى ، حيث جاء غياب ابى بسبب عمله الذى حتم عليه البقاء فى دولة ما ، ورفضه المتكرر لأمى بملازمتنا له فى الغربة كذلك ولأول مرة فى حياتى احس بمعنى الامومة حيث كانت امى قريبة منى ، اخذت على عاتقها ان تصنع لى بعض اواصر العلائق مع افراد الاسرة ، بيت جدى وجدتى ، وجدتنى قد نسيت ملامحهما الى الحد البعيد ، خوالى وابنائهم بنات خالاتى لم يكن يكن كل ذلك مسموح فى حضور ابى ، امى فعلت كل ذلك معى والجميع يعلم ان الامر لن يتكرر بعد حضور ابى ، تحدثنى امى عن صباها بحزر شديد وهى تنام بجانبى ليلا ، وكانها تنبهنى الى الخط الذى رسمه ابى بيننا ومع هذا كنت سعيدة بهذا القدر من الحرية الذى يسمح لى بفعل شئ خاص بى .
ساحتاج الى كل القواميس لأفسر القسوة ووجهها الكالح والقبيح ، فقد عاد ابى بعد ان فشلت كل المحاولات الرسمية فى اقناعه عن العدول وتمسكه برايه وتقديم استقالته ، وعزمه على اللجوء للعمل الخاص ، فبدأ كوحش كاسر يعد ويخطط كالقادة العسكريين ، تجده فى البورصات واسواق المال ، يحمل كل اسلحته المشروعة وغيرالمشروعة منها فى سبيل النيل من منافسيه فى السوق ، فكثيرا ماكنت اسمعه يهاتف مسؤلا حكوميا لتسهيل مهمة او تعطيل مصالح شخص ينافسه فى السوق ، ومع كل ذلك لم تذداد نظرته اتجاهنا الا جفافا ، فقد عاد من الخارج وهو يحمل اعتقادا غبيا عن المراة ، كنت انا وامى ساحته الوحيدة التى ينفذ فيها افكاره النشاذ .
اخيرا انتهت سنوات دراستى الجامعية بوصف النهر فى اطواره الاخيره ، تساقطت الاوراق الصفراء فى رحلتى نحو الايام ليدور السؤال فى ذهنى كما غيرى شان اى فتاة فى نفس ظروفى ماذا بعد ذلك ؟
انقلبت موازين الحكم راسا على عقب ، كان الساسة يجتمعون لدى ابى عند كل امسية يتبادلون النظريات السياسيه ، ويتحدثون عن الشعب العظيم كقطيع ضخم من الاغنام من الخطأ التفريط فيه ، لم اجد بينهم من يتحدث عن التعليم وتطوير المناهج ، او كيفية ترقية الخدمات الصحية ، بحيث تجد كل اسرة غير قادرة على العلاج فرصة للعلاج المجانى ، ثم تختم هذه السخافات التى يطلقونها فى بيتنا كل ليلة بالمغامرات النسائية والنكات البذيئة ، ويتبادر فى ذهنى تساؤل ، امازالت المراة جارية تستباح انوثتها من فعل الولاة بامر السلطة .
تقدمت الى وظيفة تتبع لأحدى منظمات المجتمع المدنى ، تعمل فى اقليم افريقيا الحارة ، ولم تكن بالمهمة الشاقة والصعبة الى نفسى فقد كلفتنى الايام اقسى من هذا ، قمت بتقديم اوراقى وفى الطريق الى البيت صادفت مجموعة من زملائى بالكلية اتو للتقديم للوظيفة قامو بتحيتى بلطف وسالونى عن احوالى وانصرفو، لا ادرى مالذى يصيبنى حين ارى بنات جيلى وشباب جيلى ، تبدا الغيرة تاكل كل جوانبى ، والحسد على ماهم فيه ، احسدهم على كل شئ احسدهم على قدر الحرية التى يتمتعون بها ، احسدهم على ازيائهم على ضحكتهم حتى الفرح الذى يشع من عيونهم ، كم كنت اتمنى ان يكون ابى عاملا بسيطا يبتسم فى وجهى حين يعود من عمله كل مساء ويضمنى اليه فى حنان .
لم يمر الامر على ابى بهذه السهولة فقد هاج واذبد وكال فى السباب لمعشر النساء ، ولأول مرة ارى امى تتصدى له ، حتى اننى ظننت ان الوقت قد توقف ، وكل شئ قد جمد فى مكانه ، فقد وجم ابى امام ثورة امى ، اندفعت كالبركان القديم حزنا والماَ يفسر تفاصيل قصة طويلة الفصول ، حتى سقطت مغشيا عليها ، صرخت وجريت باتجاها .
ايام عصيبة مرت ، قلت الكلمات بل انحسرت بعض المفردات تماما ، لم نعد نسمع تحية الصباح ولا تحية العودة من الخارج ، اما امى فقد توشحت بالاستسلام المرير، كنت ابكى حين تقع عينى على عينها ، لم اكن اتخيل ايجاد شئ اكثر ايلاما وحزنا مما اراه على وجهها ، صارت كالأصداف المهجورة ، تتفادى النظر الى ، تخلو بنفسها ، وانا افسر الامر بندم طويل ، ايحاءاً يظلل التفاصيل لرحلة امتدت لأكثر من ثلاثين عام ، تعيد هذا الشريط كل مرة ، تلتفت فيها نحوى ، وترسم ابتسامة باهتة ، وكانها تتندم عليها ،ابى احدث فيها شرخا عظيما ظننت انه سيحتاج لوقت طويل ، ولأزهار اكثر، ليروض هذه العاطفة التى توحشت .
ظل ابى بعد هذا الحادث يغيب لساعات طويلة يعود انصاف الليالى فيما عدا ايام العطل الرسمية ، كان يحبس نفسه فى غرفة المكتب مبتعدا عن كل شئ يذكره بنا ، كانه بفعله هذا يريد الايقاع بنا نتللص عليه من ثقب الباب ، كيف ان ابى من النوع الذى يعترف بذنبه ، احس به دائما غريب عنى ، ليس اكثر من ان اسمه ياتى بعد اسمى .
الناس فى المدن لا يتمنون المطر ، ياخذون عليه تعطيل مصلحهم ، ربما بسبب عدم التصريف الجيد للمياه ومايسببه تراكمها من مشاكل صحيه وصرف وخلافه ، ومع كل هذا كنت اهوى هذا الشئ ، رائحة الدعاش تدغدغ عواطفى ، تجعلنى احس باننى انثى مكتملة النضج ، تفترسنى لحظات اشتهاء عظيمة ، تبعثر كل تماسكى ، تحرضنى كى اشرد بخيالى الطيب فى براءة نادرة ، امارس تدللى وغنجى فى صوفية مثالية ، ولا تهمنى كل العيون التى تراقبنى فى الا رؤية ، تلك ليس اكثر من امانى ، يقطعها على رنين الهاتف الغبى ، يجعلنى متردده من يكون المتصل ياترى ! هل هو شاب ملائكى راودته نفس اشيائى ، ، هكذا مضت الاحداث فيما كانت زخات المطر تضرب زجاج نوافذ غرفتى بايقاع منتظم ، مددت يدى وانا ارتجف من الفكرة وبكل برودة الكون رفعت سماعة الهاتف .
كان المتصل رئاسة شؤن العاملين بالمنظمة تفيدنى باختيارى ضمن العاملين بها ، لم اصدق الخبر ، شكرته ، بكيت ، صرخت ، امى ، سقطت سماعة الهاتف من يدى ، مرت امامى كل سنوات حياتى ، طفولتى ، مراهقتى البائسة ، وشبابى ، امتلأت عيناى بالدموع ، لم ارى خلالهما سوى وجه امى متكسرا زجاجيا ، ضمتنى لا ادرى كم من الوقت اخذت وانا ابكى ، حاولت ان تخفف عنى بكل ادوات الامومة التى تملكها .
نمت فى تلك الليلة تنتابنى الهواجس بين الرغبة والانا والأنا الأعلى ، افقت على اثر نقاش حاد ومرتفع بين ابى وامى ، هى تصر على ان اخذ فرصتى كاملة ، هو يصر على الا خروج على القاعدة ، وانه سيدفع بى امام اول رجل يتقدم لخطبتى .
تلك كانت اخر كلماته قبل ان يغادر البيت ، لا باس قلتها انا ولم اكلف نفسى عناء التفكير فيها ، كان لا بد من كسر القوقعة ليكون الخروج ، لايهمنى كم يكلفنى ذلك ، اليوم ستبدا انطلاقتى وابدا زحفى ، هى معركتى ، وساخوضها بنفسى ، كنت اتكلم بصوت مسموع ، سارتب اشيائى بهدوء يجب ان ارتب اشيائى بشكل جيد ، هذه هى مملكتى فيها قصر احلامى ، الذى كم حلمت به ، ساكون اكثر صراحة مع الجميع ،انا الان الأكثرانانية بين الجميع .
قابلت لجنة المعنية بالقبول بالمنظمة ومعى كل الاوراق المطلوبة ، تم اعتمادى بقسم الامومة والطفولة ذلك الفرع من المنظمة يحمل عبئا عن حكومات العالم المريضة بالحكم ، اخذتنى رئيسة القسم فى جولة بقصد كسر الرهبة التى تنتاب اى كان حين يحس بوجوده الغريب فى مكان غريب ، احستت بسعادة غامرة حين اخذت تحدثنى عن زملائى ، وطبيعة الاعمال التى يؤدونها ، كنت اتمنى ان يطول الوقت ، ولكن الدقائق مرت سريعة وحانت ساعة عودتى الى البيت وانا وعدت امى مسبقا اننى لن اتاخرعليها ، لأننى خرجت دون علم ابى .
فتحت الباب وناديت على امى وانا اتمنى ساعتئذ ان اضمها الى وبشدة ، لأنقل لها الخبر السعيد ، بحثت فى كل غرف البيت ، ولم تكن موجوده ، ناديت الخادمة سالتها عن امى ، اخبرتنى انها خرجت على اثر مكالمة تلقتها ثم : اردفت ، انها اخذت معها حقيبة ملابسها وتركت لى رسالة سلمتنى اياها وانصرفت .
اتجهت الى غرفتى متراخية الاطراف مرتجفة الاوصال واهنة القوة لا ادرى مالذى قد كتبته امى فى داخل الرسالة ، استلقيت على السرير ، ترددت كثيرا قبل ان اطالع الرسالة ، خمنت مافيها كى لا اتفاجأ ولأهئ نفسى لآى امر مبالغ فى السؤ فقد علمتنى امى ان نظرية اسوأ الاحتمالات تخفف من وطء الصدمة حين يخيب الظن بالاشياء ، استجمعت كل قواى وبدات بقراءة السطور ، كانت عيونى تدور بين السطور، ويتردد صدى كل حرف بدواخلى ملايين المرات ، ودعوات امى فى النهاية لى بالتوفيق ، والاتجاه الى هدفى مهما كلف الامر ، وصتنى بالاحسان الى ابى ، وعدم الخروج على قواعد الاخلاق التى ربتنى عليها ، ثم تمنت لى التوفيق ، كان خالى قد نقل اليها الخبر، ابى قررالانفصال عنها بهدوء ، اغمضت عينيى المبللة بالدموع واستسلمت الى بكاء صامت حتى نمت، وكاننى كنت على الصحوالف عام .
ايقظتنى الخادمة بامر من ابى ، خرجت اليه كان يهم بالخروج ، لم يناقشنى عن غياب امى ، تركنى وحزمة اوامر فهمت بعدها اننى فى طريقى الى بيت زوجى ، ذلك هو الثمن الذى سادفعه لقاء عملى بالوظيفة ، جائت كلماته كالرصاص تباعا ، قوية ، سريعة ، ومؤلمة ولكن لا باس .
هذه اول ليلة لى مع شخص غريب ، فى مكان غريب ، لم ارتجف كما تفعل الفتيات عادة فى ليلتهم الاولى ، كنت هزيلة العواطف والجسد ، اخذ زوجى يحدق فيا يتامل ملامحى ثم مال الى اذنى وهمس بكلمات لا ادرى ماذا قال فيها ثم انكفئ على ، الم عظيم يقود الى الصراخ والبكاء حين تحاصر انوثة الانثى على مخالب مفترس لا يرحم ارضاءا لغروره الامتناهى ، وانا وسط كل ذلك افكر، ابى لم يشهدنى راغبة فى شئ تلقاء نفسى ، كل شئ عنده يبدا بالأوامر ثم ينتهى بها .
الذى يرقد بجاورى الان لم اراه قبلا ، كتلة غبية من الاشعور تصدر اصواتا حمقاء يدعونها الشخير ، تتخلل تفكيرى على امى المسكينة وهى اكثر النساء بؤسا ، كيف لى ان اخوض غمار تجربة كهذه ، تنقصنى اشيائى ، ذلك الانتماء الأنثوى الى حواء كنت بدافع منه ، اود ان تعلمنى امى معانيه ، تكسرت اصدافى الجميلة ، وتبعثرت لألئ الاخيرة على شواطئ الجوع الامتناهى للبقاء .
كل شئ تم فى بيت زوجى ، اعترف باللقب لانه الموجود على الاوراق الرسمية ، بيته جميل متاكدة انا من ذلك سيعجب اى فتاة تحلم بالمال والشاب الوثير ، مرت الايام ثقيلة على قلبى ، لم اتجرأ على النظر فى وجه زوجى حتى اننى بالكاد اتذكر ملامحه ، والعزلة تحيط بالمكان ، كان يسالنى من شئ فارد بتثاقل حتى لايذيد فى الثرثرة ، وينتهى الامر بنا فى غرفتنا ، حتى اذا رن جرس الباب ذات يوم وخفق قلبى بشدة ، و تمنيت لحظتها ان يكون الزائر امى .
عادت الذاكرة بى باتجاه صالون ابى ، فالذى يحدث الان كنت قد شاهدته من قبل ، زوج يحكى عن بطولات زائفة قام بها على سرير الزوجية واصدقاء يحدقون فيه بنهم شديد ليذيد من سرد الوقائع مع التدقيق فى تفاصيلها ، كان كلما حكى شئ اسال نفسى مع من فعل كل ذلك .
خرجت للمرة الاولى بعد اجازتى السخيفة تلك الى عملى ، رافقنى زوجى ، استقبلنى الجميع بكل الود والترحاب ، التهانى تنهال من الجميع ، غمز ولمز بين الزملاء والزميلات حتى اقبلت رئيسة القسم ، ضمتنى اليها وباركت الزواج ، لم ينتظر زوجى كثيرا فانصرف ، سالتنى رئيسة القسم عن حياتى الجديدة كانت فى العقد الرابع تقريبا وغير متزوجة ، اربكنى السؤال قليلا ، حاولت اقناعها بان من الافضل لها ان تكون من دون زوج على ان تعيش هكذا عيشة ، شرحت لها بكل ما املك من منطق ، ان من الافضل لها ان تكون من دون رجل هكذا قد هدانى تفكيرى ، الا انها كانت تحدق طويلا على نقش الحناء الذى يخضب يدى ، ثم اغمضت عينها لفترة قصيرة ، ثم هبت واقفة ومسرعة الخطى ، اظنها قالت ان الرجال اعمياء او اغبياء .
انخرطت فى عملى لا يهمنى شئ سوى تحقيق اهدافى التى امنت بها ، كان عملى يكلفنى احيانا القيام برحلات صغيرة على تخوم المدن واشباهها والقرى الصغيرة التى تقوم على اطرافها ،نصل اليها ثم نقوم بجمع البيانات من السكان ونرفعها الى المكتب المختص ، والذى يقوم بتوفير جزء مقدرمن احتياجات المنطقة الدوائية بالنسبة للاطفال والنساء الرضع ، ادركت من خلال عملى اشياء ماكنت لأعلمها لو اننى ارتضيت البقاء تحت عباءة ابى .
مضت سنوات ولا ابالغ لو قلت اننى لم ارى امى سوى مرات عديدة كنت ازورها فى بيت جدى ، اما ابى فقد رايته حين نقل لى خبر موافقته على زواجى ، لم يكلف نفسه عناء الحضور لزيارتى ليرى هل كنت سعيدة ام شقية ، كان يكتفى بإرسال تحياته مع زوجى حين يلتقيه صدفه فى مكان عام ،ولعله كان يخشى ان اذكره باننى ذنوبه التى ارتكبها على خلق الله ، وكل الاخبارالتى تاتى عنه غير مبشرة ، حيث انه اصبح مدمنا للقمار، وبدا يخسراموالاٌ طائلة على طوالاته .
كنت اذهب الى عملى صباحا واعود بنهاية اليوم الى البيت ، أواصل مابدأته صباحا فى المكتب ، زوجى ليس اقل منى مشغولية ، ولكن الصدفة فقط اوقعته فى طريقى ، كان رجل اعمال ناجح جدا ، كنت اسمع ذلك من الجميع حين ياتون لزيارتنا فى المناسبات الرسمية ، لم ننجب ولم نعر الامر اى انتباهه .
مرت الايام ، والأحداث تتوالى والصراعات لاتنتهى ، مات ابى اثررصاصه اصابته من مسدسه الذى طالما هددنا به بعد ان خسر كل شئ على طاولات القمار، انتحر لفعله ذاك ، فافهمنا الجميع ان الرصاصة اصابته عن طريق الخطأ ، وهو نوع من الزيف الاجتماعى ،الذى نضطر لممارسته لنتجمل احياناً ، امى اثرت السكنى مع جدتى بدعوى انها كبيرة فى السن ولا تقوى على العناية بنفسها ، زوجى واجهته بعلاقة ما ، واعترف بها ، وادعى اننى لم اكن سوى جزء من صفقة مالية اجراها مع ابى ، طلبت منه الطلاق فوافق وكانه كان ينتظر هذه الامرمنذ سنين .
تبقت ساعات قليلة تفصلنى عن كل ذكرياتى والآمى التى عشتها بين طفولة بائسة ، ومراهقة سيئة ، وشباب تعيس ، اتذكر كل هذه الاشياء وانا فى طريقى الى المطار ، اتذكر جيدا تلك التفاصيل التى جعلتنى ابرد النساء على الاطلاق ، احزن ولا ابكى ، اشتاق ولا احن ، اتالم ولا اشكى ، امرأة اسوأ مافيها انها انثى واعظم مافيها انها انسانة بكل ماتحمله الكلمة من معنى ، تحدت حتى نفسها لتقول كلمتها ، كنت احترم نفسى فى كل خطوة اخطوها على سلم الطائرة ، هذه انا بنت امى يا ابى كما كنت تقول ، وكانك تتبرأ منى لا ومن امى ايضا ، ساترك لك المكان لترتاح اشباح روحك فيه ، انا لا اريد شئ يذكرنى بك على الاطلاق ، هذه آخر كلماتى ، وانا امسح ببصرى كل المساحات التى يقع عليها ، وكاننى كنت ادفن سرا فى مكان ما ، كى أجعل الاجيال من بعدى يبحثون عنه .
انتبهت الى صوت زميلتى فريدة تنبهنى على اقتراب مواعيد إقلاع الطائرة ، اتجهنا الى مقاعدنا ، جلست بجوار النافذة اطل لأخر مرة على كل ذكرياتى ، وانا ادفن ملايين الاطنان من المواد الناسفة على كل شبر ، على كل دقيقة مرت على ، على كل الدموع التى زرفتها عيونى ، سانسف كل آلآمى وحزنى دفعة واحدة ، ستقلع طائرتى الان ، وداعا امى ، وداعا لكل الاشياء الجميلة ، التى حدثت لى ، ساغمض الان عيونى بهدوء جميل ، واحلم بالذى ياتى بالغد ، ينشد فيا طفلة جديدة ، يعملنى كيف انادى يا ابى من دون خوف ، ويقهر صفرة الوديان فى نفسى ، يضطرنى بالخروج اليه ، بنت مراهقة ، منتشية باكتشاف انوثتها لدى انسان جديد ، تحتفى به ، بروحها ، بجسدها الطرى الندِى المبلل بعشرات قطرات الندى الاستوائيه ، والمعطون براوئح اشجار الطيب الافريقية ، سارقص على ضفاف النهر ، البرق ضياء ، والرعد ايقاع ، سادور حول نفسى ، الف دورة ، تتابع خطواتى عيون الضوارى حتى يصيبها الدوار ،ويسقط الانتباه منها دون قصد .
تمت بحمد الله
الخرطوم
26/9/2006م
مضت خمسة وعشرون عاما من عمرى وانا كما انا منذ ان ولدت ، لم يتغير شئ فيا ، تسريحة شعرى ، عطر امى وابتسامة ابى الباهتة ، كل العالم من حولى تغير الا الروتين الذى اعتدته ، منزلنا القديم فى الحى الشعبى كم احببته ، لما لا ولى فيه من الذكريات اجملها ، كيف ان امى كانت تتحجج دائما بانها تنوى زيارة قريب لنا بالمستشفى حين تزورها جاراتها خوفا من ان يعود ابى باكرا وهذا الامر منكرا فى فلسفته ، حتى اننى اذكر ان البائعة المتجولة قد فهمو الامر فكانو يطرقون الباب بسرعة ، ويعرضون مالديهم من السلع ، وسعرها النهائى ، وكل ذلك يتم فى دقائق معدودة .
شجرة الليمون العجوز كانت تحتل حيزا فى قلبى ، كنت ابنى مدينتى من الطين تحت ظلالها ، اصنع اطفالا فى مثل سن عمرى ، يشاروكوننى مدينتى الصغيرة ، ثم ينتهى الامر بعراك اختلقه وهميا يقضى عليها كليا ، احمل دميتى واقفز على اغصانها الشائكة بحزر ادندن لعروستى كى تنام ، ثم المح ثمرة ليمون ناضجة ، تغرينى بشكلها وتقتلنى الرغبة فى الحصول عليها ، هذا الندب على ساعدى خلفته الرهبة حين عاد ابى ذات يوم وانا اهم بالحصول على غنيمتى الحمضية ، بينما كنت اتفادى بحزر ، فرع شائك ، والفرحة تاخذ طريقها الى ، تقع عينى على ابى وهو يتفحص البيت بنظره كعادته كلما عاد من الخارج ، ولكنه وفى غير عادته ، رجع مبكرا فى ذاك اليوم ، كنت انئذ امد يدى لأحاصر الليمونة بيدى الصغيرة الراجفة ، لحظات ثقيلة تمر ، جمد كل شئ فى مكانه ، حتى الرياح الخفيفة كفت عن ملاحقة رفيقاتها والصمت الرهيب امتد ليغطى كل شئ فى البيت ، ثم هى انحناءة تفصلنى عن غايتى ...... ابى ........ امسكتها ...... ثم قفزت ..... ناديت ....... يالله ......... ثم فقدت الوعى .
لم استطيع النوم فى اول ليلة لنا بالمنزل الجديد ، فقد كنت قلقة ، تنتابنى الرهبة والوحشة ، كل شئ هنا غريب على ، وكان الاشياء قد اتحدت على معاداتى وانا وحيدة جدا وسط الغرفة ، الاشواق تملأنى والحنين بالعودة الى شجرتى الحبيبة ،حيث هناك اصدقائى ووطنى الجميل الصغير ، حدثتنى امى بعدها اننى فى تلك الليلة كنت اهزئ اثناء نومى ، وانوح فى صدق حزين لفراق عوالمى الصغيرة الجميلة .
مضت السنوات ثقيلة ، وليس لى فيها سوى الذكريات ، اتسكع فى هذا البيت الكبير فى خطوات متثاقلة ، اشاهد التلفزيون ، استمع الى الراديو ، اضجر من كل ذلك اذهب واجلس امام المرآة اغيرفى تسريحة شعرى ، امط شفتاى فى بلاهه احاول الترفيه عن نفسى ، ترهقنى هذه السخافات ، استلقى على ظهرى احدق فى سقف الغرفة ، امتطى صهوة افكارى واقفزعبر نافذة غرفتى الى فضاءات الخيال ، اتجول فى اسواقها كما اشاء .
نوادر تحدثنى عن مغامراتها العاطفية ، كانت صديقتى الوحيدة فى المرحلة الوسطى ، لم تتجرأعلى زيارتى ، ولم ارغب فى ذلك ، ومع هذا كنا نلازم بعضنا البعض ، كانت تحدثنى عن ذلك الشاب اسامة وكيف انه وسيم ، وانيق ، ومهذب ، وكيف انها تدفعه للعراك مع الاخرين لتتاكد من اخلاصه ووفائه لها ، كانت تحكى كل ذلك والابتسامة لا تفارقها الا انها باغتتنى فى ذات يوم : الا يوجد شاب يملأ حياتك بالمرح ؟
كلماتها فصلت روحى من جسدى ، احسست بصعوبة فى التنفس ثم اردفت قائلة : هناك شباب اكثر من شعر راسى يودون التقرب اليك و.. قاطعتها محزرة اياها فى التدخل بشؤنى الخاصة ، تلك اشياء تخصنى انا وحدى ، وحدى انا على الاطلاق .
عدت الى البيت وانا لا اعرف شعورى تماما هل كنت غاضبة ام اننى كنت حزينة ، ام كنت احاول رسم ملامح تخفى تخوفى من هذا المخلوق الغريب عنى بفعل كلام ابى ، ذهبت امام المرآة اتامل نفسى واحدثها : انا لا اختلف عن الاخريات كثيرا ، ربما فى بعض الاشياء البسيطة فقط .
ابى يحرص على مرافقتنا انا وامى حين نهم بالتسوق ، كان لا يهتم باخذ رأينا فى كل الاشياء التى تخصنا من ملابس وغيرها ، لأعتقاده ان الالوان تعبر عن سلوك صاحبها وعليه كان يحرص شراء الملابس الواسعة ذات الالوان الهادئة ، وانا اضحك على نفسى كلما طالعت نشرات الازياء فى المرات القليلة التى تقع على يدى نسخ منها ، لان الشئ الوحيد المتاح هو الخيال ارتدى به ما اشاء من دون ارتياب .
لا اهل لا اصدقاء ابتعد بنفسى عن هذه الفكرة تماما ، ارتجل اسفارى عبر بوابات الوهم ، اتنقل بين مدن العالم ، اتسوق كما اشاء ، يصرعنى شغفى بامتلاك كل شئ ، وانانية الحصول تسيطر على ، وتغزونى حتى اهتاج ، اريد كل شئ ولا اجد إلا صدى صوتى يتردد خجولاً بدواخلى .
ابى يحرص على الصمت كثيرا وعلى وجه الخصوص امامنا ، كم كنت اتمنى اتمرغ فى احضانه حالى حال اى بنت تتعلق باباها ، تداعب شاربه وتلح عليه ان ياخذها الى حديقة الحيوان ، امى غرست بدواخلى احساسا بالرهبة تجاهه ، لم تكن اقل جدية منه ، اظنه قد رسم لها ملامحها بصرامة وحزم ، الاثنان لا يبتسمان فى وجه بعضهما لا ادرى كيف التقيا وكيف اتيت انا .
فى يوم ما وعلى غير العادة ، استقيظت على حركة غير عادية داخل المنزل ، ايقنت بعدها اننا سنستقبل زوارا ولم يخب ظنى ، فقد اتى لزيارتنا مساء ذاك اليوم ، صديق قديم لأبى ، يعمل بالسلك الدبلوماسى ، مندوبا لأحدى سفاراتنا المنتشره خارجا ، زوجته وابنتيه لا تكفان عن الثرثرة ، ومقارنة الحال هنا وهناك ، لم تروق إلاقامة لهم هنا ، الا ان الحنين الى الاهل والاصدقاء كان دافعهم الوحيد بالعودة لقضاء بعض الوقت بينهم ، كنت اراقب كل ذلك فى صمت ، ورسم ابتسامة مجاملة حين اشعر بانتباه الاخرين لى ، خلال ذلك كنت اتابع ضحكات ابى منذ فترة لا اذكر تاريخها لم اسمع ضحكته تلك .
انتهى العشاء وانتهت معه ليلة ثقيلة وجامدة على ، ثرثرة المراة وابنتيها لم تنقطع عن اذنى ابدا ، احاول ان اخرج نفسى من هذا الوضع ، فابدا بالتفكير فى ذاتى المنهكة بالتحدى نحو الايام ، فانا تعيسة جدا ، اعيش بنبض ليس لى ، انظر للحياة لا كالاخرين ، امتزجت الالوان لدى ، لم يعد يهمنى على اية حال ان كان اليوم هو بداية للغد ، او البنفسج قد صار ارجوانيا اوغاتما ، او دون معنى ، فيذداد يقينى كل يوم ان حياتى سخيفة ومملة ، حتى سنوات الجامعة جاءت جامدة وصفراء من فعل قساوة الطبع الذى الفته ، كانت الحياة تضج داخل الجامعة ، وشتاء السلوك الجاف الذى اعتدته يجعلنى انكفئ على نفسى فاللغة الوحيدة التى عرفتها لا تحتمل اى نوع من المجاملة ، لذا جائت سنوات الجامعة الاولى كصيف قاحل ، بينى وبين قاعات الدراسة ود غريب ، احضر صباحا حيث لا وجود لأحد غير ألأنفاس المتكدسة ، وقصاصات الاوراق المتناثرة بين بين دكات القاعة ، كنت اتناول بعضها فى رغبة منى لمعرفة مافيها من كلام احاول ان اذيد فى معرفتى للاخرين ، كيف يفكرون ،ويتبادلون الاشياء دون ان يلاحظوننى ، فاكتشف الفرق بينى وبينهم هم سعداء على اية حال ، غير انى لا املك سوى هذا الطريق ، فالتف حول نفسى كالاعصار المدمر وامد ارجلى بعيدا عن جسدى وارسل يدى الى السماء ، ثم اعود بجسدى الى الوراء اتكئ على حافة الدكة لتبداء همهمات الزملاء نزولا لرغبتى فى الحديث معهم وكاننى اقف امامهم اباشر منح الفرص لهم بالكلام ، وهم يقدرون هذا الامر لى فاصرخ احبكم جميعا ....ويصفق الجميع لى .
بدات السنة التالية كفصل الخريف ، مملوءة ببعض التفاؤل، حيث وجدت نفسى ولأول مرة حرة فى ان افعل ما اريد ، عرفت حينها ماذا يعنى الاخرين ، فقد انتهت السنة الاولى على تقدير مميز على مستواى الاكاديمى الامر الذى جعلنى حديث الزملاء على مستوى الكلية ، الامر الذى دعا مجموعة من الزميلات والزملاء بالاتجاه نحوى والتعرف على ، كنت مندفعة نحوهم ، لا ادرى ان كانو لاحظو هذا الامر، حتى كاد الظن يداخلنى بانهم يوصفونى بالبلاهه حين اغادرهم ، كنت اتمنى الا ينتهى اليوم حتى لا يتنهى الحديث ، واتمنى الا يتوقف الكلام بيننا ، فمازال لدى الكثير لأقوله ، والظروف كلها كانت فى صالحى ، حيث جاء غياب ابى بسبب عمله الذى حتم عليه البقاء فى دولة ما ، ورفضه المتكرر لأمى بملازمتنا له فى الغربة كذلك ولأول مرة فى حياتى احس بمعنى الامومة حيث كانت امى قريبة منى ، اخذت على عاتقها ان تصنع لى بعض اواصر العلائق مع افراد الاسرة ، بيت جدى وجدتى ، وجدتنى قد نسيت ملامحهما الى الحد البعيد ، خوالى وابنائهم بنات خالاتى لم يكن يكن كل ذلك مسموح فى حضور ابى ، امى فعلت كل ذلك معى والجميع يعلم ان الامر لن يتكرر بعد حضور ابى ، تحدثنى امى عن صباها بحزر شديد وهى تنام بجانبى ليلا ، وكانها تنبهنى الى الخط الذى رسمه ابى بيننا ومع هذا كنت سعيدة بهذا القدر من الحرية الذى يسمح لى بفعل شئ خاص بى .
ساحتاج الى كل القواميس لأفسر القسوة ووجهها الكالح والقبيح ، فقد عاد ابى بعد ان فشلت كل المحاولات الرسمية فى اقناعه عن العدول وتمسكه برايه وتقديم استقالته ، وعزمه على اللجوء للعمل الخاص ، فبدأ كوحش كاسر يعد ويخطط كالقادة العسكريين ، تجده فى البورصات واسواق المال ، يحمل كل اسلحته المشروعة وغيرالمشروعة منها فى سبيل النيل من منافسيه فى السوق ، فكثيرا ماكنت اسمعه يهاتف مسؤلا حكوميا لتسهيل مهمة او تعطيل مصالح شخص ينافسه فى السوق ، ومع كل ذلك لم تذداد نظرته اتجاهنا الا جفافا ، فقد عاد من الخارج وهو يحمل اعتقادا غبيا عن المراة ، كنت انا وامى ساحته الوحيدة التى ينفذ فيها افكاره النشاذ .
اخيرا انتهت سنوات دراستى الجامعية بوصف النهر فى اطواره الاخيره ، تساقطت الاوراق الصفراء فى رحلتى نحو الايام ليدور السؤال فى ذهنى كما غيرى شان اى فتاة فى نفس ظروفى ماذا بعد ذلك ؟
انقلبت موازين الحكم راسا على عقب ، كان الساسة يجتمعون لدى ابى عند كل امسية يتبادلون النظريات السياسيه ، ويتحدثون عن الشعب العظيم كقطيع ضخم من الاغنام من الخطأ التفريط فيه ، لم اجد بينهم من يتحدث عن التعليم وتطوير المناهج ، او كيفية ترقية الخدمات الصحية ، بحيث تجد كل اسرة غير قادرة على العلاج فرصة للعلاج المجانى ، ثم تختم هذه السخافات التى يطلقونها فى بيتنا كل ليلة بالمغامرات النسائية والنكات البذيئة ، ويتبادر فى ذهنى تساؤل ، امازالت المراة جارية تستباح انوثتها من فعل الولاة بامر السلطة .
تقدمت الى وظيفة تتبع لأحدى منظمات المجتمع المدنى ، تعمل فى اقليم افريقيا الحارة ، ولم تكن بالمهمة الشاقة والصعبة الى نفسى فقد كلفتنى الايام اقسى من هذا ، قمت بتقديم اوراقى وفى الطريق الى البيت صادفت مجموعة من زملائى بالكلية اتو للتقديم للوظيفة قامو بتحيتى بلطف وسالونى عن احوالى وانصرفو، لا ادرى مالذى يصيبنى حين ارى بنات جيلى وشباب جيلى ، تبدا الغيرة تاكل كل جوانبى ، والحسد على ماهم فيه ، احسدهم على كل شئ احسدهم على قدر الحرية التى يتمتعون بها ، احسدهم على ازيائهم على ضحكتهم حتى الفرح الذى يشع من عيونهم ، كم كنت اتمنى ان يكون ابى عاملا بسيطا يبتسم فى وجهى حين يعود من عمله كل مساء ويضمنى اليه فى حنان .
لم يمر الامر على ابى بهذه السهولة فقد هاج واذبد وكال فى السباب لمعشر النساء ، ولأول مرة ارى امى تتصدى له ، حتى اننى ظننت ان الوقت قد توقف ، وكل شئ قد جمد فى مكانه ، فقد وجم ابى امام ثورة امى ، اندفعت كالبركان القديم حزنا والماَ يفسر تفاصيل قصة طويلة الفصول ، حتى سقطت مغشيا عليها ، صرخت وجريت باتجاها .
ايام عصيبة مرت ، قلت الكلمات بل انحسرت بعض المفردات تماما ، لم نعد نسمع تحية الصباح ولا تحية العودة من الخارج ، اما امى فقد توشحت بالاستسلام المرير، كنت ابكى حين تقع عينى على عينها ، لم اكن اتخيل ايجاد شئ اكثر ايلاما وحزنا مما اراه على وجهها ، صارت كالأصداف المهجورة ، تتفادى النظر الى ، تخلو بنفسها ، وانا افسر الامر بندم طويل ، ايحاءاً يظلل التفاصيل لرحلة امتدت لأكثر من ثلاثين عام ، تعيد هذا الشريط كل مرة ، تلتفت فيها نحوى ، وترسم ابتسامة باهتة ، وكانها تتندم عليها ،ابى احدث فيها شرخا عظيما ظننت انه سيحتاج لوقت طويل ، ولأزهار اكثر، ليروض هذه العاطفة التى توحشت .
ظل ابى بعد هذا الحادث يغيب لساعات طويلة يعود انصاف الليالى فيما عدا ايام العطل الرسمية ، كان يحبس نفسه فى غرفة المكتب مبتعدا عن كل شئ يذكره بنا ، كانه بفعله هذا يريد الايقاع بنا نتللص عليه من ثقب الباب ، كيف ان ابى من النوع الذى يعترف بذنبه ، احس به دائما غريب عنى ، ليس اكثر من ان اسمه ياتى بعد اسمى .
الناس فى المدن لا يتمنون المطر ، ياخذون عليه تعطيل مصلحهم ، ربما بسبب عدم التصريف الجيد للمياه ومايسببه تراكمها من مشاكل صحيه وصرف وخلافه ، ومع كل هذا كنت اهوى هذا الشئ ، رائحة الدعاش تدغدغ عواطفى ، تجعلنى احس باننى انثى مكتملة النضج ، تفترسنى لحظات اشتهاء عظيمة ، تبعثر كل تماسكى ، تحرضنى كى اشرد بخيالى الطيب فى براءة نادرة ، امارس تدللى وغنجى فى صوفية مثالية ، ولا تهمنى كل العيون التى تراقبنى فى الا رؤية ، تلك ليس اكثر من امانى ، يقطعها على رنين الهاتف الغبى ، يجعلنى متردده من يكون المتصل ياترى ! هل هو شاب ملائكى راودته نفس اشيائى ، ، هكذا مضت الاحداث فيما كانت زخات المطر تضرب زجاج نوافذ غرفتى بايقاع منتظم ، مددت يدى وانا ارتجف من الفكرة وبكل برودة الكون رفعت سماعة الهاتف .
كان المتصل رئاسة شؤن العاملين بالمنظمة تفيدنى باختيارى ضمن العاملين بها ، لم اصدق الخبر ، شكرته ، بكيت ، صرخت ، امى ، سقطت سماعة الهاتف من يدى ، مرت امامى كل سنوات حياتى ، طفولتى ، مراهقتى البائسة ، وشبابى ، امتلأت عيناى بالدموع ، لم ارى خلالهما سوى وجه امى متكسرا زجاجيا ، ضمتنى لا ادرى كم من الوقت اخذت وانا ابكى ، حاولت ان تخفف عنى بكل ادوات الامومة التى تملكها .
نمت فى تلك الليلة تنتابنى الهواجس بين الرغبة والانا والأنا الأعلى ، افقت على اثر نقاش حاد ومرتفع بين ابى وامى ، هى تصر على ان اخذ فرصتى كاملة ، هو يصر على الا خروج على القاعدة ، وانه سيدفع بى امام اول رجل يتقدم لخطبتى .
تلك كانت اخر كلماته قبل ان يغادر البيت ، لا باس قلتها انا ولم اكلف نفسى عناء التفكير فيها ، كان لا بد من كسر القوقعة ليكون الخروج ، لايهمنى كم يكلفنى ذلك ، اليوم ستبدا انطلاقتى وابدا زحفى ، هى معركتى ، وساخوضها بنفسى ، كنت اتكلم بصوت مسموع ، سارتب اشيائى بهدوء يجب ان ارتب اشيائى بشكل جيد ، هذه هى مملكتى فيها قصر احلامى ، الذى كم حلمت به ، ساكون اكثر صراحة مع الجميع ،انا الان الأكثرانانية بين الجميع .
قابلت لجنة المعنية بالقبول بالمنظمة ومعى كل الاوراق المطلوبة ، تم اعتمادى بقسم الامومة والطفولة ذلك الفرع من المنظمة يحمل عبئا عن حكومات العالم المريضة بالحكم ، اخذتنى رئيسة القسم فى جولة بقصد كسر الرهبة التى تنتاب اى كان حين يحس بوجوده الغريب فى مكان غريب ، احستت بسعادة غامرة حين اخذت تحدثنى عن زملائى ، وطبيعة الاعمال التى يؤدونها ، كنت اتمنى ان يطول الوقت ، ولكن الدقائق مرت سريعة وحانت ساعة عودتى الى البيت وانا وعدت امى مسبقا اننى لن اتاخرعليها ، لأننى خرجت دون علم ابى .
فتحت الباب وناديت على امى وانا اتمنى ساعتئذ ان اضمها الى وبشدة ، لأنقل لها الخبر السعيد ، بحثت فى كل غرف البيت ، ولم تكن موجوده ، ناديت الخادمة سالتها عن امى ، اخبرتنى انها خرجت على اثر مكالمة تلقتها ثم : اردفت ، انها اخذت معها حقيبة ملابسها وتركت لى رسالة سلمتنى اياها وانصرفت .
اتجهت الى غرفتى متراخية الاطراف مرتجفة الاوصال واهنة القوة لا ادرى مالذى قد كتبته امى فى داخل الرسالة ، استلقيت على السرير ، ترددت كثيرا قبل ان اطالع الرسالة ، خمنت مافيها كى لا اتفاجأ ولأهئ نفسى لآى امر مبالغ فى السؤ فقد علمتنى امى ان نظرية اسوأ الاحتمالات تخفف من وطء الصدمة حين يخيب الظن بالاشياء ، استجمعت كل قواى وبدات بقراءة السطور ، كانت عيونى تدور بين السطور، ويتردد صدى كل حرف بدواخلى ملايين المرات ، ودعوات امى فى النهاية لى بالتوفيق ، والاتجاه الى هدفى مهما كلف الامر ، وصتنى بالاحسان الى ابى ، وعدم الخروج على قواعد الاخلاق التى ربتنى عليها ، ثم تمنت لى التوفيق ، كان خالى قد نقل اليها الخبر، ابى قررالانفصال عنها بهدوء ، اغمضت عينيى المبللة بالدموع واستسلمت الى بكاء صامت حتى نمت، وكاننى كنت على الصحوالف عام .
ايقظتنى الخادمة بامر من ابى ، خرجت اليه كان يهم بالخروج ، لم يناقشنى عن غياب امى ، تركنى وحزمة اوامر فهمت بعدها اننى فى طريقى الى بيت زوجى ، ذلك هو الثمن الذى سادفعه لقاء عملى بالوظيفة ، جائت كلماته كالرصاص تباعا ، قوية ، سريعة ، ومؤلمة ولكن لا باس .
هذه اول ليلة لى مع شخص غريب ، فى مكان غريب ، لم ارتجف كما تفعل الفتيات عادة فى ليلتهم الاولى ، كنت هزيلة العواطف والجسد ، اخذ زوجى يحدق فيا يتامل ملامحى ثم مال الى اذنى وهمس بكلمات لا ادرى ماذا قال فيها ثم انكفئ على ، الم عظيم يقود الى الصراخ والبكاء حين تحاصر انوثة الانثى على مخالب مفترس لا يرحم ارضاءا لغروره الامتناهى ، وانا وسط كل ذلك افكر، ابى لم يشهدنى راغبة فى شئ تلقاء نفسى ، كل شئ عنده يبدا بالأوامر ثم ينتهى بها .
الذى يرقد بجاورى الان لم اراه قبلا ، كتلة غبية من الاشعور تصدر اصواتا حمقاء يدعونها الشخير ، تتخلل تفكيرى على امى المسكينة وهى اكثر النساء بؤسا ، كيف لى ان اخوض غمار تجربة كهذه ، تنقصنى اشيائى ، ذلك الانتماء الأنثوى الى حواء كنت بدافع منه ، اود ان تعلمنى امى معانيه ، تكسرت اصدافى الجميلة ، وتبعثرت لألئ الاخيرة على شواطئ الجوع الامتناهى للبقاء .
كل شئ تم فى بيت زوجى ، اعترف باللقب لانه الموجود على الاوراق الرسمية ، بيته جميل متاكدة انا من ذلك سيعجب اى فتاة تحلم بالمال والشاب الوثير ، مرت الايام ثقيلة على قلبى ، لم اتجرأ على النظر فى وجه زوجى حتى اننى بالكاد اتذكر ملامحه ، والعزلة تحيط بالمكان ، كان يسالنى من شئ فارد بتثاقل حتى لايذيد فى الثرثرة ، وينتهى الامر بنا فى غرفتنا ، حتى اذا رن جرس الباب ذات يوم وخفق قلبى بشدة ، و تمنيت لحظتها ان يكون الزائر امى .
عادت الذاكرة بى باتجاه صالون ابى ، فالذى يحدث الان كنت قد شاهدته من قبل ، زوج يحكى عن بطولات زائفة قام بها على سرير الزوجية واصدقاء يحدقون فيه بنهم شديد ليذيد من سرد الوقائع مع التدقيق فى تفاصيلها ، كان كلما حكى شئ اسال نفسى مع من فعل كل ذلك .
خرجت للمرة الاولى بعد اجازتى السخيفة تلك الى عملى ، رافقنى زوجى ، استقبلنى الجميع بكل الود والترحاب ، التهانى تنهال من الجميع ، غمز ولمز بين الزملاء والزميلات حتى اقبلت رئيسة القسم ، ضمتنى اليها وباركت الزواج ، لم ينتظر زوجى كثيرا فانصرف ، سالتنى رئيسة القسم عن حياتى الجديدة كانت فى العقد الرابع تقريبا وغير متزوجة ، اربكنى السؤال قليلا ، حاولت اقناعها بان من الافضل لها ان تكون من دون زوج على ان تعيش هكذا عيشة ، شرحت لها بكل ما املك من منطق ، ان من الافضل لها ان تكون من دون رجل هكذا قد هدانى تفكيرى ، الا انها كانت تحدق طويلا على نقش الحناء الذى يخضب يدى ، ثم اغمضت عينها لفترة قصيرة ، ثم هبت واقفة ومسرعة الخطى ، اظنها قالت ان الرجال اعمياء او اغبياء .
انخرطت فى عملى لا يهمنى شئ سوى تحقيق اهدافى التى امنت بها ، كان عملى يكلفنى احيانا القيام برحلات صغيرة على تخوم المدن واشباهها والقرى الصغيرة التى تقوم على اطرافها ،نصل اليها ثم نقوم بجمع البيانات من السكان ونرفعها الى المكتب المختص ، والذى يقوم بتوفير جزء مقدرمن احتياجات المنطقة الدوائية بالنسبة للاطفال والنساء الرضع ، ادركت من خلال عملى اشياء ماكنت لأعلمها لو اننى ارتضيت البقاء تحت عباءة ابى .
مضت سنوات ولا ابالغ لو قلت اننى لم ارى امى سوى مرات عديدة كنت ازورها فى بيت جدى ، اما ابى فقد رايته حين نقل لى خبر موافقته على زواجى ، لم يكلف نفسه عناء الحضور لزيارتى ليرى هل كنت سعيدة ام شقية ، كان يكتفى بإرسال تحياته مع زوجى حين يلتقيه صدفه فى مكان عام ،ولعله كان يخشى ان اذكره باننى ذنوبه التى ارتكبها على خلق الله ، وكل الاخبارالتى تاتى عنه غير مبشرة ، حيث انه اصبح مدمنا للقمار، وبدا يخسراموالاٌ طائلة على طوالاته .
كنت اذهب الى عملى صباحا واعود بنهاية اليوم الى البيت ، أواصل مابدأته صباحا فى المكتب ، زوجى ليس اقل منى مشغولية ، ولكن الصدفة فقط اوقعته فى طريقى ، كان رجل اعمال ناجح جدا ، كنت اسمع ذلك من الجميع حين ياتون لزيارتنا فى المناسبات الرسمية ، لم ننجب ولم نعر الامر اى انتباهه .
مرت الايام ، والأحداث تتوالى والصراعات لاتنتهى ، مات ابى اثررصاصه اصابته من مسدسه الذى طالما هددنا به بعد ان خسر كل شئ على طاولات القمار، انتحر لفعله ذاك ، فافهمنا الجميع ان الرصاصة اصابته عن طريق الخطأ ، وهو نوع من الزيف الاجتماعى ،الذى نضطر لممارسته لنتجمل احياناً ، امى اثرت السكنى مع جدتى بدعوى انها كبيرة فى السن ولا تقوى على العناية بنفسها ، زوجى واجهته بعلاقة ما ، واعترف بها ، وادعى اننى لم اكن سوى جزء من صفقة مالية اجراها مع ابى ، طلبت منه الطلاق فوافق وكانه كان ينتظر هذه الامرمنذ سنين .
تبقت ساعات قليلة تفصلنى عن كل ذكرياتى والآمى التى عشتها بين طفولة بائسة ، ومراهقة سيئة ، وشباب تعيس ، اتذكر كل هذه الاشياء وانا فى طريقى الى المطار ، اتذكر جيدا تلك التفاصيل التى جعلتنى ابرد النساء على الاطلاق ، احزن ولا ابكى ، اشتاق ولا احن ، اتالم ولا اشكى ، امرأة اسوأ مافيها انها انثى واعظم مافيها انها انسانة بكل ماتحمله الكلمة من معنى ، تحدت حتى نفسها لتقول كلمتها ، كنت احترم نفسى فى كل خطوة اخطوها على سلم الطائرة ، هذه انا بنت امى يا ابى كما كنت تقول ، وكانك تتبرأ منى لا ومن امى ايضا ، ساترك لك المكان لترتاح اشباح روحك فيه ، انا لا اريد شئ يذكرنى بك على الاطلاق ، هذه آخر كلماتى ، وانا امسح ببصرى كل المساحات التى يقع عليها ، وكاننى كنت ادفن سرا فى مكان ما ، كى أجعل الاجيال من بعدى يبحثون عنه .
انتبهت الى صوت زميلتى فريدة تنبهنى على اقتراب مواعيد إقلاع الطائرة ، اتجهنا الى مقاعدنا ، جلست بجوار النافذة اطل لأخر مرة على كل ذكرياتى ، وانا ادفن ملايين الاطنان من المواد الناسفة على كل شبر ، على كل دقيقة مرت على ، على كل الدموع التى زرفتها عيونى ، سانسف كل آلآمى وحزنى دفعة واحدة ، ستقلع طائرتى الان ، وداعا امى ، وداعا لكل الاشياء الجميلة ، التى حدثت لى ، ساغمض الان عيونى بهدوء جميل ، واحلم بالذى ياتى بالغد ، ينشد فيا طفلة جديدة ، يعملنى كيف انادى يا ابى من دون خوف ، ويقهر صفرة الوديان فى نفسى ، يضطرنى بالخروج اليه ، بنت مراهقة ، منتشية باكتشاف انوثتها لدى انسان جديد ، تحتفى به ، بروحها ، بجسدها الطرى الندِى المبلل بعشرات قطرات الندى الاستوائيه ، والمعطون براوئح اشجار الطيب الافريقية ، سارقص على ضفاف النهر ، البرق ضياء ، والرعد ايقاع ، سادور حول نفسى ، الف دورة ، تتابع خطواتى عيون الضوارى حتى يصيبها الدوار ،ويسقط الانتباه منها دون قصد .
تمت بحمد الله
الخرطوم
26/9/2006م